فلسطين

الجمعة 05 يونيو 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

استراتيجية "الشتات": هل تنجح إسرائيل في تفكيك الحاضنة الشعبية للمقاومة بلبنان؟

تتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لتتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة نحو استراتيجية أوسع يصفها مراقبون بـ"الشتات". تهدف هذه السياسة إلى تفكيك البيئة الحاضنة للمقاومة عبر تحويل القرى والبلدات إلى مناطق غير صالحة للسكن، مما يجبر السكان على النزوح الدائم بعيداً عن حدودهم.

أفادت مصادر بأن الجيش الإسرائيلي انتقل من مرحلة استهداف البنية التحتية العسكرية إلى مرحلة "الإبادة العمرانية". هذه الاستراتيجية تعتمد على قضم الأراضي وتدمير المراكز الحيوية في مدن كبرى مثل صور والنبطية، لفرض واقع جغرافي جديد يمنع عودة الحياة الطبيعية إلى تلك المناطق في المدى المنظور.

تشير البيانات إلى أن حجم النزوح القسري وصل إلى نحو مليون و200 ألف شخص، في ظل استمرار الغارات المكثفة التي خلفت آلاف القتلى والجرحى. ويرى خبراء عسكريون أن إسرائيل تطبق سياسة "الأرض المحروقة" الممتدة من جنوب نهر الليطاني وصولاً إلى مناطق شمال الزهراني، لتأمين منطقة عازلة واسعة.

تتضمن الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء مساحات شاسعة تصل إلى خُمس مساحة لبنان الكلية، مما يعكس رغبة في إحداث تغيير ديموغرافي طويل الأمد. ويهدف هذا الإجراء إلى تقليل الكثافة السكانية المدنية، مما يمنح الجيش الإسرائيلي حرية أكبر في العمليات العسكرية دون قيود سياسية أو إعلامية دولية.

يرى محللون سياسيون أن الهدف من تهجير سكان الجنوب هو خلق توترات طائفية واختلالات في التركيبة السكانية اللبنانية الهشة. فنزوح أعداد كبيرة من مكون اجتماعي معين إلى مناطق أخرى قد يفجر صراعات داخلية على الموارد والبنية التحتية، وهو ما تراهن عليه إسرائيل لتأليب الرأي العام ضد المقاومة.

في المقابل، تعتمد المقاومة خطة مضادة ترتكز على الدعم الاجتماعي والمادي للحفاظ على ترابط بيئتها الحاضنة. وتعمل شبكات الإغاثة والتعويضات على تعزيز صمود النازحين ومنع تحول النزوح المؤقت إلى قطيعة نهائية مع الأرض، معتبرة أن البقاء والعودة يمثلان شكلاً من أشكال المقاومة المدنية.

على الصعيد الميداني، تؤكد مصادر عسكرية أن التهجير لم يؤدِ إلى انهيار الهيكل التنظيمي للمقاومة، بل زاد من إصرار المقاتلين على خوض حرب عصابات استنزافية. وتستخدم المقاومة حالياً تقنيات متطورة تشمل مسيرات انتحارية تعمل بالألياف البصرية لإفشال محاولات التثبيت الإسرائيلي في القرى الحدودية.

تتزايد المخاوف من أن إسرائيل تسعى لإنشاء منطقة عازلة دائمة على غرار تجارب سابقة في غزة وسوريا. هذا التوجه قد يحول الجنوب اللبناني إلى منطقة صراع مستمر، حيث يرفض السكان المحليون التنازل عن حقهم في العودة إلى منازلهم رغم حجم الدمار الهائل الذي طال آلاف الوحدات السكنية.

أوضحت دراسات حديثة أن الالتفاف الشعبي حول المقاومة في البيئة الشيعية لا يزال قوياً رغم الضغوط الاقتصادية والنفسية الهائلة. وأظهرت استطلاعات رأي محلية أن هناك رفضاً عاماً لأي طروحات تتعلق بنزع السلاح أو الاستسلام للمشاريع الإسرائيلية التي تستهدف الوجود الديموغرافي للمكونات اللبنانية.

يعتبر مراقبون أن إسرائيل تراهن على "عقيدة الركام" لتدفيع المدنيين ثمناً باهظاً مقابل دعمهم للمقاومة. ومن خلال تدمير الضاحية الجنوبية وأجزاء واسعة من البقاع، تحاول تل أبيب إرسال رسالة مفادها أن تكلفة الاحتضان الشعبي للمقاومة ستكون فقدان المأوى والاستقرار الدائم.

من جهة أخرى، يرى خبراء أن العامل الحاسم في هذا الصراع هو قدرة المجتمع اللبناني على التكيف مع الأزمات المتلاحقة. فالتجارب التاريخية منذ عام 1982 تثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لكسر إرادة الشعوب إذا ما حافظت البيئة الاجتماعية على تماسكها الأساسي وقدرتها على إعادة الإعمار.

هناك خشية حقيقية في الأوساط السياسية اللبنانية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تغيير وجه لبنان الطائفي والسياسي. فغياب مشروع وطني جامع لمواجهة هذه المخاطر يجعل البلاد عرضة للتدخلات الخارجية التي قد تستغل أزمة النازحين لفرض أجندات سياسية معينة تخدم المصالح الإسرائيلية.

تؤكد مصادر مطلعة أن المقاومة نجحت طوال العقود الأربعة الماضية في بناء مجتمعات مغلقة يصعب اختراقها أمنياً أو سياسياً. وهذا البناء التنظيمي المتين هو ما يحول دون نجاح استراتيجية الشتات الإسرائيلية في تحقيق أهدافها النهائية المتمثلة في تفكيك الحزب من الداخل عبر الضغط الشعبي.

في نهاية المطاف، يبقى المشهد اللبناني مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل حرب كبرى تتجاوز الحدود الإقليمية. وبينما تراهن إسرائيل على عامل الوقت والضغط العسكري، تراهن المقاومة على استنزاف العدو ميدانياً وصمود حاضنتها الشعبية لإفشال مشروع التهجير والاحتلال الدائم.

دلالات

شارك برأيك

استراتيجية "الشتات": هل تنجح إسرائيل في تفكيك الحاضنة الشعبية للمقاومة بلبنان؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.