منذ الإعلان عن النية لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام، تعالت الأصوات مجدداً حول مشروعية الخطوة وجديتها، في ظل واقع فلسطيني مأزوم تتراكم فيه طبقات الإحباط، وانعدام الثقة، والشعور بالعجز، فلم تعد القضية هنا مجرد مناسبة انتخابية، بل باتت مسرحاً تتجسد فيه كل تناقضات الحالة الفلسطينية، من أزمة الشرعية، الى معضلة التمثيل، الى عجز الأدوات التقليدية عن إنتاج حل وطني جامع.
هذه ليست المرة الاولى التي ترفع فيها راية الاصلاح وتجديد المؤسسات عبر الانتخاب، فقد تعاقبت الوعود خلال عقدين، انتخابات تشريعية ورئاسية لم تبصر النور، وظلت رهينة التجاذبات والانقسامات، حتى أصبح الحديث عنها موسماً يعاد مع كل أزمة او ضغط خارجي، او عندما تشتد الحاجة لتجميل المشهد أمام المانحين وغير المانحين.
في كل مرة، تثبت الوقائع ان الطريق الى صندوق الاقتراع مسدود؛ فلا انتخابات في غزة التي تجوّع وتذبح، ولا في القدس التي تهوّد وتغيب عن أسوارها اي مظاهر سيادية فلسطينية، ولا في الضفة نتيجة تغوّل الاحتلال وقيوده، فضلا عن مركزية القرار وتآكل مساحة الحريات، وبالتالي أصبح التأجيل سمة ثابتة، فالفلسطيني شاهد منذ سنوات على سلسلة بيانات رسمية لم تترجم يوما الى واقع، بدءاً من الدعوة الى الانتخابات عدة مرات مروراً بتأجيلها وآخرها العام 2021، وانتهاء بوعود متكررة لا تجد سوى الاحباط واللامبالاة في الشارع.
جذور هذه الأزمة تتصل بغياب التوافق الوطني على قواعد ناظمة للعملية السياسية، وتحول المنظمة من إطار جامع الى مؤسسة بيروقراطية مغلقة، ومع مرور الزمن، تقلص دور المجلس الوطني، وتراجعت شرعيته كمنبر تمثيلي، ليصبح ساحة للتعيين وشراء الولاءات، ما يكرس الهيمنة بدل كونه سلطة عليا تعكس إرادة الفلسطينيين، ولهذا، ليس غريباً ان تكون المعركة حول المجلس الوطني نفسه، باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على قلب الطاولة، واسترجاع الميثاق الوطني الفلسطيني، وما يعنيه ذلك من إعادة تعريف الثوابت وتوزيع الأدوار، لذا فان المخاوف الحقيقية ترتبط باحتمال ظهور مجلس ينبض بروح الفلسطينيين، يجمع شتاتهم، يعكس حاضرهم وتطلعاتهم، ويمتلك الارادة والجرأة لإعادة النظر في المسار السياسي برمته، وإعادة المشروع الوطني الى جذوره.
شروط الترشح المطروحة، وعلى رأسها الالتزام ببرنامج المنظمة والتزاماتها، يؤشر على توجه إقصائي، فكيف يمكن الحديث عن عملية ديمقراطية إذا كانت تستبعد المخالفين سلفاً، ما يعكس الخوف من التغيير، والرغبة في اعادة إنتاج ذات النخب تحت غطاء انتخابي شكلي، بلا مراجعة للخيارات أو فتح لباب المساءلة.
العقبات العملية يستحيل تجاوزها خلال الفترة المحددة؛ فغزة شبه منفصلة، والقدس أسيرة، والشتات غائب، ولا يمكن إغفال ان لجنة الانتخابات المركزية، أيا كانت كفاءتها وحيادها، لا تملك القدرة على تنظيم وحصر ناخبي الشتات، وقد لا يكون لدى الدول المضيفة إرادة لتسهيل ذلك، فضلا عن استفحال الازمة المالية، كما ان ما يسمى بـ "المجتمع الدولي" يتعامل مع ملف الانتخابات الفلسطينية كإجراء علاقات عامة، لا كمطلب حقوقي اساسي، فالدول الاقليمية والدولية، في معظمها، تفضل استقراراً جزئيا للوضع القائم حتى لو كان على حساب تمثيل الفلسطينيين.
جانب مهم من الشارع الفلسطيني لا يرى في الدعوة الا فصلا جديدا من مسلسل معروف النهاية، حيث سيجري التعيين او "التوافق" حسب مقاسات معينة، لتتحول الى حلقة اعادة انتاج للازمة، لا مخرجا منها، وبالتالي، لم يعد السؤال متى تجرى الانتخابات، بل هل هناك فعلا ارادة للانتقال الى مرحلة جديدة، ام انها وسيلة لتنفيس الضغط الشعبي والدولي وتأجيل الاستحقاق الحقيقي؟
بات معلوماً للكثيرين ان الانتخابات، وكما جرت العادة، ليست سوى رسالة للخارج اكثر منها خطوة للإصلاح، او صورة رمزية لبيت يبدو قادرا على التجدد، لكن الواقع يشير الى ان التغيير سيبقى مؤجلا الى اشعار اخر؛ فالنتائج محسومة، والمسار برمته عالق، والمخرجات معروفة حتى قبل ان تبدأ العملية، لذلك، لا مخرج الا بالاعتراف بعمق الازمة، وفتح حوار وطني شامل لا يقصي أحدا، وبدون محرمات او خطوط حمر، يعيد تعريف الشرعية الوطنية على اسس المشاركة والمساءلة، وبخلاف ذلك، ستظل مناورات سياسية تبقي الشرعية معلقة بين وهم التجديد وانتظار مفاجأة الدقيقة تسعين، انتظار عبثي لن يثمر شيئاً.





شارك برأيك
انتخابات المجلس الوطني.. بين وهم التجديد وقيد التقليد!