يهيمن على المشهد السياسي العربي بصفة عامة، والتونسي بصفة خاصة، فئات سياسية واجتماعية تستشعر رعباً حقيقياً من احتمالات التغيير الكامنة في الوجدان الشعبي. هذه النخب تحولت بمرور الوقت إلى قوى محافظة تستميت في الدفاع عن الأوضاع السائدة، توقياً من التبعات التي قد تترتب على تحرر الشعوب وانطلاقها من عقال التبعية.
إن مفهوم الحرية في جوهره يمثل انتقالاً حرجاً من حالة الجمود والاستقرار الزائف إلى حالة من الحركة وعدم اليقين، وهي مرحلة تتطلب زمناً طويلاً لإعادة بناء الاستقرار على أسس سليمة. هذا المسار الانتقالي يبدو مخيفاً ومكلفاً للقوى التي لا تملك الاستعداد لدفع أثمان التغيير، مما يدفعها للارتكاس نحو الحفاظ على الموجود باعتباره الخيار الأقل ضرراً.
تعد طبقة رأس المال في المنطقة العربية من أبرز القوى المحافظة، حيث لا يمكن مقارنتها بالبرجوازية الغربية التاريخية التي قادت التحولات الديمقراطية. فهذه الطبقة في سياقنا العربي هي نتاج مباشر للأنظمة السياسية التي اصطنعتها لتكون حزاماً اقتصادياً يضمن بقاء السلطة مقابل الامتيازات المالية.
رغم أن التحولات العالمية تتيح فرصاً اقتصادية هائلة في ظل مناخات الحرية، إلا أن أصحاب الرساميل آثروا الدفاع عن مصفوفة منافعهم الضيقة برفض كل تغيير جذري. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال اختبارات الربيع العربي، حيث انحازت هذه الطبقة لكل ما يمثل روح الأنظمة القديمة وضخت أموالاً طائلة لوأد أي حراك سلمي.
تفتقر هذه النخب الاقتصادية للأهلية اللازمة لقيادة تغيير اجتماعي أو فكري، فهي طبقة تعيش حالة من الموت السريري معرفياً، ولا تنتج برامج تطويرية حقيقية. إن أقصى طموحاتها يتمثل في تأبيد الوضع الراهن، وهو ما يفسر غياب دعمها للثقافة أو التعليم، مفضلةً العيش في كنف أنظمة ترفض الانفتاح.
على الجانب الآخر، تبرز نخب الحداثة التي ترفع شعارات الليبرالية واليسار والقومية في أدبياتها النظرية، بينما تمارس في الواقع سلوكاً معادياً لتحرر الشعوب. لقد كشفت المحطات السياسية الكبرى عن فجوة هائلة بين الكراسات النظرية لهذه النخب وبين ممارساتها التي باركت في كثير من الأحيان تحطيم الصناديق الانتخابية.
لقد رصدت مصادر سياسية انحيازاً واضحاً من قوى حداثية لصالح القوى العسكرية في عدة دول عربية، حيث تم وصم الحراك الشعبي بالمؤامرة لتبرير الانقلابات. هذا السلوك نابع من فكرة مؤسسة ترى أن أي حرية قد تمكن الخصم السياسي، وتحديداً التيار الإسلامي، من المشاركة هي حرية يجب قطع الطريق أمامها.
الحرية تعني الانتقال من وضع جامد إلى وضع متحرك وغير يقيني، وهذا المرور مخيف ومكلف للخائفين من دفع الأثمان.
يفضل هؤلاء الحداثيون المحافظون بقاء الأنظمة الدموية والشمولية على أن يتحرر الشعب ويختار ممثليه بإرادة حرة، وهو تناقض صارخ مع مبادئ الحداثة. بل وصل الأمر ببعضهم إلى الحنين لنماذج حكم استبدادية سابقة، متناسين عقوداً من النقد المرير الذي وجهوه لتلك الأنظمة قبل أن يضعهم اختبار الحرية في مواجهة الحقيقة.
إن الخوف من الحرية لدى هذه النخب يعود في جزء منه إلى إدراكهم بأن ميزان الشارع لا ينصفهم، وأن مشاريع التحديث التي تبنوها لم تلامس تطلعات الناس. وفي المقابل، أثبتت الجماهير التي توصف بالبساطة قدرة أكبر على قبول التغيير والصبر على مشاق الطريق الفاصل بين الاستبداد والحرية.
بالنظر إلى تجربة التيارات الإسلامية، نجد أنها كانت الطرف الذي حاول حماية الحريات في زمن التأسيس الأول بعد الثورات العربية، رغم كل محاولات ترذيل تجربتهم. لقد ساهموا بشكل فعال في ترسيخ أسس العمل الديمقراطي في تونس ومصر، ودفعوا كلفة سياسية وإنسانية باهظة نتيجة تمسكهم بهذا المسار.
لا يمكن بناء نظام حر ومستقر إذا انفرد فريق واحد بالدفاع عن الحريات بينما تتخندق بقية النخب في معسكر الثورات المضادة أو الصمت المريب. إن طريق الحرية يتطلب بالضرورة تحولاً في عقل النخبة الاقتصادية والحداثية، وهو مسار يبدو أنه لا يزال طويلاً وشاقاً في ظل المعطيات الراهنة.
المشهد السياسي العربي الحالي لا يزال محكوماً بعقلية أعداء الحرية، في وقت يقبع فيه أنصار التغيير الحقيقي خلف القضبان أو في المنافي. ورغم أن روح الحرية لا تزال تختمر في قلوب الشعوب، إلا أن الحديث عن انفراجة قريبة يتطلب تريثاً وقراءة دقيقة لموازين القوى على الأرض.
إن محاولات الأنظمة الانقلابية لتغيير واجهاتها العسكرية أو السياسية ليست سوى عمليات تجميلية تهدف للحفاظ على جوهر الاستبداد القائم. هذه السياسة المحافظة تسعى لإطالة أمد الوضع الجامد، لكنها تصطدم دائماً بسؤال الوجود الذي يهدد الكراسات المهترئة التي يقرأ منها أعداء التغيير.
في نهاية المطاف، يبقى الصراع في المنطقة العربية صراعاً بين إرادة التحرر وبين قوى تخشى فقدان امتيازاتها في ظل دولة القانون والمواطنة. وإن كانت الطريق طويلة، فإن الوعي بتناقضات النخب المحافظة يمثل الخطوة الأولى نحو استعادة المبادرة الشعبية وبناء مستقبل لا يخشى فيه الحاكم من حرية المحكوم.





شارك برأيك
هواجس التغيير: لماذا تخشى النخب العربية استحقاقات الحرية؟