أقلام وأراء

الأربعاء 10 سبتمبر 2025 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد بعد جنيف

حين قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة نقل جلستها من نيويورك إلى جنيف بعد منع الوفد الفلسطيني من الحصول على تأشيرات، بدا المشهد كأنه إعادة للتاريخ قبل سبعة وثلاثين عاما، غير ان الدماء التي تغرق الأرض اليوم جعلت الصورة أكثر مأساوية ووجعا.
ففي العام 1988، حين مُنع الرئيس الراحل ياسر عرفات من دخول نيويورك، انعقدت الجمعية في جنيف ليستمع العالم الى إعلان منظمة التحرير قبول دولة فلسطينية على حدود 1967،  كانت تلك اللحظة انتقالا من خطاب البندقية الى خطاب الشرعية الدولية، وأعطت المنظمة الكثير؛ اعترفت بقرارات أممية طالما اعتبرتها مجحفة، وقدمت غصن الزيتون للعالم وللاحتلال، لكنها بقيت لأكثر من ثلاثة عقود تنتظر ان تكافأ على ما قدمت، فيما كان الرد مزيدا من الاستيطان والقمع والخذلان.
هذه الاستعادة للتاريخ تبرز أن ما قدمه الفلسطينيون في 1988 لم يقابل بخطوات ملموسة، بل استغل الاحتلال تلك اللحظة ليقضم الأرض ويعمق مشروعه الاستيطاني، فيما ترك المجتمع الدولي الوعود معلقة في الهواء، نعم لقد اعترف العالم على الورق بالدولة الفلسطينية، لكن الواقع على الارض كان ينزلق كل يوم نحو مزيد من التجزئة والاقتلاع، حتى صار الاعتراف بلا مضمون، وبينما كانت القيادة الفلسطينية تنتظر ان تترجم التنازلات الى مكاسب سياسية، كان جيش الاحتلال يوسع عملياته، وكانت الحكومات الغربية تكتفي ببيانات قلق عاجزة.
اليوم، تأتي جنيف لتعيد إنتاج المشهد، ولكن في سياق اكثر دموية، ففي غزة والضفة تجري مذابح معلنة، الأطفال يُقتلون، البيوت تُهدم، والمجتمع الدولي يشاهد بصمت، فيما تقارير الأمم المتحدة نفسها تصف المشهد بجرائم حرب، بل وإبادة جماعية ومجاعة، ومع ذلك، تبقى لغة الإدانة وحدها بلا أثر.
نقل الجلسة، رغم أهميته الرمزية، ليس كافيا لوقف الدم، او لاعادة الاعتبار للحق الفلسطيني المسلوب، لكنه يكشف حجم العزلة التي باتت تعيشها واشنطن وتل أبيب، حيث صوتت مئة وأربعة وخمسون دولة الى جانب قرار النقل، في مقابل رفض دولتين فقط، وامتناع بريطانيا "خجلا"، وربما لان الرئيس عباس في ضيافتها.
هذا الاصطفاف الدولي يشي بأن الاحتلال لم يعد قادرا على غسل صورته كما كان في السابق، وان العالم، ولو متأخرا، بدأ يسمع صدى الصرخة الفلسطينية.
ومع ذلك يبقى السؤال الكبير؛ ماذا بعد؟ هل يكفي ان تُسمع الكلمات من قصر الأمم في جنيف كي تتغير المعادلة؟ التجربة المريرة تقول لا،  فلقد انتظر الفلسطينيون منذ العام 1988 أن يحصدوا ثمرة تنازلاتهم، لكنهم لم يجنوا سوى خيبات متكررة، والانتظار لم يفتح باب الدولة، بل راكم طبقات من القهر، وهنا تكمن المعضلة؛ الرهان على عدالة دولية مجردة ثبت فشلها، والعالم لم يثبت انه قادر او راغب في مواجهة سطوة الاحتلال او كسر الفيتو الاميركي.
لكن جنيف قد تفتح نافذة اخرى، اذ يمكن تفعيل آلية “متحدون من اجل السلام” لتجاوز شلل مجلس الامن، ويمكن الدفع نحو فرض عقوبات او ايجاد قوة حماية دولية للمدنيين، كما ان اللحظة تستدعي مراجعة فلسطينية داخلية لاعادة بناء الوحدة الوطنية وتحرير القرار السياسي من وهم أوسلو، فالحقوق لا تعطى كهبة، والتاريخ يثبت ان من لا يفرض روايته سيبقى أسير انتظار عقيم.
إن مشهد جنيف اليوم يختصر المسافة بين عرفات وعباس؛ من وعد الدولة الذي قُدم قبل سبعة وثلاثين عاما، الى واقع الابادة المفتوحة الان، لقد اعطت منظمة التحرير كل شيء، لكنها لم تحصد سوى المزيد من الدم والخذلان، فيما يستمر الاحتلال في قضم ما تبقى من ارض ويواصل العالم لعبة الصمت، والرسالة تبقى واضحة؛ لا دولة يمكن ان تولد تحت الاحتلال، ولا صوت يمكن ان يخمد صرخة شعب ما دام الدم شاهدا.



دلالات

شارك برأيك

ما بعد بعد جنيف

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.