في مشهد يجسد إرادة الحياة بأبهى صورها، وبعد خمسة عشر شهراً من اللجوء في الجنوب، حيث لا سقف يحمي من المطر، ولا دفء يبدد البرد الذي يلتهم العظام، ويزحف إلى الصغار ليلاً، فتحاول الأمهات أن تغطيهم بما استطاعت، فيما الرجال يجلسون على أطراف الخيام، ينظرون إلى الشمال البعيد، وكأنهم يستمدون منه القوة ليصمدوا يوما آخر، عاشوا جميعاً بين الشوق والأنين، فقدوا الكثير من الأحبة؛ فقدوا أباً أو أماً هنا، أخاً أو أختاً هناك، عائلات فرقتها حرب ظالمة، لكنها لم تستطع أن تمزق حنينهم للشمال، كما حنينهم للوطن.
عندما اشتدت الحرب، لم يكن لديهم خيار، فالقذائف كانت تهطل على رؤوسهم كـ"المطر"، والجدران تنهار فوقهم، والأرض تهتز تحتهم، أجبروا على ترك الشمال الذي عاشوا فيه ذكرياتهم، أفراحهم وأحزانهم، كانوا يعلمون أن المحتل يريد أن يقطع ما يربطهم بالشمال، لكنهم حملوا الشمال في قلوبهم، في نظرات أطفالهم وحنينهم المستمر، استقروا في الجنوب، أو هكذا كان يبدو، فكانت الخيام أشبه بمناف صغيرة، لا خصوصية فيها ولا دفئا.
وعندما جاء الخبر، فتحت الطريق إلى الشمال، لم يكن أحد منهم بحاجة إلى التفكير مرتين، الخيام تطوى، والحقائب تحمل، والأيدي ترتجف، ليس من البرد فقط، بل من شدة التوق إلى "هناك"، حملوا أثقالهم على ظهورهم، وأثقال قلوبهم في صدورهم، وركضوا، كأنهم في سباق، كانوا يعلمون أن الشمال لم يعد كما كان، وأن الدمار يحيط بكل شيء، فالبيوت قد سويت بالأرض، والحقول باتت قاحلة، لكنهم اختاروا الركام على "المنفى"، اختاروا العودة إلى مدنهم وأحيائهم المدمرة، فلم تكن العودة مجرد انتقال مكاني، بل كانت رحلة مليئة بالألم والأمل، تعيد رسم معاني الصمود الأسطوري.
على الطريق، كان المشهد مهيباً، قوافل من البشر، تمشي كأنها عائدة من الغياب، نساء يتوشحن السواد، رجال يحملون على أكتافهم هموم الفقد، آباء يحملون صوراً لأبناء لم يعودوا، أو لن يعودوا، أطفال يركضون حفاة، وكأنهم يبحثون عن دفء حضن غائب، كانت الوجوه شاحبة، لكن العيون تلمع ببصيص أمل، لم ولن يكسر، لم يكن الدرب سهلا، لكنه السبيل الوحيد نحو الكرامة.
في طريقهم إلى الشمال، مروا بمحور "نتساريم"، حصن بناه المحتل بليل كما اللصوص، ليكون رمزاً لسطوته، فعبد الطرق، وجهزه بـ"عناية"، حتى ظن ضعاف النفوس أنه باق، وأنه ثبت أقدامه في قلب الأرض، لكنه سقط، كما سقطت من قبله حصون وأسوار، وكما هو دائماً، إذا كانت بدايته مرتبطة بالدمار، فنهايته حتمية الخراب، وفي ليلة مليئة بالأقمار، كما لو كانت من صفحات التاريخ المتكررة، هدم كل شيء، حمله ورحل، وهو بذلك لم يفعل سوى تأكيد ما يعرفه الفلسطيني جيداً، فهو لا "يجيد" إلا القتل والتشريد، ولكن لا شيء يمكن أن يقف أمام إرادة الفلسطيني، فالحصون قد تبنى، لكن صموده أقوى.
وصلوا إلى الشمال، لم تكن هناك بيوت، إلا القليل، بل أنقاض وركام، لم يشعروا بالهزيمة، كانوا يعرفون أن الأرض لهم، وأن العودة هي الخطوة الأولى نحو إعادة البناء، وبدأ الأطفال باللعب وسط الركام، وكأنهم يرسمون مستقبلاً جديداً، بينما انشغل الكبار في جمع ما تبقى من ذكرياتهم.
سيذكر التاريخ، كما نذكر الآن، أنهم عادوا رغم أنف المحتل، وأن صمودهم لا مثيل له، سيكتب التاريخ عن إرادة لم تكسر، وعن حب، جعلهم ينهضون من تحت الركام، مرة تلو الأخرى، وسيخلد التاريخ في صفحاته، أن إرادة الحياة، جعلتهم يعيدون الحياة إلى أرض، ظن المحتل – واهماً - أنها ماتت، فالركض نحو الركام لم يكن مجرد عودة، بل كان بيان نصر، يقول في اول كلماته، إن الفلسطيني سيبقى صاحب الأرض، يزرعها نهاراً، ويخبئ فيها أحلامه ليلاً، حتى تتحول يوماً إلى حقيقة.





شارك برأيك
عائد إلى الشمال.. حين يكون الركامُ وطناً