مثل فينيقٍ ينهض من تحت رماد المجمرة المستعرة في غزة، تُبعث فلسطين اليوم من جديد، بشهادة ميلادٍ أُممية من دولٍ وازنة، على وقع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من مظلمةٍ لا مثيل لها بعد الحرب العالمية الثانية.
لمن يُهوّنون من فكرة الاعترافات ورمزيتها ودلالاتها القريبة والبعيدة، فإن عليهم أن يعرفوا أن الدولة المارقة ذاتها قامت أيضًا بقراراتٍ رمزيةٍ مشابهة، وبعد حربين عالميتين ساخنتين، وثالثة باردة.
ولمن يُهوّلون بأهمية الخطوة وفرادتها واستثنائيتها، فقد كان بالإمكان الحصول عليها بتكلفةٍ أقل، لو أحسنّا الظن، وضبطنا إيقاع الاداء، وسحبنا الذرائع من عدوّ يتغذى عليها، ويستحلبها حتى آخر قطرةٍ منها، ليمنع ولادة الدولة بادعاء عدم أهليتها.
لا ريب في أنّ ما حدث أمس من اعترافات بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال، وما سيحدث اليوم الإثنين في نيويورك من اعترافاتٍ تالية، ينطوي على أهميةٍ مضاعفة، من حيث ظرفيه الزماني والمكاني، ذلك أن الاعترافات تبعث رسالة أملٍ تُبدد عتمة اليأس التي حشدتها ترويكا الشر في تل أبيب (نتنياهو وسموتريتش وبن غفير) لترسيخها في يقين أصحاب الأرض الأصليين عبر المحو والحرق والقتل، وبظرفها المكاني الذي منع أصحابُه رئيس الشعب الفلسطيني من مخاطبة الأمم من على منصتها في الدولة الظالمة التي تمنح تأشيرتها لمن تشاء، وتمنعها عمّن تشاء، فمنحتها للرئيس السوري غافرةً له ماضيه، ومنعتها عن الرئيس الفلسطيني بحجية ماضيه، كونه رئيساً لمنظمةٍ تحمل اسم التحرير لوطنٍ ما زال محتلاً، ولم تُرفعَ رغم جنوحها للسلم عن قوائم الابتزاز الأمريكية.
صحيحٌ أن الدولة لن تقوم غداً، لكنها نالت أوراقها الثبوتية، وتحصّنت في الرحم وهي تنمو على مهل، وترسخت في الوجدان والعقل العالميَّين كمظلمةٍ تاريخيةٍ آن أوان إنهائها وتصحيح أخطاء الماضي وخطاياه.
على أهمية الاعترافات، فإن أولوية الشعب الفلسطيني في هذه اللحظات الدامية تتجاوز الرمزيات إلى الأفعال السريعة على الأرض بوقف المحرقة، التي تصطلي بنارها أجسادُ أطفال غزة، وتذوب بسلاح التجويع، فما معنى أن نربح الرمزية بالاعترافات بالأرض، ونخسر سكانها بآلة القتل والتهجير لإقامة "ريفييرا ترمب" التي ما زالت موضوعةً على الطاولة؟!
الاعترافات تُملي على أصحاب الحق المزيد من المسؤوليات، لجهة ترصيص الصف الوطني وتسوية الشقوق والتصدعات في السطوح، والقيام بكل ما هو مطلوب من إصلاحات، وتعلية الوطني على الفصائلي والأيديولوجي، وعلى كل ما هو فوق فلسطيني.





شارك برأيك
فلسطين تُبعث من جديد!