منذ السابع من أكتوبر 2023، تشهد غزة مقتلة مفتوحة وغير مسبوقة من حيث الكثافة والمدة، تجاوزت في قسوتها كل ما سبق، وظلت عصية على الانطفاء رغم التداخلات الإقليمية والدولية، ففيما خاضت عواصم كبرى في الأقليم حروبا قصيرة، مقنّنة، سرعان ما خضعت او أخضعت لهدن مؤقتة أو دائمة، فقد ظلت غزة، وحدها، ساحة مفتوحة للقتل اليومي، وشاهدة على اختلال المعايير.
ما يجري في غزة ليس مجرد حرب تقليدية، بل حالة استثنائية تعيد تعريف معنى الحرب الحديثة، وتكشف حدود وقدرة النظام الدولي في التعامل مع "النزاعات" غير المتكافئة، حيث تحولت غزة الى ساحة مفتوحة للعقاب الجماعي، والتجويع، خارجة عن أي نظام ردع، او منطق التهدئة الذي يسري على سائر الجبهات.
أعلن بالأمس عن وقف إطلاق نار - هش- بين طهران وتل أبيب، بعد جولات تصعيد كادت تجر المنطقة إلى حرب شاملة، ورغم الخروقات، فان رغبة الطرفين في تجنب الانزلاق الى مواجهة إقليمية مباشرة بدت واضحة، حيث تسعى طهران للحفاظ على استراتيجيتها الاقليمية دون استنزاف مفتوح، فيما تدرك تل أبيب أن حربها مع إيران ستأتي على حساب “أولوياتها الداخلية" وعلى رأسها غزة، حيث هي الجبهة الحقيقية، لكن المفارقة هنا ان وقف النار بين خصمين استراتيجيين يمكن ان يفرض، ولو مؤقتا، بينما لا يجد أطفال غزة هدنة تخرجهم من تحت الركام.
غزة، في هذا السياق، لا تعامل كجبهة حرب، بل كمختبر دائم لاختبار حدود الصمت الدولي، الاطراف المنخرطة في الحرب تتعدى الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية، فثمة أطراف اقليمية ودولية تؤدي ادوارا متباينة؛ فالولايات المتحدة تواصل تمويل وتغطية المذبحة، متذرعة بحق الاحتلال في الدفاع عن نفسه، بينما يتآكل خطابها (الأخلاقي) مع كل مشهد جديد لمجزرة، وأوروبا تظهر ترددا لافتا بين واجبها القانوني وتحالفها السياسي، ينبع اساسا من التناقض بين القيم المعلنة والمواقف العملية، اما النظام الرسمي العربي، فهو يراوح بين بيانات شجب، ووساطات بلا أدوات ضغط حقيقي، ومواقف شعبية غاضبة تُقصى عن الفعل الرسمي.
ويبرز التناقض الأكبر في السياسات الغربية التي سارعت في حالات أخرى- كما أوكرانيا- إلى فرض العقوبات وتقديم المساعدات، بينما تكتفي في الحالة الغزية بـ"القلق" او الدعوة إلى "تجنب استهداف المدنيين"، رغم أن آلاف الصور والوقائع توثق حجم الكارثة، كما يظهر تحول واضح في تعاطي بعض الأطراف الدولية مع غزة، إذ باتت تُعامل كمشكلة إنسانية وليست كقضية تحرر وطني، ما يُعيد تشكيل الخطاب السياسي حولها بما لا يخدم مصالح الفلسطينيين عموما.
وسط هذه الحسابات، يبقى الانسان الفلسطيني الغزّي هو الحلقة "الأضعف"، في حي الشجاعية، تنام أرملة مع أطفالها السبعة في خيمة بلا ماء ولا كهرباء، وفي جباليا، يكتب أب على جدار بيته المهدم، كنا هنا، ولن نغادر، فمأساة غزة ليست فقط في القصف، بل في الإصرار على تجاهل دمها المسفوح جهارا نهارا.
وسواء استقر وقف اطلاق النار، أو لا ، فان الاحتلال سيعيد توجيه "غضبه" نحو غزة، باعتبارها الجبهة الحقيقية، وام الجبهات، ما يعني استمرار الحرب وتوسعها، قتلا وتدميرا، وسيسعى لفرض "نصر سياسي"، كجزء من كشف الحساب، وتبرير كلفة الحرب، ما قد يعمق "عزلة" غزة ويجعلها ساحة لتصفية الحسابات دون غطاء او دعم حقيقي.
هذا الاستثناء الغزّي يلقي بظلاله على المشهد الإقليمي؛ فبينما تسعى دول المنطقة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والأمنية عبر التهدئة والتطبيع، تشكل غزة عقدة، تُذكر الجميع بأن القتل مستمر، والحقوق لم ترد، وان اي محاولات للقفز عنها لن تُفضي إلى استقرار حقيقي، بعد ان كشفت الحرب عن حدود النظام الدولي في فرض القانون، حين يصطدم بالمصالح، وعن هشاشة العدالة الانتقائية التي تتذرع بـ"الواقعية السياسية".
وتبقى غزة، ساحة مكشوفة، لا تحكمها قواعد الحرب، ولا قوانين السلام، وتعبير صارخ عن فشل العالم في وقف آلة القتل، وعجز النظام الدولي عن مساءلة القاتل، إذا كان حليفا.
فهل ستبقى غزة خارج معادلة التهدئة؟ أم أن اشتداد المأساة سيخلق في النهاية معادلة ردع جديدة، تفرض على الجميع التراجع خطوة، عن نار أضرمت، ولم تُخمد بعد؟





شارك برأيك
كل الحروب تقيد وتخمد... إلا غزة!