أقلام وأراء

الثّلاثاء 02 سبتمبر 2025 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

نأسف.. فالممكن في حالتكم غير ممكن

لم يعد الحديث عن خطة الضم في الضفة الغربية نقاشا سياسيا عابرا أو تصريحات انتخابية، بل صار مشروعا استراتيجيا يجري تنفيذه خطوة خطوة على الأرض، بدءا من تحويل البؤر الاستيطانية العشوائية إلى مستوطنات قائمة، إلى عزل القدس عن محيطها، مرورا بشق طرق التفافية تقطع أوصال الضفة، وتجعل التواصل الجغرافي الفلسطيني مستحيلا، مشهدا كهذا كان يجب أن يضع المجتمع الدولي -نظريا- أمام لحظة حاسمة، لكنه عمليا اكتفى ببيانات الإدانة، ولم يتحرك بإجراءات تفرض ثمنا على الاحتلال، أو تعيد الاعتبار للقانون الدولي، 

  في حالات أخرى حول العالم، بل وفي جرائم أقل وقعا، تمكنت الدول من الرهان على الضغط الأممي، أو التهديد بالعقوبات أو حتى التدخل العسكري المحدود تحت البند السابع لحماية السلم الدولي، لكن في الحالة الفلسطينية تبدو هذه الخيارات وهما؛ فالمعادلة مشوهة واللاعب المركزي، أي الولايات المتحدة، يمنح دعما مطلقا للاحتلال، بينما هذا الأخير أعاد هندسة المشهد الدولي مسبقا، وجعل الأنظمة المؤثرة مهيأة لتبني روايته مهما كانت ضعيفة، بلا سند قانوني أو أخلاقي.

 في الظروف الطبيعية، كان يمكن للفلسطينيين اللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية واعتبار الضم جريمة حرب تستدعي ملاحقات، لكن في الواقع الراهن لا يتجاوز ذلك حدود الرمزية، فدولة الاحتلال تدرك أن قرارات الهيئات الدولية بلا أنياب، وأن واشنطن تكفل حمايتها، لذلك واصلت الإعلان عن آلاف الوحدات الجديدة فيما كان يعرف بمناطق "ج"، بل استقبلت وفودا أمريكية رسمية داخل المستوطنات واعتبرت ذلك "لحظات تاريخية"، وكأن العالم بات مهيأ للاعتراف بالضم كأمر واقع.

 لم تعد خطة الضم مجرد خرائط أو قرارات حكومية، بل تحولت إلى حياة يومية تعاد صياغتها في عمق الضفة، رأينا فتيات في مقتبل العمر يهجرن الشواطئ الأوروبية، وحتى شواطئ المدن الفلسطينية المحتلة، ليستقررن في تلال وكهوف الضفة، وكأنهن يستدعَين لتجسيد مشروع سياسي بأجسادهن وأعمارهن، ورأينا رياض أطفال تفتتح في مستوطنات مثل "حومش" التي أخليت قبل عقدين، لتعود إلى الحياة كرمز لاستمرار الفكرة الاستيطانية مهما طال الزمن.

 وفي أماكن أخرى من العالم، استخدمت العقوبات الاقتصادية لتغيير سلوكيات أنظمة استعمارية كما في جنوب إفريقيا، لكن حين يتعلق الأمر بالاحتلال يغيب هذا الخيار تماما، الشركات المتورطة في الاستيطان تواصل أعمالها بلا مساءلة، والاتحاد الأوروبي يستمر في تجارته المعتادة، متسترا خلف خطاب مزدوج؛ إدانة لفظية، وممارسة اقتصادية تعزز المشروع الاستيطاني.

 أما سياسيا، فقد تحولت الاعترافات الأوروبية والغربية بالدولة الفلسطينية إلى مجرد أخبار عابرة لا يتوقع أحد أن تترجم فعليا على الأرض، وبات الضغط الجماعي كلاما مكرورا بلا أثر، وبينما ينشغل العالم ببيانات الشجب والتصريحات الدبلوماسية، يواصل الاحتلال هندسة الضم وتوسيع المستوطنات بلا رادع، وإمعانا في خنق الصوت الفلسطيني، جرى حرمانه حتى من مخاطبة العالم مباشرة، بعد أن منعت سلطات الاحتلال إصدار تأشيرات للفلسطينيين بدءا من أعلى هرم القيادة وحتى المواطن العادي، وكأن المطلوب أن يمسح الحضور الفلسطيني سياسيا وبشريا في آن واحد.

 السلطة الفلسطينية هنا تبدو في واد، والعالم في واد آخر، لا يلتقيان إلا على صدى كلمات بلا مضمون.، وفي هذا السياق تكاد السلطة تخاطب المجتمع الدولي بأعلى صوتها، وربما هو أقصى ما تملكه من خيارات، لكنها تسمع صدى صوتها راجعا إليها بلسان الحال، فالممكن، غير ممكن.

 المفارقة أن المشروع الاستيطاني لم يعد يحتاج إلى تبرير معقد، فهو يتحرك على قاعدة أن العالم قد اعتاد المشهد، وأن أقصى ما يمكنه فعله هو "تجميله" بعد أن صار أمرا واقعا، يتكئون على أن التكرار يصنع "شرعية" بمرور الوقت، وبهذا المعنى، فإن خطة الضم لا تختبر فقط بقاء السلطة الفلسطينية، بل تكشف أيضا هشاشة المنظومة الدولية، فإذا كان الممكن في قضايا أخرى غير ممكن هنا، فإن ما يتعرض له الفلسطينيون ليس مجرد احتلال عابر، بل شكل جديد من الاستعمار، يجري تسويغه دوليا كقدر محتوم، لا كجريمة مستمرة.


دلالات

شارك برأيك

نأسف.. فالممكن في حالتكم غير ممكن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.