في اليوم الخامس والثمانين بعد المئة السادسة من حرب الابادة على غزة، أعلن جيش الاحتلال بدء المراحل الأولى من العدوان على غزة ضمن عملية أطلق عليها "عربات جدعون 2"، مع استدعاء ستين ألف جندي احتياط، في مؤشر واضح على التوجه نحو احتلال كامل للقطاع، وبالتوازي مع ذلك، لم ترد حكومة نتنياهو بعد على مقترح الصفقة المصرية القطرية، فيما أدان الأمين العام للأمم المتحدة استمرار العدوان واعتبره انتهاكا صارخا للقانون الدولي، غير ان ما يطفو على السطح ليس سوى انعكاس لتحول استراتيجي أخطر؛ فحكومة نتنياهو تلوّح بعودة الاحتلال المباشر بعد عشرين عاما من الانسحاب، لتفتح بذلك بابا من الاسئلة الثقيلة: هل تملك القدرة على السيطرة؟ وما الكلفة؟ والأهم: ماذا بعد الاحتلال؟
من الناحية العسكرية، يمتلك جيش الاحتلال قدرات عسكرية نوعية، لكنه يواجه واقعا مغايرا، فغزة اليوم، حتى بعد عامين من حرب الإبادة، لم تعد كما كانت عام 2005؛ اذ تحولت الى متاهة حضرية، وأنفاق متشابكة، وساحة مشتعلة بالمقاومة عالية الكثافة، فقد يكون الدخول ممكنا، لكن البقاء والسيطرة مستحيلان دون خسائر باهظة، فكل محاولة لفرض السيطرة ستقوده الى حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث تتحول القوة المتفوقة عسكريا الى فريسة لهجمات يومية تبتلع الأرواح والموارد، وتفتك بالروح المعنوية.
إنسانيا، الكارثة في تفاقم مستمر، بعد ان تجاوز عدد الشهداء اثنين وستين الفا، نصفهم من النساء والاطفال، فيما تنهار البنية التحتية الصحية والتعليمية والخدمية بالكامل، فالاحتلال المباشر سيعني تهجيرا جديدا، وتفكيكا للمجتمع المدني، وتوسيعا لازمة اللاجئين، ليولد مشهدا شبيها بنكبات سابقة، لكنه اشد قسوة في عالم بات اكثر وعيا بمسؤوليات القانون الدولي.
اقتصاديا، تمثل غزة "الثقب الاسود" الذي يبتلع اقتصاد الاحتلال، فإدارة اكثر من مليوني فلسطيني تتطلب مئات الملايين من الدولارات سنويا لتغطية الخدمات الاساسية والصحية والبلدية، اضافة الى الكلفة العسكرية المباشرة والمفتوحة للانتشار والامداد والذخائر، وتشير تقديرات غير رسمية الى ان كلفة العدوان على غزة وتبعاته تجاوزت اربعمئة وخمسين مليار شيكل، ولا شك ان الاحتلال الكامل سيضاعف هذه الفاتورة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الاسرائيلي ازمات داخلية، وتراجعا في الاستثمارات، وتباطؤا في قطاع التكنولوجيا.
سياسيا، فان حكومة نتنياهو بخطوتها هذه تعيد تعريف نفسها امام العالم كقوة احتلال مباشرة، فلن تنفع بعد اليوم أكذوبة "الدفاع عن النفس"، بل سيعود الخطاب العالمي الى تسميتها على حقيقتها، دولة استعمارية تمارس القمع والتمييز، العزلة السياسية ستتعاظم، وحملات المقاطعة ستنتعش، فيما سيفرض الغضب الشعبي العربي والاسلامي على الحكومات المطبّعة مراجعة حساباتها ولو بشكل رمزي، اما الحلفاء الغربيون فسيجدون انفسهم تحت ضغط داخلي متزايد لتقييد الدعم السياسي والعسكري، خاصة مع تفاقم مشهد الكارثة الانسانية.
اما الغائب الاكبر فهو ما بعد اليوم التالي، فنتنياهو يلوّح بخطاب القوة ليهرب من مأزقه السياسي، ومن محاكم الفساد والضغط الداخلي، لكنه لا يقدم أي خطة لما بعد الاحتلال، فلا السلطة الفلسطينية مقبولة، ولا الادارة الدولية مطروحة، ولا الحكم العسكري قابل للاستمرار، اذا، فالنتيجة المتوقعة – ان تم له ما اراد – هي فراغ سلطوي، وفوضى شعبية، ومقاومة جديدة اكثر مرونة، لتتحول غزة الى ساحة مواجهة طويلة الامد تنخر ما تبقى من شرعية الاحتلال داخليا وخارجيا.
الامر الآخر ان الاحتلال الكامل لن يكون علامة نصر، بل هو اول المؤشرات على الغوص في مستنقع بلا قاع او افق، قد يتسنى لجيش الاحتلال رفع بعض الاعلام فوق مبان رمزية، لكنها ستبقى مجرد قطع قماش، عاجزة عن اخضاع شعب محاصر، يحمل ارثا ثقيلا من الغضب والمقاومة، وهكذا، فان السؤال عما بعد الاحتلال يكشف ان ما يحدث ليس سوى قفزة في الهواء، حيث تتحول القوة العسكرية الى عبء سياسي واقتصادي وأخلاقي، يعجّل بانهياره من الداخل، قبل ان يحقق أي إنجاز استراتيجي.





شارك برأيك
الاحتلال "الجديد"... متاهة بلا مخرج!