بعد حالة الغليان والتوتر التي تسببت بها ثورات الربيع العربي والشعور بالفزع والخوف في إسرائيل من تداعيات الاحتجاجات الشعبية الكبيرة، التي عصفت بالكثير من الأنظمة السياسية الصديقة والموالية للغرب ولإسرائيل، ومع التخوف من انتقال حمى هذه الاحتجاجات والاضطرابات لدول أُخرى محكومة بنُظم ثورية وشعبية معادية وكارهة لوجود إسرائيل، التي شعرت بأنها ستكون مجرد جزيرة في بحر من الكراهية لوجودها غير الشرعي ولسياساتها العنصرية المعادية للفلسطينيين ولكل ما هو عربي، فإنّ بعض المحللين والخبراء العسكريين الإسرائيليين طالبوا حكوماتهم المتعاقبة بالاستعداد لخوض معارك طويلة المدى وعلى عدة جبهات، لا سيما أن الدورين الإيراني والتركي أخذا بالانتشار بقوة في الشرق الأوسط، على حساب ترهل عدد من الأنظمة العربية، مع غياب ملحوظ ونسبي في الدور الإسرائيلي.
لم تتقبل إسرائيل الحياة وسط عالم عربي تسوده الديمقراطية، وتحكمه نظماً مستقلة عن القوى الكبرى تملي عليها سياساتها الداخلية والخارجية، ومن هنا قررت إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة اعتماد نهج العداء للربيع العربي، فعادت بمحاولاتها الشيطانيّة التي لم تهدأ وأكدت على دورها الذي يعتبر بمثابة كابوس يهدد السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي، لأن إسرائيل تستكثر على الشعوب والمواطنين العرب حقهم في العيش في أوطان حرة وديمقراطية، بكرامة واحترام لحقوقهم.
من بين دراسات المحللين الإسرائيليين واحدة لأحد كبار المحللين والأكاديميين الإسرائيليين في مجال العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، ولا نبالغ إذا ذكرنا أن دراساته ومقالاته تعكس الرؤية الرسمية الإسرائيلية، وهو البروفيسور إفرايم أنبار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية، الذي توقع بأن غياب وجود ثقافة سياسية ديمقراطية ليبرالية، تجعل من المحتمل أن هذه الاحتجاجات الجماهيرية الساعية لتحقيق التغيير السياسي أو الديمقراطية ستفشل وتذهب أدراج الرياح، وتوقع بدلاً من ذلك أن تظل الأنظمة الحالية باقية في السلطة أو يتم استبدالها بدكتاتوريات جديدة، معتدلة أو متطرفة، وهذا ما حصل وبدأت الأمور في الانحسار، بعد أن تركت أثراً واسع النطاق على المنطقة.
وتوقع أنبار أن تستعيد إسرائيل دورها كدولة قوية، مع خشية الأنظمة العربية من المشاكل الداخلية، فعادت قوة الردع الإسرائيلية في الحرب على غزة ولبنان، وفي ترسيم المشهد السوري وانتهاك كرامة البلدان العربية، بدعم أميركي واضح، حيث نجحت الولايات المتحدة بإعادة مركزها الضاغط والمؤثر في الشرق الأوسط، وهو ما أفرزته نتائج الحرب الحالية.
الثورات العربية كانت سراباً ووهماً في معظمها، وجاء الفعل الحقيقي الرافض لدور إسرائيل في المنطقة ككيان محتل من المقاومة الفلسطينية، ومن أحرار ونشطاء عرب في بعض الدول، فلم يرق الأمر لإسرائيل والولايات المتحدة، فشنت إسرائيل حرب إبادة على قطاع غزة، وهاجمت لبنان بحرب خاطفة وها هي تحتل أجزاء من سوريا، لتثبت أنّ نهجها لا يعترف على الإطلاق بالسلام، بل بنزعة العنصرية والاحتلال والكره للعرب والفلسطينيين، وأطلقت العنان لأجهزتها المختلفة لاغتيال رموز فلسطينية وعربية، لتجلس هذه الأيام على (الحيطة لتسمع الزيطة) التي تغذيها في سوريا، وتسعى لنقلها لدول أُخرى من أجل إضعاف الدور الإيراني في المنطقة وهذا ما حصل فعلاً، والاستمرار بدعم أميركي واضح لترسيم شرق أوسط جديد يشارك فيه بعض القادة العرب وأنظمتهم ودولهم، مع الاعتراف بوجود حالة معقدة في العالم العربي، ورغم ذلك فإن الدول الضعيفة والمهادنة ذهبت لتعزيز علاقاتها مع إسرائيل من وراء الكواليس خشية تمدد الدور الإيراني، الذي قررت إسرائيل التصدي له بالتوازي مع تصديها لدورَي حماس وحزب الله.
مشهد الشرق الأوسط الذي ترسمه كل من إسرائيل والولايات المتحدة هو من أخطر المشاريع التي تواجه المنطقة، وهو يرتبط بحتمية التفوق العسكري التقليدي لإسرائيل، التي لا تريد رؤية أصوات أو رؤوس عربية مرفوعة، فذهبت لتدمير لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية، وقضت على ٨٥ بالمئة من قدرات سوريا العسكرية، بعد أن عززت نفقاتها الدفاعية، واستغلت الاستثمارات والامتيازات الأميركية، وعندما ذهب أنبار لتحليل صورة الوضع قبل ١٣ عاماً، بضرورة حماية ما تسميه إسرائيل حدودها، فإنها نجحت بما هو أبعد من ذلك هذه الأيام، فلقد وسعت حدودها وانتهكت سيادة دول في المنطقة، ويبدو أنها ستواصل احتلالها لفترة طويلة، وهذا يعكس السلوك الإسرائيلي الذي يعتمد على سياسة الاحتلال.
نصح أنبار إسرائيل بتعزيز تعزيز شراكتها مع الولايات المتحدة، فجنت من وراء ذلك دعماً شيطانياً أميركياً، يتسبب حالياً بمشهد ترسيم شرق أوسط جديد على المزاج الأميركي الإسرائيلي، وعلى الدول العربية ودول الجوار الانتباه لامكانية اشعال جبهة جديدة من التوتر والمشاكل، لأن ذلك هو هدف اسرائيلي أميركي بامتياز، وهما يحترفان اليوم باصطناع الكراهية والعدوانية ضد العرب والفلسطينيين، الذين يتوجب عليهم الوعي والتيقظ من المساعي الغربية لتشويه المشهد العربي والفلسطيني.





شارك برأيك
الشرق الأوسط إلى أين؟