ترقد مريم عبد العزيز دواس، الطفلة الفلسطينية ذات التسعة أعوام، على سرير حديدي صدئ في زاوية غرفة ضيقة بمركز إيواء في غزة، حيث يخيّم الظلام والركود على المكان. جسدها الهزيل، الذي لم يتبقَّ منه سوى عظام وشحوب مرهق، يعكس حجم المعاناة التي تعيشها نتيجة الجوع والحصار المستمرين. يدها الصغيرة ترتجف، وعيناها الواسعتان تملؤهما نظرات استغاثة، فيما لعبة قماشية قديمة فقدت لونها وملمسها، تذكرها بطفولتها المسروقة.
تقلص وزن مريم من 25 كيلوغراما قبل العدوان الإسرائيلي إلى 10 كيلوغرامات فقط، وفقدت القدرة على المشي والنطق، ولم تعد قادرة على اللعب أو حتى الحديث مع والدتها. تشير الفحوصات الطبية إلى أن مرضها ليس عضويًا، وإنما الجوع هو السبب الوحيد وراء تدهور حالتها، حيث التهم جسدها حتى أصبح هياكل عظمية على حافة الموت. والدتها، التي تراقب معاناة ابنتها، تقول إنها تخشى أن تفارق الحياة في أي لحظة، وتعيش على أمل أن تعود إلى سابق عهدها.
تصف الأم معاناتها قائلة إن الحرب أغلقت المعابر، وأوقفت تدفق الغذاء، وأصبح حليب الأطفال حلما بعيد المنال. تتحدث بصوت متهدج عن لياليها التي لا تنام، خوفًا من أن تستيقظ وتجد ابنتها قد فارقت الحياة، إذ لا دواء ولا غذاء، حتى المستشفيات باتت عاجزة عن تقديم المساعدة. دموعها تنهمر وهي تتمنى أن تعود مريم إلى سابق عافيتها، وتقول إن قلة الطعام كسرتهم، وأنها عاجزة عن توفير ما يلزم لطفلتها.
مريم تتلاشى أمام عجز العالم، والجوع ينهش جسدها ويهدد حياتها، في ظل حصار خانق يفتك بطفولتها.
مريم ليست سوى واحدة من آلاف الأطفال الذين يواجهون الموت البطيء بسبب الجوع، حيث تتناقص أوزانهم وتبهت ملامحهم يوماً بعد يوم. في مركز الإيواء، تتشابه مشاهد الأمهات اللواتي يواجهن ذات المصير، والأطفال الذين يطلبون الطعام بصمت، بينما يسيطر الصمت على المكان والانتظار يثقل كاهل الجميع. الجوع لم يعد نقصًا في الطعام فحسب، بل أصبح مرضًا قاتلاً يسلب الطفولة ويهدد حياة الأجيال القادمة.
وفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف، يعاني أكثر من 70 ألف طفل في غزة من سوء التغذية الحاد، ويواجه 2.1 مليون فلسطيني خطر انعدام الأمن الغذائي، بينهم 785 ألف طفل محرومين من الغذاء الصحي. وتضاعفت معدلات سوء التغذية بين الأطفال ثلاث مرات خلال الأشهر الأخيرة. ورغم ادعاءات الاحتلال بإدخال المساعدات، تظل المعابر مغلقة، وغالبًا ما تسقط المساعدات من الجو في مناطق محظورة، بينما يقتل الاحتلال وفق تقارير الأمم المتحدة، ما لا يقل عن 859 فلسطينيًا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات، بينهم أطفال ونساء.
تشير التقارير إلى أن أكثر من 18% من الأطفال تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، وأن المجاعة لم تعد تقتصر على فئة عمرية واحدة، بل امتدت لتشمل الكبار والأطفال فوق سن الخامسة، حيث ينهش الجوع أجساد الجميع بلا تمييز. حالات الوفاة جراء الجوع تتزايد، مع استشهاد عشرات الأطفال خلال الأشهر الماضية، إضافة إلى وفيات بين البالغين بسبب نقص الغذاء والمكملات الغذائية الأساسية، في ظل غياب أي أمل في تحسن الوضع الإنساني.





شارك برأيك
الطفلة مريم رمز لجيل مجوّع يذوي في مراكز الإيواء