أمين الحاج
في ظل دخان العدوان المتصاعد فوق غزة، يصبح الحديث عن وقف إطلاق النار أقرب الى تكرار مشهد مأساوي تعيشه المنطقة منذ عقود، مصطلح يتكرر في وسائل الإعلام وخطابات الساسة، لكنه تجاوز كونه مطلباً إنسانياً لوقف المجزرة المستمرة، وبات لعبة سياسية معقدة، تَعمد الى ترحيل الأزمة لا حلها، يتحكم بها لاعبون دوليون وإقليميون، بينما يترك الفلسطيني عالقاً بين مطرقة الإبادة وسندان التفاوض، فيراد لغزة أن تبقى جرحاً مفتوحاً، أو ورقة ضغط.
منذ تجدد العدوان في آذار الماضي، انهالت المبادرات والوساطات، وتحول ملف وقف اطلاق النار الى ساحة مساومات وصفقات، تتصارع فيها مصالح اقليمية ودولية على حساب آلام الفلسطينيين، فبات واضحا ان وقف اطلاق النار فقد دلالته الأخلاقية والإنسانية، واصبح اداة ابتزاز سياسي بين اطراف متضاربة المصالح، احتلال يريد فرض شروطه "الأمنية" وتحقيق اكبر قدر من "أهدافه" العسكرية، او ترسيخ معادلات ردع جديدة، فيرفض اي صيغة تعد انتصارا للفلسطينيين، فيتعامل مع ملفات الاسرى والمساعدات كأوراق مساومة، لا استحقاق إنسانياً، وفي المقابل، تستخدم المقاومة الفلسطينية صمودها الاسطوري لتعزيز موقعها وفرض معادلات جديدة، لم يعتد الإقليم عليها، مدفوعة بإيمان راسخ ان ما دفع من كلف بشرية ومادية هائلة، لا بد ان يفتح الباب على مصراعيه لانتزاع الحقوق بشكل غير مسبوق.
أما الوسطاء الإقليميون، فهم يمارسون دورا مزدوجا؛ اشبه بلعبة التوازن بين ضغوط الشعوب المساندة لغزة، وحسابات العواصم الدقيقة، فيدفعون نحو التهدئة، لكنهم يسايرون الخطوط الحمراء، الامريكية والاسرائيلية، في ظل تخوف عميق من انفجار إقليمي قد يخرج عن السيطرة.
الموقف الدولي أيضا ظل – كعادته في قضية فلسطين - انتقائيا، فبينما تصاعدت الضغوط الاعلامية والشعبية لوقف الحرب، كان الدعم السياسي والعسكري للعدوان هو "الثابت" الوحيد، فالقانون الدولي وتطبيقاته مرهونة للمصالح والتحالفات، والغرب عموما، يمارس ضغطا شكليا، لا يمس جوهر الازمة، ولا يعالج جذورها، ويكتفي بإدارة الغضب العالمي، حفظا لمصالحه الاستراتيجية، فيتجلى هذا بازدواجية معاييره، فيما يظل الفلسطيني هو الضحية الدائمة لغياب العدل وسيادة شريعة الغاب.
المشهد الراهن يكشف هشاشة مفهوم وقف اطلاق النار ذاته، فهو إما يفرض بالحديد والنار، أو يأتي مصحوباً بتعهدات هشة، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار، وغالباً ما يكتشف الفلسطينيون بعد كل جولة أن الواقع لم يتغير؛ حصار يتجدد، إعمار مشروط، مستقبل سياسي يزداد غموضاً، فيما يبقى خطر تجدد العدوان مسالة وقت لا أكثر.
المفاوضات الجارية تتسم بالغموض والمراوحة، بل والمراوغة، وشراء الوقت، وشروط وقف اطلاق النار لم تعد محصورة بوقف المذبحة فقط، بل تشمل ترتيبات أمنية جديدة، وربما رسم مستقبل غزة السياسي، او خطة اليوم التالي، ما يجعل من المأساة الإنسانية ورقة اضافية، تستخدم للضغط على الفلسطينيين، دون التزام حقيقي بإنقاذ الارواح، او الاعمار ورفع الحصار، فتتحول غزة الى مختبر لصفقات تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية؛ اعادة تشكيل السلطة، وإدخال قوى دولية للرقابة، وفتح الباب امام سيناريوهات التهجير والتدويل، وربما فرض ترتيبات امنية واقتصادية، تعمق الفصل بين الضفة وغزة، وتشرعن لواقع احتلال طويل الأمد.
اما المستقبل، فمرهون بجملة من الاسئلة المصيرية، هل سيقود الاتفاق الى اعادة الاعمار ورفع الحصار؟ ام انه مجرد هدنة هشة تمهد لجولة جديدة من الدمار؟ حتى الان، لا ضمانات حقيقية للفلسطينيين، بل وعود مؤقتة، تتبخر مع اول ازمة، في ظل غياب حل سياسي يعيد الحقوق لأصحابها، خاصة بعد أن فقد وقف اطلاق النار في غزة معناه الإنساني، وبات رهينة حسابات إقليمية ودولية.
أما في الأفق، فستبقى القضية الفلسطينية ناراً تحت الرماد، تشتعل كلما ظن البعض أنها انطفأت، لان مأساة غزة ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة مباشرة لتحويل معاناة البشر الى ارقام في حسابات اللاعبين الكبار، اما الامل، فهو رهن بقدرة الفلسطينيين على تحويل هذا الصمود الى مشروع وطني جامع، يعيد تعريف القضية بعيدا عن لعبة الامم، ويعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني كقيمة وحق، لا سلعة تفاوضية على موائد اللئام، او في سوق الصفقات الرخيصة.





شارك برأيك
وقف إطلاق النار في غزة.. بارقة أمل أم فخ سياسي؟