من بروكسل جاءت الصيغة الأحدث للاعتراف بدولة فلسطين؛ نعم، ولكن...، مرسوم لا يثبت الا بعد إطلاق آخر أسير في غزة، وتجريد حماس من القدرات العسكرية والسلطوية، ومع الاعتراف الموعود حزمة عقوبات تشمل حظر منتجات المستوطنات، وتصنيف أشخاص من الطرفين على انهم غير مرغوب بهم، ومراجعة المشتريات من الشركات الاسرائيلية، وتقييد مساعدة المستوطنين "البلجيكيين" المقيمين في مستوطنات "غير قانونية"، وحظر طيران او تحليق الطائرات الإسرائيلية في أجواء بلجيكا، وأخيرا الدفع لتعليق برامج التعاون البحثية مع الاتحاد الأوروبي.
هذه ليست إشارات عابرة او أخبار؛ بل ما كتبه وزير الخارجية "ماكسيم بريفوت" عبر حسابه على منصة اكس، وشدد على ان بلاده تتحرك انطلاقا من التزامها بالقانون الدولي وواجبها في منع مخاطر الإبادة، مؤكدا ان العقوبات تستهدف حكومة الاحتلال وحماس وليس الإسرائيليين.
منذ بدء العدوان على غزة، اتسم الموقف البلجيكي بلهجة اكثر نقدية مقارنة بعواصم أوروبية اخرى، فكانت بروكسل من اوائل الدول التي نادت بوقف اطلاق نار انساني فوري، وانتقدت علنا التدمير واستهداف المدنيين، وعبرت عن قلقها من انتهاكات الاحتلال للقانون الدولي، وعلى الرغم من محاولتها الموازنة بين التضامن مع الاحتلال بعد أحداث أكتوبر والدعوة لتجنب منطق العقاب الجماعي، الا انها حافظت على خطاب أكثر صراحة في تحميل الاحتلال المسؤولية، ودفعت داخل الاتحاد الأوروبي باتجاه مراجعة العلاقات معه، وربط ذلك بمبادئ حقوق الانسان.
لكن خلف هذه الـ"نعم" البلجيكية يقف منطق مثلنا الشعبي؛ "اللي ما بدو يجوز بنته بغلي مهرها"، اي يرفع المهر السياسي عبر شروط متوالية، وكأن الفلسطينيين لم يُبتَزّوا بما فيه الكفاية خلال العقود الخمسة الأخيرة، حيث قدموا التنازلات تلو التنازلات، ولم ينالوا الا الوهم والوعود، بينما ظل الاحتلال يرسخ وجوده على الأرض، بالاستيطان تارة، والحصار والجدار والحروب المتكررة تارة أخرى، وفي المقابل، لم يُربط هذا المسار بوقف فوري للاستيطان، او رفع الحصار، او الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، او تفكيك بنية الاحتلال، او محاسبة مجرمي الحرب، وهكذا يتحول الاعتراف من استحقاق قانوني وسياسي الى اداة مقايضة أمنية، ويصبح الحق الفلسطيني رهينة التوازنات الأوروبية و"الهواجس الأمنية" الاسرائيلية.
يتوازى ذلك مع موجة أوسع، دول كفرنسا وبريطانيا وكندا واستراليا ومالطا ولوكسمبورغ والبرتغال وفنلندا ونيوزيلندا ومالطا وسان مارينو واندورا، ومع ذلك، يبقى المشهد أقرب الى اختبار نوايا، أكثر منه الى تحول جذري، اذ لا يزال الحذر الاوروبي من ردة الفعل الاميركية عاملا كابحا لاي خطوة عملية واسعة.
على الورق قد تبدو الشروط "واقعية"، لكنها عمليا تخط مسارا تعجيزيا، اذ يربط حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بمنظومة أمنية ترضي الاحتلال أولا، وتؤجل جوهر المشكلة، وهو الاحتلال نفسه، والاهم من ذلك، ان الشرعية الدولية ليست فراغا أخلاقيا؛ فمحكمة العدل الدولية قضت في تموز 2024 بان الاحتلال غير قانوني ويجب إنهاؤه، ورأت ان على المنظومة الدولية النظر في الطرق والإجراءات الإضافية اللازمة لإنهائه، إذا، فالأصل قانوني بامتياز، والاعتراف ينبغي ان يُبنى عليه، لا ان يُعلَّق فوقه كجزرة بعصا طويلة.
ولكن ما العمل إذا؟ يجب تحويل الزخم الى مطلب اعتراف غير مشروط، يستند الى رأي محكمة العدل وقرارات الامم المتحدة، ومقروناً بحزمة إجراءات قابلة للتنفيذ، ثم صياغة مسار فلسطيني داخلي متماسك، كحكومة انتقالية، وميثاق لحماية كل ما هو عام في الاراضي الفلسطينية، ورفض ذرائع الاحتلال لاستمرار العدوان، ثم بناء تحالفات اقليمية ودولية لوقف كل اشكال الدعم للاستيطان، ودفع مؤسسات الاتحاد الاوروبي الى تعليق شامل لاتفاقات التعاون بدلا عن التعليق الجزئي.
يمكن للاعترافات المشروطة ان تراكم ضغطا، لكنها تبقى أدنى من الاعتراف بالحق، وكما أن رفع المهر لا يصنع زواجا، فإن هذه الشروط تخفي ترددا سياسيا، فاذا كانت اوروبا جادة، فعليها ان تتجاوز منطق الابتزاز المتكرر، ذلك الذي لم يترك للفلسطينيين ما يقدّمونه سوى مزيد من الصبر، مقابل مزيد من الوهم، فالمعادلة سهلة وبسيطة جدا، اعترفوا بحق الشعب الفلسطيني أولاً، ثم ادعموا بناء نظام سياسي يخدم هذا الحق دون شروط.





شارك برأيك
زواج بالوكالة... الاعتراف كأداة ابتزاز سياسي