في غزة، لا تسقط الأبراج وحدها حين تنهار بقصف جيش الاحتلال، بل تتكشف معها طبقات أعمق من المعنى، فهذه الأبراج التي شكلت على مدى العقود رمزاً لبقاء الفلسطيني في وجه الحصار والتضييق، تحولت فجأة إلى هدف مركزي في معركة يريد الاحتلال من خلالها اظهار قدرته على إخضاع شعب يرفض الانكسار، لكن الدمار المدوي يكشف إفلاساً أخلاقياً واستراتيجياً، أكثر مما يشي بأي انتصار عسكري.
منذ اللحظة الأولى لظهور العمران العمودي في غزة، ارتبطت الأبراج بفكرة التشبث بالأرض، فهي ليست مجرد مساكن، بل تعبير عن إرادة البقاء في أضيق مساحة وأقسى ظروف، لذلك فإن استهدافها ليس عملاً عسكرياً عابراً، بل جريمة حرب مكتملة الأركان، وحرب على الحياة ذاتها، فالاحتلال يدرك أن كل برج قائم يعني أن الفلسطيني اختار البقاء ورفض الرحيل، وحين عجز عن تحقيق ما يسمى "الحسم" أو فرض معادلات جديدة، لجأ إلى إسقاط هذه الأبراج ليبث صوراً صادمة، ظن أنها ستزرع الخوف وتدفع الفلسطيني إلى الاستسلام او الرحيل.
طوال سبعمائة يوم من هذا العدوان المتواصل، ارتكب الاحتلال كل ما عرفته البشرية من جرائم؛ من القصف العشوائي إلى الحصار والتجويع واستهداف المستشفيات والمدارس، في تكرارٍ لجرائم كانت قد وثقتها المحاكم والمواثيق الدولية عبر عقود، وفي المقابل، سقط العالم في كل امتحان أخلاقي؛ مؤسسات دولية تكتفي بالبيانات، وقوى كبرى تغطي أو تتغاضى، ليبدو النظام الدولي عاجزاً أمام آلة حربٍ تسحق شعباً بأكمله.
تدمير الأبراج ليس سوى حلقة في مخطط تهجير قسري منظم، يرمي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وفرض واقع ديموغرافي جديد بالقوة، فمزاعم الاحتلال عن وجود نشاط عسكري بداخلها ستارٌ دعائيّ مكشوف، تُكذبه الحقائق الميدانية وشهادات السكان، وقد رأيناه في معركة "سيف القدس" عام 2021 يدمر برج الجلاء لوجود وسائل الإعلام فيه، إنها سياسة تضليل، تهدف إلى إضفاء الشرعية على جرائمه ضد الإنسانية.
لكن المشهد معكوس؛ الفلسطيني الذي يفقد منزله لا يفقد ذاكرته ولا عزيمته، فالصور الخارجة من تحت الركام تعيد طرح جوهر القضية؛ شعب اقتُلع من أرضه الواسعة منذ نكبة العام 1948، وابتكر لنفسه حياة معلقة في أبراج شاهقة، ليبرهن على أن التمسك بالحياة شكل من أشكال المقاومة، وكل برج ينهار يرسخ الوعي بأن المعركة ليست حول مبنى، بل حول حقّ في الوجود يرفض الاحتلال الاعتراف به.
وبينما يبرر قادة الاحتلال جرائمهم بالحديث عن "أهداف عسكرية"، أو تدمير " بنى تحتية للمقاومة"، لكن ما يراه العالم مختلف تماماً؛ عائلات مشردة، وأطفال يخرجون من تحت الركام، ومدينة تفرغ من معالمها، هذه الصور تعمق عزلة الاحتلال، وتكشف هشاشة روايته أمام رأي عام دولي بات أكثر وعياً بمعنى العقاب الجماعي.
غير أن كل هذه المشاهد التي يصنعها الاحتلال عبر استهداف أبراج غزة على الهواء مباشرة، ليست سوى محاولة بائسة منه لمسح مشهد الطوفان الذي قلب المعادلات وأعاد فلسطين إلى واجهة الواجهة، لكن ذلك الطوفان، بما حمله من دلالات على قوة الإرادة وعمق الغضب المتراكم، سيبقى عالقاً في ذاكرة الفلسطيني وذاكرة الاحتلال معاً، كما سيظل حاضراً في ذاكرة العالم والأجيال، بوصفه اللحظة التي كسرت صورة التفوق المطلق وأعادت تعريف المشهد بأكمله.
النتيجة أن الأبراج المهدمة تتحول إلى شواهد على فشل الاحتلال في كسر إرادة الفلسطيني، فالمشهد الذي يظنه إنجازاً عسكرياً ينقلب إلى مرآة، تعكس عجزه عن تحقيق ما يسميه "الحسم"، أو إقناع العالم بأنه أكثر من قوة غاشمة تحارب الوجود نفسه.
الأبراج التي تتهاوى في غزة ليست نهاية حياة، بل بداية سردية أعمق، تؤكد أن الفلسطيني، مهما ضاقت به الأرض واشتد عليه الحصار، سيجد دائماً وسيلة ليبني، وأن ما يهدمه الاحتلال اليوم سيبقى شاهداً على سقوطه غداً في معركة البقاء.
أقلام وأراء
الأحد 07 سبتمبر 2025 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
معركة الأبراج.. إفلاس الاحتلال أم مسرح للصدمة؟