أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 يونيو 2025 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

الشرق الأوسط الجديد.. حين تُبنى الأوهام على فوهة بركان!

أمين الحاج
 
حين صرح بنيامين نتنياهو بثقة زائدة :"قلت إننا سنغير وجه الشرق الأوسط، وهذا ما نفعله اليوم"، لم يكن يقصد التغيير بمعناه الإيجابي او الإصلاحي، بل خلق واقع إقليمي "جديد" يُبنى على حساب الشعوب وحقوقها، أو بكلمات أخرى، إعادة "هندسة" المنطقة وفق المقاسات الإسرائيلية والغربية؛ شرق أوسط خاضع، مدجّن، منزوع الإرادة، يدار بمنطق القوة والهيمنة، يفرض عليه سلام قسري، بينما تغتال قضاياه المركزية، وفي مقدمتها قضية فلسطين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، اي شرق أوسط هو الذي يُراد تشكيله؟ ومن المستفيد؟
قد لا يكون نتنياهو قد بالغ حين قال ان الشرق الاوسط يتغير، لكنه أغفل أن التغيير، كالتاريخ، لا يُحتكر، ولا يُدار بإرادة واحدة، فعلا، الشرق الأوسط يمر بتحولات دراماتيكية متسارعة، انهيار تحالفات، وظهور اخرى، اعادة فرز اولويات، ومعارك كبرى تعيد رسم المشهد؛ أبرزها حرب الإبادة المتواصلة على غزة، والحرب على ايران، واليمن ولبنان، و"انخراط" الولايات المتحدة فيها، لنجد ان أمن المنطقة بات اكثر هشاشة، بينما يَتكسر "حلم السلام" على جدران غزة وباب العامود، او بفعل احتقان شعبي عربي مكبوت، لم يمنح بعد حق التعبير عن نفسه.
 ورغم ان انظمة هرولت نحو التطبيع، ومشاريع تنمية اقليمية تعطلت، او كادت، فان هذه التغيرات - رغم دراماتيكيتها - لا يوجد ما يؤشر، او يضمن - على الأقل - "استدامتها"، ولا شيء يشي باستقرار طويل الأمد لها، بل ان كثيراً منها فوقي، مؤقت وهشّ.
المعادلة الأوضح اليوم هي ان الشرق الاوسط يدار كرقعة شطرنج؛ تل ابيب تسعى لتوسيع نفوذها وتصفية حساباتها، اما واشنطن فتتدخل حين تقترب النار من مصالحها، وتنسحب حين ترى الافق غامضا، او هكذا يبدو، في المقابل، ايران ترد بأساليب غير تقليدية، تركيا ومصر ودول عربية اخرى تعيد رسم ادوارها في بيئة جيوسياسية تتغير بسرعة، وإن بتردد.
غير ان الفاعل الأخطر - وربما الأهم - الذي يعيد فرض نفسه بهدوء، هو الشعوب، الشعوب العربية التي طالما صُورت كـ "كتل صامتة"، باتت اكثر وعيا بانفصالها عن حكامها، وباتت تدرك ان "الشرق الأوسط الجديد" يُبنى على انقاض ارادتها، فالهوة بين الحاكم والمحكوم بلغت ذروتها، ولم يعد الصمت يُفسّر قبولا، بل إن ما كان يحاك في الغرف المغلقة، قد ظهر للعلن، وقد يُفجر في الشارع، لحظة ما.
تل أبيب، التي ظنت انها باتت على مشارف "سلام دائم"، ستكتشف انها نبشت أعشاش دبابير، لا في فلسطين وحدها، بل في كل بيت عربي، فالغضب لم يعد فلسطينيا فقط، بل تراكميا، وممتدا، ومتجذرا، لأنها قد ايقظت في صدور العرب اسئلة الهوية والكرامة والعدالة.  
فليس التحول الجذري في اعادة رسم الحدود، او كسر التحالفات فقط، بل في التحول الهادئ والخطير في وعي الشارع العربي، وفي اللحظة التي ظنت فيها - تل ابيب - انها بلغت حلمها، ستكون - في حقيقة الامر - قد فتحت على نفسها جبهات لا عداد لها، فلم يعد التطبيع يُسكت الاصوات، بل يُنذر بالتحول الى حراك سياسي واجتماعي في اكثر من مكان، حتى وان كان - الى الآن - تحت الرماد.
 
حينها سيدرك الجمع ان حساب البيدر كان مختلفا كلياً عن حساب الحقل، وان ما يحدث اليوم ليس نهاية للتاريخ، بل بدايته الحقيقية.
فهل سنشهد شرقاً أوسط كما أراده نتنياهو، تكتب عليه فصول جديدة من التبعية باسم "الواقعية السياسية"؟ ام كما تصورته مراكز الأبحاث والدراسات؟ ام سيكتبه ابناؤه هذه المرة، فيكون التغيير آتيا من الداخل، من الشارع، من عمق المقهورين، من وعي الشعوب، تغييراً لا يستطيع الغرب التحكم في مجرياته كما كان يفعل في السابق؟ هذه اسئلة مفتوحة... والإجابات رهن شرارة الانفجار!

دلالات

شارك برأيك

الشرق الأوسط الجديد.. حين تُبنى الأوهام على فوهة بركان!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.