أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 أغسطس 2025 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

كاميرا مضرجة بالدم... ورسالة الى عالم أصَمّ!

منذ العدوان على غزة في اكتوبر 2023 يعيش الصحفيون الفلسطينيون على خطوط النار بالمعنى الحرفي، ليس باعتبارهم مجرد شهود على المذبحة، بل كأهداف عسكرية في نظر جيش الاحتلال، وهو الذي لا يتورع عن قصف بيوتهم ومكاتبهم وسياراتهم وحتى خيامهم، واقع حوّل الكاميرا الى شاهد ملاحق، والميكروفون الى تهمة، والصحفي الى مشروع شهيد، يسقط في ساحة المعركة قبل ان ينقل للعالم بعضا مما رآه.
 عدد الشهداء ليس مجرد رقم، فكل اسم يحمل قصة بيت فقد معيله، وعالم خسر شاهدا، وحقيقة جرى دفنها تحت الركام، فوفقا للمؤسسات الحقوقية والدولية، فقد تجاوز عدد الصحفيين الذين استشهدوا في هذا العدوان 240 صحفيا، وهو عدد يفوق عدد الصحفيين الذين قتلوا مجتمعين في كل من الحربين العالميتين الاولى والثانية وحرب فيتنام والحرب الكورية وحرب اوكرانيا، رقم غير مسبوق في تاريخ الصراعات الحديثة، ويعكس خطورة غزة كأخطر بيئة في العالم، مع استهداف متعمد طال الصحفيين وعائلاتهم، وأدى ايضا الى اصابة المئات منهم.
جذور هذه الظاهرة تعود الى نهج قديم يتبناه الاحتلال، ويقوم أساسا على تغييب الرواية الفلسطينية، ليس عبر التشويش الاعلامي فقط، بل عبر تصفية ناقليها جسديا، فالقتل ليس فعلا عارضا جراء "خطأ عملياتي" كما ادعى الاحتلال أكثر من مرة، بل سياسة ردع وترهيب تستهدف تحييد الكاميرا وكسر قدرتها على فضح الجرائم، فالخطاب الأمني الذي يسوقه الاحتلال، وفي مقدمته اتهام الصحفيين بالانتماء لفصائل مقاومة، ليس سوى مجرد ستار يمنح الغطاء لأفعال تصنف وفق القانون الدولي كجرائم حرب، فهل هذا يبرر استهداف صحفيين خدموا او يخدمون في جيش الاحتلال؟
 البعد الأخطر يكمن في أثرها على المستقبل، فعندما تتحول غزة الى منطقة معزولة إعلاميا بفعل القتل الممنهج للصحفيين، ستسود رواية الاحتلال المشهد، وتختفي الوثائق الحية التي يمكن ان يستخدمها المدافعون عن الحق الفلسطيني في المحاكم الدولية، او في معركة الرأي العام العالمي، هذا النقص في الشهود والصور سيساعد الاحتلال على اعادة صياغة الاحداث وفق هواه وبما يخدم روايته.
الحرب على الصحافة الفلسطينية ليست جديدة، بل هي امتداد مباشر للحرب على الوعي، وهي لا تقل خطورة عن قصف المستشفيات والمدارس وخيام النازحين، ولا حصار المدنيين وتجويعهم، فالصحفي الذي يسقط اليوم وهو يحمل الكاميرا، سيسقط معه جسر يربط غزة والعالم، وسينقطع معه خيط من خيوط الحقيقة التي تتيح للعالم ان يسمع ويرى أهوال حرب الإبادة.
 وبالتالي فان استهداف الصحفيين يتجاوز الساحة الفلسطينية، ليطال قواعد العمل الصحفي حول العالم، ويمنح الأنظمة القمعية مثالا سيئا على إمكانية قتل الشهود بلا حساب، لذلك فالرد يجب ان يكون بحجم الجريمة، نعلم ان لا حلول مجدية في ظل ما يحدث، لكن قد يكون بعضها ممكنا، تبدأ بتوثيق كل جريمة بحق الصحفيين، لتكون جاهزة للاستخدام في المحاكم الدولية، كما ينبغي إنشاء منظومات حماية للصحفيين بدعم من مؤسسات إعلامية عالمية، وتوفير أماكن عمل آمنة لهم، وتجهيزهم بمعدات حماية متطورة، فضلا عن إطلاق حملات اعلامية دولية منظمة ومتعددة اللغات، تفضح الجرائم وترفع كلفة استمرار الاحتلال باستهداف الصحفيين، خطوات لا تعد ترفا، بل هي شروط اساسية لضمان بقاء الصحافة الفلسطينية على قيد الحياة، واستمرار وجود رواية فلسطينية تصارع رواية الاحتلال وتكشف زيفها.
 ختاما، عندما تقطر الكاميرا دما، لا يجب ان يكون السؤال عن سبب وجودها هناك، بل عن الجريمة التي كانت تسعى الى توثيقها، ومن هنا، فان الدفاع عن الصحفيين الفلسطينيين هو دفاع عن الحق في الشهادة على الجريمة، وعن ذاكرة أمة، وعن حق العالم في أن يرى ويعرف، فقتل الصحفي ليس قتلا لإنسان فقط، بل إعدام للحقيقة ذاتها عن سبق إصرار، ومتى غابت الحقيقة، أصبح الظلم سيد الموقف بلا منازع.

دلالات

شارك برأيك

كاميرا مضرجة بالدم... ورسالة الى عالم أصَمّ!

نعلم ان لا حلول مجدية في ظل ما يحدث قبل 10 شهر

جدة - السعودية 🇸🇦

الحلول المجدية تبدأ بإنهاء التطبيع الإعلامي، وبالتوقف عن تسمية مناطق فلسطينية بأسماء صهيونية، وبالتوقف عن ترجمة خطابات الأعداء حرفيا وفوريا، وبالتوقف عن غض النظر عن جرائم الممولين الذين يقيمون علاقات مع العدو الصهيوني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.