شهدت مصر خلال الأشهر الأخيرة تدهورا ملحوظا في وضعها الداخلي والخارجي، حيث برزت مؤشرات على تراجع مكانة النظام الحاكم، خاصة بعد ظهور صورة السيسي وهو يجلس في الصف الثاني خلال احتفالات النصر في موسكو، خلف رؤساء دول مثل كازاخستان ورومانيا، في مشهد لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل يعكس تراجعا في مكانة مصر على الساحة الدولية.
هذه الصورة، التي التقطها مصور وكالة "تاس" الروسية، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي تحت وسم #السيسي_في_الخلف، في حين تجاهلها الإعلام الرسمي المصري، الذي اكتفى بنشر لقطات معدلة تظهر السيسي في الصف الأمامي. هذا المشهد يعكس بشكل صارخ تدهور الدور المصري، الذي كان يوما محوريا في المنطقة، إلى لاعب ثانوي يبحث عن شرعية في محافل تهيمن عليها تحالفات جديدة.
منذ انقلاب 2013، تحولت مصر من دولة ذات نفوذ إقليمي، إلى دولة تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة. فبعد أن أضخت دول الخليج أكثر من 82 مليار دولار لدعم النظام، ذهبت معظم هذه الأموال لسد العجز المالي وتمويل مشاريع استعراضية، مثل العاصمة الإدارية، التي كلفت أكثر من 45 مليار دولار، بينما تظل شبه خاوية من السكان والأنشطة الاقتصادية.
النتيجة كانت انهيارا اقتصاديا غير مسبوق، حيث وصل الدين العام إلى 178 مليار دولار، وبلغ التضخم 39.7 في المئة، وانخفض سعر الجنيه بشكل كبير. داخليا، تحولت مصر إلى سجن مفتوح، مع اعتقال أكثر من 65 ألف شخص، بينهم أطفال ونساء، وتعرض المعتقلون للتعذيب وسوء المعاملة في سجون مثل "العقرب" و"برج العرب".
السيسي في الخلف، علامة على تراجع مكانة مصر الدولية وانحسار نفوذها الإقليمي والدولي
أما على الصعيد الدولي، فقد تراجعت علاقات مصر مع حلفائها التقليديين. فبينما تعتمد على روسيا في استيراد 88 في المئة من القمح، أظهرت العقوبات الغربية هشاشة هذا التحالف، مع تأخر شحنات الحبوب وتعطل الصيانة للطائرات الروسية، مما أدى إلى تراجع ترتيب الجيش المصري من الأول في أفريقيا إلى الرابع، وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام.
وفيما يخص العلاقات مع واشنطن، فقد دخلت مرحلة "الموت السريري"، بعد رفض مصر لخطط تهجير فلسطينيي غزة إلى سيناء، وعدم قدرة السيسي على فرض ذلك، وفق تسريبات أمريكية. ونتيجة لذلك، جمد الكونغرس 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية، في خطوة غير مسبوقة منذ عهد كارتر، مما دفع مصر للجوء إلى بكين، التي استثمرت بشكل كبير في مشاريع البنية التحتية، خاصة في قناة السويس.
على الصعيد الإقليمي، فشلت مصر في لعب دور فعال في حل الأزمات في السودان وليبيا، حيث تراجعت إلى دعم خجول، بينما تسيطر تركيا وروسيا على الملفين عبر مليشيات "فاغنر" والطائرات المسيرة التركية. وأبرز التحديات كانت في ملف سد النهضة، حيث بدأت إثيوبيا في ملء السد الرابع، دون رد مصري فعال، مما يهدد حصة مصر المائية بشكل كبير بحلول 2030.
وفي ظل هذه الأوضاع، يطرح المصريون تساؤلات عن مستقبل البلاد، حيث يواجه النظام خيارين: إما الانهيار الكامل الذي قد يعيد رسم خريطة المنطقة، أو انتفاضة شعبية تعيد التوازن. أما الصورة التي ظهرت في موسكو، فهي تعكس مسار تدهور بدأ بانقلاب وعدَ بالعظمة، وانتهى بسجن كبير اسمه مصر، في ظل نظام هش ينهار من الداخل.





شارك برأيك
هل كتبت نهاية السيسي في الصفوف الخلفية لبوتين؟