لم تكن المساعدات الدولية المقدمة للفلسطينيين يوما اجراء فنيا محضا، او استجابة انسانية محايدة، بل ارتبطت بتوازنات سياسية او صراعات نفوذ، حتى وان اتخذت شكلا ظاهريا من الدعم الاقتصادي او الخدماتي، فإنها غالبا ما اخفت في طياتها شروطا تمس جوهر استقلالية القرار الفلسطيني، فمع استمرار الاحتلال، وتعمّق الانقسام، وتآكل الافق السياسي، والحرب المسعورة على غزة، تحولت المساعدات من وسيلة دعم، الى اداة ضبط وتطويع، بل وسلاح يشهر بوجه الفلسطينيين.
الفلسطينيون الذين مُنّوا لعقود بالحرية والعودة والدولة، فلحقوا بركب الثورة، وقدموا ارواحهم وسني اعمارهم على طريق الحلم، اكتشفوا لاحقا ان ما قدم لهم بوصفه "مشروعا وطنيا" لم يكن سوى واجهة لتمكين مشاريع واستثمارات لأفراد يحملون صفة الوطنية، صيغت لاحقا على انها "المشروع الوطني"، فيما غاب الجوهر الحقيقي لفكرة التحرر والتمثيل الشعبي.
التحول الجوهري بدأ فعليا بعد اوسلو، يوم ربطت المساعدات المقدمة للسلطة الوليدة بمدى التزامها بالمسار التفاوضي، حتى وان كان ذلك بغرض استدامة حالة "المفاوضات لأجل التفاوض"، أو تكريس حالة "اللا-حل"، واضفاء شرعية واقعية على استمرار الاحتلال.
بعد ان منحت السلطة الفلسطينية، شكليا، صفة الجهة ذات الولاية السياسية والادارية، باتت "مضطرة" – او هكذا رُوّج - للتنسيق مع الاحتلال في ادق تفاصيل حياة الفلسطينيين، ضمن معادلة لم تنه الاحتلال، بل كرسته مسؤولا امنيا عن حياتهم، وشريكا اداريا في تفاصيلها اليومية، فكانت تلك بداية تفريغ السلطة من بعدها السيادي، والمساعدات من بعدها الحقوقي، لإعادة تشكيل البنية السياسية وفق منطق السيطرة لا التحرر، فغابت التنمية، وحل محلها نموذج اقتصادي هش، يقوم على الاعتماد لا الانتاج، لا يصمد امام اية هزة، حتى لو كانت عابرة، وتابع بالكامل، دون قدرة ذاتية على الانفكاك، أو الصمود منفردا، ما جعل الفلسطيني يدفع ثمن الارتباط كما محاولات الانفكاك، وبالتالي لم يكن الدعم بهدف التمكين، بل كإبرة تخدير، او محاولة لتجميل وجه الاحتلال، وجعله مقبولا، ضبط الفلسطينيين ليصطفوا "طوعا" داخل منظومة السيطرة، ودون كلفة مباشرة على الاحتلال.
الاطراف المنخرطة في منظومة المساعدات متعددة، ولكل منها اجندته الخاصة والعامة، فالولايات المتحدة، "المانح" الاكبر سابقا، اوقفت مساعداتها اكثر من مرة كعقاب سياسي، اما الاوربيون ورغم تبنيهم خطابا اكثر "توازنا"، الا ان تمويلهم مرتبط بشروط فنية لها توظيف سياسي، كالمناهج او اليات الرقابة على النفقات، وفي المقابل، تراجعت مساهمات العرب تدريجيا، في ظل تحولات اقليمية، ليترك الفلسطيني اعزل امام ضغوط المانحين الغربيين.
المفارقة ان المساعدات التي صممت لدعم صمود الفلسطينيين، ومساعدتهم على احقاق حقوقهم الوطنية، اصبحت اداة للتحكم في السلوك الجمعي، وتوجيه القرار السياسي، وتكريس الانقسام الجغرافي والمؤسساتي، تمر عبر شروط امنية اسرائيلية، ما يجعل منها ادوات تمويل لضمان بقاء السلطة ضمن سقف سياسي محدد.
والتسييس لم يقتصر على القرار السياسي، بل اصاب البنية المجتمعية ذاتها، وباتت قطاعات واسعة تعتمد على وظائف او مشاريع خارجية، ما عمق هشاشة الاقتصاد، وجعل من اي تهديد بوقف التمويل اداة فعالة للضغط، عززت من سطوة بيروقراطية المانحين والمنظمات غير الحكومية على حساب المؤسسات الرسمية والاهلية.
وبلغ التسييس اقصى درجاته في غزة خلال العدوان، حين تحولت المساعدات من شريان حياة الى مصائد موت جماعي، اودت بحياة المئات وهم يحاولون الوصول اليها، بعدما افرغت من بعدها الانساني تماما، وباتت تقدم كطعم او خدعة بصرية، لا كاستجابة اخلاقية دولية، أي انها اصبحت عنوانا لانهيار النظام الانساني العالمي، وتواطؤه بالصمت او العجز امام جرائم التجويع والابادة.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال مصيري نفسه، حول قدرة الفلسطينيون على اعادة تعريف علاقتهم بالمساعدات الدولية وتحريرها من قيود التبعية السياسية؟ ام ان السيناريو البديل هو استمرار الاحتلال، والانقسام، والعدوان، ما سيجعل من "الابتزاز الإنساني" واقعا دائما يفرض عليهم الاختيار بين الجوع والخضوع؟





شارك برأيك
المساعدات... من حق إنساني إلى أداة ابتزاز