بإغلاقها شارع الرشيد، المنفذ الوحيد الموصل بين الشمال والجنوب، تكون قوات الاحتلال قطعت الشريان الأخير، لنحو نصف مليون مواطنٍ في مدينة غزة، التي أُطبق عليها الحصار من جميع الجهات، وتم تصنيفهم لتبرير إعدامهم بأنهم إما مقاتلون من "حماس" أو داعمون لها.
في المدينة المنكوبة المهدد سكانها ومساكنها بمواصلة الإبادة، يكابد المرضى والجرحى وذوو الاحتياجات الخاصة والنساء والأطفال والكهول معاناةً تفوق قدرة البشر على التحمّل، وسط تفشي المجاعة والعطش والأمراض التي تفتك بالصغار والكبار.
كل تلك الإجراءات التي بادرت إليها قوات الاحتلال لا تنمّ عن رغبةٍ في وقف الحرب، حتى لو وافقت "حماس" على الخطة التي خضعت في الساعات الأخيرة لـمشرط القتلة الذي قلّص بنود الخطة الـ٢١ إلى ٢٠، بعد إدخال تعديلاتٍ حمّالة أوجه تصبّ في صالح من يحتلون الأرض بجنازير الدبابات، وأحزمة النار التي تصبها الطائرات، والقنابل التي توزعها المسيّرات على أسطح المنازل وشرفات البيوت، لتُحيل سكانها من الأطفال والنساء وهم نائمون إلى أشلاء.
لا ثقة بقطب العقارات الذي نصّب نفسه رئيسًا للقطاع، ضامنًا وظيفةً بعد خلوده لتقاعدٍ مريحٍ على "ريفييرا غزة" عقب انتهاء ولايته، بينما لا يروم نتنياهو من الصفقة أكثر من تسلّم المحتجزين، قبل أن ينقلب على الخطة تحت ذرائع يسهل عليه جلبها من بين بنودها المفخخة.
ليست "حماس" وحدها اليوم في ورطة اللحظة السياسية القلقة، بل إن ورطة السلطة أكبر بحكم مسؤولياتها الأكبر من مسؤولية التنظيم، الذي يراد له أن يخرج من الملعب بعد تسليمه ورقة المحتجزين.
لا ينفي تبرؤ السلطة من تصريحاتٍ منسوبةٍ لعضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" عباس زكي -وصفَ فيها الخطة المطروحة بأنها "وثيقة استسلام"- حقيقة المثالب التي تشوب الخطة المعدّلة، التي تبرأت منها الباكستان على لسان وزير خارجيتها أمس، ما يوجب العمل مع الدول الموقعة على إصلاح ما أفسده نتنياهو في النسخة المتفق عليها، دون أن يعني ذلك الرد بالرفض وما سيجلبه من فظائع جديدة، مع احتفاظ الحركة بحقها في تسجيل تحفظاتٍ تتطلب معالجاتٍ لاحقة، فوقف المقتلة ومنع التهجير وإدخال الطعام للمجوّعين لا ينبغي التقليل من أهميتها، في ضوء ما أعلنته "الأونروا" أن مئة مواطن يُقتلون يوميّاً بالرصاص وبالتجويع، معظمهم من الأطفال والنساء.
أحمد يوسف، المستشار السابق للراحل إسماعيل هنية، انتبه أمس، في حديثٍ متلفز، إلى أهمية نقل الملف بكامله إلى منظمة التحرير، التي ينبغي لها أن تتابع مع الأشقاء العرب التأكيد على الصياغة الأصلية للخطة قبل تعديلها، لأن ٩٩ بالمئة من أوراق الصفقة تتعلق بالسلطة لا بـ"حماس"، وبحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، الذي لا يستطيع تنظيمٌ أو فصيلٌ أن يحسم أمره بشأنه، ويتحمل أعباء وتداعيات قراره، فطالما أنّ "حماس" لا تستطيع تحمّل وزر القبول وتداعياته، فهي لا تستطيع أيضًا تحمّل تبعات الرفض ومآلاته، أمام عدوّ يتحيّن الذريعةَ لإكمال المقتلة وتصفية القضية.





شارك برأيك
الشريان الأخير!