أقلام وأراء

الخميس 10 يوليو 2025 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

لا نحتاج إلى إمارات.. نريد حرية

 

 

كفلسطيني ينتمي بفخر لعائلة الجعبري في الخليل، أشعر-مثل كثير من أبناء عائلتي- بخيبة أمل عميقة من الطريقة التي تناولت بها صحيفة "وول ستريت جورنال" المرموقة هذه القضية الحساسة. لقد توقعت من صحيفة بهذا المستوى أن تتحرى الدقة في نقل الحقائق، وأن تفهم التعقيدات الاجتماعية والسياسية لمجتمعنا الفلسطيني، بدلاً من الترويج لمقترحات تفتقر إلى الشرعية الشعبية وتُقدَّم من قِبل أشخاص لا يمثلون إلا أنفسهم.

كنت في العاشرة من عمري حين اندلعت الانتفاضة الثانية، وتحولت شوارع حي الجعبري - شأنها شأن الأحياء الأخرى في المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة في الخليل - إلى مسرح لحركة الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية. ما زلت أذكر كيف كانت الدبابات الإسرائيلية تقصف أحياء أخرى من مسافة لا تتجاوز خمسمئة متر من منزلنا، وكيف كان الجنود يحتجزون والدي على الحواجز في طريقه اليومي إلى العمل. في نهاية المطاف، اضطرت عائلتي لمغادرة شقتنا المستأجرة في حي الجعبري - الحي الذي شهد طفولتي - تحت وطأة حظر التجوال المستمر والتصاعد المطّرد في عنف المستوطنين.

لذا، عندما أقرأ عن أحد أفراد عائلة الجعبري يدّعي، مع أشخاص آخرين يُسمّون أنفسهم "شيوخاً"، التحدث باسم جميع الفلسطينيين في الخليل، مقدماً ما يسميه البعض "طريقاً جديداً للسلام"، لا أستطيع إلا أن أتذكر حكمة قديمة: أخطر الأكاذيب هي تلك الملفوفة بثياب مألوفة.

الاقتراح الذي يروّج له الوزير الإسرائيلي نير بركات وأشخاص محليون يُسمّون أنفسهم "شيوخ" عائلات، يَعِد بالسلام من خلال التفتيت، مستبدلاً التطلعات الوطنية الفلسطينية بجموعة من "الإمارات" المحلية. لكن هذا ليس تفكيراً جديداً. إنه أقدم كتاب استعماري في التاريخ: فرّق تسُد، مُلبَّساً بحُلّة عصرية.

دعونا نكون واضحين بشأن ما يحدث حقاً. عندما يدّعي غير مفوضين من أي أحد أنهم يمثلون ما يقارب 800 ألف فلسطيني في الخليل، فنحن لا نشهد قيادة شعبية. نحن نشاهد محاولة لصناعة استسلام. السلطة الفلسطينية، رغم كل إخفاقاتها - وهي كثيرة - على الأقل انبثقت من حركة وطنية. ما يُقترح في هذا المقترح هو اختزال تطلعات شعب مشروعة للحرية والكرامة إلى برنامج تصاريح عمل.

ينبغي أن نتعلم من التاريخ. في عام 1993، اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود، متوقعة اعترافاً متبادلاً بالحقوق الفلسطينية في الحرية وإقامة الدولة. بعد ثلاثة عقود، لدينا المزيد من المستوطنات، والمزيد من نقاط التفتيش، واحتلال أكثر رسوخاً. تضاعف عدد المستوطنين تقريباً خلال سنوات أوسلو. والآن يُطلب منا أن نصدق أنه إذا قسّمنا أنفسنا أكثر - إذا أصبحت الخليل "إمارة" تعترف بإسرائيل كدولة يهودية - ستكون النتيجة مختلفة بطريقة ما.

المفارقة هي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو جعل من مهمته الأساسية تفتيت التمثيل الفلسطيني عمداً. حكومته سمحت بدخول الأموال لحماس لإضعاف السلطة الفلسطينية. في مؤتمر لحزب الليكود عام 2019، قال نتنياهو نفسه: "أي شخص يريد إحباط إقامة دولة فلسطينية عليه دعم تعزيز حماس وتحويل الأموال لحماس... هذا جزء من استراتيجيتنا - لعزل الفلسطينيين في غزة عن الفلسطينيين في الضفة الغربية". لقد عرقلوا كل محاولة لحكم فلسطيني موحد. والآن، بعد أن نجحوا في بلقنة السياسة الفلسطينية، يشيرون إلى هذا التفتت كمبرر لتجاوز التمثيل الشرعي تماماً.

ربما تفسر العقلية العسكرية لقادة إسرائيل هذا الاقتراح الساذج. فالوزير بركات الذي خدم في وحدة المظليين، ورئيسه نتنياهو الذي خدم في الوحدة الخاصة التابعة لهيئة الأركان (كلاهما من وحدات النخبة)، تدرّبا على رؤية كل مشكلة وكل تحدٍّ كمهمة تكتيكية يمكن حلها بالقوة أو الدهاء. لكن السابع من أكتوبر كان يجب أن يُعلّمهم أن التفوق العسكري لا يُغني عن معالجة الأسباب الجذرية. قد يقمعون الفلسطينيين مؤقتاً، لكن شعبنا سيواصل النضال من أجل حريته مهما بلغت قوة الاستراتيجيات العسكرية المستخدمة ضده.

يتحدث المقترح عن تصاريح عمل لـ 1000 عامل فلسطيني من الخليل في البداية، و قد تنمو إلى 50,000. لكن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى الصدقة؛ نحتاج إلى العدالة. لا نحتاج إذناً للعمل؛ نحتاج الحرية لبناء اقتصادنا على أرضنا.

كما تشير الرسالة المزعومة إلى "عدم التسامح المطلق" مع ما يسميه هؤلاء "الشيوخ" والوزير بركات بـ "الإرهاب" من قِبل العمال الفلسطينيين، وهو جزء مثير للغضب بشكل خاص، حيث يعكس اتهاماً ضمنياً بأن المجتمع الفلسطيني عنيف، علماً أنّ معظم الفلسطينيين يسعون إلى الحرية من خلال الوسائل السلمية. لكن عندما يُحرم الناس من القنوات السياسية المشروعة لتطلعاتهم، عندما تُغلق كل الأبواب أمام الكرامة وتقرير المصير، لا يجب على أحد أن يتفاجأ عندما يلجأ البعض إلى وسائل يائسة.

ما يجعل هذا الاقتراح مؤلماً بشكل خاص هو أنه يستغل الإحباط الفلسطيني الحقيقي من السلطة الفلسطينية. نعم، لقد خذلتنا السلطة بطرق عديدة. أصبحت منفصلة أكثر عن الشعب، أكثر راحة مع مظاهر السلطة في رام الله من العمل الشاق للمشاركة الشعبية. لقد تسامحت مع الفساد وفشلت في بناء زخم نحو الحرية. لكن الحل ليس التخلي عن مبدأ التمثيل الفلسطيني الموحد - بل المطالبة بالأفضل من قادتنا وبناء مؤسسات أكثر مساءلة.

يدّعي المقال أن قوات الأمن الفلسطينية "غير مرحب بها" في أحياء معينة في الخليل. هذا تحريف ذكي. إنهم غائبون ليس لأن السكان يرفضونهم، بل لأن إسرائيل تمنعهم من العمل في المنطقة (ج)، التي تبقى تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة. هذه هي نفس خفة اليد التي تميّز الاقتراح بأكمله: السعي إلى خلق ظروف تُفتّت المجتمع الفلسطيني، ثم استخدام هذا التفتت لتبرير المزيد من التقسيم.

يقول السيد بركات: "لا أحد في إسرائيل يؤمن بالسلطة الفلسطينية، ولن تجد الكثير من الفلسطينيين الذين يؤمنون بها أيضاً". ربما. لكن الجواب ليس استبدال السلطة الفلسطينية بنظام سيء ومُهين. الفلسطينيون لا يطلبون موافقة إسرائيلية على ممثلينا. نطلب الحق في اختيارهم بأنفسنا، لتشكيل مستقبلنا، للعيش كشعب حر في أرضنا.

لا نحتاج "شيوخاً" معيّنين من إسرائيل أو إمارات مجزأة؛ نحتاج المساحة الديمقراطية لاختيار قادتنا، لمناقشة مستقبلنا، ولبناء مؤسسات تعكس تطلعاتنا. على إسرائيل والعالم التعاطي مع الشعب الفلسطيني كما نحن: متنوعون، ديناميكيون، ولا نطالب بأقل من الكرامة وتقرير المصير التي تستحقها جميع الشعوب. الطريق إلى مستقبل أفضل لا يكون من خلال "الإمارات" أو الصفقات المجزأة مع ممثلين منصّبين ذاتياً. إنه يبدأ من خلال الاعتراف الحقيقي بالحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة، من خلال إنهاء الاحتلال بكل مظاهر تمكين الفلسطينيين من بناء مجتمعهم الحر والديمقراطي.

دلالات

شارك برأيك

لا نحتاج إلى إمارات.. نريد حرية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.