أقلام وأراء

الأحد 08 ديسمبر 2024 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

التقسيم يؤسس للترسيم

بسرعة فائقة بدأت خريطة التغيير في سوريا تظهر على الملأ، بعد مواصلة قوى المعارضة سيطرتها على مدن رئيسية، فبعد حلب وحماة وإدلب، وكل من القنيطرة ودرعا والسويداء في الجنوب، بات طموح هيئة تحرير الشام، وهي إحدى الأذرع الرئيسية المؤثرة في نهج المعارضة، الوصول  إلى دمشق التي تتحصن فيها معظم قوات الجيش النظامي السوري، لكن عدداً كبيراً من الضباط والجنود وعائلاتهم نزحوا إلى العراق بعد أن ألقوا بأسلحتهم، وهو الأمر الذي سيساعد المعارضة في عملية سيطرة سريعة محتملة على العاصمة، وبالتالي انهيار نظام بشار الأسد بعد ٢٤ عاماً في الحكم.


تظهر ملامح وعلامات الانهيار الأولية من خلال غياب الدور الروسي الفاعل بسبب الانشغال بالحرب الأوكرانية، إضافة لخروج حزب الله وإيران من الساحتين اللبنانية والسورية، وهو ما يؤسس لوقائع جديدة تتقدمها عملية تقسيم سوريا، في ضوء غياب أي افق سياسي في هذه المرحلة لوضع حد لهذه الفوضى العارمة، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة، رغم تصريحات رئيسها المنتخب ترمب بأن الصراع في سوريا شأن داخلي، من أكثر المعنيين بالحفاظ على دورها في سوريا، ورفع وتيرته إلى درجة الهيمنة، وهذا ما أشار إليه  قائد هيئة تحرير الشام عندما قال إنه لا حاجة لوجود قوات أجنبية في سوريا، إلا إذا كان ذلك يصب في المصالح العليا للوطن، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى كان تواجد القوات الأميركية في سوريا من أجل المصالح العليا؟


تسعى الولايات المتحدة ومعها إسرائيل لخطة ترسيم كاملة للشرق الأوسط، ولطالما خططتا لذلك، وبعد وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، جاءت شرارة المعارضة السورية التي توجهها الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا بشكل جزئي، لبدء النزاعات العسكرية المسلحة، من أجل القضاء على النظام السوري، وبدء عملية تقسيم يشرف عليها الساسة، لتصب في نهاية المطاف في صالح الشرق الأوسط الجديد الذي يستهدف مجمل اهداف المنطقة، حيث تقول وسائل إعلام اسرائيلية بشكل واضح، إن انهيار نظام الاسد سيخلق تغيرات دراماتيكية في الشرق الأوسط.


يبدو أن حساب البيدر ليس كحساب الحقل لدى إسرائيل، لأن وجود أكثر من قوة في الصراع السوري فرض على إسرائيل التحرك وتحديد الخطوط الحمراء الرئيسية لها، وفي مقدمتها عدم عبور خط وقف إطلاق النار الموقع عام 74 من قبل قوات المعارضة ومنع وصول الميليشيات الإيرانية إلى سوريا، وهددت إسرائيل أنه إذا تم تجاوز واحدة أو أكثر منها، فيمكن التقدير أنها ستعمل بشكل هجومي في هذه الساحة وليس دفاعياً فقط، حسب التهديدات الإسرائيلية.


واضطرت إسرائيل بعد التطورات المتسارعة، للدفع بقوات كبيرة لهضبة الجولان السورية المحتلة، ويبدو أنها قلقة للغاية من إمكانية توغل قوى معارضة وثوار الى الجولان، حيث قررت رصد تحركاتهم من اجل منع وصول مخزونات الذخيرة التابعة للجيش السوري لأيدي المعارضين، بهدف الحيلولة دون استخدامها ضدها مستقبلاً، إضافة لتهديدها إيران بمنع تسليح النظام السوري، وسعيها لدعم الأكراد وحلفائها، وضمان استقرار الأردن الذي تدعي إسرائيل أنه يمثل أولوية قصوى لها.


أمام هذه الأهداف يمكن القول إن الدور الإسرائيلي لن يقتصر على ما تصفه بالدفاع، وإنما سيتجاوز ذلك إلى الهجوم، حيث اعتادت إسرائيل على إثارة المشاكل والقلق والتوترات في المنطقة، ولا شك أن سوريا اليوم هي المستهدفة والضحية الأكبر تحت مقص الرقيب الإسرائيلي، الذي يسعى للتقسيم مدعوماً من الولايات المتحدة وتركيا، في مؤامرة على عروبة سوريا، من خلال الدفع بمشروع تدميري تنفذه  قوى المعارضة، وإذا ما سقطت دمشق فإن عواصم عربية وإسلامية أُخرى قد تسقط في فخ وخطط ومؤامرات إسرائيل، وكل ذلك من أجل ترسيم شرق أوسط جديد يتوافق  مع السياسة الإسرائيلية التي تدعمها الولايات المتحدة بقوة


دلالات

شارك برأيك

التقسيم يؤسس للترسيم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.