ليست أزمة السلطة الفلسطينية أزمة مؤسسات فنية أو فساد إداري يمكن ضبطه ببضع قرارات، بل هي بنيوية، أي إنها في الفكرة ذاتها، وفي طبيعة علاقتها بالداخل والخارج معا، فمنذ نشأتها ظلت تعيش مفارقة؛ أن تكون عنوانا وطنيا تحت سقف سياسي محدود، وأن تمارس السيادة بقدر ما يسمح لها به، مفارقة خلقت منظومة معقدة من المصالح والتوازنات، وجعلت من الإصلاح فعلا مهددا لبنيتها، أكثر مما هو حاجة لها.
حين يتحدث الغرب بلسان الاحتلال- ويقلده بعض العرب- عن "الإصلاح"، لا يقصد بناء منظومة نزاهة او شفافية، بل التكيّف مع متطلبات المرحلة المقبلة، فليس المطلوب سلطة عادلة، بل سلطة قابلة للإدارة والتمويل، قادرة على حفظ "الاستقرار" وضبط الشارع بعيدا عن جوهر المشكلة، الاحتلال، ما يجعل الاصلاح المنشود نقيض ذلك، يهدد المنطق الذي صيغت به علاقة التبعية، ويفتح الباب امام مشروع يجعل منها أداة لبناء الدولة، لا بديل عنها.
الفلسطينيون لا يحتاجون إصلاحا يغيّر المناهج، او يقطع مخصصات الأسرى والشهداء، بل يمنع نشوء الفساد أصلا، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس الحقوق لا الولاءات، والمساءلة لا التبعية، ففي غياب المشاركة وتكافؤ الفرص، وتمركز المال والقرار بأيد دون سواها، يصبح كل اصلاح لا يطال هذه الجذور عبارة عن عملية تجميل مؤقتة.
الاصلاح الحقيقي يبدأ من فكرة التحرر قبل الادارة، فالفساد ليس مجرد مخالفة قانونية، بل نتيجة طبيعية لغياب مشروع جامع وهدف واحد، وبغيابهما تتحول الادارة الى غاية، ويصبح الحكم إدارة أزمة دائمة، لذلك، لا يمكن تصور إصلاح دون أفق سياسي واضح، يعيد تعريف دور السلطة في سياق مشروع التحرر الوطني، ولا يكون ذلك بإلغائها، بل بتحويلها من كيان وظيفي الى بنية مقاومة، ومن متلق للإملاءات الى فاعل وطني مبادر.
من المنظور الاستراتيجي، الاحتلال بعدوانه على غزة والضفة والمحيط العربي والإسلامي، أعاد تعريف القضية الفلسطينية كـ "أزمة" انسانية وسكانية، ووضع السلطة امام مأزق وجودي، فإما ان تكون جزءا من مشروع اعادة تشكيل المشهد، او تستعيد وظيفتها بتوحيد الفلسطينيين وتعزيز بقائهم على ارضهم، الامر الذي يجعل من الاصلاح شرطا لبقائها، لا مجرد مطلب دولي.
ما نحتاجه اليوم رؤية شاملة تتجاوز مفهوم "الإجراء" إلى مفهوم "المسار"، إصلاح قد يبدأ بالإدارة والمال، لكنه لا يتوقف عندهما، بل يمتد الى إعادة بناء النظام السياسي على أسس المشاركة والمساءلة والشفافية، يضع حدا لاحتكار القرار، ويعيد الاعتبار للمجتمع المدني كقوة رقابية فاعلة، يمنح الاعلام والقضاء استقلالهما، يعيد هيكلة الاقتصاد، وينزع عنه صفة التبعية، يوقف نزيف الموارد، ويجعل من مقاومة الفساد ثقافة مجتمعية متجذرة، لا مهمة مؤقتة لهيئة رسمية، لا حصانة لها منه.
الإصلاح ليس عملية تقنية، بل فلسفة، تعيد تعريف العلاقة بين الحرية والسلطة، بين الأخلاق والسياسة، بين الإنسان والأرض، يعيد للسياسة وظيفتها الأصيلة، صيانة الحلم الوطني، لا استثماره، ما يجعل منه فعل مقاومة موازياً لمواجهة الاحتلال، لان تفكيك بنية الفساد والتبعية خطوة باتجاه تفكيك بنية الاحتلال.
قد لا يغير الاصلاح موازين القوى او يأتي بنتائج فورية، لكنه يعيد بناء الذات الفلسطينية من الداخل، يعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته، يمنحه شعورا بالشراكة، وحين تصبح المشاركة والمساءلة ممارسة يومية، يتحول العمل العام الى فعل اخلاقي، وليس طريقا للسلطة، عندها فقط يمكن القول ان الاصلاح قد بدأ، وأن فلسطين بدأت تتعافى من جرحين متلازمين: الفساد والاحتلال.
أقلام وأراء
الأربعاء 12 نوفمبر 2025 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الإصلاح الذي لا يفسده الاحتلال!