د. أحمد رفيق عوض: إسرائيل تهدف إلى إجبار الدولة السورية على التطبيع وفق الشروط التي تفرضها وإلغاء أي مطالبة باستعادة هضبة الجولان
نبهان خريشة: الخطر الحقيقي بترسيخ الحرب الأهلية واستنزاف الداخل السوري عبر إذكاء خطوط الانقسام واستنزاف لعقود طويلة
فراس ياغي: هناك مخطط لتحويل سوريا إلى دولة فيدرالية تُدار أقاليمها عبر نفوذ إقليمي مع احتفاظ إسرائيل بمناطق نفوذ واسعة تمتد إلى طريق "داود"
د. تمارا حداد: إسرائيل تستغل صراعات السويداء لتفكيك سوريا ضمن "كنتونات طائفية" وتحجيم النفوذ التركي
د. محمد الطماوي: النافذة الوحيدة لتفادي الوقوع بصراع أوسع هي الحوار الوطني السوري والتحرك العربي المسؤول
د. إيريني سعيد: ما يجري في سوريا لم يكن مفاجئًا في ظل هشاشة النظام السياسي السوري وعجزه عن إحكام السيطرة الكاملة
رغم محاولات احتواء الأزمة في محافظة السويداء السورية وإعلان الرئيس السوري أحمد الشرع التوصل إلى اتفاق بهذا الخصوص، بقيت المخاوف من اندلاع الفتنة مجدداً، وسط تزايد التحذيرات من الهجمات الإسرائيلية التي جرت وربما تجري مجدداً.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الهجمات والتدخلات الإسرائيلية تستهدف الجنوب السوري تحت غطاء حماية الدروز، بينما يذهب آخرون إلى أن ما يجري يتجاوز الأبعاد الطائفية ويخفي خلفه مشروعًا لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، ويطرح المشهد تساؤلات جدية حول نوايا تل أبيب فرض واقع أمني يمتد من الجولان حتى عمق العراق.
ويؤكد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن إسرائيل تسعى لإقامة مناطق منزوعة السلاح بين هضبة الجولان وجبل العرب، لضمان حرية تحركها ومنع أي تشكيلات مسلحة قد تعيق تمددها، بالتوازي مع تحقيق مشروع ما يُعرف بـ"ممر داود"، والذي يمثل خطوة عملية لربط شبكات المواصلات وفق مصالح إسرائيل الاستراتيجية.
ويحذرون من أن هدف إسرائيل لا يقتصر على التطبيع مع دمشق بشروطها، بل يمتد إلى فرض هيمنة كاملة على القرار السوري، ويلوح في الأفق خطرٌ أكبر يتمثل بتفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل سوريا إلى ساحة رخوة مفتوحة لصراعات طويلة الأمد، قد تمتد لدول محيطة.
تل أبيب تخطط لضرب عدة عصافير بحجر واحد
ويحذر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض من أن إسرائيل، عبر ادعائها حماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا، تسعى عمليًا إلى تحقيق أهداف استراتيجية أبعد بكثير من الشعارات الإنسانية المعلنة، مؤكدًا أن تل أبيب تخطط لضرب عدة عصافير بحجر واحد من خلال فرض سيطرتها على مناطق واسعة بين هضبة الجولان وجبل الدروز (جبل العرب).
ويوضح عوض أن إسرائيل تستهدف أن تجعل هذه المساحة الكبيرة، التي تتجاوز مساحة قطاع غزة بكثير، منطقة منزوعة السلاح بالكامل، وخالية من أي تنظيمات فلسطينية أو فصائل مسلحة أو قوى محلية قد تشكل تهديدًا لأمنها، ما يسمح لها بالتحرك بحرية مطلقة داخلها.
ويشير عوض إلى أن هناك من يرى أن هذه الخطوة قد تفتح الطريق أمام إسرائيل للوصول غرب العراق، وامتدادًا حتى نهر الفرات، عبر ما يُسمى ب"ممر داود"، وهو مشروع استراتيجي لإعادة تشكيل شبكة المواصلات في المنطقة كلها، وربطها بالمصالح الإسرائيلية.
ويؤكد عوض أن إسرائيل تهدف أيضًا من خلال هذه الخطوات إلى إجبار الدولة السورية على التطبيع وفق الشروط التي تفرضها هي، بما في ذلك التوقيع على اتفاق يلغي أي مطالبة مستقبلية باستعادة هضبة الجولان المحتلة، لتُكرس إسرائيل احتلالها كأمر واقع، كما تسعى تل أبيب إلى منع تشكل محور سُنّي قد يكون بديلاً عن المحور الذي تعرض للضرب والإضعاف في السنوات الأخيرة.
ويبيّن عوض أن الأهداف الإسرائيلية لا تقتصر على فرض التطبيع، بل تتعداها إلى فرض هيمنة كاملة على القرار السوري والسلوك السياسي في دمشق، ما يعني عمليًا دخول المنطقة في مرحلة جديدة من النفوذ الإسرائيلي الإقليمي.
سياسة تفجير النسيج الاجتماعي عبر الأقليات
ويحذر عوض من أن هذه السيطرة ستنعكس بشكل مباشر على لبنان والعراق والفلسطينيين والأردن، ما يمنح إسرائيل أفضلية استراتيجية في فرض أجندتها، لا بصيغة اندماج وتعايش، بل بصيغة هيمنة وتحكم شامل.
ويؤكد عوض أن إسرائيل تاريخيًا اعتمدت سياسة تفجير النسيج الاجتماعي عبر الأقليات، كما حدث في لبنان مع بعض المسيحيين، وفي العراق وسوريا مع الأكراد، وهي اليوم تستخدم الذريعة نفسها عبر حماية الدروز، كما تحاول تفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل عبر إذكاء الجهويات والعشائريات، في إطار سياسة "فرّق تسد" التي ينتهجها كل محتل.
ويحذر عوض من أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه سيقود المنطقة بأسرها إلى مرحلة "الهيمنة الإسرائيلية"، حيث تتحول إسرائيل إلى القائد والحامي للإقليم، وهو وضع بالغ الخطورة على الدول والمجتمعات العربية، ويشكل تهديدًا مباشرًا لوحدة فكرة الدولة الوطنية وقدرتها على حماية نسيجها الاجتماعي والسياسي.
مشروع تفتيت جديد لضرب بنية الدولة السورية
من جانبه، يحذّر الكاتب الصحفي نبهان خريشة من أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع عسكرية في دمشق والجنوب السوري، والتي تتزامن مع اشتعال الاشتباكات في محافظة السويداء بين مجموعات درزية وقوات النظام، ليست مجرد ردود فعل على ما تسميه تل أبيب بـ"التهديدات الأمنية" أو من بوابة حماية الأقليات، بل تأتي ضمن سياق أشمل يشي بتحريك مشروع تفتيت جديد يضرب بنية الدولة السورية ويمنع أي قوة إقليمية من إعادة الإمساك بخيوطها.
ويشير خريشة إلى أن إسرائيل، بعد نقلها وحدات عسكرية من جبهة غزة إلى الحدود الشمالية، رفعت شعار "حماية الدروز" كغطاء لتحريك النزعات الطائفية الحساسة.
ويرى خريشة أن تل أبيب تدرك جيداً أن انهيار الاستقرار في الجنوب السوري يمنحها نافذة استراتيجية نادرة لتفكيك المركزية السورية وإبقاء دمشق رهينة للاشتباك الداخلي، وسط تعثر النظام وحلفائه في استعادة السيطرة الكاملة.
وبحسب خريشة، فإن استثمار إسرائيل للعلاقات العائلية والسياسية مع الدروز في الجولان وفلسطين التاريخية يهدف عملياً إلى تحويلهم إلى "حزام أمني بشري" يفصلها عن العمق السوري، ويمنحها مجالاً أمنياً عازلاً تحت ذريعة إنسانية، لكنها في جوهرها أداة توظيف أمني بامتياز.
وفي تقدير خريشة، فإن مشهد الجنوب السوري أكثر تعقيداً من رهان إسرائيل على تقسيم معلن، إذ إن السويداء ليست جزيرة معزولة عن بيئة طائفية وقبلية واسعة، وأي كيان درزي منفصل قد يشعل حساسيات كبرى ويستفز قوى إقليمية، لذا تميل إسرائيل إلى صيغة "المناطق الرخوة" بحكم الأمر الواقع، لا إلى ترسيم حدود واضحة.
الخطر الحقيقي ترسيخ منطق الحرب الأهلية
ويرى خريشة أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نجاح مشروع التقسيم بشكل مباشر، بل في ترسيخ منطق الحرب الأهلية واستنزاف الداخل السوري عبر إذكاء خطوط الانقسام، بما يحوّل سوريا إلى ساحة مستنزفة لعقود طويلة، الأمر الذي يضاعف المسؤولية على القوى الوطنية والإقليمية لاحتواء هذه الفتنة قبل أن تصبح واقعاً يصعب تغييره.
ويضع خريشة هذا السيناريو ضمن لوحة إقليمية أوسع، حيث تتداخل الأزمات في غزة وسوريا ولبنان والضفة الغربية في إطار معادلة واحدة، فالحرب على غزة، التي تخطت العشرين شهراً، تحولت إلى حرب استنزاف تهدد بنقل الثقل الاستراتيجي الإسرائيلي نحو جبهات جديدة، شمالاً في سوريا ولبنان وشرقاً في الضفة الغربية، بهدف خلط الأوراق وتفتيت أي محور داعم لغزة.
ويلخص خريشة ملامح المرحلة المقبلة بثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول، تفتيت ناعم لسوريا عبر مناطق رخوة لا كيانات رسمية، يعيد للأذهان تجربة جنوب لبنان؛ والثاني، انزلاق الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى حروب إقليمية صغيرة تستنزف الجميع؛ والثالث، صعود النزعات الهوياتية والطائفية وتحويل الأقليات إلى أدوات جغرافية للفعل الخارجي بدلاً من كونها مكونات وطنية.
ويتساءل الكاتب الصحفي نبهان خريشة: هل يبقى الشرق الأوسط رهينة خرائط مفروضة من الخارج أم يملك إرادة إنتاج عقد إقليمي جديد يقطع الطريق على مشاريع التقسيم والحرب المفتوحة؟
إسرائيل تعمل على ترسيخ نفوذها الأمني جنوب سوريا
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن الضربات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية ليست معزولة عن مشروع أوسع لإعادة صياغة خريطة سوريا الجغرافية والسياسية. ويؤكد ياغي أن إسرائيل، رغم عدم رغبتها في خلق حالة فوضى شاملة داخل سوريا خشية فتح المجال أمام تمدد إيران وحزب الله، إلا أنها تعمل على ترسيخ نفوذها الأمني جنوب البلاد، وصولًا إلى مناطق الشرق، بهدف ضمان سيطرتها وتأمين مصالحها الحيوية.
ووفقًا لياغي، فإن المخطط الإسرائيلي يقوم على تحويل سوريا إلى دولة فيدرالية تحتفظ بمركز موحد ضعيف، بينما تُدار الأقاليم عبر رعاة إقليميين مختلفين، بحيث تبقى مناطق الجنوب الغربي تحت القبضة الإسرائيلية المباشرة، مع امتداد نفوذها عبر الجنوب الشرقي نحو المناطق الكردية في الحسكة ودير الزور والجزيرة السورية، فيما يُعرف بطريق "داود".
ويوضح ياغي أن إسرائيل، من خلال هذا النهج، لا تسعى لحماية الدروز بقدر ما تستخدمهم كورقة تفاوضية لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية، مؤكداً أن فكرة الدولة الدرزية، والدولة الكردية، والدولة العلوية، وحتى الدولة السنية، كلها تصب في مسار التقسيم الناعم الذي لا يلغي الدولة السورية ككيان موحد على الورق، بل يقسمها فعليًا إلى كانتونات وظيفية.
في المقابل، يشير ياغي إلى أن محاولات الوساطة التي جرت مؤخرًا عبر قنوات عربية وغير عربية، كانت تهدف لترتيب تفاهمات أمنية بين إسرائيل وسوريا، إلا أن إسرائيل ارادت أن توصل رسالة إلى النظام السوري –برئاسة أحمد الشرع– بأنه أساء تقدير الموقف وظن أنه يستطيع فرض أجندته مستندًا إلى ضوء أخضر في مناطق السويداء وجبل العرب، ولكن إسرائيل تؤكد أن نفوذها في السويداء جزء لا يتجزأ من مشروعها الأوسع في الجنوب السوري.
إسرائيل تعمل بضوء أخضر أمريكي في كل الملفات
ويوضح ياغي أن إسرائيل تعمل بضوء أخضر أمريكي وهو ليس حكرًا على الملف السوري فقط، بل يشمل كامل المنطقة، إذ أن اللقاء الأخير بين نتنياهو وترامب نوقشت فيه كل الملفات الساخنة والتي تبين أنه لم يتم أي حسم نهائي في أي منها، مما أعاد المشهد إلى نقطة الصفر وجعل من إسرائيل وكأنها تبدأ مشروعها من جديد: "من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران وحتى الضفة الغربية".
ويرى ياغي أن نتنياهو يسعى لفرض أمر واقع جديد يقوم على "تغيير جيوسياسي"، لا يشترط تغييرًا رسميًا للحدود، بل يكفيه توسيع الضم الاستيطاني في الضفة الغربية وحسم ملف القدس واللاجئين، بالتوازي مع فرض وصاية إسرائيلية على مكونات دول المنطقة وحمايتها أمنيًا، مما يعني بناء تحالفات على غرار اتفاقيات "أبراهام".
ويحذر ياغي من أن نتنياهو لن يتراجع عن هذا المسار الذي يضمن له البقاء في السلطة وتجاوز التهم التي تلاحقه داخليًا، إذ يعمل على تسويق نفسه كقائد أعاد بعث إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة، وبناء الدولة الإسرائيلية الثانية.
غير أن نجاح هذا المخطط – بحسب ياغي – سيصطدم بمصالح قوى إقليمية كبرى مثل مصر وتركيا وإيران، وتبقى أحلام نتنياهو رهينة بميزان القوى الذي سيتشكل من تداعيات الحروب المتعددة المشتعلة في المنطقة.
هندسة خريطة الشرق الأوسط من بوابة الجنوب السوري
من جهتها، تعتقد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن إسرائيل تستغل ما يجري من صراعات واشتباكات داخل محافظة السويداء بين بعض المجموعات الدرزية، تحديدًا جماعة الشيخ الهجري، والبدو السوريين من جهة، وتدخل قوات الأمن السورية من جهة أخرى، لتحقيق هدف أكبر يتمثل بإعادة هندسة خريطة الشرق الأوسط من بوابة الجنوب السوري.
وترى حداد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما زال يسعى لتنفيذ رؤيته القائمة على تقسيم سوريا إلى "كنتونات" طائفية أو مذهبية وعرقية، بما يشبه خريطة "سايكس – بيكو" جديدة، لكن بنسخة أكثر تفكيكًا.
وتوضح حداد أن المخطط يشمل إقامة "دولة السويداء" تمتد من جنوب سوريا حتى شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، وربما تمتد لتشمل جزءًا من الأراضي اللبنانية، بهدف خلق كيان درزي يفصل العمق السوري عن الحدود مع إسرائيل ويحقق لها منطقة عازلة أمنية طويلة الأمد.
وبحسب حداد، فإن إسرائيل تدفع نحو تعميق الانقسام الداخلي بين شخصيات درزية تؤيد البقاء تحت لواء الدولة السورية الموحدة وأخرى تنساق نحو التعاون مع إسرائيل مثل جماعة الشيخ الهجري وبعض الشخصيات المرتبطة بزعيم الطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف، حيث أن هذا الانقسام يخلق حالة فوضى ويمنع توحيد الصف الدرزي، ما يسهل التدخلات الخارجية ويجعل الساحة الجنوبية عرضة لاستخدام السلاح والصدام المفتوح.
رسائل سياسية تتجاوز الداخل السوري إلى تركيا
وتشير حداد إلى أن الضربات الإسرائيلية المتكررة التي تستهدف مواقع ذات رمزية سيادية مثل مقرات الرئاسة والأركان في دمشق، تحمل رسائل سياسية تتجاوز الداخل السوري، فهي أيضًا رسالة مباشرة إلى تركيا التي توسع نفوذها عبر قواعد عسكرية شمال سوريا.
وتلفت حداد إلى أن إسرائيل تريد تحجيم النفوذ التركي وإرسال إشارات واضحة بأنها لن تسمح لأنقرة بأن تتحول إلى لاعب مهيمن في الملف السوري.
وترى حداد أن هذا السيناريو يتزامن مع استمرار فكرة "الممر الآمن" أو "ممر داود" الذي تحلم إسرائيل بإنشائه لربط حدودها مع العراق.
وتشدد حداد على أن غياب مبادرات محلية جادة داخل سوريا لاحتواء حالة الاحتقان، قد يفتح الباب واسعًا أمام تصاعد الفوضى، خاصة في ظل غياب قيادة درزية موحدة يمكنها إبرام اتفاق واضح مع الدولة السورية، وهو ما يمنح إسرائيل ذريعة لمزيد من التدخلات العسكرية في الزمان والمكان الذي تختاره.
وترى حداد أن تعقيد المشهد السوري يزداد مع تشتت السيطرة بين النظام السوري ومناطق الساحل وحمص وحماة، ووجود قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيًا شرق الفرات، إلى جانب سيطرة فصائل المعارضة المدعومة تركيًا في الشمال، فيما تواصل إسرائيل هجماتها بحجة "منع التمدد الإيراني".
وتشير حداد إلى أن المنطقة تقف على أعتاب تصعيد مفتوح قد لا يصل إلى حرب شاملة لكنه مرشح لحروب متقطعة وسياسة قصف مستمر، مع زحف إسرائيلي متواصل نحو الجنوب السوري ولبنان، وسط تنافس إقليمي على النفوذ قد يفجر الأوضاع في أي لحظة إذا لم تُبذل جهود حقيقية لاحتواء هذه الأزمة ومنع تفكك سوريا إلى كنتونات هشة تخدم الأمن الإسرائيلي وحده.
مشهد تتداخل فيه الأبعاد الطائفية والجيوسياسية والأمنية
الباحث المصري في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية وأستاذ العلوم السياسية د. محمد الطماوي يقول: إن ما يجري اليوم في الجنوب السوري، وبالتحديد في محافظة السويداء، يعكس مشهدًا شديد التعقيد تتداخل فيه الأبعاد الطائفية والجيوسياسية والأمنية، موضحًا أن الأحداث الأخيرة لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع الذي يعاد تشكيله وسط غياب أي حلول سياسية جادة.
ويرى الطماوي أن التحركات العسكرية الإسرائيلية، بالضربات المتكررة على الأراضي السورية، بالتزامن مع نقل فرقتين عسكريتين من جبهة غزة إلى الحدود الشمالية مع سوريا، يحمل دلالات واضحة على وجود تحضير إسرائيلي لتوسيع قواعد الاشتباك نحو جبهات جديدة.
ويلفت الطماوي إلى أن توقيت التحركات الإسرائيلية يتزامن بشكل لافت مع الاشتباكات الداخلية التي تشهدها السويداء، ذات الغالبية الدرزية، وهو ما يعيد إلى الواجهة المحاولات الإسرائيلية القديمة – الجديدة لاستثمار التوتر الطائفي بهدف فرض مناطق نفوذ أو تقديم نفسها كـ"حامٍ زائف" لطائفة محددة، بما يخدم مخطط التقسيم الناعم للأراضي السورية.
ورغم أن أبناء الطائفة الدرزية، كما يوضح الطماوي، ظلوا يرفضون أي تدخل خارجي في شؤونهم الداخلية، إلا أن تل أبيب تحاول توظيف لحظات الانقسام والضعف المؤسسي داخل سوريا لخلق وقائع ميدانية جديدة تُرسّخ حضورها الأمني والسياسي في الجنوب.
في الوقت نفسه يشدد الطماوي على أن التقسيم ليس قدرًا محتومًا إذا وُجدت إرادة وطنية سورية قادرة على إفشال تلك السيناريوهات.
المنطقة تمر بمرحلة "إعادة خلط الخرائط"
ويرى الطماوي أن المنطقة تمر حاليًا بمرحلة "إعادة خلط خرائط" سواء ما يجري على حدود سوريا أو غزة أو لبنان، مشيرًا إلى أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل يهدف إلى جر هذه الجبهات إلى اشتباك متزامن يفاقم الفوضى ويعرقل أي مسار تسوية.
ويوضح الطماوي أن انسداد الأفق السياسي وتراجع الأدوار الدولية التقليدية يترك الساحة السورية فارغة لمشاريع إعادة التمزيق من بوابة الصراعات الطائفية والعرقية.
ويرى الطماوي أن التحركات الشعبية في السويداء، وإن بدت في ظاهرها محلية، إلا أنها تعبّر عن احتقانات أعمق في بنية المجتمع السوري الذي ما زال يعاني آثار حرب طويلة لم تُحسم بعد، وفي ظل استمرار الصمت الدولي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، فإن احتمالات انفجار الوضع إلى صراع أوسع تصبح أكثر واقعية من أي وقت مضى.
ويؤكد الطماوي أن النافذة الوحيدة لتفادي هذا السيناريو الكارثي تكمن في مسارين متوازيين: أولهما حوار وطني سوري صادق يعيد ترتيب البيت الداخلي، وثانيهما تحرك عربي مسؤول يستعيد سوريا إلى محيطها الطبيعي، قبل أن تستكمل القوى الخارجية مشاريع تقسيمها إلى مناطق نفوذ هشة تخدم مصالح الآخرين فقط.
إسرائيل تستغل قضية الدروز كورقة استراتيجية
بدورها، ترى الأكاديمية والمحللة السياسية المصرية د. إيريني سعيد أن ما يجري في سوريا لم يكن مفاجئًا في ظل هشاشة النظام السياسي السوري وعجزه عن إحكام السيطرة الكاملة، مؤكدةً أن التدخل الإسرائيلي لعب دورًا جوهريًا في تأجيج الأوضاع، خاصة مع توسيع دائرة الهجمات العسكرية التي طالت قلب العاصمة دمشق.
وتشير سعيد إلى أن أحداث السويداء ما كانت لتبقى محصورة لو لم يكن لإسرائيل يد في إعادة توجيه بوصلة الصراع الداخلي السوري وربطها بملفات أوسع.
وتوضح سعيد أن إسرائيل تعتمد على الدروز كورقة إستراتيجية تتحرك بها عند الحاجة، سواء عبر التفاوض من خلالهم أو عبر إحكام القبضة الأمنية على الجنوب السوري، بما ينسجم مع مصالحها في إعادة التموضع الجيوسياسي داخل الأراضي السورية.
وترى سعيد أن تل أبيب لا تكتفي بالضربات العسكرية السريعة بل تسعى إلى خلق واقع يشبه ما يجري في غزة، حيث باتت العمليات العسكرية أداة لتغيير الحقائق على الأرض، وليس مجرد استهدافات تكتيكية.
وتوضح سعيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحرك باحثًا عن مكاسب إستراتيجية، حتى لو كان ذلك بمعزل عن التوجيهات الأمريكية المباشرة، خاصة وأن التفاهمات بين النظام السوري والرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت واضحة في مراحل سابقة، حيث أظهر النظام السوري قبولًا ضمنيًا بالتواجد الإسرائيلي في الجنوب السوري دون مواجهة حقيقية تُذكر.
توسيع حدود ونفوذ إسرائيل
وترى سعيد أن إسرائيل تسعى إلى إعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط بما يسمح لها بتوسيع حدودها ونفوذها، مستشهدة بمقولة بن غوريون بأن حدود إسرائيل سيحددها أبناؤها، في إشارة إلى أن سقف الأطماع الإسرائيلية يتجاوز ما يعلنه الخطاب الرسمي من "النهر إلى البحر".
ومع ذلك، ترى سعيد أن هناك محددات كفيلة بتحجيم هذه المخططات، أهمها الدور العربي بقيادة القاهرة، فضلًا عن شبكة المصالح الاقتصادية العميقة التي تربط الخليج بواشنطن، إضافة إلى رغبة ترامب – التي ما زالت حاضرة في التيارات الجمهورية الأمريكية – في تجنب انجرار المنطقة إلى حرب شاملة يصعب السيطرة على تداعياتها.
وتؤكد سعيد أن الفرصة لا تزال سانحة أمام القوى العربية لقطع الطريق على مشاريع دولة الاحتلال، عبر الانخراط الجاد في مفاوضات توقف حرب غزة، تمهيدًا لخريطة إستراتيجية شاملة تضمن تهدئة لبنان وسوريا أيضًا.
وتشدد سعيد على أن ذلك يتطلب من الأنظمة العربية قدرًا أعلى من الرشادة السياسية وإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة ونزع فتيل الانقسامات الداخلية التي يستغلها الاحتلال لتحقيق مكاسب على الأرض.





شارك برأيك
حماية الدروز.. بوابة إسرائيل لإعادة رسم خريطة نفوذها