أقلام وأراء

الجمعة 27 ديسمبر 2024 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

من بيت لحم إلى شميينغوى

مساء يوم الميلاد أعيش بيت لحم من بلد آخر. فرحها الغائب عن شوارعها، وشجرة الميلاد المتوارية من ساحة كنيسة المهد. لم يبق سوى فرح صامت في صالات الضيوف في منازل المسيحيين الفلسطينيين.


خارج هذه الصورة ملامح أخرى من تاريخ الشعوب. جنوب أفريقا، فيتنام، ناميبيا والجزائر. وكم من الشعوب تعرضت للاضطهاد والإبادة. منها من تحرر بعد أن دفع أغلى ثمن، مئات آلاف الضحايا، ومنها من ينتظر. في فلسطين مثال يتكرر كل عقد من الزمن، لكن شراهة المستعمر اختزلت المدة الزمنية بين سنة أو أكثر قليلاً، ونقطة الصفر المتحركة باتجاه المجهول.


ومن وحي الخيال الهائم في مدينتي بيت لحم في ذكرى ميلاد طفلها يسوع إلى صفحات التاريخ المثقلة بحروب الإبادة الجماعية، قمت بجولة واعية في مكان وزمن عاشا معاً في دولة ناميبيا، حيث مدينتي شميينغوى وسواكويموند. ذات يوم اغتنمه الحنين إلى بيت لحم كتبت:


خفقات شمس الشتاء ضعيفة،

أحيانا تظهر مستميتة،

ثم قبل الظلام،

النجم يطل على المهد من السماء.

كانت قبيلتا الهيريريو والناما تعيشان الفقر المقذع منذ قرون، لكن شعبيها اكتفيا بحالة الفقر الذي أنجبته الصحراء الواسعة ولذلك سميت نامبيا.


وقبل أن أسرد قصة قصية عن هذا البلد تساءلت حول ما إذا كان ما يسمى بالعالم المتحضر وهو ليس كذلك يدرب جنوده على أساليب القتل والتعذيب والانتقام من شعوب البلدان النامية بالقتل والاغتصاب والاستعباد بالأشغال الشاقة المؤبدة حتى الموت، واستغلال الموارد الطبيعية، ومصادرة الأراضي الشاسعة وإن كان عدد المستعمرين الألمان، ومن قبلهم الهولنديين لا يصل إلى واحد بالمئة من عدد السكان الأصليين كما كان في ناميبيا.


على مسافة قصيرة، أسس أحد أبناء قبيلة الهيريريو متحفاً صغيراً على ناصية الطريق، ابتغى منه إحياء ذكرى ضحايا معسكر الاعتقال الألماني، ومنهم جدته التي هربت وأعيد القبض عليها وقطع رأسها. 


في بداية الاستعمار سيطر المستعمرون الألمان على مناطق شاسعة، بالرغم من كونها صحراوية تسببت في وضع نهاية للمستعمرين الهولنديين، وطردوا الوطنيين الناميببين أبناء القبائل إلى مناطق خارج مدن المستعمرة بدون كهرباء أو أي خدمات، إلا أن المستعمرة قررت أن لا تلحقهم في قراهم الجديدة وأن تحولهم إلى عبيد يعملون لصالحها.


بجوار معسكر الاعتقال أكوام رمل من صحراء بلادهم الوطنية تغطي جثث مئات الضحايا. بعضهم قطعت رؤؤسهم بعد محاولتهم الهرب من المعتقل.


كان الجنود الألمان يجففون رؤوس الضحايا بعد قطعها ذبحاً، وبعد ذلك يغصبون نساء القبيلة المعتقلات في المعسكر الألماني على لحي جلدها وإبقائها جماجم لا زال بعضها يعرض في متاحف المانية وفي نيويورك وباريس وهولندا. هكذا فعلت ألمانيا باليهود وفرنسا بالجزائر إبان استعمارها.


كتب الأديب الناميبي باسيل لورانس "بيد أن تلك الأرض الوادعة تخفي بين طياتها تاريخاً دموياً: ذات يوم، كانت جزيرة القرش موقعًا لمعسكرِ اعتقال، والآن تعمل مكاتبُ محاماة على مقاضاة الحكومة الألمانيَّة بسبب دورها في الإبادة الجماعية لشعوب ناميبيا الأصلية."


صحيح أن ألمانيا اعترفت بحرب الإبادة التي راح ضحيتها مئات آلاف النامبيين إلا أن هذا الاعتراف لم يتوج بتعويض ذوي الضحايا، ولا زالت مساحات كبيرة من أراضي الدولة مستعمرة حتى اليوم.


بين وهج الخيال في بيت لحم الفلسطينية، وصفحات التاريخ الناميبي قصة شعبين عظيمين افترقا زماناً ومكاناً، لكن الاستعمار واحد في الفكر والجرائم وكراهية الآخر.


وفي المقابل، هناك بشر تجوب تحت جلودهم مشاعر موحدة تجاه الظلم والاستعباد والإبادة. شعبان يلتحمان بالتاريخ الفائض بالنضال ضد الاستعمار بالرغم من بعد المسافة الجغرافية بينهما.


كوني آمنة يا بيت لحم. سيتوهج نجم المساء في السماء فوق ربوعك الضيقة خلف الجدار، ولن تستطيع أية قوى استعمارية اجتثاث شعب من التاريخ الإنساني


دلالات

شارك برأيك

من بيت لحم إلى شميينغوى

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.