أقلام وأراء

الخميس 10 يوليو 2025 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يصبح الراتب جمراً... !

في خضم مشهد سياسي واقتصادي معقد، يعيش الموظف واحدة من اسوأ الأزمات المعيشية منذ تأسست السلطة الفلسطينية، فمنذ العام 2021، لم يعد راتبه يصله كاملاً، او حتى في موعده، بل بات التأخير والاقتطاع هو السمة العامة، ولا نبالغ إن قلنا ان ذلك أصبح الوضع "الطبيعي"، خاصة مع استمرار صرف الراتب بنسبة لا تتجاوز سبعين في المئة، او أقل أحياناً، وتُرجع السلطة هذا التدهور الى تراجع المساعدات الخارجية بشكل غير مسبوق، واحتجاز الاحتلال لأموال "المقاصة" كإجراء عقابي، الى جانب عجز الحكومة عن إيجاد مصادر تمويل بديلة او مستقرة، الأمر الذي يزيد من اتساع الفجوة بين تطلعات الموظف ووعود السلطة. 

تاريخياً، شكلت الرواتب العمود الفقري لاقتصاد عشرات آلاف الأسر، خلال العقود الثلاثة الاخيرة على الأقل، ويستفيد منها قرابة ربع مليون شخص وأسرهم بشكل مباشر، بين موظف ومتقاعد وحالات تتقاضى – أو كانت - مخصصات شهرية، اعتمدوا عليها لتأمين حاجاتهم الأساسية، الا أن غلاء العيش، وتآكل القدرة الشرائية بفعل الارتفاع المتواصل عالمياً في أسعار سلع استراتيجية، او فرض ضرائب ورسوم إضافية وجديدة، حول الراتب الى مجرد محاولة يائسة لتدبير الحد الأدنى من ضروريات الحياة. 

وفي الوقت نفسه، لا ينظر الموظفون الى هذه الأزمة – وسابقاتها - باعتبارها نِتَاج عوامل خارجية حصرا، بل وجملة من العوامل الداخلية، تراكمت آثارها عبر سنوات، فسوء ادارة المال العام، وغياب الرقابة الحقيقية، ساهما في تفاقمها وسابقاتها، فلا تكاد تغيب عن الأذهان، او عن وسائل التواصل الاجتماعي، صور متكررة للامتيازات والمصروفات على بنود لا ضرورة لها، او تعيينات على أسس الولاء السياسي لا الكفاءة، كل ذلك يحدث فيما يُطلب - مرارا وتكرارا - من الموظفين، والفلسطينيين عموماً، الاستعداد لمعارك من التقشف، وشد الأحزمة، او التحلي بالصبر الجميل، المطالبات التي تبدو لهم ترفاً وتنظيراً، أكثر من كونها واقعاً ملموساً في سلوك المنادين بها وتفاصيل يومياتهم. 

اليوم، وبينما غزة تحت النار، ووجع القتل والتجويع والحصار، بدأت بعض النقابات المهنية بالتصعيد التدريجي، فشهدت الأيام الاخيرة إضرابات جزئية، نفذتها بعض النقابات الطبية، ولوّحت اخرى بخطوات مشابهة، ومطالبات من ثالثة للتحرك، لا سيما في قطاع التعليم وقطاعات عامة اخرى، للدخول في اجراءات مطلبية مشابهة، وبحسب التقديرات، فان استمرار العدوان على غزة يكاد يكون هو العامل الوحيد الذي يؤخر ذلك، وأن اللحظة التي سيُعلن فيها عن وقف إطلاق النار، قد تكون شرارة لاحتجاجات واعتصامات ومظاهرات أوسع، ومشهد قد يهدد بتفاقم الاوضاع بوتيرة متسارعة. 

ولا يخفى على المراقب ان علاقة السلطة بالنقابات لطالما شابها توتر خفي، فسبق ان تدخلت في تشكيل مجالس نقابية، علنا او من وراء ستار، واستثمرت بعضها كأدوات في الصراع السياسي الداخلي، خاصة بعد انتخابات 2006، او خلال سنوات الانقسام التي تلتها الى يومنا هذا، كما استغنت عن اخرى بعد ان استنفدت مهامها، هذا الإرث من التدخل، والتسييس، و"أمننة" ملف النقابات، أفقد كثيرين الثقة في ان هذه النقابات - بصورتها الراهنة - قادرة على حماية حقوق أعضائها بلا مساومات او إملاءات. 

وبالتالي، فان استمرار هذه الأزمة مرشح لان يترك آثارا اجتماعية تتجاوز حدود راتب غير مكتمل، لتصل الى مزيد من الإحباط العام، والشعور بانسداد الأفق، ولعل أخطر ما في المشهد أن موظفاً لا يثق بوعد من صاحب قرار، ولا بقدرة نقابة، قد يجد نفسه في نهاية المطاف مضطراً للخروج للشارع، ما لم تتخذ إجراءات حقيقية وعاجلة لاستعادة الثقة، وإظهار الجدية في ضبط النفقات، ومحاسبة الفاسدين، وتعزيز الشفافية، وحينها سيكون القادم أثقل مما يطيقه الجميع، ودون استثناء. 

لا يطلب الموظف أكثر من الحد الادنى من الشعور بالكرامة، داخل بيته وفي أسرته، مطلب يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه عصي على التحقق في ظل أزمات متراكمة، وسياسات لا تقدم سوى وعود مؤجلة، لكن الخوف، هو أن يتحول مطلبه لصرخة غضب، تتجاوز حدود الشكوى الصامتة، لا يمكن الهروب منها، او الالتفاف عليها.

دلالات

شارك برأيك

حين يصبح الراتب جمراً... !

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.