في لحظة توصف بأنها فارقة في مسار الحرب الإبادة على الشعب الفلسطيني ، مع دخولها اليوم الـ734، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب والوسطاء وحركة حماس التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في غزة.
وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، أنه تم الاتفاق خلال مفاوضات شرم الشيخ على بنود تنفيذ المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة، مؤكدا أن الاتفاق سيؤدي إلى وقف الحرب وإطلاق المحتجزين الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين.
جاء الاتفاق في إطار سعى الرئيس الأميركي ترمب إلى استثمار فرصة دبلوماسية جديدة قد تعيد تشكيل ملامح الصراع في الشرق الأوسط، بل وربما تمنحه ما يصفه البعض بـ"جائزة نوبل للسلام التي طالما طمح إليه"
فبينما لا تزال تفاصيل الاتفاق لوقف إطلاق النار غير واضحة، فإن الإشارات الصادرة من كلا الطرفين، بدعم إقليمي وعربي، تعطي هذا المسعى بعدًا غير مسبوق منذ أن استأنف رئيس وزراء إسرائيل ، بنيامين نتنياهو الحرب على غزة دون مبرر يوم 18 آذار الماضي.
خارطة طريق أولية… ومخاطر التنفيذ
بحسب ما نشره ترمب في منشور على منصة "تروث سوشيال"، فإن المرحلة الأولى من الاتفاق المقترح تركز على إطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى حماس مقابل انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي. ورغم بساطة هذا الطرح على الورق، فإن تنفيذ مثل هذه البنود على الأرض يبدو معقدًا. إذ لا تزال هوية ومواقع جميع الرهائن مجهولة، كما أن تفاصيل إدارة الانسحاب الإسرائيلي تثير الكثير من التساؤلات حول الضمانات والتوقيت.
وتسعى الإدارة الأميركية إلى تقديم "خطة سلام من 20 نقطة"، تهدف إلى التمهيد لوقف إطلاق النار، مع فتح الباب أمام مفاوضات بشأن حل دائم. إلا أن النقاط الأكثر حساسية لا تزال عالقة، وفي مقدمتها مستقبل حركة حماس، ونزع سلاحها، والرؤية الإسرائيلية لمصير غزة بعد الحرب.
الرهان السياسي… والسباق نحو جائزة نوبل
من الواضح أن ترمب يسعى للاستفادة القصوى من هذه اللحظة، سواء على صعيد الداخل الأميركي أو في إطار تطلعه لإرث دبلوماسي يعادل أو يتجاوز ما حققه سلفه باراك أوباما. ومع اقتراب موعد تسليم جائزة نوبل للسلام، تُثار تساؤلات حول مدى تأثير الطموحات الشخصية على مسار المفاوضات وتعقيداتها الواقعية.
وبحسب تسريبات صحفية، تسلّم ترمب مذكرة من وزير الخارجية ماركو روبيو تحثه على التسريع بإعلان الاتفاق، لضمان "السبق السياسي والإعلامي". وهو ما يُظهر طبيعة التفاعل السياسي الأميركي مع الملف، حيث تتقاطع الاعتبارات الدبلوماسية مع أجندات سياسية.
حذر فلسطيني… وتشكيك في النوايا الإسرائيلية
في المقابل، أبدت حركة حماس حذرًا واضحًا تجاه الاتفاق، مطالبة بضمانات دولية لـ"التزام إسرائيل الكامل ببنود الاتفاق"، ومؤكدة على أن الإفراج عن الرهائن لا يعني التنازل عن الحقوق الوطنية أو التخلي عن مطلب إقامة الدولة الفلسطينية.
وتخشى الحركة – ومعها جهات إقليمية ودولية – من أن تقوم إسرائيل باستئناف العمليات العسكرية بمجرد انتهاء ملف الرهائن، خاصة في ظل غياب اتفاق سياسي شامل أو ضمانات صارمة. وقد جاء في بيان حماس: "لن نتخلى عن حقوق شعبنا في الحرية والاستقلال وتقرير المصير".
نتنياهو بين ضغوط الخارج وتمرد الداخل
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يواجه هو الآخر معادلة سياسية معقدة. فعلى الرغم من إعلانه التوجه إلى عقد جلسة حكومية للمصادقة على الاتفاق، إلا أنه يواجه معارضة شديدة من داخل حكومته، خصوصًا من وزراء اليمين المتطرف أمثال بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين هددا بإسقاط الحكومة في حال تنفيذ وقف إطلاق النار.
ويبدو أن ترمب حاول تجاوز هذه العقبات بالضغط المباشر، حيث نقلت مصادر إعلامية أن الرئيس الأميركي خاطب نتنياهو بقوله: "لا أفهم سبب تشاؤمك الدائم… هذه فرصة، استغلها".
مخاوف من انتكاسة جديدة
التجارب السابقة تُلقي بظلالها الثقيلة على هذا الاتفاق الوليد. فقد قرر نتنياهو أنه لا يريد الذهاب إلى المرحلة الثانية، وأنهى الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ يوم 19 كانون الثاني الماضي، تحت ذرائع باطلة، معتقدا بأنه يحظى بدعم ترمب لتدمير غزة وتهجير أهلها. ولذل، يرى مراقبون أن الاتفاق الحالي، رغم ما يحمله من عناصر تقدم، لا يزال هشًا ومعرضًا للفشل ما لم يُبْنَ على رؤية شاملة تتجاوز الجوانب الأمنية والإنسانية إلى معالجة الجذور السياسية للصراع.
فرصة نادرة ولكن…
رغم التحفظات والتعقيدات، فإن اللحظة الحالية قد تمثل أفضل فرصة منذ شهور لإنهاء الحرب التي أودت بحياة أكثر من 68 ألف فلسطيني، غالبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء ، وأحدثت دمارًا هائلًا في قطاع غزة. لكنّ نجاح هذا المسار يعتمد على عوامل متعددة، أبرزها:الالتزام الجاد من قبل الطرفين بتطبيق الاتفاق دون مناورة.
وجود ضمانات دولية فعالة، بما يشمل مراقبة التنفيذ؛ توفر الإرادة السياسية، خاصة في ظل الحسابات المعقدة لكل من نتنياهو وترمب.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية نهاية الحرب… أم بداية فصل جديد من تعقيداتها؟





شارك برأيك
ترمب واتفاق غزة: فرصة نادرة أم مناورة دبلوماسية محفوفة بالمخاطر؟