أقلام وأراء

الإثنين 26 فبراير 2024 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس

على الأوروبين إدراك مخاطر مواقفهم .

لقد اَن الأوان لأوروبا أكثر من أي وقت مضى أن تبحث عن دور مستقل لها وتبتعد عن تبعية السياسة الخارجية الأمريكية بشأن قضيتنا الوطنية، وذلك بالرغم من الأزمات الأوروبية القائمة اليوم، وأن تأخذ دورها وزمام المبادرة، وتحاول القيام بما لم تقم به الولايات المتحدة لاعتبارات مختلفة كنت قد تحدثت عنها في مقالات سابقة.

المطلوب دور أوروبي يتفق ويتماثل مع الانظمة الأساسية لدولها، ولأسس نشوء الأتحاد الأوروبي، بما يساهم في إعادة رسم العلاقة مع اسرائيل وممارسة الضغط الفعلي عليها، للوصول إلى ما ينهي الظلم التاريخي الاستعماري بحق شعبنا، ويحقق العدالة النسبية لقضية السلام والأمن والاستقرار بالمنطقة، والحرية وحق تقرير المصير لشعبنا، ويضع حدا لتطور نشوء نظام فصل عنصري جديد بعد سقوط سابقه في جنوب إفريقيا.


والأهم الآن وقف هذا العدوان الجنوني من الابادة الجماعية، الذي لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا له.

وحيث أن حكومة الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي الجديدة أصبحت تحمل طابعا فاشيا دينيا اكثر وضوحا، ومنفّراً للمجتمع الدولي، وبالتأكيد لقيم ومبادئ الاتحاد الأوروبي النظرية، يسقط فيها ادعاء "حالة احتلال عسكري مؤقت" ومقولة الادعاء "بديمقراطية اسرائيل"، فهذه فرصة الآن أمام الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء لإعادة النظر بالعلاقة القائمة مع اسرائيل، والتي تتمثل اساسا بالعلاقة الاستراتيجية بينهم، سندا لاتفاقية الشراكة ولأشكال التعاون بالقطاعات المختلفة ومنها العسكري.

ان معظم برلمانات دول الاتحاد الأوروبي كانت قد اتخذت قبل سنوات توصيات تدعو حكوماتها للاعتراف بدولة فلسطين المستقلة والمتواصلة وذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية ، واتخاذ قرارات تتعلق بإدانة الاستيطان ومقاطعة منتوجاته، كما ودعا برلمانيون واحزاب ونقابات وبلديات اوروبية الى فرض عقوبات على هذه الدولة العنصرية المارقة، والتنديد بسياساتها الوحشية في كافة المحافل الدولية والاقليمية، في مواجهة تداعيات استمرت اكثر من سبعة عقود، منذ نشوء هذه الدولة الاستعمارية، التي تنفذ منذ البدايات مشروع التطهير العرقي والابارتهايد والاحلال السكاني لمجموعات استيطانية على حساب حقوق شعبنا في أرضه. كما تشهد شوارع المدن الأوروبية مظاهرات مليونية تندد بجرائم دولة الأحتلال الاستعماري، وبسياسات الحكومات الاوروبية المنحازة والتزامها بسياسات البيت الابيض .

الا انه وبالرغم من كل ذلك النهوض الشعبي الأوروبي المتضامن مع شعبنا، فقد استمرت حكومات دول الإتحاد الاوروبي في اتباع سياسات انتقائية تعتمد ازدواجية المعايير تجاه تداعيات الاحتلال الإسرائيلي، مقارنة مع القضايا الأخرى الناشئة بالعالم، بل والى مساواة الضحية بالجلاد كأساس للعديد من مواقفها اللفظية، ولإشادة مسؤولين في الاتحاد الأوروبي "بنموذج ديمقراطية إسرائيل" لفترة طويلة من الزمن.

ان على الاتحاد الاوروبي اليوم ان يدرك أمام صعود الفاشية الدينية في نظام دولة الاحتلال بشكل واضح، وما له علاقة بذلك من اجراءات تتخذها حكومتهم بشأن اقرار تشريعات جديدة أضافت جوهرا عنصريا من خلال قانون قوميتهم اليهودية، والمتمثلة في سحب الجنسيات من الفلسطينيين من ابناء الداخل، وتحديدا الأسرى منهم، وقانون منع رفع العلم الفلسطيني، التي اتخذت قبل العدوان الجاري. كل هذه الإجراءات وغيرها تتسم بشرعنة العنصرية وتشكل انتهاكات واضحة للقانون الدولي الإنساني، والاعلان الأساسي لحقوق الإنسان الذي يفترض ان يمثل جوهر الثقافة الأوروبية والمبادئ الأساسية للاتحاد الاوروبي. وكل هذه الإجراءات تشكل خطرا على استقرار المجتمعات الأوروبية نفسها من جهة اخرى .

ان ما يجري اليوم من عدوان الابادة، بشراكة أمريكية بالجوهر والشكل والمضمون، يؤكد للقاصي والداني ولكل دعاة الديمقراطية بالغرب، أن "دولة" قامت على أساس التطهير العرقي وفكر الاستعمار الأستيطاني، قبل ٧٦ عاما دون مسائلة من النظام الدولي بل وبتشجيع على ارتكاب جرائمها، أن يَتسم النظام السياسي فيها الاَن بأعلى أشكال الفكر الصهيوني الفاشي، وتصاعد أزماتها الداخلية والفوضى السياسية، وبالإصرار على تطويع تشريعاتها ونظامها القضائي على هذا الأساس من جهة، وعلى محاولات استكمال تنفيذ مشروعها الصهيوني التلمودي في "إسرائيل الكبرى"، مما قد يزيد من تهديد الاستقرار بالمنطقة والتوحش ضد ابناء شعبنا، الأمر الذي يعني عدم الاستقرار والأمن المطلق لهم.

من جهة أخرى فقد كان إعلان بنيامين نتنياهو منذ البداية أن حكومته الجديدة ستعمل وفقاً لعدد من التوجهات، من أبرزها، "أن للشعب اليهودي حقاً حصرياً وغير قابل للتصرف في جميع أنحاء /أرض إسرائيل/، بحيث تشجع الحكومة توسيع الوجود اليهودي في جميع أنحاء أرض إسرائيل" بحسب ادعائه، وكان يجب أن يقرع ناقوس الخطر منذ ذلك الوقت أمام الاتحاد الأوروبي من حجم التداعيات الخطيرة المترتبة على ذلك، التي نراها اليوم والمتمثلة بارتفاع وتيرة جرائمها اليومية ضد شعبنا وفق ما هو حاصل الان .

فإذا كانت الدول الأوروبية من خلال الاتحاد الأوروبي لا تزال تعتقد بعد تلك المتغيرات الجارية والتصريحات الصادرة عن رئيس حكومة دولة الاحتلال الاستعماري، أنه من الممكن تنفيذ تصور "حل الدولتين" كخيار اممي وفق القرارات الدولية، فإن العديد من المبادرات المفيدة والضرورية في هذا الإتجاه قد تكون متاحة امام الأوروبيين أنفسهم على الفور لمواجهة هذا الموقف.

ورغم ما تبقى من ارض فلسطينية محتلة دون استيطان ، وحتى لا يبقى الأمر متعلقا بتصريحات أو ببيانات لفظية تَتخِذ في بعض الأحيان شكل النفاق السياسي ، فيمكنهم اولاً مراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، وتقديم تطبيق عملي لدعم وتعزيز شرعية مبدأ حل الدولتين، من خلال الانضمام إلى الدول التي اعترفت بدولة فلسطين على حدود ما قبل ٤ حزيران ١٩٧٦ وعاصمتها القدس الشرقية، وبقرار ١٩٤ المتعلق بقضية لاجئينا. والأكثر أهمية طالما انهم قادرون على فرض عقوبات على دول مختلفة، فبامكانهم فرض عقوبات اقتصادية، وكذلك سياسية على إسرائيل، وتكثيفها حتى تمتثل إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال الاستعماري للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتوقف عدوان الابادة على طريق انهاء الاحتلال اولاً، قبل الحديث عن مبادرات سياسية لاحقة للسلام، إضافة إلى اسقاط أشكال الفصل العنصري باعتباره جريمة أخرى.

أما اذا كانت الدول الأوروبية ما زالت تعيش عقدة الخوف من املاءات الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ومن المال اليهودي او من فزاعة معاداة السامية والهولوكست، وهي بذلك غير مستعدة لاتخاذ مثل هذه المبادرات العملية، أو إذا كانت قد توصلت إلى قناعة بأن "حل الدولتين" لم يعد ممكنا، وأن القضية الوحيدة الآن هي ما إذا كان واقع الدولة الواحدة الحالي سيستمر كحقيقة نظام فصل عنصري إسرائيلي بفوقية يهودية، هو ما يمكن تحويله إلى واقع ديمقراطي كما قد يعتقد البعض منهم ، فيجب عليهم التفكير في تاريخهم الأوروبي ومسؤولياتهم، من أجل تحديد الطريقة الأكثر فائدة للمضي قدما بذلك حتى تتوفر الديمقراطية والعدالة والحقوق المتساوية في دولة واحدة. وهو نموذج قد يكون أكثر واقعية امام بعض الأوروبيين من أجل السلام، بعيدا عن اشكال الفوقية والاضطهاد القومي، بدلاً من الإستمرار في إعادة تدوير عملية سلام مفترضة، لا تجد شريكا اسرائيلياً، وقائمة على تقسيم الأرض وتوسيع الأستيطان والتهويد والابادة والتهجير في اَن واحد.

إن التساؤل يتعلق بحلفاء دولة الاحتلال الغربيين في أوروبا، الذين طالما أشادوا بالقيم المشتركة معها لإخفاء تنكرهم للقضية الفلسطينية، لكن هذه القيم بات من المستحيل اليوم أكثر من أي وقت مضى العثور عليها او اخفاءها تحت مبررات الأمن والدفاع عن النفس للمجتمع الإسرائيلي، امام التطور الجاري بشكل وجوهر النظام في اسرائيل وسياسات حكومته.

يجب الآن على الأوروبيين التحلي بالجرأة الاخلاقية والسياسية، والتشكيك في الافتراضات القديمة، بما في ذلك مقولة "نجاح التجربة الصهيونية الديمقراطية" التي ساهم الغرب بالترويج لها بل وبالدفاع عنها، فالحقيقة الراسخة هي أن الصهيونية كانت ولا تزال فكرا عنصريا وحلما معاديا للسامية نفسها، مما يوفر الأمل في مواجهتها أوروبيا اليوم، وامكانية حث اليهود على المغادرة او الهجرة المعاكسة والانتقال إلى مكان آخر للعيش فيه والعودة إلى مواطنهم الأصلية بأوروبا وغيرها، بدلاً من الاستمرار في معارضة العدالة الإنسانية والقانون الدولي والانساني من خلال الدعم المطلق لتجربة أستيطانية عرقية دينية استعمارية، تتصاعد اليوم إلى الفاشية، من خلال الابادة الجماعية ومحاولات التهجير متعدد الاسباب .

ان ذلك سوف يعكس اعترافًا أخلاقيا وسياسيا أوروبيا، بأن الصهيونية كحركة سياسية، مثل بعض "المذاهب السياسية" كالنازية التي برزت في القرن العشرين والتي استحوذت على خيال الملايين، تبنت افكارا عنصرية، عادت بالضرر على جموع البشرية بشكل مأساوي.


وهي طريقة ايضا للتكفير عن خطايا أوروبا السابقة ضد اليهود، التي تنعكس بشكل غير عادل على حقوقنا الوطنية الثابتة، من خلال الترحيب باليهود الإسرائيليين لإعادة توطينهم في الدول الأوروبية، وهو اجراء منطقي لن يعارضه سوى الأشخاص المعادين للسامية أو الصهاينة الذين يسعون لبناء نظام الفصل العنصري الجديد في ارض فلسطين التاريخية، سياسيا وبتعبيرات "مملكة اليهود" تلموديا ودينيا.


ولذلك على الأوروبيين ان يدركوا بشكل واضح ان لا احتلال بلا ثمن، كما لم يكن كذلك في أوروبا سابقا، وان الحرية لشعبنا الفلسطيني وحقه بتقرير المصير يستدعي مواقف سياسية مبدئية، تختلف عما شاهدناه سابقا أو الآن، بشأن الحديث اللفظي عن حل الدولتين، حيث ان تمكين شعبنا من حقه بتقرير المصير وسيادته فوق ترابه الوطني، وفق الحقوق التاريخية والقرارات الدولية، هو الضامن الوحيد للحلول التي يحاول الأوروبيون المساهمة فيها، وهو الحل الوحيد لإنهاء الصراع القائم، وإحلال الحرية والأمن والسلام، الأمر الذي لن يشكل فقط مصلحة لمستقبل الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي فقط، بل هناك مصلحة في اسقاط الفصل العنصري كنظام، ومصلحة أيضا لاسقاط ووقف جرائم الابادة الجماعية، أمام كل الأوروبيين في شرق المتوسط الذين يعيشون في جوار.

دلالات

شارك برأيك

على الأوروبين إدراك مخاطر مواقفهم .

المزيد في أقلام وأراء

١٧ نيسان : فلتهز صرخة أسرى فلسطين المدوية أرجاء العالم

حديث القدس

إيران ضربت إسرائيل في حزامها

حمدي فراج

الفلسطينيون والمنطقة بدون الأونروا؟!

علي هويدي

مقبرة مستشفى الشفاء الإجرامية

حمادة فراعنة

جبهة الضفة الغربية تشتعل

راسم عبيدات

الاحتلال الإسرائيلي وترتيبات اليوم السابق لانتهاء الحرب على غزة

محسن محمد صالح

تومــاس فريدمــان والنصائح المسمومة‎

هاني المصري

"الاستدامة والابتكار: كيف تغير البنايات الذكية المشهد العمراني؟"

المهندس حسين هريش

إسرائيل تقرر ضرب ايران والشرق الأوسط في حالة غليان

حديث القدس

عيدُ غزةَ .... ؟!

عطية الجبارين

هُزمت إسرائيل.. فهل انتصرت المقاومة؟

ياسر سعد الدين

مسرح أم لا مسرح...

سهيل كيوان

ضربة محدودة بقرار مسبق

حمادة فراعنة

قيمة الإنسان.. بين المنظومة الغربية والإسلامية

مصطفى عاشور

اجتياح رفح والاسئلة الصعبة

يحي قاعود

الرد الإيراني ... رسالة لها أبعادها

حديث القدس

في الرد الإيراني وتداعياته

راسم عبيدات

جر أميركا لحرب غير مطلوبة

حمادة فراعنة

"رغبة الطفل العنيد باللعب"

سماح خليفة

وليد دقة.. وقد أوغلوا في قتلك ولم تمت

بهاء رحال

أسعار العملات

الأربعاء 17 أبريل 2024 10:24 صباحًا

دولار / شيكل

بيع 3.77

شراء 3.75

دينار / شيكل

بيع 5.31

شراء 5.28

يورو / شيكل

بيع 4.0

شراء 3.95

رغم قرار مجلس الأمن.. هل تجتاح إسرائيل رفح؟

%70

%25

%5

(مجموع المصوتين 113)

القدس حالة الطقس