في خضم دخان الحرب والدمار الذي يغطي سماء غزة، وفي ظل صور الأطفال الهزلى وأجسادهم التي تحولت إلى هياكل عظمية تبثها وسائل الإعلام العالمية، عاد ملف "حل الدولتين" إلى الواجهة الدولية، ليس من باب الواقعية السياسية، وإنما من باب الضرورة الأخلاقية والإنسانية. المؤتمر الذي عقدته الأمم المتحدة في نيويورك في تموز 2025 أعاد إحياء هذا الطرح، على وقع ضغط دولي متزايد ضد السياسات الإسرائيلية، لا سيما في ظل تعنت تل أبيب ورفضها القاطع لفكرة الدولة الفلسطينية، وتصويت الكنيست الأخير الذي يدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، وترافق ذلك مع تصريحات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن نيته ضم أجزاء من قطاع غزة أيضًا.
ورغم أن حل الدولتين كان يومًا ما حجر الزاوية في معظم المبادرات الدولية لحل الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، إلا أن ظروف الواقع الميداني والسياسي اليوم تجعله أقرب إلى الحلم الباهت منه إلى الخطة القابلة للتطبيق. ماكرون، الذي أعلن أن فرنسا ستعترف بدولة فلسطين، اتخذ خطوة رمزية تحمل دلالات سياسية وأخلاقية، لكنها غير كافية لإحداث اختراق حقيقي في جدار التعنت الإسرائيلي الصلد. ورغم أن بريطانيا وكندا امتنعتا عن اتخاذ خطوة مماثلة حتى اللحظة، فإن الضغط الشعبي والضجيج الإعلامي العالمي حول المجاعة في غزة قد يدفعهما لتغيير موقفهما، ليس حبًا بالفلسطينيين، بل رغبة في النأي بالنفس عن صورة الدول المتواطئة أو الصامتة على جرائم الحرب.
التحرك الفرنسي لا ينفصل عن هذا السياق، ففرنسا تسعى إلى الظهور بمظهر الدولة الأوروبية ذات الضمير الحي، المستقلة في قرارها، والمتمسكة بحل دبلوماسي. لكن الاعتراف وحده لا يصنع دولة، ولا يعيد الحقوق، ولا ينهي الاحتلال، بل قد يتحول إلى ورقة ضغط سياسية مؤقتة تستخدم في المحافل الدولية، قبل أن توضع جانبًا عند أول تقاطع للمصالح مع واشنطن أو تل أبيب.
من جهتها، تحاول إسرائيل أن تتصدى لـ"تسونامي" الإدانات العالمية، لا بالقانون أو بوقف سبب هذه الإدانات، بل بالدعاية. إذ أطلقت حملة علاقات عامة تزعم فيها أن صور المجاعة مفبركة، وأن مقاطع الفيديو التي توثق الموت جوعًا في غزة هي صناعة حمساوية دعائية تهدف لتأليب الرأي العام. وفي محاولة لتلطيف هذه الصورة، أعلنت عن استعدادها لإدخال مساعدات إنسانية على نطاق واسع، بل أقدمت على إنزال مساعدات من الجو على بعض مناطق غزة، في خطوة مسرحية لا تتعدى كمياتها حمولة ثلاث أو أربع شاحنات، وهي نسبة تافهة أمام احتياجات أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت الحصار.
المفارقة أن هذه الخطوات تأتي بالتوازي مع سياسات إسرائيلية تناقض كليًا فكرة "الحل السياسي". فبدلًا من تقديم تنازلات لإعادة بناء الثقة، تعلن إسرائيل نيتها ضم أجزاء من قطاع غزة، كما سبق أن فعلت في الضفة الغربية، مدفوعة بشهية التوسع ومفهوم "الأمن الدائم" الذي ترفعه حكومة اليمين المتطرف كمبرر لتهشيم أي حل دولي. هذا التوجه يؤكد على إدعاء إسرائيل بأن حل الدولتين تهديدا لها لا يمكن تطبيقه لا ديموغرافيًا ولا جغرافيًا.
المجتمع الدولي، من جهته، يعيش حالة من التردد والانقسام. فبينما تندفع بعض الدول الأوروبية نحو مواقف أكثر جرأة في التعبير عن رفضها للسياسات الإسرائيلية، ما تزال واشنطن تحاول اللعب على الحبلين: الإبقاء على دعمها المطلق لتل أبيب، وفي الوقت نفسه الترويج لخطط سياسية "غامضة" تلمح إلى إعادة إعمار غزة و"حكم فلسطيني" من دون تحديد طبيعة هذا الحكم أو علاقته بإسرائيل. وهذا الغموض الأمريكي هو ما يضعف الموقف الدولي بأسره، ويفرغ المبادرات من مضمونها، ويدفع إسرائيل إلى المضي في سياساتها الاستيطانية والتوسعية، من دون اكتراث بردود الفعل.
لكن يبقى السؤال الجوهري: هل من الممكن اليوم إعادة حل الدولتين إلى الأجندة الدولية؟ نظريًا، نعم. الواقع يقول إن هناك إجماعًا دوليًا واسعًا، شعبيًا ورسميًا، على أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي هو لب الصراع، وأن إنهاءه من خلال دولة فلسطينية مستقلة هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام مستدام. لكن عمليًا، تبدو هذه الإمكانية شبه معدومة في ظل ميزان القوى الحالي، وغياب الإرادة الدولية الصلبة، والأهم، في ظل القيادة الإسرائيلية الحالية التي ترى في كل اعتراف بدولة فلسطينية تهديدًا وجوديًا ينبغي دفنه فورًا.
ثمّة أيضًا عقبة داخلية فلسطينية لا يمكن تجاهلها: الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة وغزة، وتباعد الرؤى بين السلطة وحماس، وعدم وجود قيادة موحدة قادرة على تمثيل الكل الفلسطيني ببرنامج سياسي واحد. وهذا الانقسام يمنح إسرائيل ذريعة إضافية لرفض أي تفاوض جاد، ويدفع بعض الدول إلى التردد في الاعتراف بدولة فلسطينية مقسمة على ذاتها.
وإذا كانت المجاعة في غزة قد حرّكت ضمير العالم، فإن هذا الضمير لن يصمد طويلاً أمام ماكينة الدعاية الإسرائيلية والضغوط الأمريكية، ما لم يتم استثماره سياسيًا بشكل سريع ومنظم. الاعترافات الرمزية لا تصنع واقعًا جديدًا ما لم تترجم إلى إجراءات ملموسة، كفرض عقوبات على الاحتلال، أو تعليق التعاون العسكري والتجاري، أو دعم الفلسطينيين في المؤسسات الدولية لملاحقة جرائم الحرب، أو على الأقل توفير حماية دولية فورية للمدنيين.
في النهاية، قد ينجح المؤتمر الأممي في نيويورك في إعادة بعض الزخم السياسي إلى فكرة الدولة الفلسطينية، لكنه لن يتمكن من فرضها على الأرض ما لم تتغير المعادلات الأساسية: في الميدان أولًا، حيث يفرض الاحتلال بالقوة واقعًا جديدًا كل يوم؛ وفي الموقف الأمريكي ثانيًا، حيث يكمن مفتاح الضغط الحقيقي على إسرائيل؛ وفي الساحة الفلسطينية ثالثًا، حيث بات من الضروري إعادة ترتيب البيت الداخلي، وصياغة مشروع وطني موحد يلتف حوله الجميع.
حل الدولتين لم يمت، لكنه على حافة قبره. وإذا لم يتحول الضجيج الدولي إلى فعل سياسي واضح وصارم، فستدفنه جرافات الاستيطان، وسيصبح مؤتمر نيويورك مجرّد محطة أخرى في سجل الخيبات الطويل
Powered by Froala Editor





شارك برأيك
حل الدولتين بين ركام غزة وتعنّت إسرائيل: هل يعود إلى الواجهة؟