في لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في البيت الأبيض قبل أيام، وجّه ترامب دعوة مباشرة لأنقرة لوقف استيراد النفط والغاز من روسيا، معتبرا أن ذلك سيكون "أفضل ما يمكنها فعله" للضغط على موسكو وإنهاء حربها في أوكرانيا.
وربط ترامب هذه الدعوة بإمكانية رفع العقوبات المفروضة على تركيا وإعادة فتح الباب أمام حصولها على مقاتلات "إف-35″، مؤكدا ثقته بأن أنقرة ستستجيب للطلب، وأوضح أن استمرار تدفق أموال الطاقة إلى روسيا يمول عملياتها العسكرية، داعيا حلفاء واشنطن إلى اتخاذ خطوات مماثلة.
وجاء الرد الروسي سريعا على تصريحات ترامب، إذ شدّد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف على أن تركيا "دولة ذات سيادة" تحدد بنفسها شركاءها في مجالات التعاون الاقتصادي، مؤكدا أن أنقرة ستواصل تجارتها مع موسكو متى رأت في ذلك فائدة لمصالحها.
واختارت أنقرة التزام الحذر عقب لقاء البيت الأبيض، إذ لم تُعلن عن أي تغيير في سياستها تجاه واردات الطاقة الروسية. ونقلت وسائل إعلام عن مصدر دبلوماسي تركي تأكيده أن سياسة بلاده حيال النفط الروسي ما زالت على حالها، وأنه لم يُتخذ أي قرار جديد بهذا الخصوص.
ورغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي، امتنعت أنقرة عن الانضمام إلى العقوبات الغربية على موسكو منذ اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، مبررة ذلك باعتمادها الكبير على الطاقة الروسية، فضلا عن أهمية السياحة والاستثمارات الروسية في اقتصادها.
ويرى المحلل السياسي مراد تورال أن دعوة ترامب لأنقرة بوقف استيراد الطاقة من روسيا تحمل في جوهرها رسالة ضغط أكثر من كونها مقترحا عمليا، مشيرا إلى أن واشنطن تسعى لإعادة إدماج تركيا في سياستها تجاه موسكو عبر إغراءات مثل صفقة مقاتلات "إف-35" وتخفيف العقوبات.
لكن يعتقد أن الاستجابة الكاملة ستضع أنقرة تحت رحمة بدائل غربية قد لا تضمن أسعارا مستقرة أو إمدادات كافية.
ويؤكد تورال في حديثه أن أي خفض ملموس في الواردات الروسية سيفسر في موسكو على أنه انحياز إستراتيجي لواشنطن، ما قد يهز الثقة التي بناها أردوغان وبوتين في ملفات حيوية كالتعاون النووي، رغم إدراك روسيا لمدى حاجة تركيا إلى طاقتها.
وبحسب رأيه، ستسعى أنقرة إلى استخدام الضغوط الأميركية كورقة تفاوضية بدلا من الاستجابة المباشرة، عبر إظهار انفتاحها على تقليص الاعتماد على روسيا مقابل مكاسب اقتصادية ودفاعية، مع الحرص في الوقت نفسه على طمأنة موسكو بعدم المساس بالشراكة الإستراتيجية.
افتتاح خط أنابيب "ترك ستريم" الذي يعزز من اعتماد أنقرة على الغاز الروسي.
دعوة ترامب لأنقرة بوقف استيراد الطاقة من روسيا تحمل في جوهرها رسالة ضغط أكثر من كونها مقترحا عمليا.
عامل يقوم بإجراء فحص روتيني في مركز تحكم الغاز التابع لمؤسسة أنابيب البترول التركية بالقرب من أنقرة، مما يعكس اعتماد تركيا على خط "بلو ستريم" لتعويض تراجع إمدادات الغاز الروسي عبر أوكرانيا.
تواجه تركيا صعوبة بالغة في تقليص اعتمادها على النفط والغاز الروسيين، إذ تشير الأرقام إلى أن أي انفصال سريع عن موسكو غير ممكن عمليا دون تكلفة باهظة.
فقد حافظت روسيا خلال عام 2024 على موقعها كمصدر رئيسي للطاقة بالنسبة لأنقرة، حيث شكلت نحو 65% من إجمالي واردات تركيا النفطية خلال الـ11 شهرا الأولى من العام، لتكرّس موقعها كأكبر مزود للنفط الخام إلى السوق التركية.
كما باتت أنقرة في السنوات الأخيرة أكبر مشترٍ للوقود الروسي في أوروبا، مستفيدة من أسعار الخام المخفضة بعد استبعاده من الأسواق الغربية.
وفي قطاع الغاز، فتشكل الإمدادات الروسية نحو 40% من إجمالي الواردات التركية بحسب هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية لعام 2023.
وأمام اعتمادها الكبير على روسيا، تسعى أنقرة إلى تنويع مصادر الطاقة، غير أن البدائل المتاحة لا تبدو ذات أثر ملموس على المدى القصير.
وفي قطاع الغاز، تعمل أنقرة على توسيع بنيتها التحتية لاستقبال الغاز المسال، إذ وقعت عقودا طويلة الأمد مع شركات أميركية وأسترالية، إلى جانب تعزيز وارداتها الفورية من الولايات المتحدة وقطر والجزائر ونيجيريا، التي لبّت نحو ربع احتياجاتها العام الماضي.
ومع ذلك، تبقى هذه الجهود محدودة أمام الاعتماد الكبير على الغاز الروسي الذي لا يزال ركيزة أساسية في مزيج الطاقة التركي.
ويرى المحلل الاقتصادي عمر أكوتش أن تقليص اعتماد تركيا على الطاقة الروسية في المدى القريب أمر غير واقعي، نظرا لكون هذا الارتباط تراكم عبر عقود طويلة وشبكة واسعة من البنى التحتية المهيأة تخصيصا لاستيعاب الإمدادات الروسية.





شارك برأيك
هل تستجيب تركيا لدعوة ترامب وقف شراء الطاقة من روسيا؟