أقلام وأراء

الجمعة 20 يونيو 2025 9:09 صباحًا - بتوقيت القدس

الوقود يشتعل... وصنّاع القرار يتخبطون!

منذ الجمعة الماضية، تصاعدت حالة القلق في الضفة الغربية، وسرعان ما انعكست على الحياة اليومية، لتفجر أزمة محروقات خانقة، طوابير من السيارات والأفراد أمام محطات الوقود، وسعي للتخزين "المفرط"، فوضى وجريمة، ما يعكس أزمة ثقة عامة، وشعوراً متنامياً بانعدام الاستقرار، ما دفع باتجاه البحث عن أمان ذاتي، نتيجة للشعور بغياب الأمان الجماعي. 

والسؤال اليوم، كيف يمكن حل هذه الأزمة؟ وهل يمكن ذلك عبر الأدوات السعرية، كالتسعير التصاعدي؟ او الأدوات الكمية والتنظيمية؟ عموماً، يمكن للأدوات السعرية ان تكون وسيلة لضبط سلوك المستهلك، لكنها سلاح ذو حدين، خاصة في واقع هش، كواقعنا.

 اقتصادياً، التسعير التصاعدي قد ينجح جزئياً بكبح جماح المستهلك، خاصة لفئات لا تحتاج الى تخزين المحروقات، اي أن ارتفاع الأسعار قد يردع البعض عن شراء كميات تفوق حاجتهم، ما يكبح الطلب، ويخفف الضغط، أي أن تسعير تصاعدي "ذكي"، يمكّن من خلق توازن بين العرض والطلب، لكن، الاعتماد المفرط عليه دون إجراءات مصاحبة، قد يؤدي الى نتائج عكسية، والفئات الفقيرة ستكون أول الضحايا، وقد تعجز عن تلبية احتياجاتها الأساسية، وفي بيئة تفتقر للشفافية والرقابة، ما سيشجع على نمو سوق سوداء، وتهريب، أكثر من الآن. 

ومن المظاهر التي صاحبت الأزمة، تنقل المركبات - وحملة العبوات البلاستيكية - بين عدة محطات في اليوم الواحد، بحثاً عن الوقود، او للحصول على كميات أكبر، ما خلق ضغطاً إضافياً، وعمق الفوضى.

 

وللتعامل مع ذلك، يمكن تطبيق مجموعة من الحلول التنظيمية والتقنية، كاعتماد بطاقات تعبئة مؤقتة، تحدد كمية الوقود المسموح بها لكل مركبة خلال فترة معينة، او تطبيقات رقمية بسيطة، فضلاً عن توفير المعلومات حول وفرة المحروقات، او تسجيل المركبات لتقنين عدد مرات التزود بالوقود، او ربطه بعداد حركة المركبة، والاستفادة من الحلول الرقمية وغيرها من الإجراءات، للحد من الفوضى، وضمان توزيع أكثر عدالة، وفعالية. 

لكن تجدر ملاحظة أنه من المفارقات المصاحبة للازمة، أن صُنّاع القرار والقائمين على إدارة ملف المحروقات، والخدمات الأساسية عموماً، رغم كونهم من "التكنوقراط"، وأهل اختصاص، ووجودهم في مواقعهم مرتبط بكفاءاتهم الفنية، وقدرتهم على إيجاد حلول للأزمات، بعيداً عن الشعارات السياسية، الا ان أداؤهم أظهر عجزاً واضحاً عن إدارة الأزمة بكفاءة، فبدلاً من إجراءات عملية، وخطط واضحة المعالم قابلة للتنفيذ، ترصد -مسبقاً- السلوكيات الاستهلاكية المفرطة، وتضمن الحد الأدنى من العدالة، جاءت باهتة متأخرة، او كردة فعل، غلب عليها الطابع الارتجالي، او التركيز على "المنع"، دون إجراءات تضمن التنفيذ او الشفافية، فكانت أقرب الى الخطاب منها الى الفعل، ما يطرح تساؤلات حول فعالية الأدوات المستخدمة، وايضا حول جدوى الإبقاء عليهم في مواقع المسؤولية، دون حوكمة، وفي ظل غياب المساءلة.

وما يزيد من هذا التناقض، الخطاب الرسمي ذاته، والذي قلل من حجم - أو نفي وجود- الأزمة، بل وأرجع ذلك الى حالة "هلع" جماعي، وسلوكيات "غير منضبطة"، في خطاب افتقر الى المصداقية، أمام مشاهد الطوابير، والمحطات المغلقة كلياً، وغياب معلومات متاحة للجمهور توضح حالة المحطات، ووضعها الآني، ما يؤشر على غياب الشفافية والتخطيط، او ربما التعتيم المتعمد.

ولو سلمنا - جدلاً - بصحة الرواية الرسمية حول "استقرار" سلسلة التوريد، ما يعني ان الأزمة في سوء إدارة التوزيع، وضعف أدوات الضبط والتنظيم، سنجد أن من يحاول تبرئة نفسه، عبر تحميل المستهلك كامل المسؤولية، يكون في الواقع قد أقر - ضمناً – بفشله، فلو لم تكن هناك أزمة توريد، فكيف يفسر عدم الجاهزية لتنظيم التوزيع، او تفعيل الخطط لضبط السلوك الاستهلاكي في حالات الطوارئ؟ وبهذا المعنى، يتحول الخطاب الرسمي من تبرير، الى إدانة، أو إقرار بعدم القدرة على التخطيط، او المصارحة، وبالتالي اتجه للخيار الأسهل؛ لوم المستهلك.

 الأدوات السابقة قد تكون جزءاً من المعادلة، لكن الحل يكمن في التوازن بينها، فضلاً عن التخطيط الواعي، والتنبؤ بقادم الأزمات، فهذه الأزمة، قد لا تكون سوى راس الجبل الجليدي، أو الجزء الصغير الظاهر من سلسلة أزمات أعمق وأكبر، ما زالت تحت السطح حتى الآن، ما يتطلب الاستعداد لها جدياً، والتعامل بكفاءة وحكمة.

 

إن غياب الرؤية، وتكرار التعامل مع الأزمات بعقلية رد الفعل، لا يؤخر الحل فقط، بل يفاقم الحالة، فالمشكلة اليوم ليست في أزمة وقود، بل في وقود أزمات أشمل، تتغذى على غياب الشفافية، وانعدام المساءلة، وغياب التخطيط الاستراتيجي الواعي

دلالات

شارك برأيك

الوقود يشتعل... وصنّاع القرار يتخبطون!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.