أقلام وأراء

الثّلاثاء 29 يوليو 2025 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

إنهاء العدوان الإسرائيلي على غزة.. الضرورة الأخلاقية والأثمان السياسية الباهظة

غيمة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وقفت طويلًا فوق سماء المدينة المحاصَرة. غيمة مثقلة بالدماء، بالإبادة، بالتجويع، وبالتهجير القسري، لم يشهد العصر الحديث مثيلًا لها من حيث الوحشية والامتداد، وعلى مرأى ومسمع من العالم بأسره. هذه الغيمة السوداء كشفت هشاشة النظام الدولي، وعجزه عن وقف المجازر أو تطبيق القانون الدولي الإنساني، حيث قُتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين تحت وطأة آلة عسكرية لا تفرّق بين الأطفال والمقاومين، ولا بين البيوت والملاجئ.

وفي مقابل هذا العنف المتوحّش، أظهرت الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، إفلاسًا سياسيًا وعسكريًا فاضحًا. فقد عجزت عن تحقيق أيّ من أهدافها المعلنة، سواء القضاء على المقاومة، أو استعادة ما تسميه "الردع"، أو إطلاق سراح أسراها. بل بدت تل أبيب غارقة في أزمة داخلية غير مسبوقة، تتجلّى في انقسامات حادّة، واحتجاجات شعبية، وتآكل الثقة بالمؤسسة السياسية والعسكرية. أمام صمود الغزيين، ظهر الاحتلال الإسرائيلي كقوة همجية تخشى الخروج من المأزق أكثر من رغبتها في تحقيق نصر زائف.

ورغم أن مصير الغيوم هو الانقشاع، فإن غيمة هذا العدوان، حين تنجلي، ستترك خلفها أثمانًا سياسية واستراتيجية باهظة، ليس على الفلسطينيين وحدهم، بل على المنطقة بأسرها.

ما كشفت عنه الحرب على غزة، خصوصًا في شهورها المتواصلة، هو أن إسرائيل، برغم ما تمتلكه من أدوات دمار وقوة، تعاني من عجز بنيوي في التعامل مع جوهر القضية الفلسطينية. فالسلاح لا يعالج المأزق الأخلاقي الناتج عن استمرار الاحتلال، ولا يضمن شرعية في عالم بدأ يتغيّر، خاصة في الرأي العام العالمي الذي بدأ ينظر إلى ما يحدث في غزة كجريمة مستمرة ضد الإنسانية.

كما أن الخطاب الإسرائيلي حول "الدفاع عن النفس" فقد مفعوله أمام صور الجثث والأطفال تحت الركام، لا سيما في الفضاء الرقمي، حيث لم يعد الإعلام التقليدي وحده هو من يروي الرواية.

من أبرز الأثمان التي قد تدفعها المنطقة، وربما تكون جزءًا من صفقة ما بعد الحرب، هو الدفع نحو توسيع مسار التطبيع العربي مع إسرائيل، تحت ذرائع إعادة الإعمار أو منع الانهيار الأمني. لكن الأخطر هو ما يتردّد بصوت خافت في بعض الدوائر: مشروع ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، لا سيما المنطقة (ج)، بدعم أميركي مباشر أو موارب.

هذه الخطط ليست جديدة، فقد ظهرت ملامحها منذ طرح "صفقة القرن" إبان حكم الرئيس دونالد ترامب، وجرى الحديث حينها عن ضم فعلي لأراضٍ فلسطينية في الضفة. واليوم، ومع عودة التأثير الجمهوري في الولايات المتحدة، ومع تغييب شبه كامل لفكرة "حل الدولتين" عن الخطاب الرسمي الأميركي، يبدو أن الضم يعود مجددًا، ولكن في ظل بيئة دولية أكثر تطبيعًا وإقليم أكثر انشغالًا بذاته.

إن أخطر ما في مشروع الضم ليس فقط تغيير الجغرافيا، بل إعادة تشكيل الكيان السياسي الفلسطيني بما يتناسب مع منطق السيطرة والاحتواء. فتنفيذ الضم لا بد أن ترافقه إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بحيث يتم نزع الطابع التحرري عنها وتحويلها إلى أجهزة إدارية وأمنية لا تمثّل مشروعًا وطنيًا، بل تدار وظيفيًا ضمن ترتيبات إقليمية ودولية. ستُفرَض عندها، كما تشير بعض المعطيات، إعادة صياغة للسلطة الفلسطينية، من حيث الدور والتركيب، لتتحول من كيان انتقالي نحو الدولة إلى كيان دائم لتسيير شؤون السكان، دون أي أفق سيادي. وسيُعاد توزيع المهام بين من يُدير الأمن ومن يُقدّم الخدمات، بينما يُختزل التمثيل الفلسطيني بمسميات شكلية ومنابر استشارية لا تملك قرارًا ولا مشروعًا. بل إن الدعوة إلى انتخابات جزئية للمجلس الوطني الفلسطيني، في هذا السياق، قد تُستخدم كأداة تجميلية لتثبيت الأمر الواقع، لا تغييره. فانتخابات مجتزأة، دون توافق وطني شامل، وفي ظل انقسام قائم وهيمنة الاحتلال، لا تؤسس لشرعية جديدة، بل تعيد إنتاج الأزمة وتمنحها مظهرًا ديمقراطيًا زائفًا.

ولكن وقف العدوان وحده لا يكفي، ما لم يُرافق بمشروع سياسي مقاوم يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، ويضع حدًا للتنسيق الأمني، ويُعيد الاعتبار إلى منظمة التحرير كممثل شرعي وموحّد للفلسطينيين في الداخل والشتات، وفق رؤية تحريرية تستند إلى الحق، لا إلى التكيف مع الاحتلال. فالتجربة أثبتت أن غياب المشروع الوطني الجامع أضعف الموقف الفلسطيني، وفتح المجال أمام مشاريع الإزاحة والتفكيك، وتحويل القضية إلى مجرد ملف "إغاثي" أو "أمني". فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالدفاع عن الضحية، بل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني من الجذور: شراكة حقيقية، تمثيل جامع، مقاومة سياسية وشعبية، وتحرير للقرار الفلسطيني من قيود الوصاية والتنسيق، قبل أن يُفرض واقع جديد تصبح فيه فلسطين اسمًا بلا مضمون.

إن معركة غزة، بكل ما حملته من آلام وتضحيات، قد تكون لحظة تأسيسية لإعادة تموضع القضية الفلسطينية، لا في الوجدان العربي فقط، بل في المعادلات الإقليمية والدولية. ولكن ذلك لن يحدث تلقائيًا. فلا يكفي أن تنقشع غيمة الدم، بل لا بد من أن يُعاد بناء ما تحتها من ركائز، كي لا يتكرّر المشهد، وتُعاد الإبادة، وتُمحى الذاكرة.


Powered by Froala Editor

دلالات

شارك برأيك

إنهاء العدوان الإسرائيلي على غزة.. الضرورة الأخلاقية والأثمان السياسية الباهظة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.