بقلم :الاسير المحرر رائد نزار عبد الجليل
المقاومة الفلسطينية ليست خيارًا تكتيكيًا ولا محطة مؤقتة، بل هي قدر وجودي وهوية جماعية. إنها الميثاق غير المكتوب الذي يربط الفلسطيني بأرضه وتاريخه ودمه، حيث يصبح الدفاع عن الوطن هوية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. وفي هذا السياق، يبرز زكريا الزبيدي ليس كحالة فردية فحسب، بل كرمز حيّ لفلسفة المقاومة الفلسطينية، التي جمعت بين البندقية والمسرح، بين الدم والفكر، بين الحلم والخذلان.
زكريا الزبيدي: المثال الحي
هو ابن الشهيدة، وأخ الشهداء، وأب الشهيد. عرف المناصب والبيت والدراسة والشهرة، لكنه ترك كل ذلك ليعود إلى السلاح حين صمتت البنادق. وحين طُرحت المقاومة الثقافية، حمل المسرح ليحوّله إلى منبر وطني. وحين أُعيد اعتقاله، حفر النفق بيديه ليُعيد للحرية معناها الأصلي.
فهل يحق لمن لم يدفع شيئًا أن يزايد على من دفع دمه وعائلته وأحلامه في سبيل الوطن؟
جدل القول والفعل
في مقابلته مع نيويورك تايمز (12/8/2025)، قال الزبيدي: “لا يوجد حل سلمي ولا حل عسكري. علينا أن نعيد النظر في أدواتنا.”
كلماتٌ رآها البعض علامة هزيمة، لكنها في الحقيقة صرخة رجل عاش كل أشكال المقاومة، فدفع الثمن من جسده وأسرته وبيته. لم ينسحب الزبيدي من النضال، بل كشف مأزقًا وطنيًا عميقًا: أن الاحتلال أقوى من أن يُهزم بالعنف وحده، وأعند من أن يلين بالسلم وحده.
الفلسفة والرمز الفلسطيني
تجربة الزبيدي تضعنا في قلب الفكر الإنساني المقاوم:
• غرامشي تحدث عن “المثقف العضوي” الذي يعيش مع شعبه ويناضل من داخله. والزبيدي لم يكن مثقفًا أكاديميًا في برج عاجي، بل المقاتل الذي حوّل المسرح إلى مدرسة ووعي جماعي.
• وليد دقّة، الشهيد الأسير وصديق الزبيدي ورفيقه في الزنزانة، أعطى لهذا المعنى بُعدًا أعمق. كتب: “هذا السجن قد يصادر جسدي لكنه لا يستطيع أن يصادر خيالي.” لقد حوّل الألم إلى نصوص، والزنزانة إلى مختبر للفكر، ليصبح هو والزبيدي معًا تجسيدًا لفكرة “الفيلسوف الميداني”: المقاتل الذي لا يكتفي بالبندقية، والمثقف الذي لا يكتفي بالقلم.
وعندما ارتقى دقّة شهيدًا داخل الأسر، لم تمت أفكاره معه، بل وجدت في كلمات الزبيدي اليوم صداها واستمرارها؛ كأن صديقي الزنزانة يتبادلان الأدوار: واحد يكتب حتى النفس الأخير، والآخر يكمل الحكاية حيًا، بالدم والصوت والموقف.
• سارتر قال إن الإنسان “محكوم بالحرية”، أي أنه مضطر للاختيار حتى وهو أسير. الزبيدي جسّد ذلك حين اختار الهروب من زنزانته، وحين اختار المواجهة في جنين، وحين اختار المسرح ليحوّل الفن إلى مقاومة.
• فانون اعتبر أن الاستعمار لا يسقط إلا بالعنف الثوري الذي يعيد للإنسان المقهور إنسانيته. جسّد الزبيدي هذا المعنى في الانتفاضة الثانية وفي “نفق الحرية”، لكنه أدرك أيضًا أن العنف وحده لا يكفي، فذهب إلى الثقافة والفكر.
• إدوارد سعيد رأى أن المثقف الفلسطيني شاهد على الظلم وصوت للعالم. الزبيدي كان شاهدًا حيًا: بدمه وسلاحه وفنه، جعل من فلسطين قصة تُروى بالفعل لا بالكلمات فقط.
• كامو رأى أن “التمرد” هو معنى الإنسان في مواجهة العبث. الزبيدي في نفق الحرية كان تمردًا خالصًا: لحظة تنفسه للهواء الليلي كانت حرية مطلقة، حتى لو انتهت بالاعتقال.
• مالك بن نبي أكد أن الاستعمار لا ينهزم إلا بتحرير النفوس وبناء الحضارة. الزبيدي، وهو يوازن بين البندقية والمسرح، كان يبحث عن تحرير الروح الفلسطينية قبل الأرض.
• غاندي رفع شعار اللاعنف بحثًا عن الكرامة. الزبيدي، وإن اختار طريقًا مختلفًا، كان يسعى للكرامة ذاتها.
• علي شريعتي رأى أن الدين إن لم يحرر الإنسان من الطغيان فهو أداة استعمار. الزبيدي بهذا المعنى جسّد الإسلام التحرري، الإسلام الذي يجعل الحرية عبادة والشهادة حياة.
وهنا يتجلى البعد الإسلامي الأصيل: فالقرآن الكريم يقول:
{وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء: 75].
ليعلن أن مقاومة القهر ليست نزوة ولا خيارًا سياسيًا، بل عبادة وواجبًا، تقاس بهما إنسانية الإنسان وإيمانه.
الرد على المنتقدين والفيلسوف الميداني
من يلوم الزبيدي على “الحيرة” أو “التناقض” يتجاهل أن المقاومة ليست خطًا مستقيمًا، بل مسار جدلي معقد. حين عبّر الزبيدي عن ارتباكه، لم يكن يعلن الاستسلام، بل يشاركنا أعمق أشكال الصدق: أن الفلسطيني يقاتل بجسده، ويفكر بعقله، ويبحث بروحه.
وهنا يلتقي مع وليد دقّة: كلاهما أسيران في الجسد، أحرار في الخيال، مقاتلان في الفكر والدم معًا. إنهما الدليل على أن المقاومة ليست مجرد رصاص، بل أيضًا سؤال فلسفي عميق: كيف تُصنع الحرية؟ وكيف يُبنى الوطن؟
إن من قدّم أمه وأبناءه وإخوته وبيته ودمه، لا يمكن أن يُتهم بالانسحاب. بل هو أصدق من يتكلم باسم المقاومة لأنه عاشها بكل أبعادها: الدم، السجن، الفكر، الفن، والتمرد. وهذه بالضبط هي فلسفة “الفيلسوف الميداني”: أن تكون الفكرة دمًا حيًا، وأن يكون الدم فكرًا حيًا.
خلاصة
إن فلسفة المقاومة الفلسطينية، كما يجسدها الزبيدي، هي توليفة إنسانية كبرى: من غرامشي المثقف العضوي، ومن وليد دقّة السجن كمختبر للمعنى، ومن سارتر الحرية كقدر، ومن فانون العنف كتحرير، ومن إدوارد سعيد الشهادة على الظلم، ومن كامو التمرد، ومن مالك بن نبي وغاندي بناء الروح والكرامة، ومن شريعتي الدين كثورة على الطغيان.
لكن فلسطين أضافت إلى كل ذلك دمًا ولحمًا وتجربة حيّة، وأدخلت البُعد الإيماني: الشهادة حياة، والحرية عبادة، والجهاد طريق الكرامة. وهنا يلتقي القرآن مع لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، حيث أعلن القساوسة أن الله مع المقهورين في وجه الطغاة.
إن زكريا الزبيدي، ومعه وليد دقّة، هما النموذج الأوضح لـ “الفيلسوف الميداني”: المثقف الذي لا ينفصل عن الأرض، والمقاتل الذي يكتب بالدم والفكر معًا. فلسفة لا تُصاغ في برج عاجي، بل تُكتب بالعرق والزنزانة والحلم والدم





شارك برأيك
فلسفة المقاومة الفلسطينية: من غرامشي ووليد دقّة إلى زكريا الزبيدي