واشنطن- سعيد عريقات – 20/5/2026
في واحد من أكثر التقارير الأممية حدة منذ بداية الحرب على غزة، رسم مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان صورة قاتمة للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة بين 7 تشرين الأول 2023 و31 أيار 2025، متهما إسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما الإبادة الجماعية، في وقت حمّل فيه أيضا الفصائل الفلسطينية المسلحة مسؤولية ارتكاب انتهاكات خطيرة، أبرزها قتل المدنيين واحتجاز الرهائن.
التقرير، الذي يغطي غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، لا يكتفي بتوثيق أرقام الضحايا والدمار، بل يذهب أبعد من ذلك ليشير إلى ما وصفه بـ”نمط ممنهج” من السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إحداث تغيير ديموغرافي دائم في الأراضي الفلسطينية، عبر التهجير القسري والتجويع وتدمير البنية التحتية المدنية.
وبحسب التقرير، بدأت المرحلة الحالية من الحرب بهجوم شنته "كتائب القسام" وفصائل فلسطينية أخرى على جنوب إسرائيل في السابع من تشرين الأول 2023، أسفر عن مقتل أكثر من 1124 إسرائيليا وأجنبيا. لكن الرد الإسرائيلي، وفق التقرير، تجاوز حدود “الدفاع المشروع عن النفس” ليتحول إلى حملة عسكرية واسعة النطاق تسببت في دمار غير مسبوق في غزة، بالتوازي مع تصعيد عسكري وأمني كبير في الضفة الغربية.
ووفقا للأرقام الواردة في التقرير، قُتل في غزة حتى نهاية أيار 2025 ما لا يقل عن 54,381 فلسطينيا، وأصيب أكثر من 124 ألفا (الآن نعلم أن الأرقام الرسمية حتية نهاية تشرين الأول 2025 وصلت 72 ألف قتيل على الأقل، بينهم 38 ألف امرأه وفتاة، وأكثر من 150 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال). وتمكنت الأمم المتحدة من التحقق من مقتل 18,683 شخصا، بينهم 7347 طفلا و3994 امرأة، ما يعكس النسبة المرتفعة للضحايا المدنيين.
ويشير التقرير إلى أن إسرائيل استخدمت أسلحة شديدة التدمير في مناطق مكتظة بالسكان، بما في ذلك قنابل ذات آثار واسعة النطاق، الأمر الذي اعتبره انتهاكا لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. ومن بين الحوادث التي وصفها التقرير بالـصارخة، غارة جوية على بيت لاهيا في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2024 أدت إلى مقتل 133 فردا من عائلة واحدة.
لكن أخطر ما يطرحه التقرير يتمثل في اتهام إسرائيل باستخدام “التجويع كسلاح حرب”. فالحصار المفروض على غزة منذ سنوات، وفقا للتقرير، تحول بعد آذار/مارس 2025 إلى حصار شبه كامل، مع منع دخول الغذاء والماء والوقود والمساعدات الإنسانية لمدة قاربت ثلاثة أشهر، ما أدى إلى مجاعة “من صنع الإنسان”.
ويشير التقرير إلى وفاة عشرات الأطفال بسبب سوء التغذية، بينما قتل أكثر من 2435 فلسطينيا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية عبر "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة إسرائيليا، بعدما تعرضوا لإطلاق نار من قوات إسرائيلية ومتعاقدين أمنيين خاصين.
تكمن خطورة التقرير الأممي في أنه لا يكتفي بوصف الكارثة الإنسانية، بل يربطها مباشرة بالبنية السياسية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي. فحين تتحدث الأمم المتحدة عن "بيئة قسرية" تدفع السكان إلى الرحيل، فهي تقترب من استخدام توصيف قانوني شديد الحساسية يتعلق بالتطهير العرقي. كما أن الربط بين التجويع والتصريحات العلنية لمسؤولين إسرائيليين دعوا إلى “محو غزة” أو وصف الفلسطينيين بـ”الحيوانات البشرية”، يضع إسرائيل أمام اتهامات تتجاوز الانتهاكات التقليدية، لتلامس نية التدمير الجماعي، وهي النقطة المحورية في أي نقاش قانوني حول الإبادة الجماعية.
وفي ملف التهجير، يؤكد التقرير أن نحو 90% من سكان غزة تعرضوا للنزوح القسري مرة واحدة على الأقل، فيما صدرت 144 أوامر إخلاء إسرائيلية، وتحولت أكثر من 80% من مساحة القطاع إلى "مناطق محظورة". ويرى معدو التقرير أن الحديث الإسرائيلي عن “الهجرة الطوعية” لسكان غزة يفقد معناه القانوني في ظل القصف والتجويع وانهيار مقومات الحياة.
أما في الضفة الغربية، فيشير التقرير إلى تصعيد غير مسبوق منذ الانتفاضة الثانية. فقد قُتل 919 فلسطينيا على يد القوات الإسرائيلية خلال الفترة المشمولة بالتقرير، مع تأكيد الأمم المتحدة أن نحو 46% منهم لم يشكلوا أي تهديد فعلي لحظة قتلهم.
كما وثق التقرير استخدام إسرائيل لأساليب حربية في عمليات يفترض أنها “أمنية”، بما في ذلك الغارات الجوية والصواريخ المحمولة على الكتف والقصف المدفعي، خصوصا خلال عملية “الجدار الحديدي” التي بدأت مطلع 2025 في شمال الضفة.
وفي تطور وصفه التقرير بـ”الخطير”، تم تهجير عشرات الآلاف من سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، مع تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية، ما أثار مخاوف أممية من محاولة فرض تغيير ديموغرافي دائم في شمال الضفة الغربية أيضا.
يعكس التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية تحولا استراتيجيا يتجاوز مسألة "مكافحة الإرهاب"، نحو إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي في المناطق الفلسطينية. فإدخال الطائرات الحربية والصواريخ إلى مدن الضفة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يشير إلى انتقال العقيدة العسكرية الإسرائيلية من إدارة الاحتلال إلى فرض وقائع ضم تدريجية بالقوة. كما أن استهداف مخيمات اللاجئين تحديدا يحمل دلالات سياسية عميقة، لأن هذه المخيمات تمثل الذاكرة الحية لقضية اللاجئين وحق العودة. لذلك، فإن تدميرها أو تفريغها سكانيا لا ينفصل عن مشروع أوسع لإعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها.
التقرير يتناول أيضا ملف الاعتقالات والتعذيب، مشيرا إلى تدهور “صادم” في ظروف احتجاز الفلسطينيين. فقد تم اعتقال آلاف الأشخاص، بينهم أطفال، بموجب الاعتقال الإداري أو تحت تصنيف "مقاتلين غير شرعيين"، بينما تحدث معتقلون عن تعرضهم للضرب والتجويع والعزل الانفرادي والإيهام بالغرق والعنف الجنسي.
وخلال الفترة المشمولة بالتقرير، توفي 70 فلسطينيا داخل السجون الإسرائيلية، مقارنة بحالة وفاة واحدة فقط في العام السابق. كما اتهم التقرير القوات الإسرائيلية باستخدام معتقلين فلسطينيين "دروعا بشرية" خلال العمليات العسكرية.
وفي الجانب الإعلامي، اتهم التقرير إسرائيل بتضييق الخناق على حرية التعبير والصحافة، موثقا مقتل 243 صحفيا وعاملا إعلاميا، وحظر شبكة الجزيرة، واعتقال فلسطينيين بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع تجاهل تحريض مسؤولين إسرائيليين ضد الفلسطينيين.
ولم يسلم التراث الثقافي الفلسطيني من الدمار. إذ أكد التقرير تدمير مئات المساجد والكنائس والمواقع الأثرية والمتاحف والجامعات، بما في ذلك 110 مواقع تراثية وثقتها اليونسكو، معتبرا أن ذلك يشكل “اعتداء على الهوية الفلسطينية”.
ولا يبدو الاستهداف الواسع للصحفيين والمؤسسات الثقافية والتعليمية ، وفقا للمنظمات الحقوقية، مجرد "أضرار جانبية" للحرب، بل جزءا من معركة على الرواية والذاكرة والهوية. فحين تُدمر الجامعات والمتاحف ودور العبادة، ويتم قتل هذا العدد الضخم من الصحفيين، تصبح الحرب موجهة أيضا ضد قدرة المجتمع الفلسطيني على توثيق ذاته وحماية سرديته التاريخية. ولهذا يكتسب توصيف الأمم المتحدة لتدمير التراث الثقافي أهمية خاصة، لأنه يربط بين التدمير المادي ومحاولة محو الوجود الرمزي والثقافي الفلسطيني، وهي قضية تتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي.
وفي فصل خاص، سلط التقرير الضوء على ما جرى في شمال غزة بين تشرين الأول/أكتوبر 2024 وكانون الثاني 2025، معتبرا أن المنطقة شهدت نموذجا مكثفا للسياسات الإسرائيلية في القطاع.
فخلال تلك الفترة، فرض جيش الاحتلال الإسرائيلي حصارا كاملا على شمال غزة، ومنع دخول الغذاء والماء والمساعدات، بالتزامن مع أوامر إخلاء متكررة وقصف واسع للمنازل والمستشفيات. وتشير التقديرات إلى مقتل ما بين 2300 و5000 فلسطيني هناك، بينما أصبحت المنطقة شبه غير قابلة للحياة.
ورأى التقرير أن العملية العسكرية بدت وكأنها تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي دائم، بما يرقى إلى التطهير العرقي.
وفي المقابل، لم يعف التقرير الفصائل الفلسطينية المسلحة من المسؤولية، إذ أكد أن هجمات السابع والثامن من تشرين الأول 2023 تضمنت استهدافا مباشرا للمدنيين واحتجاز رهائن وإطلاق صواريخ عشوائية، وهي أفعال ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية.
وأشار التقرير إلى أن الرهائن الذين أطلق سراحهم تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب والتجويع والعنف الجنسي والعزل الانفرادي، فيما قتل بعضهم خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية.
كما انتقد التقرير أداء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، متهما أجهزتها الأمنية باستخدام القوة المفرطة والاعتقال التعسفي والتعذيب ضد معارضين وصحفيين ونشطاء حقوقيين.
ويعكس التقرير الأممي تحولا متزايدا داخل المؤسسات الدولية تجاه توصيف ما يجري في الأراضي الفلسطينية، خصوصا مع تكرار الإشارات إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والضم القسري. ورغم أن الأمم المتحدة لا تملك أدوات تنفيذ مباشرة، فإن تراكم هذا النوع من التقارير يضع أساسا قانونيا وسياسيا لتحركات مستقبلية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. كما أنه يزيد الضغوط على الحكومات الغربية الداعمة لإسرائيل، التي باتت تواجه أسئلة متزايدة حول مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في استمرار الحرب، خصوصا في ظل الدعوات الأممية لوقف تصدير السلاح ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي ختام التقرير، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إسرائيل إلى الالتزام بقرارات محكمة العدل الدولية لمنع الإبادة الجماعية، ورفع الحصار عن غزة، ووقف التهجير القسري والقتل غير القانوني والتعذيب، والسماح بعودة النازحين.
كما دعا جميع الأطراف إلى وقف احتجاز الرهائن والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، بينما طالب الدول بوقف نقل الأسلحة إلى إسرائيل والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية.