في غزة، لم يعد الجوع مجرد نتيجة عدوان طويل ولا حصار قاس، بل تحول الى منظومة معقدة من الإدارة المنهجية للأجساد والإرادات. الطناجر الفارغة التي تصطف طوابير على أبواب التكيات في غزة، لم تعد مجرد ناقوس خطر على محنة إنسانية، بل تحولت في الوقت نفسه الى رمز عالمي، يتردد صداه في شوارع مدن كثيرة عبر قرع الطناجر تضامناً مع الجوعى، ولتعلن للعالم عن انتقال الاحتلال من سياسات القتل السريع الى سياسات الهدم البطيء للنسيج الاجتماعي، ولوجود الإنسان نفسه.
نحن أمام مشروع موت جماعي بطيء او "إدارة" للجوع، ولو عدنا الى جذور الظاهرة، سنجد ان سياسات التجويع كانت دوما جزءاً من تاريخ الاستعمار، من بريطانيا في الهند الى الولايات المتحدة في فيتنام، وصولاً الى تجارب النازية مع الأحياء اليهودية ومعسكرات الاعتقال، حيث كان تقنين الخبز والسيطرة على الغذاء أداة للإخضاع والسيطرة النفسية قبل فناء الجسد، وما يميز حالة غزة اليوم ان هذا النموذج جرى "تطويره" وتنفيذه بأدوات حديثة، من خلال حصار محكم، تكنولوجيات مراقبة دقيقة، ادارة دولية تدعي الانسانية، ومؤسسات تحمل لافتة "الإغاثة"، لكنها تدار بعقلية أمنية عنصرية مجردة من اي قيم، وهي التي لا يمكن حتى مقارنتها بمعسكرات الاعتقال شكلاً او مضموناً.
هذا التجويع يتم تسويقه كمشهد عابر في "حرب على الإرهاب"، في حين انه إبادة جماعية واجتماعية، تهدف الى تفكيك البنية الاجتماعية، وفرض صراع البقاء بين افراد المجتمع الواحد، وتحويل الجوعى الى متنافسين على الموارد المحدودة جدا، او على فتات المساعدات التي تمر من تحت بنادق جيش الاحتلال، وتحت رقابة مؤسسات متواطئة، وهنا يصبح الغذاء نفسه اداة للتحكم والسيطرة، ومحركاً لصراعات جديدة بين الأفراد والطبقات الاجتماعية والسياسية وحتى الجغرافية، فيتم إنتاج جغرافيا جديدة ترسم خرائط للجوع، حيث يحصل البعض على بعض السعرات في حين يحرم الآخرون حتى من رائحة الخبز.
أبعادها لا تقف عند الخسائر البشرية، بل تمتد لتخلق منظومة قهر تؤدي الى تفكيك الروابط المجتمعية، فتقطع صلات الأفراد بمجتمعاتهم، وقد يدفع البعض الى العداء مع مجتمعه والعالم، بل والاستعداد للتحول الى أداة رخيصة في يد عدوه، وبمرور الوقت قد يدفع الإنسان الى التخلي عن كرامته وذاكرته وأرضه وأحلامه مقابل وجبة قد تأتي، وغالبا لا تأتي ابدا.
هندسة الجوع لا تقود الى موت الجسد فقط، بل أيضاً الى موت الاحساس بقيمة العدالة والانتماء، وبالتالي أداة إبادة أشد فتكاً من الصواريخ والقنابل، فتخرج الإنسان من وطنه "طوعاً"، بعد أن أخرجت وطنه منه كرها.
هناك تحولات لا تقل خطورة عن ذلك، تبدأ بردة الفعل الدولية والاقليمية، فلم يعد الصمت وحده سيد الموقف، بل والتماهي النشط مع هندسة التجويع، فالمساعدات لا تمر الا عبر اجراءات يفرضها الاحتلال، او عبر مؤسسات تغطي العجز الانساني بتقارير واحصاءات لا تمت للواقع بصلة، فدخول المساعدات لا يعني وصولها، بل نهبها او تدميرها، وعلى الجانب الاخر تقف النخب السياسية والاقتصادية، والعربية منها ايضا، عاجزة او متفرجة، وقد يشارك بعضهم في بناء النظام الجديد الذي سيجعل من غزة "حقل تجارب" لاختبار مستقبل الفلسطيني.
وبالنظر الى المستقبل، فان هذه المنظومة تحمل جملة مخاطر كارثية، لا تقتصر على غزة، بل الاقليم والعالم، فمحاولات كسر روح شعب واذلاله سيولد أجيالاً تحمل الغضب والمرارة، مدفوعة بالانتقام، ستعيد انتاج التجربة بصور أشد، يستحيل التنبؤ بها او بتبعاتها، لا مكانياً ولا زمانياً، مما يفتح الباب امام ازمات انسانية وصحية واخلاقية لا تنتهي، ما يعني الحاجة الى اعادة رسم مسارات الحل عبر ثلاثية؛ تبدأ بتولي المؤسسات الدولية الموثوقة ادخال المساعدات دون حد او شروط، وتفعيل ادوات القانون الدولي لمحاسبة من يديرون عمليات التجويع ويقتلون المجوّعين، واعادة الاعتبار للمبادرات الشعبية لكسر الحصار ودعم صمود الفلسطيني، بعيدا عن المسرحيات والمناورات التي نشاهدها من حين لآخر.
فالطناجر الفارغة ليست فقط رمز معاناة، بل اختبار إنساني جديدا، ويبقى السؤال الاهم، هل ستنتصر الابادة وهندسة التجويع ام سينجح شعبنا في قلب معادلة الجوع، وتحويلها الى سردية مقاومة تكسر منطق معسكرات الاعتقال الحديثة، ويقولون متى هو؟ قل عسى ان يكون قريبا
Powered by Froala Editor





شارك برأيك
هندسة الجوع.. بين الطناجر الفارغة ومعسكرات الاعتقال!