عربي ودولي

الأربعاء 20 مايو 2026 12:52 مساءً - بتوقيت القدس

بين استعراضات اليمين الأوروبي وهواجس الأمن الرقمي في الصين: أسرار زيارة ترامب المثيرة

شهدت العاصمة البريطانية لندن مشهداً مثيراً للجدل حين صعدت ثلاث نساء يرتدين النقاب والجلابيات إلى خشبة مسرح أمام آلاف المتظاهرين، ليقمن بخلع هذا الزي فجأة والكشف عن ملابس قصيرة. جاءت هذه الخطوة الاستعراضية ضمن تظاهرة نظمها اليمين المتطرف احتجاجاً على ما يصفونه بـ 'أسلمة بريطانيا'، في محاولة واضحة لجذب الانتباه الإعلامي وتأجيج المشاعر ضد المهاجرين واللاجئين في البلاد.

تزامن هذا التحرك اليميني بشكل مقصود مع مسيرات ضخمة أحياها بريطانيون وعرب ومسلمون بمناسبة ذكرى النكبة الفلسطينية، للتذكير بالظلم التاريخي الذي حل بالشعب الفلسطيني. ويرى مراقبون أن اختيار هذا التوقيت يهدف إلى تهميش الحدث الفلسطيني الأبرز ومحاولة خلق حالة من الاستقطاب المجتمعي عبر استغلال بعض التصرفات الفردية لمتشددين إسلاميين في الغرب لتغذية سردية اليمين الشعبوي.

في المقابل، نجح نشطاء أذكياء في اختراق إحدى الشاشات الكبيرة التي نصبها المتظاهرون اليمينيون في لندن، حيث استبدلوا شعارات الكراهية برسائل ترحيبية بالمهاجرين. وبدلاً من عرض أجندة المتطرفين، تسيدت الشاشة جملة 'المهاجرون جعلوا من بريطانيا بلداً رائعاً'، متبوعة بصور لشخصيات ناجحة مثل محمد صلاح وزها حديد، مما أثار استهجان المتعصبين الذين حاولوا تحطيم الشاشة دون جدوى.

وعلى صعيد العلاقات الدولية، برز مصطلح 'فخ ثوسيديديس' كتحذير صيني صريح خلال استقبال الرئيس شي جين بينغ لنظيره الأمريكي السابق دونالد ترامب. هذا المصطلح التاريخي، الذي يعود للمؤرخ اليوناني ثوسيديديس، يشير إلى أن صعود قوة جديدة وتحديها لقوة مهيمنة يجعل الحرب بينهما شبه حتمية، وهو ما تحاول بكين تجنبه عبر طرح نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى.

كواليس تلك الزيارة كشفت عن هواجس أمنية أمريكية غير مسبوقة تجاه التكنولوجيا الصينية، حيث اضطر ترامب ووفده لترك هواتفهم الشخصية في واشنطن. واعتبرت الدوائر الأمنية الأمريكية أن دخول المجال الجوي الصيني بأجهزة ذكية يمثل مخاطرة كبرى، رغم أن هذه الهواتف محمية بأعلى وسائل الأمان، إلا أن الخوف من أنظمة المراقبة الرقمية الصينية كان سيد الموقف.

لم تتوقف الإجراءات عند الهواتف فحسب، بل شملت منع استخدام أي شواحن أو كابلات USB في الفنادق الصينية، خشية تعرضها لبرمجيات خبيثة عبر تقنية 'جويس جاكينغ'. واعتمد الوفد الأمريكي بدلاً من ذلك على أجهزة كمبيوتر مؤقتة معزولة تماماً عن السحابة الإلكترونية، كما كانت المراسلات تتم شفوياً أو عبر الورق حصراً لضمان عدم اعتراضها رقمياً من قبل الاستخبارات الصينية.

حتى التفاصيل اللوجستية البسيطة تحولت إلى عملية أمنية معقدة، حيث تم نقل سيارات الليموزين الرئاسية المدرعة من واشنطن، وتولى جهاز الخدمة السرية مسح مواقع الإقامة بدقة. وامتدت الرقابة لتشمل قائمة الطعام وأدوات المائدة الخاصة بالرئيس، خوفاً من أي محاولة لاختراق الحمض النووي أو التسمم، مما يعكس حجم التوتر وانعدام الثقة بين القطبين العالميين في عصر التجسس التقني.

تُظهر هذه الأحداث، سواء في شوارع لندن أو في أروقة القصور الصينية أن العالم يعيش مرحلة من التحولات العميقة حيث تتداخل الصراعات الثقافية مع الحروب المعلوماتية. فبينما يحاول اليمين المتطرف استخدام الرمزية الدينية كأداة للتحريض، تخوض القوى العظمى صراعاً صامتاً في الفضاء السيبراني، مما يجعل من 'المعلومة' و'الهوية' الساحتين الرئيسيتين لحروب المستقبل.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 12:52 مساءً - بتوقيت القدس

قانون الأسرة الجديد في مصر: مخاوف من تعميق الأزمات الاجتماعية وتفكيك الروابط الأسرية

يشهد الشارع المصري حالة من الترقب والجدل الواسع مع بروز ملامح مشروع قانون الأسرة الجديد، الذي يتناول قضايا شائكة مثل النفقة والحضانة والرؤية. ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز التعديلات الإجرائية لتصل إلى جوهر تكوين الأسرة المصرية وهويتها، وسط تساؤلات عن مدى مواءمة هذه النصوص للواقع الاجتماعي المعقد.

تنطلق الانتقادات الموجهة للمشروع من كونه يتعامل مع الأسرة كساحة نزاع قانوني صرفة، متجاهلاً الأسس الأخلاقية التي تقوم عليها العلاقة الزوجية. فبدلاً من تعزيز قيم المودة والرحمة، يميل التوجه الحالي نحو فرض قيود وعقوبات مالية مشددة قد تزيد من حدة الشقاق بين الطرفين.

إن مفهوم القوامة في المنظور الاجتماعي السائد لا يعني التسلط، بل هو مسؤولية ورعاية مرتبطة بالقدرة على الإنفاق والاحتواء. وحين يتم اختزال دور الرجل في كونه 'ماكينة صراف آلي' محاصرة بالالتزامات القانونية، فإن ذلك يفرغ مؤسسة الزواج من محتواها الإنساني والروحي.

تتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه التعديلات إلى نتائج عكسية، أبرزها عزوف الشباب عن الإقدام على خطوة الزواج خوفاً من التبعات القانونية المفتوحة. فالحياة الزوجية التي تُبنى على الخوف من القانون بدلاً من الثقة المتبادلة، غالباً ما تنتهي إلى الفشل السريع أو العلاقات غير المستقرة.

المفارقة تكمن في أن محاولات الانتصار للمرأة عبر تشديد العقوبات المالية على الرجل قد تضر بالمرأة نفسها في نهاية المطاف. إذ يؤدي تراجع الإقبال على الزواج إلى خلل في البنية الاجتماعية، ويحول البيوت القائمة إلى ساحات للصراع الاقتصادي الدائم بدلاً من السكينة.

لا يمكن فصل ملف الأسرة عن الواقع الاقتصادي الطاحن الذي تعيشه البلاد، حيث يواجه الشباب صعوبات هائلة في تأمين السكن وتكاليف المعيشة الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، تبدو القوانين التي تزيد من الأعباء المالية وكأنها حواجز إضافية تمنع تكوين أسر جديدة ومستقرة.

إن الاستقرار الأسري الحقيقي لا يتحقق بإفقار طرف على حساب الآخر، بل بالعدل والتوازن الذي يراعي طبيعة العلاقة الإنسانية. فالعقود الأسرية تختلف جذرياً عن العقود التجارية الجامدة، وتتطلب مرونة تراعي الظروف المعيشية والاجتماعية المتقلبة.

يشير محللون إلى أن الكثير من الأطروحات الحالية متأثرة بخطابات نسوية غربية نشأت في بيئات ثقافية وتاريخية مغايرة تماماً للمجتمع العربي. وقد أثبتت التجارب في تلك المجتمعات أن تغليب منطق الصراع أدى إلى تفكك أسري وانهيار في معدلات الإنجاب والنمو السكاني.

تعتبر الشريعة الإسلامية، في جوهرها، الضمانة الحقيقية لحقوق الطرفين بعيداً عن الانحيازات الأيديولوجية، حيث تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات. لذا فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من تعزيز الوعي الديني والأخلاقي والتربية على قيم المسؤولية المشتركة.

بدلاً من تحويل المحاكم إلى الوسيلة الوحيدة لإدارة الحياة الأسرية، ينبغي على الدولة معالجة الجذور الاقتصادية للأزمة. فتسهيل الحصول على السكن وتوفير فرص العمل الكريمة هو السبيل الأنجع لحماية الأسرة من الانهيار قبل وصولها إلى ردهات القضاء.

يمكن استحضار نماذج دولية ناجحة في هذا السياق، مثل التجربة التركية التي أطلقت 'صندوق الأسرة والشباب' لدعم المقبلين على الزواج. هذا الصندوق يقدم قروضاً حسنة ميسرة، مما يساهم في تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الشباب ويشجعهم على بناء أسر مستقرة.

تاريخياً، واجهت محاولات سابقة لتعديل قوانين الأسرة في مصر رفضاً شعبياً حين اصطدمت بالهوية الثقافية والدينية للمجتمع. والدرس المستفاد هو أن القوانين التي تُفرض بمعزل عن ثقافة المجتمع وواقعه الاقتصادي غالباً ما تفشل في تحقيق الاستقرار المنشود.

إن حماية الأسرة تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تجمع بين التشريع العادل والدعم الاقتصادي الملموس، بعيداً عن سياسات التأزيم. فالهدف الأسمى يجب أن يكون تقوية بنيان الأسرة باعتبارها الحصن الأخير للمجتمع، وليس تعقيد مسارات تكوينها أو استمرارها.

في الختام، يبقى مشروع قانون الأسرة الجديد تحت مجهر النقد المجتمعي، بانتظار صياغة تضمن حقوق الجميع دون إجحاف. فالعدالة الاجتماعية تبدأ من داخل البيت، وحماية المجتمع تبدأ من حماية المودة والرحمة بين الرجل والمرأة في إطار من التوازن والمسؤولية.

أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 12:22 مساءً - بتوقيت القدس

عشر ذي الحجة.. محطة سنوية لمراجعة الذات وتقويم المسار الإيماني

تطل علينا عشر ذي الحجة كأحد أهم المواسم الإيمانية التي يكتشف فيها الإنسان حجم الفجوة بين معتقداته وواقعه المعاش. فهي ليست مجرد أيام لمضاعفة الأجور فحسب، بل تمتد رسالتها لتكون محطة سنوية شاملة لمراجعة النفس وتصحيح المسار نحو الخالق سبحانه وتعالى.

لقد نوه الله عز وجل بشرف هذه الأيام حين أقسم بها في كتابه الكريم، مؤكداً على عظمتها ومكانتها في الوجدان الإسلامي. كما بينت السنة النبوية المطهرة أنها مستودع العمل الصالح الأفضل، الذي يفوق في ثوابه وفضله سائر الميادين والمواسم الأخرى على مدار العام.

تتجلى حقيقة النفس الإنسانية في هذه العشر بما يعتريها من ضعف وقوة، وغفلة ويقظة، مما يستدعي حركة دائمة من التقويم. فالإيمان يزيد وينقص، والعزم يقوى ويضعف، وهذه التقلبات تتطلب وقفة جادة للمراجعة لضمان الاستقامة على الطريق الصحيح.

يعتبر التقويم الذاتي ركيزة أساسية في الفكر التربوي الإسلامي، حيث يصدر المرء حكماً قيمياً على أفعاله وأفكاره بميزان الشرع. هذا النهج يهدف إلى تعزيز الصواب وتصحيح الخطأ، محولاً التجارب السابقة إلى دروس واعية لبناء مستقبل أكثر نضجاً واستقامة.

تعتمد المراجعة الصادقة على المصارحة التامة مع النفس أو الاسترشاد برأي أهل الفضل والعلم في خلوة وتجرد. ومن يغفل عن هذا البرنامج السنوي يقع في فخ النسيان والغفلة، وهي الحالة التي حذر منها القرآن الكريم في مواضع عدة.

تبدأ خطوات التغيير بتحديد مواضع الخلل بدقة، ثم عرض الأعمال على ميزان الوحي الإلهي لمقارنة الواقع بالمطلوب شرعاً. وهنا يبرز دور النفس اللوامة التي أقسم الله بها، فهي التي توقظ صاحبها بالعتاب المستمر والبحث عن الأفضل والأقرب للحق.

تعد الخلوة الواعية في هذه الأيام، وخاصة في عشية عرفة، فرصة ذهبية لتصفية النفس وإبصار مآلها بعيداً عن ضجيج الحياة. هذه اللحظات تتحول من مجرد تأمل إلى قرارات حاسمة بتصحيح المسار وكسر دوائر التسويف التي تعيق التقدم الروحي.

لا تقتصر آثار هذه المراجعة على الفرد وحده، بل يجب أن تمتد لتشمل البيت المسلم والأسرة في وقفات هادئة لتفقد الأحوال الإيمانية. إن مثل هذه الجلسات تساهم في تجديد المودة وسد الثغرات التي قد تتسلل منها الفتن المادية والرقمية المعاصرة.

وعلى صعيد أهل العلم والتأثير، تشتد أمانة الكلمة والبيان في هذه الأيام المباركة لمراجعة المواقف ومدى انضباطها بالعدل. فالمسؤولية تقتضي الصدع بالحق وتجنب الصمت أو المجاملة التي قد تفرضها ضغوط الواقع المعقدة أو الحسابات المصلحية الضيقة.

إن التواصي بالحق هو شرط النجاة الجماعية، حيث لا يمكن للفرد أن يرى عيوبه كاملة دون مرآة المجتمع الناصحة. المراجعة الثنائية والجماعية القائمة على الصدق تضمن عدم ألفة الأخطاء وتساعد المؤسسات على تجاوز عثراتها بوعي وتجرد تام.

يرتبط صلاح الفرد بصلاح بيئته المحيطة، وهو ما أكده الهدي النبوي في ضرورة الانتقال من بيئة السوء إلى بيئة الصلاح. المراجعة الحقيقية تستلزم تغيير المناخ الذي تتشكل فيه العادات، بما يشمل الصحبة ومصادر التلقي والوسائل الإعلامية المؤثرة.

تكتمل منظومة المراجعة بشجاعة الرجوع العملي عن الخطأ، فالإدراك وحده لا يكفي دون انتقال حاسم من حال إلى حال. وقد قدم الصحابي كعب بن مالك نموذجاً خالداً في مواجهة الزلل بصدق وتحمل التبعات حتى نال التوبة الربانية.

إن قيمة الإنسان لا تقاس بالعصمة من السقوط، بل بالقدرة على النهوض السريع والصدق في الانتقال من الذنب إلى الطاعة. ميزان المراجعة في عشر ذي الحجة لا يحتمل التأجيل، فهي لحظة صدق قبل أن تطوى الصحائف ويغيب زمن الاعتذار.

في الختام، تبقى هذه الأيام العشر بمثابة لحظة فرز حقيقية بين الرجوع الصادق وبين الإصرار الذي يراكم الغفلة على القلوب. هي دعوة لكل مؤمن لاغتنام النفحات الربانية والعودة إلى الله بقلب سليم قبل فوات الأوان وانقضاء مواسم الرحمة.

اسرائيليات

الأربعاء 20 مايو 2026 12:22 مساءً - بتوقيت القدس

تقديرات أمنية إسرائيلية: الحصار الاقتصادي على طهران أجدى من المواجهة العسكرية المباشرة

تتصاعد في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية حالة من الترقب المشوب بالحذر تجاه السياسات الأمريكية المرتقبة للتعامل مع الملف الإيراني. وتتطابق التوقعات الرسمية مع الرغبة في تشديد الخناق على طهران، حيث تنظر تل أبيب إلى أي اتفاق دبلوماسي محتمل باعتباره تطوراً سلبياً يمنح النظام الإيراني فرصة لترميم قدراته والعودة للتهديد بدافع انتقامي.

وفي قراءة مغايرة للحلول العسكرية التقليدية، برزت أصوات وازنة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدعو إلى منح الأولوية للحصار الاقتصادي. واعتبر الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند، مستشار الأمن القومي الأسبق أن الحرب الخاطفة لن تنجح في إخضاع إيران، مؤكداً أن الضغط المالي والاقتصادي يظل الأداة الأكثر نجاعة في المرحلة الراهنة.

هذا التوجه أيده أيضاً الجنرال في الاحتياط تامير هايمان، رئيس معهد دراسات الأمن القومي، الذي أشار في دراسة حديثة إلى أن استنزاف الموارد الإيرانية يحقق نتائج استراتيجية بعيدة المدى. ويرى مراقبون أن هذا الطرح يأتي في ظل تعقيدات الميدان وصعوبة تحقيق اختراق عسكري حاسم يحطم البنى التحتية الإيرانية بشكل كامل وسريع.

من جانبه، حذر عوديد عيلام، الرئيس السابق لشعبة مكافحة الإرهاب في الموساد، من أن أي اتفاق مالي قد ينقذ النظام الإيراني عبر ضخ مليارات الدولارات في خزينته. وأوضح عيلام أن النظام يعتمد بشكل شبه كلي على تصدير النفط عبر مضيق هرمز، مما يجعل الحصار البحري وسيلة فعالة لإحداث نزيف نهائي في بنية النظام.

وعلى صعيد التنسيق مع واشنطن، كشفت مصادر في جيش الاحتلال عن حالة من الدهشة سادت الأروقة العسكرية عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قربه من تنفيذ ضربة عسكرية. وكان التقدير الإسرائيلي يشير إلى أن أي تحرك بهذا الحجم سيتم تنسيقه مسبقاً وبشكل وثيق، وهو ما لم يحدث في اللحظات الأخيرة بحسب التقارير.

وتشير صحيفة هآرتس العبرية إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل استعداداته لاحتمالية عودة الولايات المتحدة إلى خيار القتال في المستقبل القريب. ومع ذلك، تسود مخاوف من أن يؤدي أي هجوم أمريكي إلى انخراط إسرائيلي مباشر وفوري في المواجهة، مما يضع الجبهة الداخلية تحت تهديد صاروخي مكثف وغير مسبوق.

داخلياً، يرى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في استمرار حالة التوتر على جبهات إيران ولبنان وغزة وسيلة لترميم صورته السياسية المتضررة. ويحاول نتنياهو استغلال هذه الأزمات لتعزيز موقفه أمام الجمهور الإسرائيلي عشية انتخابات عامة وشيكة، يراها مصيرية لمستقبله السياسي والشخصي هرباً من المحاكمات.

وفي المقابل، تشكك جهات إسرائيلية غير رسمية في إمكانية تحقيق نصر سريع عبر تدمير منشآت الماء والكهرباء في إيران. ويرى هؤلاء أن النظام الإيراني أظهر مرونة أكبر مما كان متوقعاً في مواجهة الأزمات السابقة، مما يجعل الرهان على انهياره السريع نتيجة ضربات جوية رهاناً محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون النتائج.

المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تزال منقسمة حول المكاسب الحقيقية التي يمكن جنيها من مواجهة شاملة واسعة النطاق. فبينما يرى البعض ضرورة استغلال الزخم الأمريكي، يحذر آخرون من أن الهجمات قد لا تنجح في إزالة مخزونات اليورانيوم المخصب بالكامل، مما قد يدفع إيران لتسريع برنامجها النووي سراً.

وتؤكد مصادر عسكرية أن حالة التأهب في صفوف الدفاعات الجوية والأجهزة الأمنية وصلت إلى ذروتها تحسباً لأي طارئ. ويأتي هذا الاستنفار في ظل تقديرات تشير إلى أن الجبهة اللبنانية قد تشتعل فوراً في حال تعرضت إيران لأي هجوم، مما يزيد من حالة الإرباك والنزيف التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي حالياً.

التقارير العبرية الصادرة اليوم الأربعاء شددت على أن التنسيق مع الجيش الأمريكي مستمر على مستويات فنية، رغم المفاجآت السياسية. ويبدو أن هناك فجوة في نقل المعلومات بين القيادة السياسية الإسرائيلية والجيش، حيث يُعتقد أن نتنياهو قد يكون على علم ببعض النوايا الأمريكية دون إطلاع القيادة العسكرية عليها بشكل ملموس.

وفي ظل هذه التجاذبات، تبرز 'حرب التشويش الإعلامي' كجزء لا يتجزأ من الصراع القائم، حيث يتم تسريب تقارير متناقضة تهدف إلى الضغط على صانع القرار في طهران. وتظل الخيارات الإسرائيلية معلقة بين مطرقة الرغبة في الحسم العسكري وسندان المخاوف من التبعات الكارثية لحرب إقليمية شاملة.

ختاماً، يبقى الرهان الإسرائيلي على 'النزيف الاقتصادي' هو الخيار الأكثر أماناً من وجهة نظر الخبراء الاستراتيجيين الذين يخشون التورط في حرب استنزاف طويلة. ومع استمرار الضغوط الدولية، تترقب تل أبيب الخطوة القادمة من البيت الأبيض، والتي ستحدد شكل الصراع في المنطقة للسنوات القادمة.

عربي ودولي

الأربعاء 20 مايو 2026 12:22 مساءً - بتوقيت القدس

صندوق بمليارات الدولارات لتعويض 'ضحايا العدالة' يثير عاصفة سياسية ضد إدارة ترمب

فجرت خطوة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإنشاء صندوق حكومي ضخم تتجاوز قيمته 1.7 مليار دولار موجة عارمة من الجدل السياسي والقانوني في الأوساط الأمريكية. ويهدف هذا الصندوق، بحسب الرواية الرسمية، إلى تعويض الأفراد الذين تعتبرهم الإدارة ضحايا لما تصفه بـ 'تسييس العدالة' والاستهداف الممنهج بدوافع أيديولوجية.

تأتي هذه الخطوة المثيرة للجدل في أعقاب إبرام تسوية قضائية هامة تتعلق بدعوى رفعها ترمب ونجلاه، دونالد جونيور وإريك، بالإضافة إلى منظمة ترمب، ضد وزارة الخزانة ومصلحة الضرائب. وتركزت الدعوى حول تسريب بيانات الإقرارات الضريبية الخاصة بالعائلة الرئاسية إلى وسائل الإعلام خلال السنوات الماضية، وهو ما اعتبره الفريق القانوني لترمب انتهاكاً صارخاً للخصوصية.

وبموجب بيان رسمي صادر عن وزارة العدل، أفضت التسوية إلى تقديم اعتذار رسمي من الحكومة الأمريكية لترمب والمدعين المشاركين معه، دون صرف أي تعويضات مالية مباشرة للرئيس. وفي المقابل، وافق ترمب على سحب مجموعة من المطالبات القانونية والطعون التي قدمها سابقاً ضد إجراءات حكومية مختلفة اتخذت بحقه.

ومن أبرز الملفات التي جرى إسقاطها ضمن هذه التسوية، القضايا المرتبطة بعملية تفتيش منتجع 'مارالاغو' من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي في صيف عام 2022. كما شمل الاتفاق إغلاق ملفات الدعاوى المتعلقة بالتحقيقات في التدخل الروسي بانتخابات عام 2016، والتي دأب ترمب على وصفها بـ 'خدعة التواطؤ'.

إلا أن إنشاء 'صندوق مكافحة تسييس العدالة' بتمويل يصل إلى 1.776 مليار دولار هو ما أشعل فتيل الانتقادات، خاصة وأن التمويل مستقطع من صندوق الأحكام الحكومي العام. ويرى مراقبون أن توقيت إنشاء الصندوق يثير تساؤلات عميقة حول الغرض الحقيقي منه ومدى استقلالية المؤسسات القضائية في المرحلة الحالية.

وتصاعدت حدة الاتهامات بتضارب المصالح مع تسليط الضوء على دور تود بلانش، الذي انتقل من كونه المحامي الشخصي لترمب إلى منصب القائم بأعمال المدعي العام. وكان بلانش قد تولى الدفاع عن ترمب في قضايا جنائية كبرى قبل أن يتم تكليفه بقيادة وزارة العدل، مما جعل إشرافه على هذه التسويات محل شكوك قانونية واسعة.

وذكرت مصادر إعلامية أن المشهد القانوني الحالي يبدو وكأن الرئيس الأمريكي يتفاوض مع حكومته الخاصة للوصول إلى نتائج تخدم دائرته الضيقة. واعتبر منتقدون أن وجود محامي الرئيس السابق في سدة المسؤولية بوزارة العدل يمنح الإدارة غطاءً قانونياً لتمرير قرارات قد تفتقر إلى الحياد المطلوب في إدارة المال العام.

وعلى الرغم من عدم حصول ترمب على أموال مباشرة، إلا أن الصندوق يفتح الباب أمام حلفائه وأنصاره للمطالبة بتعويضات مالية ضخمة. ويشمل ذلك الأشخاص الذين تمت ملاحقتهم في قضايا اقتحام الكابيتول، والذين قد يزعمون الآن أنهم تعرضوا لاضطهاد سياسي يستوجب التعويض المالي من خزينة الدولة.

وفي سياق ردود الفعل، وصف السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي الصندوق بأنه 'صندوق محاباة' بامتياز، مشيراً إلى أن العملية تفتقر إلى الشفافية والمعايير القانونية الصارمة. وأضاف كاسيدي أن ما يحدث يمثل سابقة خطيرة حيث تتحمل الدولة كلفة تسويات ناتجة عن صراعات سياسية وشخصية للرئيس.

من جانبه، بدأ الحزب الديمقراطي في استغلال هذه التطورات لتوجيه اتهامات لترمب باستخدام سلطات الدولة لتعزيز مصالحه الخاصة وحماية المقربين منه. ومن المتوقع أن تتحول قضية الصندوق الضريبي والتعويضات إلى مادة دسمة في السجالات السياسية القادمة، مع استمرار التشكيك في نزاهة استخدام أموال دافعي الضرائب بهذا الشكل.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 12:22 مساءً - بتوقيت القدس

رئيسة أيرلندا تعلن فخرها بشقيقتها المعتقلة لدى الاحتلال ضمن أسطول كسر الحصار

أبدت الرئيسة الأيرلندية كاثرين كونولي اعتزازاً كبيراً بمواقف شقيقتها الطبيبة مارغريت كونولي، التي تعرضت للاعتقال من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء مشاركتها في أسطول 'الصمود العالمي' المتجه إلى قطاع غزة. وجاءت هذه التصريحات الرسمية في أعقاب عملية عسكرية نفذتها البحرية الإسرائيلية للاستيلاء على سفن كسر الحصار التي كانت تحمل مساعدات وناشطين دوليين.

وأكدت مصادر مطلعة أن عملية الاعتقال شملت ستة مواطنين أيرلنديين على الأقل كانوا ضمن البعثة الإغاثية، وهو ما أكدته متحدثة باسم منظمة إنسانية في دبلن. وأوضحت الرئيسة كونولي، خلال تواجدها في العاصمة البريطانية لندن عقب لقاء بروتوكولي مع الملك تشارلز، أنها تشعر بمزيج من الفخر والقلق الشديد على مصير شقيقتها وبقية المتضامنين المختطفين.

وأشارت الرئيسة الأيرلندية إلى غياب المعلومات الدقيقة حول الحالة الصحية أو مكان احتجاز الناشطين حتى اللحظة، مطالبة بوضوح في التعامل مع الرعايا الأيرلنديين. وتأتي هذه الحادثة لتصب الزيت على نار العلاقات المتوترة أصلاً بين دبلن وتل أبيب، حيث تشهد الدبلوماسية بين الطرفين حالة من الجمود والعداء المعلن منذ سنوات.

وفي سياق متصل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو سجلته الطبيبة مارغريت كونولي قبيل انطلاق الرحلة، تحسباً لسيناريو الاعتقال الذي وقع بالفعل. وظهرت الطبيبة في التسجيل وهي ترفع جواز سفرها الأيرلندي، مؤكدة أن أي مشاهدة لهذا الفيديو تعني أنها باتت محتجزة بشكل غير قانوني لدى سلطات الاحتلال بعد اختطافها من عرض البحر.

وشددت مارغريت في رسالتها المسجلة على أن القضية الفلسطينية تمثل الاختبار الأخلاقي الحقيقي للعالم في العصر الحديث، معتبرة أن صمود الفلسطينيين هو ما يحمي القيم الإنسانية المتبقية. وقد لاقت هذه الكلمات صدى واسعاً في الأوساط الشعبية الأيرلندية التي تتبنى مواقف تاريخية داعمة للحقوق الفلسطينية ومناهضة لسياسات الفصل العنصري.

من جانبها، ذكرت تقارير صحفية عبرية أن هذا الحادث قد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، خاصة وأن أيرلندا كانت قد اعترفت رسمياً بدولة فلسطين في عام 2024. وكان الاحتلال قد اتخذ خطوة تصعيدية سابقة بإغلاق سفارته في دبلن احتجاجاً على المواقف الأيرلندية المنددة بالجرائم المرتكبة في قطاع غزة والضفة الغربية.

يُذكر أن أسطول الصمود كان قد انطلق من السواحل التركية في مدينة مرمريس، بمشاركة واسعة ضمت نحو 500 ناشط حقوقي من جنسيات مختلفة على متن 50 سفينة وقارباً. ويهدف الأسطول إلى كسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة منذ سنوات طويلة، إلا أن بحرية الاحتلال اعترضت المسار وسيطرت على كافة القطع البحرية المشاركة.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 12:22 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يبعد طفلاً مقدسياً عن الأقصى ويحرمه من امتحاناته المدرسية

أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الأربعاء، قراراً تعسفياً يقضي بإبعاد طفل مقدسي عن المسجد الأقصى المبارك لفترة زمنية ممتدة. وتأتي هذه الخطوة في سياق التصعيد المستمر ضد سكان مدينة القدس المحتلة، حيث تواصل الأجهزة الأمنية التابعة للاحتلال ملاحقة القاصرين والتضييق على ممارستهم لحقوقهم الدينية والمدنية المكفولة في القوانين الدولية.

وأكدت مصادر رسمية في محافظة القدس أن القرار استهدف الطفل راغب ماجد الجعبة، والذي تقرر منعه من دخول الحرم القدسي الشريف أو التواجد في محيطه لمدة ستة أشهر. ولا يقتصر أثر هذا القرار على الجانب الديني والوجداني فحسب، بل يمتد ليشكل تهديداً مباشراً لمستقبله الأكاديمي في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المدينة المقدسة.

وبحسب المعطيات الميدانية، فقد تسبب هذا الإبعاد في حرمان الطفل الجعبة من التقدم لامتحاناته التجريبية الهامة، كونه طالباً نظامياً في مدرسة رياض الأقصى الثانوية. وتكمن المعضلة في أن مبنى المدرسة يقع جغرافياً داخل أروقة وباحات المسجد الأقصى، مما يجعل وصول الطالب إلى مقعده الدراسي خرقاً لقرار الإبعاد العسكري، وهو ما يضعه أمام خيارات قاسية تهدد عامه الدراسي بالضياع.

وتندرج هذه الإجراءات القمعية ضمن سياسة الإبعاد الممنهجة التي تتبعها سلطات الاحتلال لتقليص الوجود الفلسطيني داخل المسجد الأقصى المبارك. وتهدف هذه القرارات إلى تفريغ المسجد من المصلين وطلبة العلم، في محاولة لفرض واقع جديد يسهل تمرير المخططات التهويدية وتغيير الهوية التاريخية والقانونية لمدينة القدس ومعالمها الإسلامية.

اسرائيليات

الأربعاء 20 مايو 2026 12:21 مساءً - بتوقيت القدس

الكنيست يصوت على حل نفسه ونتنياهو يصارع الزمن لاحتواء أزمة 'الحريديم'

يستعد الكنيست الإسرائيلي، يوم الأربعاء، لعقد جلسة حاسمة للتصويت بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون يقضي بحل البرلمان. وتأتي هذه الخطوة لتضع الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو في مواجهة مباشرة مع خطر الانهيار، وسط تصاعد الأزمات السياسية التي تعصف بالمنظومة الحاكمة في تل أبيب.

وفي محاولة لتفادي سيناريو الانتخابات المبكرة، أفادت مصادر بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يجري مشاورات مكثفة للتوصل إلى تسوية مع الأحزاب 'الحريدية'. ويهدف نتنياهو من هذه التحركات إلى إيجاد صيغة مقبولة لقانون التجنيد، وهو الملف الذي يمثل لغماً سياسياً يهدد وحدة حكومته وتماسكها في ظل الضغوط الداخلية المتزايدة.

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن الائتلاف اليميني يمر بمرحلة 'ربع الساعة الأخير'، حيث يسعى نتنياهو لنزع فتيل الخلافات مع شركائه من المتدينين. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس، حيث يواجه الاحتلال تحديات ميدانية وسياسية، كان آخرها السيطرة بالقوة على 'أسطول الصمود' واعتقال عشرات المتضامنين الدوليين في المياه الإقليمية قبالة سواحل قبرص.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 12:10 مساءً - بتوقيت القدس

بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون...شنّار يضع التزام فلسطين بالمعايير المالية الدولية على أجندة قمة مجموعة السبع (G7)

 أكد محافظ سلطة النقد، رئيس بعثة دولة فلسطين إلى قمة مجموعة السبع (G7)، معالي السيد يحيى شنّار، على أن فلسطين تشكل بيئة مالية ملتزمة بأعلى درجات الشفافية والمعايير الرقابية المعتمدة دولياً، مشدداً على التزام دولة فلسطين بمواصلة مواءمة منظومتها الرقابية والتشريعية مع المعايير الدولية ذات الصلة، بما يضمن استقرار القطاع المالي الفلسطيني وترسيخ الثقة به على الصعيدين الإقليمي والدولي.


جاء ذلك خلال مشاركته في أعمال النسخة الخامسة من المؤتمر الوزاري العالمي المنعقد ضمن أجندة الاجتماعات الوزارية لمجموعة السبع (G7)، في العاصمة الفرنسية باريس، والذي يُعد أحد أبرز المحافل الدولية ذات الحضور الدبلوماسي والاقتصادي والمالي رفيع المستوى، بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزير الخزانة الأميركي السيد سكوت بيسنت، ووزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والطاقة والرقمنة الفرنسي السيد رولان ليسكور، ورئيس البنك الدولي السيد أجاي بانغا، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي السيدة كريستالينا جورجيفا ،وممثلين رفيعي المستوى عن دول مجموعة السبع، فضلاً عن مشاركة واسعة لخبراء ومسؤولين دوليين يمثلون أكثر من 60 دولة، إضافة إلى مؤسسات مالية ومنظمات دولية.


وأكد شنّار أن السياسة المالية والدبلوماسية الاقتصادية لدولة فلسطين تشهد حضوراً متقدماً ونوعياً يعزز مكانتها على الخارطة المالية الدولية، وذلك ضمن رؤية وطنية متكاملة تهدف إلى ضمان تدفق الأموال إلى فلسطين بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتمكين المؤسسات المالية من أداء دورها بكفاءة واستدامة، مشيراً إلى أن هذا الحضور يتعزز من خلال اللقاءات الثنائية والمشاورات التي يجريها الوفد الفلسطيني مع مختلف الوفود المشاركة، لافتاً إلى أن المشاركة الفلسطينية حظيت بتقدير الدولة المضيفة والوفود الدولية، في انعكاس للجهود المتواصلة التي تبذلها دولة فلسطين لتطوير منظومتها المالية وتعزيز حضورها الاقتصادي على المستوى الدولي.


وعلى هامش المؤتمر، عقد المحافظ شنّار سلسلة من اللقاءات الثنائية والاجتماعات مع عدد من وزراء المالية والاقتصاد ومحافظي البنوك المركزية الدولية والعربية، من بينهم رئيس مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا "مينافاتف" سعادة السيد حامد الزعابي، وسكرتير المجموعة السيد سليمان الجبرين، وممثلة الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، ووزير الاقتصاد والسياحة في دولة الإمارات العربية معالي السيد محمد بن طوق المري، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون المالي والمصرفي، وتطوير العلاقات الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم جهود التنمية الاقتصادية.


وأشار المحافظ، خلال هذه اللقاءات، إلى التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني في ظل الإجراءات الإسرائيلية، وفي مقدمتها أزمة تراكم فائض الشيكل نتيجة استمرار رفض الجانب الإسرائيلي استلامه من البنوك الفلسطينية، إلى جانب التهديدات المتعلقة بقطع علاقات المراسلة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية، واحتجاز أموال المقاصة.


وشدد شنّار على أن التطورات المتسارعة في مجال التكنولوجيا المالية والابتكارات الرقمية تفرض تحديات متزايدة أمام الجهات الرقابية والمؤسسات المالية، الأمر الذي يستوجب تعزيز التنسيق الدولي وتطوير أطر رقابية أكثر مرونة وفاعلية للتعامل مع المخاطر المستجدة المرتبطة بالجرائم المالية، مشيراً إلى أن فلسطين عملت خلال السنوات الماضية على تطوير بنيتها التحتية الرقمية بما يتماشى مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية المعتمدة.

وتناولت أعمال المؤتمر عدداً من القضايا المرتبطة بمكافحة الجرائم المالية والحد من استغلال التكنولوجيا المالية في الأنشطة غير المشروعة، إضافة إلى بحث دعم جهود الشمول المالي خاصة في المناطق المهمشة.







أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 11:30 صباحًا - بتوقيت القدس

الثورة التي تنتظر معجزة!


لم يكن البيان الختامي لمؤتمر فتح الثامن مجرد وثيقة سياسية، بل محاولة لإعادة ترميم الشرعية المعنوية لحركة تعيش أحد أعقد مراحلها التاريخية، لذا بدا النص غارقا في اللغة العاطفية والرمزية أكثر من كونه برنامجا سياسيا يمتلك أدوات واضحة للتغيير.
 تحدث عن القدس بوصفها درة التاج والعاصمة الأبدية مؤكدا على الحق الفلسطيني الثابت الذي لا يسقط بالتقادم، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم، كيف تعود الحقوق؟ فكما لا تسقط بالتقادم، هي ايضا لا تعود تلقائيا، سواء بالتقادم او الانتظار، او حتى البيانات وتكرار اللغة التاريخية ذاتها.
 ويكشف البيان خوفا واضحا داخل الحركة بفعل تراجع شرعية النظام السياسي القائم، فيعيد التأكيد بصورة متكررة على ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد والانجاز السياسي الاهم، والمفارقة هي الحديث عن التمثيل بوصفه انجازا بحد ذاته، رغم ان المشروع الذي يفترض ان يقود هذا التمثيل، اي مشروع التحرر ذاته، ما يزال معلقا بعد عقود طويلة من المفاوضات والتسويات والرهانات الدولية، وكأن الحفاظ على البنية السياسية تحول تدريجيا من وسيلة للتحرير الى غاية بحد ذاتها.
 وفي ذات السياق، يطرح البيان مفهوم الوحدة الوطنية بطريقة تكشف أزمة عميقة في فهم الشراكة الفلسطينية، الوحدة ضمن اطار مغلق سقفه المنظمة وشروطها والتزاماتها السياسية الحالية، رغم معرفة الجميع ان هناك قوى فلسطينية لا ترى في المنظمة بصيغتها الراهنة اطارا توافقيا حقيقيا، ما يجعل من الوحدة المطروحة اقرب الى دعوة للاندماج لا الى بناء شراكة وطنية جديدة قائمة على مراجعة التجربة السابقة وإعادة تعريف المشروع الوطني.
 تظهر التناقضات بوضوح في قضية الأسرى والشهداء، فالبيان يعيد التأكيد على أن إطلاق سراح الأسرى بوصفه مهمة وطنية مقدسة، وكأنها تورثها للجيل القادم، وان رعاية أسرهم وأسر الشهداء واجب التنفيذ، لكنه يتجاهل ان السلطة نفسها هي من تتصرف بخلاف ذلك تحت ضغوط مالية وسياسية خارجية، وهنا يصبح السؤال مشروعا: الى من يوجه البيان خطابه؟ وكيف يمكن لحزب السلطة ان يتحدث بلغة الوفاء الرمزي بينما يتصرف عمليا وفق حسابات البقاء والتمويل والتوازنات الدولية؟
 ويتكرر الامر ذاته في حديث البيان عن الاحتلال، فهو ليس قدرنا وحتمي الزوال، بينما يخلو البيان بالكامل من اي تصور عملي او استراتيجي لازاحة الاحتلال او تغيير موازين القوة، باستثناء تكرار الحديث عن الشرعية الدولية والامم المتحدة والقرارات الدولية والاونروا، وهي كلها امور تحولت مع الوقت الى تأكيد للمؤكد، اكثر من كونها استراتيجية فعلية للتحرير، خاصة بعد عقود اثبتت فيها التجربة ان المجتمع الدولي عاجز او غير راغب في فرض حل، وحتى اي حل.
 والمفارقة الأكثر حدة ان الحركة التي ما تزال تفتخر بانها اطلقت الرصاصة الاولى، عادت في بيانها لتؤكد التزامها بالمقاومة الشعبية السلمية فقط، رغم ان الواقع الحالي يشهد حرب ابادة واستيطانا وتهجيرا غير مسبوقة، كما يتحدث البيان عن احترام الامن القومي العربي في وقت تبدو فيه المنطقة العربية غارقة في الانقسامات والحروب والتطبيع والحصار، بينما تواصل بعض العواصم العربية التضييق على الفلسطينيين او منع المساعدات عنهم وحجب شبكة الحماية المالية المقرة سابقا.
 ختاما، لا تكمن أزمة البيان في لغته الوطنية أو رموزه العاطفية، بل في التناقض العميق بين لغة الثورة وواقع السلطة، بين الخطاب التاريخي وغياب الأدوات، وبين الحديث عن التحرير فيما تبدو الأولوية هي الحفاظ على النظام السياسي القائم، ولهذا بدا البيان اقرب الى محاولة لإدارة القلق الفلسطيني لا لتقديم مشروع قادر على مواجهة لحظة تاريخية تتغير فيها كل المعادلات القديمة.
 



أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 11:29 صباحًا - بتوقيت القدس

صوت من القدس


خمس عشرة شخصية مقدسية، من رجال الدين المسيحي في طليعتهم البطاركة: ميشيل صباح وعطا الله حنا ومنيب يونان، وذوات ذات مكانة، عبروا بوضوح بالغ عن انحيازهم  لمقدسيتهم، وعن معاناة شعبهم، في ذكرى النكبة أو كما أسموها: "بداية النكبة"، حين تم "إقتلاع شعبنا من بيوته وأرضه عام 1948" وعن ذكرى احتلال القدس عام 1967، حيث تجوب شوارع المدينة المقدسة مسيرات لآلاف المتطرفين من المستعمرين الإسرائيليين، ناشرين الخوف والرعب والاعتداءات.
لا تتوه البوصلة عن هؤلاء القادة من المجربين المختبرين الذين خزنوا مع شعبهم القهر والحرمان وفقدان الحق في الحياة، طوال سنوات الاحتلال والحروب المتكررة المتقطعة المستمرة، ويدفعهم ذلك إلى المطالبة والقول:
" إذا كنا حقاً نريد إنهاء الحروب في الشرق الأوسط، علينا جميعاً أن نركز على القضية الجوهرية: معاناة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ عام 1948، وبعد تشرين الأول 2023، تفاقمت الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون وسط حرب متواصلة على غزة، تُشن بهدف محو فلسطين والفلسطينيين، وقد امتدت هذه الحروب إلى الضفة الفلسطينية ولبنان وما بعدهما، ونذكّر من يحتاج إلى التذكير في هذا العالم أن أرضنا المقدسة تتوق إلى المساواة والعدالة والسلام، السلام الذي ننشره هو سلام يضمن: الحرية والكرامة لكل إنسان".
وبقوة الإيمان والمنطق والأمل يقول بيانهم مخاطبين العالم والمسيحيين بالذات:
 " لا يجوز لنا أن نصمت، شعبنا يتألم، يتعرض يومياً للاعتداءات من الشرطة والجنود والمستوطنين، وحتى الذين يرتدون اللباس الديني (المسيحي) ويحملون الرموز الدينية لم يسلموا من أجواء العنف السائد" و "القدس مدينة مقدسة، مركز للحياة والثقافة والمجتمع الفلسطيني يلتقي فيها ويجلها المسلمون واليهود والمسيحيون، غير أن الكراهية والعنصرية تهددان هوية المدينة ورسالتها، ودعوتنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نكون صوتاً لكل إنسان يُعاني ويُقهر ويُعذب، وعليه يجب أن نكون صوتاً لمن لا صوت لهم"، وخاصة أن:
"هذه الأرض المباركة هي وطننا، وهي أرض مقدسة تحتضن الأماكن المقدسة، نعمل لها ومن أجلها".
بيان رجال الدين المسيحي من القدس، في ذكرى النكبة والتوسع في الاحتلال، ليس مجرد صوت احتجاجي، وهو كذلك، على فعل الكراهية والعنصرية التي يُسببها الاحتلال ومستعمريه من المستوطنين، للشعب العربي الفلسطيني من المسلمين والمسيحيين، إنها رسالة أتباع السيد المسيح للعالم، كي يُدرك، يعي، يفهم، حجم معاناة الشعب المظلوم المضطهد، جراء الاحتلال ومشروعه الاستعماري الإسرائيلي التوسعي الذي سبق وصنعته أوروبا في بلادنا، وتدعمه أميركا الآن بقوة، ونحن إذ نقف معهم كأردنيين وعرب ومسلمين ومسيحيين، ليس فقط بدوافع التعاطف والتضامن الواجب نحو الشعب الشقيق، بل لأن الظلم غير مقبول، ويجب أن يتوقف وينتهي، وأن أمننا الوطني والقومي والإنساني يستوجب أن نحميه، لأنه يتأثر بما يجري حولنا في فلسطين وسوريا ولبنان وامتداداً لكل بلد عربي نقف وإياه في خندق واحد.



أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 11:28 صباحًا - بتوقيت القدس

بَين البيان الختامي واستحقاق استنهاض "فتح" والحركة الوطنية


جاء البيان الختامي للمؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" حافلاً بالعناوين الوطنية التقليدية المتعلقة بغزة والقدس ومنظمة التحرير والوحدة الوطنية والمقاومة الشعبية والتطوير الداخلي، وهي جميعها قضايا مهمة ومشروعة.
وبالرغم أن "فتح" هي حركة تحرر وطنية ثورية وفق تعريفها بالنظام الداخلي للحركة، الا أن القراءة السياسية المتأنية تكشف أن البيان الختامي، رغم كثافة شعاراته، غلبت عليه لغة التكيّف السياسي البراغماتي وإدارة التوازنات أكثر من الواقعية الثورية القادرة على الربط بين الممكن السياسي والهدف التحرري، الأمر الذي انعكس في سرد الحالة وغياب حلول برامجية وأدوات واضحة لتنفيذ الرؤية السياسية تواكب طبيعة المرحلة التاريخية وتحدياتها التي يمر بها شعبنا الفلسطيني والمنطقة والعالم. هذا اضافة الى ضعف اللغة والمفردات الواردة بالبيان، كمصطلح "ذوي الإعاقة" بدلاً من ذوي "الحالات الخاصة"، ووجود جُمل وفقرات اعتراضية لم ترتبط بتفسير المطلوب من "فتح"، حين تمت الإشارة مثلاً الى أنتخابات المجلس الوطني.
ولعل من الضروري القول أيضاً هنا، إن النقاش حول مستقبل "فتح" لا ينفصل عن الملاحظات التي رافقت التحضير للمؤتمر الثامن نفسه، سواء على مستوى الدعوات وقوائم العضوية وآليات التمثيل، أو ما أُثير من جدل واسع بشأن استبعاد أو تهميش بعض الكفاءات والأسماء ذات التاريخ النضالي والسياسي المعروف. وهي قضايا كان من المفترض التعامل معها بروح أكثر انفتاحاً ومؤسسية، بما يعزز ثقة أبناء الحركة بعدالة العملية التنظيمية وشفافيتها، لا أن يترك آثاراً سلبية كان بالإمكان تجنبها. رغم ذلك فان مشاركتنا بالمؤتمر تمحورت حول الإنتماء لا الولاء، وقناعة منا أن قوة "فتح" التاريخية لم تكن في الهيمنة أو الإقصاء، بل في قدرتها على استيعاب التعدد واحتضان الكفاءات والاعتقاد بفتح المجال للنقاش الحر والمسؤول.
وبالرغم من كل الملاحظات التي رافقت انعقاد المؤتمر والتحضيرات له، والتي تتحمل اللجنة التحضيرية والهيئات القيادية المعنية مسؤولية أساسية عنها، فإن من الضروري أيضاً الاعتراف بأن جزءاً من المسؤولية يقع علينا جميعاً ككوادر وقيادات وأعضاء داخل الحركة، حين لم تتحول كثير من التساؤلات والملاحظات النقدية التي طُرحت خلال السنوات الماضية وخلال فترة الاعداد للمؤتمر إلى فعلٍ تنظيمي ضاغط يطالب بالمراجعة والمحاسبة والتطوير بصورة أكثر جدية ووضوحاً. فاستنهاض "فتح" لا يمكن أن يكون مهمة قيادة وحدها، بل مسؤولية جماعية تتطلب شجاعة النقد كما تتطلب شجاعة الفعل والمبادرة.
وهذا ما يعيدنا إلى سؤال كبير بات يفرض نفسه بعد المؤتمر، هل ما زالت البنية الحالية قادرة على إنتاج هذا التعدد وهذا الاستنهاض فعلاً ؟ أم أننا دخلنا تدريجياً في مرحلة تصبح فيها إدارة التوازنات أهم من إنتاج الرؤية الوطنية الجامعة للحركة ؟
ففي لحظة تشهد فيها القضية الفلسطينية استمرار حرب إبادة مفتوحة على غزة بأشكال مختلفة وتوسعاً استيطانياً وإبادة مكانية بالضفة بما فيها القدس، وتحولات إقليمية ودولية عميقة، كان من المتوقع أن يقدم المؤتمر تعريفاً أوضح لطبيعة الصراع القائم ومفهومه. هل ما زال الصراع يُعرّف باعتباره صراعاً تحررياً ضد مشروع استعماري استيطاني إحلالي مدعوم غربياً ؟ أم جرى اختزاله تدريجياً في إدارة أزمة سياسية وإنسانية تحت الأحتلال ؟ هذه المسألة الجوهرية غابت عن البيان، رغم أنها المدخل الضروري لأي استراتيجية وطنية مستقبلية.
كما لم يقدم البيان مقاربة سياسية واضحة لطبيعة المشروع الأمريكي في المنطقة بعد إقرار استراتيجية الامن القومي الامريكي وفي ظل ما يجري من إعادة تشكيل للشرق الأوسط على وقع الحرب والفكرية السياسية، ومحاولات فرض ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة قد تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية أو تعيد تعريفها ضمن مقاربات وظيفية مرتبطة بالأمن الإقليمي والمصالح الإسرائيلية. كذلك لم يتناول بصورة مباشرة مشروع "إدارة غزة" المطروح أمريكياً بصيغ مختلفة، والذي يبدو في جوهره محاولة لإعادة إنتاج الأحتلال بصيغ وأدوات مختلفة، ومحاولة لإنتاج إدارة سكانية وأمنية تحت إشراف "مجلس ترامب للسلام" والذي استبعدت عنه منظمة التحرير، بعيداً عن معالجة جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وإنهاء احتلال.
وفي الوقت ذاته، غابت عن البيان قراءة أعمق لتحولات النظام الدولي المتسارعة وصعود قوى دولية جديدة باتت تنافس الهيمنة الأمريكية التقليدية أحادية القطب، وما يمكن أن يتيحه ذلك من فرص أمام الشعب الفلسطيني لإعادة بناء تحالفاته الدولية وتنويع خياراته السياسية والدبلوماسية. فالعالم يتغير بسرعة، لكن الخطاب السياسي الوارد بالبيان ما زال في كثير من جوانبه أسير المقاربات التقليدية ذاتها.
ومن القضايا الجوهرية التي غابت أيضاً عن البيان الختامي، غياب الدعوة إلى مراجعة نقدية ومسؤولة للمسار السياسي الذي سلكته "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال العقود الماضية، بما في ذلك اتفاقيات "أوسلو" وملحقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على هذا المسار، وفي ظل التنكر الإسرائيلي العملي لها على الأرض عبر الأستيطان والضم ومحاصرة السلطة الوطنية وتقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، كان من الطبيعي أن يطرح المؤتمر أسئلة جدية حول ما آلت إليه العملية السياسية، وحول البدائل الوطنية الممكنة في مواجهة انهيار الأسس التي قامت عليها تلك الاتفاقيات.
إن أي عملية استنهاض وتطوير حقيقية لِ "فتح" وبالتالي للحركة الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تتم دون مراجعة سياسية شجاعة للتجربة السابقة، بعيداً عن عقلية التبرير أو الخوف من النقد، وبما يسمح بإعادة صياغة استراتيجية وطنية أكثر قدرة على مواجهة الوقائع الجديدة التي فرضها الأحتلال على الأرض، رغم التآكل المتزايد في صورة دولة الأحتلال دولياً نتيجة الجرائم المرتكبة بحق شعبنا أمام مرأى العالم.
أما داخلياً، فقد بدا لافتاً غياب أي رؤية واضحة بالبيان الختامي تتعلق بقيم الديمقراطية والمواطنة والعدالة الإجتماعية وفصل السلطات وسيادة القانون، وهي قضايا لم تعد تفصيلية أو مؤجلة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معركة الصمود الوطني السياسي نفسها. فالشعب الذي يواجه الأحتلال يحتاج أيضاً إلى نظام سياسي يشعر فيه المواطن بالكرامة والعدالة والمشاركة والمساءلة وبمبدأ المواطنة بدولة مدنية حتى ولو تحت الأحتلال.
والأكثر حساسية أن البيان لم يتناول بصورة كافية الهموم اليومية للناس، من الأزمة الاقتصادية الخانقة ذات البعد السياسي، وتأخر الرواتب، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الخدمات العامة، والدور المطلوب من الحكومة في ظل هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي المتفاقم كجزء من الأزمة السياسية والارتباط بها. وكأن السياسة ما زالت تُصاغ بمعزل عن الواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه شعبنا الفلسطيني يومياً، هذا الى جانب غياب إيضاح الآليات اللازمة لمواجهة الاستيطان وارهاب المستوطنين والدور العقلاني الذي كان يجب ان تطالب به "فتح" من أجهزة السلطة في مساندة المقاومة الشعبية واستنهاضها.
كذلك، غاب النقاش الضروري بالبيان الختامي حول العلاقة بين السلطة الفلسطينية و"فتح" كحركة تحرر وطني. فمنذ سنوات تتعمق أزمة التداخل بين مفهوم السلطة بوصفها إدارة حكم ذاتي مؤقتة ومقيدة تحت الاحتلال، وبين دور "فتح" كحركة تحرر وطني يفترض بها قيادة مشروع مقاومة سياسية وشعبية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية شاملة وفق رؤية واستراتيجية تحررية. فكان من المفترض أن يشكل المؤتمر فرصة لإعادة تعريف هذه العلاقة بصورة واضحة، بما يمنع ذوبان حركة التحرر داخل قيود السلطة والتزاماتها ووظائفها.
ومن الملاحظ أيضاً، أن البيان توجه بالشكر إلى الدول والأنظمة الرسمية، رغم اهمية ذلك، أكثر مما توجه إلى الشعوب وقواها التقدمية وأحزابها وحركاتها الاجتماعية، وكأن "فتح" تُقدم نفسها باعتبارها جزءاً من نظام سياسي رسمي أكثر من كونها حركة تحرر وطني ذات امتداد شعبي وأممي تحرري واسع.
كما غابت الإشارة الواضحة إلى الدور الوطني المتعاظم لجماهير شعبنا الفلسطيني داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، الذين يواجهون يومياً السياسات الفوقية اليهودية والأبارتهايد والقهر القومي، رغم أنهم يشكلون جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية التي بقيت متجذرة بالأرض منذ بداية جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم. وغاب أيضاً أي انفتاح سياسي أو أخلاقي على القوى اليهودية الديمقراطية المعادية للصهيونية التي باتت تشكل، رغم محدوديتها، جزءاً من جبهة عالمية متنامية ضد الاحتلال والحرب والعنصرية.
أما في ما يتعلق بالمشروع الوطني التحرري، فقد أعاد البيان التأكيد اللفظي على الدولة الفلسطينية، لكنه لم يتناول بصورة واقعية المخاطر التي تواجه إمكانية قيام الدولة على الأرض في ظل الاستيطان والضم والترحيل والتفتيت الجغرافي، ولم يقترب من جدلية الدولة نفسها، كيف يمكن الانتقال من الإعتراف النظري المتزايد بدولة فلسطين إلى آليات سياسية وقانونية وميدانية تفرض تجسيدها العملي من خلال إنهاء الاحتلال أولاً ؟
وفي هذا السياق، كان غياب الإشارة إلى الولاية السياسية والجغرافية لمنظمة التحرير الفلسطينية على كامل أراضي دولة فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧، والمعترف بها وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠١٢، أمراً لافتاً بمقابل عدم الاشارة لما يسمى "بلجنة أدارة قطاع غزة". كما غابت الدعوة الواضحة إلى تطوير أدوات المقاطعة السياسية والاقتصادية والأكاديمية لدولة الاحتلال باعتبارها إحدى أدوات النضال المشروعة والفاعلة عالمياً.
إن المشكلة الأساسية في البيان الختامي لا تكمن فقط فيما قاله، بل أيضاً فيما لم يقله. فالتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني اليوم لم تعد تسمح بإعادة إنتاج الخطاب التقليدي ذاته، ولا بالاكتفاء بالشعارات العامة التي لم تعد تقنع الأجيال الجديدة أو تقدم أجوبة حقيقية عن أسئلة المرحلة وعل اسئلة اصدقاء شعبنا حول العالم ايضاً.
ورغم ذلك، فإن النقد هنا لا يأتي من باب التقليل من أهمية "فتح" أو دورها التاريخي، بل من الحرص العميق على ضرورة استنهاضها وتطوير رؤيتها ودورها ووظيفتها الوطنية. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود ما زالت تملك القدرة، إن توفرت الإرادة السياسية والفكرية والتنظيمية التي يجب أن تتجدد بحكم مسار التاريخ وتغير الظروف، لتكون الحامل من اجل لعب دور مركزي في إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس أكثر ديمقراطية ووضوحاً واستقلالية وقدرة على مواجهة المشروع الصهيوني والتحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة والعالم.
يبقى أن ما نحتاجه الآن ليس فقط الدفاع عن "فتح" كإرث تاريخي، بل الدفاع عن قدرتها على أن تبقى إطاراً حياً وحاملاً تنظيميا قادراً على إنتاج السياسة لا مجرد إدارة الواقع. وهو ما يشكل التحدي الأساسي أمام القيادة الجديدة المنتخبة في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، الذين نشد على أياديهم ونقف إلى جانبهم في إقرار الإستراتيجية والرؤى والبرامج القادرة على استنهاض "فتح" والحركة الوطنية الفلسطينية وتجديد دورها التاريخي وتقديم الإجابات لأبناء شعبنا دون تركهم امام المجهول القادم.

* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".
===================================

ومن الملاحظ أيضاً، أن البيان توجه بالشكر إلى الدول والأنظمة الرسمية، رغم اهمية ذلك، أكثر مما توجه إلى الشعوب وقواها التقدمية وأحزابها وحركاتها الاجتماعية، وكأن "فتح" تُقدم نفسها باعتبارها جزءاً من نظام سياسي رسمي أكثر من كونها حركة تحرر وطني ذات امتداد شعبي وأممي تحرري واسع.



أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تقود المدرسة المستقبل.. القيادة المدرسية الذكية في زمن التحول الرقمي

في كثير من مدارسنا العربية، ما يزال التحول الرقمي يُفهم أحيانًا على أنه أجهزة جديدة أو شاشات ذكية تُعلّق على الجدران، بينما تبقى طريقة التفكير والإدارة كما هي. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: كيف نطلب من المدرسة أن تدخل المستقبل، وهي ما تزال تُدار بعقلية الأمس؟  
القيادة المدرسية الذكية أصبحت شرطًا أساسيًا لمدرسة قادرة على التكيّف مع التغير السريع في المعرفة، والتواصل، وأنماط التعلم. فالقائد المدرسي اليوم ليس مجرد مدير للروتين اليومي، بل هو من يصنع الاتجاه، ويقود التغيير، ويحوّل التكنولوجيا من عبء إلى فرصة.
القيادة الذكية اليوم لم تعد تعني فقط الحفاظ على النظام وتسيير الجدول المدرسي. لقد انتهى زمن المدير الذي يكتفي بدور المنظم أو المراقب، يجلس في مكتبه ليوقّع الأوراق ويصدر التعاميم. في زمن التحول الرقمي، يحتاج المدير إلى أن يكون موجّهًا، ومبتكرًا، وصاحب رؤية قادرة على استشراف ما يأتي. فالإدارة التقليدية كانت تركز على الكفاءة التشغيلية، بينما القيادة الذكية تركز على الأثر والفاعلية. والقائد الذكي هو من يدرك أن التكنولوجيا ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتمكين العقول وتحرير الطاقات الكامنة لدى المعلم والطالب معًا.
وهنا تظهر حقيقة كثيرًا ما يُساء فهمها وهي ان التحول الرقمي ليس فقط شراء أجهزة حديثة أو تركيب شاشات ذكية في الفصول. إنه تحول أعمق بكثير، يمس طريقة التفكير، وآليات اتخاذ القرار، وأساليب التواصل، وإدارة الوقت. فمدرسة تعتقد أنها حققت التحول الرقمي لأنها استبدلت السبورة الخشبية بأخرى إلكترونية، بينما بقي أسلوب التلقين على حاله، لم تفعل في الحقيقة سوى “رقمنة الملل”. التحول الحقيقي يبدأ عندما تتغير ثقافة المدرسة كلها، فتغدو ثقافة تعتمد على البيانات في اتخاذ القرار، وتتبنى المرونة في مواجهة المتغيرات، وتشجع على التعلم المستمر.
وهنا  يبرز دور المدير بوصفه قائدا لإدارة التغيير. والتغيير بطبيعته يثير الخوف والقلق، خاصة لدى المعلمين الذين اعتادوا لسنوات على طرق تدريس معينة. القائد الذكي لا يفرض التكنولوجيا بقرارات فوقية، بل يأخذ بيد معلميه خطوة خطوة. يبني جسور الثقة، ويستمع إلى مخاوفهم، ويحوّل التكنولوجيا في نظرهم من عبء إضافي إلى فرصة لتسهيل العمل وتوسيع أفق الإبداع. وعندما يشعر المعلم أن مديره يتفهم صعوبات التكيف مع المنصات الرقمية، يصبح أكثر استعدادا للتجربة والمغامرة.
ولذلك، يجب أن يكون المعلم في قلب أي استراتيجية للتحول الرقمي. فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يخرّج أجيالا مبتكرة إذا لم نوفر له التدريب المستمر، والتمكين الحقيقي، والدعم النفسي. القيادة الذكية تدرك أن تدريب المعلمين على استخدام التقنية يجب أن يسبق إدخال التقنية نفسها إلى الفصول. كما أنها تعمل على تخفيف الأعباء الإدارية والورقية عنهم، بحيث يتفرغون لما هو أعمق إلا وهو التفاعل الإنساني مع الطلاب.
هذا التفاعل الإنساني مهم جدا وجوهري  لأن الطالب اليوم لم يعد كما كان بالأمس. نحن نتعامل مع جيل وُلد وفي يده شاشة، جيل يعيش في عالم سريع، بصري، وتفاعلي بامتياز. ولا يمكن للمدرسة أن تطلب من هذا الجيل الجلوس في صفوف صامتة لتلقي معلومات يمكن الوصول إليها بضغطة زر. القيادة الذكية توظف التكنولوجيا لفهم احتياجات الطالب، ولمعرفة أنماط تعلمه، وليس لمراقبته أو تقييد حريته. فالتكنولوجيا يجب أن تكون نافذة الطالب على العالم، وأداته للتعبير عن نفسه، لا وسيلة إضافية للضبط والسيطرة.
ويمتد أثر القيادة الذكية إلى العلاقة مع الأسرة أيضا. ففي العصر الرقمي، لم يعد التواصل مع أولياء الأمور مقتصرا على اجتماعات نهاية الفصل الدراسي. لقد وفرت التكنولوجيا قنوات تواصل فورية وفعالة، لكنها قد تتحول إلى مصدر توتر إذا لم تُدر بحكمة. القائد الذكي يضع سياسات واضحة للتواصل الرقمي، تضمن بقاء أولياء الأمور على اطلاع دائم بتقدم أبنائهم، دون أن يتحول ذلك إلى ضغط دائم على المعلمين أو انتهاك لخصوصية العمل التربوي.
ومع هذا التوسع في استخدام التكنولوجيا، تبرز قضية في غاية الخطورة وهي العدالة الرقمية. فالقيادة المدرسية الذكية لا تغمض عينيها عن الفجوة الرقمية التي قد تظلم طلابا ينتمون لأسر ذات دخل محدود. فليس كافيا أن نوفر جهازا لوحيا لكل طالب إذا لم يكن لديه اتصال موثوق بالإنترنت في منزله. القائد الحقيقي هو من يبحث عن حلول مبتكرة وشراكات مجتمعية تضمن ألا يتخلف أي طالب عن الركب بسبب ظروفه المادية. فالتكنولوجيا يجب أن تكون جسرا يعبر بالجميع نحو المستقبل، لا جدارا يعزل الفئات الأقل حظا.
كل هذه التحديات تؤكد حقيقة جوهرية الذكاء القيادي لا يعني السيطرة. في الماضي، كان المدير يستمد قوته من احتكار المعلومات. أما اليوم، فالمعلومات متاحة للجميع. والتحول المطلوب هو الانتقال من عقلية “المدير الآمر” الذي يمتلك كل الإجابات، إلى عقلية “المدير القائد” الذي يطرح الأسئلة الصحيحة، ويحفز فريقه على البحث عن الحلول. القائد الذكي لا يحتكر القيادة، بل يوزعها، ويصنع قادة آخرين من بين معلميه وطلابه.
ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على الأخلاق والقيم داخل المدرسة الرقمية. كيف نعلم طلابنا احترام حقوق الملكية الفكرية؟ كيف نحميهم من التنمر الإلكتروني؟ كيف نغرس فيهم قيم الانضباط الذاتي وهم يتنقلون بين منصات لا تنتهي؟ القيادة الذكية تدرك أن التربية الأخلاقية في الفضاء الرقمي لا تقل أهمية عن التربية الأكاديمية. فحماية خصوصية بيانات الطلاب والمعلمين، وتعزيز المواطنة الرقمية الإيجابية، مسؤوليتان لا يمكن التهاون فيهما.
إن المدرسة الناجحة في السنوات القادمة لن تُقاس بامتلاكها أحدث الروبوتات أو أسرع الحواسيب، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين التقنية والإنسان. فالتكنولوجيا ستواصل التطور، والذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل التعليم بطرق لا نستطيع تخيلها كلها اليوم، لكن ما سيبقى ثابتا هو الحاجة إلى لمسة إنسانية، وإلى معلم يلهم، وإلى قائد يوجّه.
إن مستقبل المدرسة العربية لن يُصنع من خلال شراء المزيد من الأجهزة أو تكديس المزيد من المنصات، بل من خلال قيادة تعرف كيف توظف التقنية في خدمة الإنسان. فالقيادة المدرسية الذكية ترى في التحول الرقمي فرصة لتجديد التعليم، لا مجرد تحديث شكلي في أدواته. وعندما ينجح القائد في بناء هذا التوازن بين التقنية والقيم، وبين السرعة والإنسان، وبين البيانات والعلاقة التربوية، تصبح المدرسة أكثر قدرة على صناعة المستقبل بدل الاكتفاء بملاحقته.
========================

ولذلك، يجب أن يكون المعلم في قلب أي استراتيجية للتحول الرقمي. فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يخرّج أجيالا مبتكرة إذا لم نوفر له التدريب المستمر، والتمكين الحقيقي، والدعم النفسي. القيادة الذكية تدرك أن تدريب المعلمين على استخدام التقنية يجب أن يسبق إدخال التقنية نفسها إلى الفصول



أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو استراتيجية وطنية لمواجهة قرصنة إيرادات المقاصّة


تداولت وكالات إخبارية عدّة، من بينها وكالة رويترز العالمية وصحيفة هأرتس، أخبارًا متقاطعة بشأن مباحثات بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لتحويل جزء من أموال المقاصّة المحتجزة لدى إسرائيل إلى «مجلس السلام» في قطاع غزة لتمويل خطط عمله هناك. وفي حال صحّة هذه الأنباء، فإنّ ذلك يشكّل تطورًا دراماتيكيًا ومنحًى بالغ الخطورة في سياق الاستيلاء على أموال وحقوق الشعب الفلسطيني؛ إذ تُعدّ إيرادات المقاصّة المكوّن الرئيس للإيرادات العامة في فلسطين، بما يقارب (68%) من إجمالي الإيرادات العامة. وهذه الأموال ليست منحة من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي جهة أخرى، بل هي أموال فلسطينية خالصة تعود إلى الخزينة العامة، وتمثل ضرائب يدفعها المواطن الفلسطيني على السلع والخدمات المستوردة من إسرائيل أو عبرها، وبالتالي لا يحق لأي جهة، مهما كانت، التصرف بها تحت أي ظرف.
وفي هذا السياق، لا بدّ من توضيح مجموعة من الحقائق الأساسية. فالحقيقة الأولى أن إيرادات المقاصّة حق أصيل للخزينة العامة الفلسطينية، وهي أموال جُمعت من دافعي الضرائب الفلسطينيين، وليست منحة أو هبة من أحد، ولا يملك حق التصرف بها سوى الفلسطينيين أنفسهم. وتقوم إسرائيل بجبايتها بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الناظم للعلاقة الاقتصادية بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل، مقابل عمولة إدارية تُقدّر بـ (3%)، دون أن تمتلك أي حق قانوني أو سياسي بالتصرف بهذه الإيرادات.
أما الحقيقة الثانية، فتتمثل في أن السلطة الفلسطينية، ورغم قرار «الكابينت» الإسرائيلي بحجز مخصصات قطاع غزة من أموال المقاصّة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بقيمة تُقدّر بنحو (275) مليون شيكل شهريًا، واصلت دفع مخصصات القطاع، ولا سيما رواتب العاملين في قطاعات التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية وغيرها. وعليه، فإن الأموال المحتجزة ليست مبالغ مخصّصة مستقبلًا لقطاع غزة، بل هي إيرادات عامة تخصّ الشعب الفلسطيني بأكمله.
أما الحقيقة الثالثة، فهي أن «مجلس السلام»، منذ تشكيله، لم يقدّم خطوات ملموسة على صعيد إعادة إعمار قطاع غزة أو التخفيف من معاناة المواطنين، كما لم يتولَّ دفع رواتب الموظفين أو تحمّل الأعباء التشغيلية الأساسية، في حين ما تزال طبيعة التزاماته المستقبلية غامضة وغير واضحة.
وبناءً على ذلك، فإن أي تحويل لجزء من أموال المقاصّة إلى هذا المجلس يندرج في إطار تعميق الضغوط الاقتصادية على الفلسطينيين، بهدف تقويض الكيانية الفلسطينية وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المالية، وصولًا إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وإدخال المجتمع الفلسطيني في حالة من الاحتقان الداخلي. وهذا ما يعبّر عنه علنًا وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، الذي أعلن بالأمس أنه سيعمل على استهداف «كل هدف اقتصادي للسلطة الفلسطينية أو غيره» ضمن صلاحياته.
ومن المتوقع، في ضوء حالة الاستقطاب السياسي و«حُمّى الانتخابات» في إسرائيل، أن تتصاعد الإجراءات الإسرائيلية الأكثر تطرفًا تجاه الاقتصاد الفلسطيني وأموال المقاصّة، في ظل تنافس أحزاب اليمين المتطرف على المزايدة على حساب الحقوق الفلسطينية. الأمر الذي يتطلب حراكًا فلسطينيًا عاجلًا وعدم انتظار فرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة أن التجربة أثبتت أن إسرائيل تسابق الزمن لتكريس واقع سياسي واقتصادي يقوّض الكيانية الفلسطينية عبر بوابة الاقتصاد.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة للدفاع عن الحقوق المالية الفلسطينية، تقودها الحكومة بالشراكة والتكامل مع مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، بما يشمل الأحزاب السياسية، والقطاع الخاص، والقطاع المصرفي، والمؤسسات الأهلية، بهدف مواجهة قرصنة أموال المقاصّة، إلى جانب حشد دعم دولي واسع، خصوصًا من الدول الشقيقة والصديقة والاتحاد الاوروبي، للضغط من أجل وقف أي إجراءات تستهدف أموال الشعب الفلسطيني.
وختامًا، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية تتكشف يومًا بعد يوم بصورة أكثر وضوحًا، وهي تستهدف الكيانية الفلسطينية برمتها، ما يعني أن الحلول الفردية أو الجزئية لن تكون كافية لمواجهة الأزمة. وعليه، فإن التصدي لمحاولات الاستيلاء على الأموال الفلسطينية يتطلب جهدًا جماعيًا متعدد المسارات، في مقدمتها إعادة النظر في العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، والاستفادة من التوجهات الدولية، ولا سيما المواقف الصادرة عن فرنسا والمملكة العربية السعودية، للدفع نحو مراجعة بروتوكول باريس الاقتصادي، ووضع إطار مالي جديد وآلية أكثر عدالة وشفافية لتحويل أموال المقاصّة الفلسطينية.
=========================
«مجلس السلام»، منذ تشكيله، لم يقدّم خطوات ملموسة على صعيد إعادة إعمار قطاع غزة أو التخفيف من معاناة المواطنين، كما لم يتولَّ دفع رواتب الموظفين أو تحمّل الأعباء التشغيلية الأساسية، في حين ما تزال طبيعة التزاماته المستقبلية غامضة وغير واضحة.

 


فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

انتحار طبيبه النفسي.. نتنياهو "شخصية نرجسية يعيش حياة مزدوجة بأقنعة"

انتحار طبيبه النفسي.. نتنياهو "شخصية نرجسية يعيش حياة مزدوجة بأقنعة"
·      يلعب بالتناقض يحجب خوفه بالقسوة المفرطة ويغطي فساده بصفحات التوراة"
·      
·       نتنياهو ليس مرض نفسي فردي بل أصبحت حالته تعكس مجتمعاً  أوسع فطالما يجد من يؤيده وترتعب المعارضة من تهديداته
 
القدس- "القدس" دوت كوم-  محمد أبو خضير -
يُعد بنيامين نتنياهو، أطول رؤساء وزراء إسرائيل خدمة، شخصية إشكالية بامتياز، تمثل نموذجًا فريدًا للقائد الذي يواصل التمسك بالسلطة رغم انهيار الدعم الشعبي وتوالي الفضائح. خبراء نفسيين إسرائيليين عالجوه أو درسوا شخصيته، ومصادر إسرائيلية موثوقة، كتبت عن هذه الشخصية الإشكالية لفهم الآليات النفسية التي تمكنه من السيطرة على من حوله وتجييش قاعدته الشعبية في كل مرة تقترب فيها الانتخابات أو تشتد رقابة القانون ضده بتهم الفساد. دراسة شخصية نتنياهو و التناقض بين خطابه الديني الديناميكي وحياته العلمانية، وأصول معتقداته المستمدة من والده بنزيون نتنياهو، وأيديولوجيته المتطرفة تعكس تشوه فكري ونرجسية غير مسبوقة في دوائر الحكم الإسرائيلية.
 
موشيه ياتوم: الانتحار كاتهام نهائي
في واقعة صادمة هزت الأوساط النفسية في إسرائيل، انتحر الطبيب النفسي البارز موشيه ياتوم في عام 2010، تاركًا رسالة انتحار ألقى باللوم فيها على مريضه السابق بنيامين نتنياهو. كتب ياتوم: "لم أعد أتحمل"، واصفًا الشخصية التي عالجها بأنها "مضطربة وعنيفة بشدة" .
وقد فصّل ياتوم في رسالته كيف ينظر نتنياهو إلى العالم والسياسة بعبارات متناقضة صادمة:
ما يراه نتنياهو     تفسيره المحرّف
السرقة                    فداء
الفصل العنصري        حرية
نشطاء السلام           إرهابيون
           القتل                   دفاع عن النفس
                                     القرصنة                شرعية
فلسطين                  أردن
                                            الضم          تحرير
واختتم ياتوم تحليله بالقول إن تناقضات نتنياهو لا تنتهي، مضيفًا: "هذا الرجل يستطيع أن يقول إن غاندي اخترع القبضات الحديدية" .
 
عوفر جروزبيرد: النرجسية وجنون الارتياب
وصف عوفر جروزبيرد، الطبيب النفسي والمستشار السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، نتنياهو بأنه "شخصية نرجسية يعيش حياة مزدوجة بأقنعة" .
وأوضح في تحليله:" عدم القدرة على تقبل الفشل: شخصية نتنياهو لا تسمح له بتحمل الإهانات. عندما يتهم بالفساد، بدلاً من مواجهة ذلك بهدوء على المستوى القانوني، "يقع في جنون الارتياب، ويحشد مؤيديه ويتحدث عن مؤامرة ضده" .
القتال من أجل السمعة
 يرى جروزبيرد أن نتنياهو "يحارب من أجل سمعته" ويعتبر الأزمات التي يمر بها معارك من أجل "إسرائيل" .
 بين العلمانية الشخصية والخطاب الديني
رغم أن نتنياهو يُصنف على أنه غير متدين في حياته الشخصية (لا يلتزم بالشريعة اليهودية)، فإنه يستخدم باستمرار اقتباسات من التوراة والتلمود في خطاباته السياسية. هذا التناقض يعكس نرجسية معقدة تداري خوفها بالتهور الأعمى، وتخفي ضعفها بالقسوة المفرطة، وتغطي فسادها بصفحات التوراة" .
 اقتباسات نموذجية من خطاباته الدينية
في مناسبات متعددة، اقتبس نتنياهو نصوصًا من العهد القديم لتبرير أفعاله:
من سفر إشعيا: قال متوعدًا أعداءه: "نحن أبناء النور وهم أبناء الظلام، وسيهزم النورُ الظلام".
محاربة عماليق: اقتبس النص التوراتي الذي يأمر بمحو عماليق: "والآن اذهب، واضرب عماليق وحرم كل ما لهم، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، والجمل والحمار" .
يعتبر المحللون أن استخدام هذه النصوص هو أداة لتجييش القاعدة الدينية، رغم أن نتنياهو نفسه لا يلتزم بالشعائر الدينية في حياته الخاصة .
 
كيف يسيطر نتنياهو على من حوله ويقنعهم؟
وفقًا للمحلل النفسي جروزبيرد، تعتمد إستراتيجية نتنياهو في السيطرة على:
تحويل الأزمة الشخصية إلى أزمة وطنية: عندما يتهم بالفساد، لا يدافع عن نفسه قانونيًا، بل يروي قصة مؤامرة ضده من قبل "اليسار" و"النخبة القضائية" و"وسائل الإعلام" .
تجييش القاعدة الشعبية:" بدلاً من مواجهة الاتهامات، يُخرج أنصاره إلى الشوارع، ويحوّل المحاكمة إلى معركة وجودية لإسرائيل .
إبقاء الصراع حياً، يحتاج نتنياهو إلى عدو خارجي (إيران، حماس) وعدو داخلي (القضاء، وسائل الإعلام) ليظل في مركز المشهد.
 كيف يقنع حلفاءه؟
يكشف تحليل نشرته صحيفة "هآرتس" أمس عن الطريقة التي يتعامل بها نتنياهو مع حلفائه، خاصة الأحزاب الحريدية (المتدينة). ورغم إعلان الحاخام دوف لنداو (زعيم التيار الليتائي) أن "كل أنواع الحديث عن كتلة لم تعد موجودة" وأنهم "لم يعودوا يثقون بنتنياهو"، فإن المحللين يؤكدون أن هذه التصريحات مجرد مناورة سياسية .
آلية الإقناع الرئيسية هي المليارات: بحسب صحيفة "ذا ماركر" الاقتصادية، يروج نتنياهو "لخطة خمسية بقيمة مليارات الشواقل لليهود المتشددين كتعويض عن عدم وجود قانون لمكافحة التهرب من التجنيد" . باختصار، يشتري ولاء حلفائه بالميزانيات والوظائف والإعفاءات.
 
السيطرة والخوف عند اقتراب الانتخابات أو التحقيق
 إستراتيجية التخويف الممنهجة
وفقًا لتحليل نشره الكاتب نحاميا شترسلر في صحيفة "هآرتس" أمس، فإن نتنياهو مستعد "لإحراق كل البلاد" من أجل تجنب المحاكمة. وتشمل إستراتيجياته:"تقويض المحكمة العليا ، نزع شرعيتها لئلا تتمكن من تنفيذ قرارات ضده والهجوم على لجنة الانتخابات المركزية وتخويف رئيسها ومديرها العام ليتغاضوا عن التزوير وتعيين مدعٍ عام من قبله وفصل وظيفة المستشار القانوني للحكومة لإيقاف المحاكمة، وإشعال حرب، إذا أظهرت الاستطلاعات أنه لا يملك الأغلبية، قد يُشعل حربًا لتأجيل الانتخابات، وإرسال "زعران اليمين المتطرف" لتفجير تجمعات المعارضة في الشارع. كذلك تسليح الشرطة واستخدام شرطة بن غفير لقمع المعارضين بدلاً من حمايتهم.

 التهديد بإلغاء الانتخابات
يحذر شترسلر من سيناريوهات أكثر خطورة: إذا لم تنجح كل هذه الإجراءات، قد يعلن نتنياهو أن "اليسار قام بالغش وسرقة الأصوات" ويرفض النتائج. وإذا عارضت المحكمة العليا، فسيتم حلها وإجراء انتخابات جديدة على الشاكلة الديكتاتورية " .
 
من أين استقى نتنياهو أفكاره؟
الإرث الأبوي
ورث نتنياهو جزءًا كبيرًا من نظرته للعالم من والده بنزيون نتنياهو، الذي كان تلميذًا لزئيف جابوتينسكي، أبو الصهيونية التصحيحية (التيار اليميني المتطرف). كان جابوتينسكي يؤمن بـ "إسرائيل الكبرى" ويؤمن بالعنف كوسيلة لتحقيق ذلك.
 نظرة والد نتنياهو للعرب
كان بنزيون نتنياهو لا يؤمن بوجود شعب فلسطيني، ووصف "جوهر" العرب بعبارات عنصرية قاسية: "الميل للصراع متأصل في جوهر العرب... وجوده هو وجود حرب دائمة... حل الدولتين غير موجود" .
 
الانعكاس على سياسات الابن
هذه الأفكار ترجمها نتنياهو الابن إلى سياسات: "لا يهم نوع المقاومة التي سيواجهها، أو الثمن الذي سيدفعه" . تفسر هذه الجذور الأيديولوجية استمراره في الحرب على غزة رغم الضغوط الدولية والإنسانية.
 وفي هذا السياق، كتبت الكاتبة عيناف شيف أن إسرائيل أصبحت تدير ظهرها لحلفائها الغربيين القلائل المتبقين، وتفقد دعم شخصيات دافع عنها بشجاعة.
وتخلص إلى أن إسرائيل لم تعد تهتم بالنأي بنفسها عما يقوله منتقدوها: "ليست هذه الأمور من اختراعات المؤثرين المعادين للسامية على تيك توك... بل هي أحداث متسقة وموثقة" .
يصف شترسلر نتنياهو بأنه "الشخص الأكثر حقارة في تاريخ الشعب اليهودي" ، ويوثق بالتفصيل كيف أن رئيس الوزراء مستعد "لاحراق كل البلاد" من أجل البقاء في منصبه وتجنب السجن .
إلى أين تتجه إسرائيل بهذه العقليات؟
يجمع المحللون الإسرائيليون أن إسرائيل تمر بأخطر أزمة في تاريخها، ليست فقط أزمة حرب أو اقتصاد، بل أزمة قيم وهويتها كدولة ديمقراطية. ففي الوقت الذي تدعي فيه التمسك "بالقيم والأخلاق والديمقراطية" ، فإن أفعالها - بدءًا من الفصل العنصري في الضفة الغربية، مرورًا بتقويض القضاء، وانتهاءً بسياسات التخويف والترهيب الانتخابي - تقربها أكثر من وصفها بأنها "دولة مثيرة للحروب، متعطشة للاستعمار، محتقرة للمبادئ الأخلاقية والقانون الدولي" .
إن الحالة النرجسية المعقدة لنتنياهو، الموروثة عن أبيه الأيديولوجي، ليست مجرد مرض نفسي فردي، بل أصبحت - للأسف - تعكس حالة مجتمعية أوسع. فطالما يجد هذا القائد من يؤيده، ويستمر في شراء ولاء حلفائه بالمليارات، وترتعب المعارضة من تهديداته، فإن إسرائيل ستواصل مسيرتها نحو الهاوية.


فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

سحب نحو 15 ألف هوية مقدسية وهدم أكثر من ألفي مبنى و130 ألف مقدسي مُهدد بالتهجير و78% من سكانها تحت خط الفقر

 أصدرت جمعية الدراسات العربية دراسة جديدة ترصد ستة عقود من السياسات الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة، بعنوان "قراءة إحصائية جغرافية ديمغرافية اجتماعية لسياسات الاحتلال الإسرائيلي تجاه واقع القدس الشرقية”.
وتَرصد الدراسة التي أعدّها الدكتور عزمي أبو السعود والأستاذ وسام عبد اللطيف، التحولات في المدينة المقدسة ضمن ستة محاور: الديمغرافيا والإقامة، الأرض والاستيطان، الهدم والقانون، التعليم، الصحة، والاقتصاد، مستندة إلى مصادر إسرائيلية رسمية وفلسطينية ودولية.

من بضعة آلاف إلى نحو ربع مليون

وجاء في الدراسة، أنه في الرابع من حزيران 1967، كان عدد المستوطنين الإسرائيليين داخل ما سيصبح لاحقاً حدود بلدية القدس الموحَّدة لا يتجاوز بضعة آلاف. اليوم، وبعد ثمانية وخمسين عاماً، يبلغ عددهم 234 ألفاً وفق آخر إحصاء صادر عن مركز القدس للعلاقات الخارجية. النمو يقارب سبعة وعشرين ضعفاً، ولم يكن نتاج صدفة ديمغرافية، بل حصيلة سياسة منهجية وثَّقها الباحثون بالأرقام والقوانين والمخططات.

14,809 هويات مُلغاة

وتكشف الدراسة أنه بين عامَي 1967 و2024، أُلغيت 14,809 هويات مقدسية وفق بيانات وزارة الداخلية الإسرائيلية المنشورة عبر مركز "هموكيد" لحقوق الفرد، وكانت الذروة عام 2008 حيث بلغت 4,577 إلغاءً، فيما شهد عام 2006 إلغاء 1,363 هوية.

وكان السبب القانوني الأبرز وراء هذا العدد الهائل من إلغاءات الإقامة هو تطبيق معيار "مركز الحياة" الذي رسَّخه حكم محكمة العدل العليا الإسرائيلية في قضية عَوَض ضد رئيس الوزراء، انطلاقاً من قاعدة بسيطة الصياغة: من يُغادر حدود البلدية لفترة ممتدة (للدراسة أو العمل أو الزواج خارجها) يفقد إقامته الدائمة، وأكثر من ذلك؛ حقه في السكن في مدينته.

ويأتي تصنيف السكان ليكشف أحد المسوغات القانونية التي بُنيَت عليها قرارات إلغاء الإقامة؛ ذلك أن قانون الدخول إلى إسرائيل لعام 1952 يُعامل الفلسطينيين في القدس الشرقية باعتبارهم "مقيمين دائمين" لا مواطنين، وهي سمة قانونية تُمنح أصلاً للأجانب الذين يقررون الإقامة في إسرائيل.

وعلى الجانب الآخر يَظهر قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل "أمر مؤقت" لعام 2003 — الذي أيَّدت محكمة العدل العليا دستوريته مرَّتين فيُقيِّد جمع شمل الأزواج الفلسطينيين، ويمنع الإقامة الدائمة أو المواطنة عبر الزواج.

وحتى أكتوبر 2024، حصل 13,550 شخصاً فقط على وضع قانوني عبر طلبات جمع الشمل: 4,300 يحملون إقامة دائمة، و5,250 إقامة مؤقتة قابلة للتجديد. اما الباقون فيعيشون في منطقة قانونية رمادية.

ثلاثة أرقام كاشفة
على صعيد الجغرافيا، اعتمدت الدراسة ثلاثة أرقام لتلخيص واقع الأرض في القدس الشرقية؛ الأول يشير إلى حجم الأراضي التي صودرت وتبلغ نسبتها 35% من مساحتها (24 كم²) بموجب قانون يعود لحقبة الانتداب البريطاني وتبنّته الدولة العبرية بعد عام 1948. أما الرقم الثاني فيشير الى المناطق المصنفة كـ"مناطق خضراء" ونسبتها 52% يُمنع البناء عليها، وفق إفادة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فيما يمثل الرقم الاخير 13% النسبة التي تبقت لاستيعاب البناء الفلسطيني.

ابتلاع الأرض

وفي عام 1952 كانت حدود البلدية 33,500 دونم. وقفز الرقم بعد الضم عام 1967، إلى 108 آلاف دونم. ثم ارتفع إلى 126,600 دونم عام 1993. ولم تكن هذه التوسعات جغرافية فحسب؛ فقد رُسمت حدود البلدية لتشمل أراضي 28 قرية ومدينة عربية، مع استبعاد تجمعاتها السكانية حيثما أمكن، أي ضمّ للأرض دون ضمّ للسكان.

الجرافات تحشر الفلسطينيين

وبين عامَي 2009 و2025، هُدم 2,124 مبنىً في القدس الشرقية، وفق بيانات "OCHA" وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان ومحافظة القدس. وبلغ الهدم ذروته في عام 2019 بمحصلة 207 مبانٍ، فيما شهد عام 2025 هدم 178 مبنى، استنادا الى قانون التنظيم والبناء لعام 1965.

وتصف الدراسة الفلسطينيين بأنهم "محشورون قانونياً" فـما نسبته 32% من المنازل الفلسطينية في القدس الشرقية بُنيت دون رخصة، ويرتفع الرقم إلى 48% بحسب تقديرات أخرى. ويعيش بين 86,500 و130,000 مقدسي تحت تهديد دائم بهدم منازلهم، ليس بسبب اختيار البناء غير المرخَّص، بل لأن النظام القانوني لم يُتح لهم بدائل كافية.



تسلل المناهج الإسرائيلية
وفيما يتعلق بمحور التعليم، شهد تحوُّلاً قابلاً للقياس؛ إذ كان عدد الطلبة الفلسطينيين في القدس الشرقية، الدارسين بالمنهاج المُؤسرل (البجروت بدلاً من التوجيهي الفلسطيني) عام 2012/2013 ألف طالب فقط، وارتفع الرقم خلال عشرة سنوات الى 16,808.

كما خصصت الخطة الخماسية للحكومة الإسرائيلية للأعوام 2024–2028 (من ميزانية إجمالية 3.2 مليار شيقل) 800 مليون شيقل للمدارس الابتدائية والثانوية، إضافة إلى 300 مليون شيقل للمؤسسات التعليمية التي توافق على تدريس "البجروت"، وارتفع عدد المدارس التي تُدرِّس المنهاج الإسرائيلي من 54 إلى 95 مدرسة بين عامَي 2022 و2023.

وتشرف الأوقاف الإسلامية على 51 مدرسة (12.2% من الطلبة)، والمدارس الخاصة على 84 مدرسة (37.9%)، ووكالة الغوث على 6 مدارس (1.2%)، أمّا وزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية القدس فتُديران 74 مدرسة تستوعب 45.6% من الطلبة، أي أن نصف الطلبة تقريباً يدرسون في إطار خاضع مباشرة للسلطة الإسرائيلية.

فقر عنصري وفجوة متعاظمة
 
على الصعيد الاقتصادي، تظهر معطيات معهد القدس لبحوث السياسات أن 78% من السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية يعيشون تحت خط الفقر، فيما تبلغ النسبة بين الأطفال 84%، مع الإشارة الى أن الناتج المحلي للمدينة بلغ 1.3 مليار دولار عام 2019.

وبلغت مشاركة الرجال الفلسطينيين في القوى العاملة 69%، أمّا النساء فلا تتجاوز نسبتهن 26%، فيما بلغت نسبة البطالة في القدس الشرقية 7.6% عام 2022، مقابل 4% في القدس الغربية. وفي القطاعات ذات الأجور المرتفعة، كقطاع التكنولوجيا الفائقة، بلغت نسبة المقدسيين العاملين فيه 0.9% فقط، مقابل 8.0% في صفوف اليهود الإسرائيليين، أي بفجوة تقارب التسعة أضعاف.

لا مشافي جديدة منذ 59 عاماً
وتعمل في القدس الشرقية سبعة مستشفيات فلسطينية فقط، أُسست جميعها قبل عام 1967، وتستقبل سنوياً ما يقارب 20 ألف تحويلة طبية من الضفة الغربية وقطاع غزة، أي 39.39% من إجمالي التحويلات الطبية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية. وتواجه هذه المستشفيات أزمات مزمنة كنقص الأدوية، وتدفُّق الأطباء نحو المستشفيات الإسرائيلية لفروق الأجور، وقيود على إدخال الأدوية الفلسطينية.
في المقابل خصصت الخطة الخماسية الإسرائيلية 98.5 مليون شيقل لتوسيع خدمات الرعاية للمسنين وذوي الإعاقة وأسرهم في القدس، وهو ما تصفه الدراسة بـ"التدخّل الناعم": تقديم خدمات اجتماعية تُنشئ علاقة تبعية مباشرة بين السكان والمؤسسة الإسرائيلية، عوضاً عن تعزيز قدرة المؤسسات الفلسطينية القائمة. كما أُغلقت عام 2024 مرافق وكالة الأونروا في البلدة القديمة والشيخ جراح ضمن المسار التشريعي الإسرائيلي ضد الوكالة الأممية.

القانون الدولي.. بلا أنياب

دولياً؛ تتقاطع السياسات المرصودة في الدراسة مع نصوص قانونية راسخة، فالمادة 49 (الفقرة السادسة) من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على القوة المحتلة "نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الإقليم الذي تحتله" — وهي الركيزة القانونية الكلاسيكية لاعتبار الاستيطان غير شرعي. كما أن المادة 53 من الاتفاقية ذاتها تحظر تدمير الممتلكات إلا "لضرورة عسكرية قاهرة". والمادة 46 من لوائح لاهاي 1907 تحمي الملكية الخاصة من المصادرة.
على الجانب الآخر أصدر مجلس الأمن الدولي بشأن القدس سلسلة من القرارات: 252 (1968)، 267 (1969)، 271 (1969)، 298 (1971)، وأبرزها القرار 478 لعام 1980 الذي اعتبر أن قانون "القدس عاصمة إسرائيل" باطل، ودعا الدول الأعضاء إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من مدينة القدس، فيما أعاد القرار 2334 (2016) التأكيد على عدم شرعية الاستيطان.
وأصدرت محكمة العدل الدولية رأيين استشاريَّين: الأول في تموز 2004 بشأن الجدار، والثاني في تموز 2024 بشأن "الآثار القانونية الناشئة عن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”، حيث اعتبر هذا الأخير السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية "ضمّاً غير قانوني"، وأن على الدول التزاماً بعدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عنه.
وتُسجِّل الدراسة فجوة جوهرية؛ فبينما يكرّر النص الدولي عدم شرعية الاستيطان، ارتفع عدد المستوطنين من 8,649 إلى 234,000 خلال 53 عاماً.

الإطار التشريعي للتهويد

وتَختزل هذه الدراسة السياسات في خمسة مبادئ تشغيلية متشابكة: التهويد (تغيير المعالم الدينية والثقافية للمدينة)، الأَسرلة (دمج القطاعات الفلسطينية في المنظومة الإسرائيلية)، التهجير (عبر قوانين الإقامة وجمع الشمل والهدم والضرائب)، الطرد والإحلال (الاستيطان في الأحياء العربية بحُجج قانونية)، والعزل (الجدار والحواجز والممرات الالتفافية).
وتستند السياسات الإسرائيلية إلى إطار تشريعي يضم ثمانية قوانين أساسية: قانون أساس القدس عاصمة إسرائيل (1980)، قانون الدخول إلى إسرائيل (1952)، قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (2003)، قانون أملاك الغائبين (1950)، قانون التنظيم والبناء (1965)، قانون مصادرة الأراضي للمصلحة العامة (1943)، قانون تسوية الأراضي (1969)، وقانون حماية المستأجر (1972)- المعروف شعبياً بـ"قانون الجيل الثالث".

ما تقوله الأرقام

أنتجت ستة عقود من السياسات قدساً شرقية مختلفة جذرياً عن تلك التي احتُلَّت عام 1967؛ مدينة بـ 14,809 إقامة مُلغاة، و234 ألف مستوطن، و2,124 مبنىً مهدوم منذ 2009، و130 ألف مقدسي مُهدَّد بفقدان منزله، و78% من سكانها تحت خط الفقر.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 11:19 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة سموتريتش.. برحيل أبو مازن سنعلن "الوفاة الرسمية" للسلطة

"بطلب سري" مذكرة اعتقال بحقه.. سموتريتش يهاجم ويتحدى الجنائية الدولية….
التوقيع على أمر بهدم قرية "خان الأحمر" البدوية
خطة سموتريتش.. برحيل أبو مازن سنعلن "الوفاة الرسمية" للسلطة
"حركة الكماشة" بين الخنق الاقتصادي والتمدد الاستيطاني لطمس أوسلو
لا مكان لاتفاقات أوسلو ولا للسلطة.. والفلسطينيون في مناطق معزولة (كانتونات) محاصرة بالبؤر الاستيطانية

القدس- محمد أبو خضير-
هاجم وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تحركات المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرة اعتقال بحقه كمحرض على ارتكاب جرائم إبادة وتعميق الكراهية والعنف، والثانية بعرقلته خطة أمريكية لتمويل مساعدات غزة باستخدام أموال السلطة الفلسطينية المحتجزة.
وقال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، إنه أُبلغ بأن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية تقدم "بطلب سري" لإصدار مذكرة اعتقال بحقه، واصفًا هذه الخطوة بأنها "إعلان حرب". جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده سموتريتش من مكتبه في القدس الغربية، حيث لم يذكر تفاصيل محددة حول التهم الموجهة إليه.
في رده الفوري على هذه التطورات، اتخذ سموتريتش خطوات عملية ملموسة، كان أبرزها التوقيع على أمر بهدم قرية "الخان الأحمر" البدوية، الواقعة شرق القدس في منطقة "E1" الاستراتيجية التي تقسم الضفة الغربية إلى شطرين. وقال سموتريتش للصحفيين: "هذه ليست سوى البداية". وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد أيدت أمر الإخلاء في عام 2018، لكنه لم ينفذ بعد تحذيرات من الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية وغيرها.
وهدد سموتريتش بالرد "بالحرب الشاملة" على خطوة المحكمة، وقال للصحفيين: "المحاولة الخرقاء لفرض سياسة أمنية انتحارية علينا من خلال العقوبات ومذكرات الاعتقال لن تنجح". وأضاف: "كدولة ذات سيادة ومستقلة، لن نقبل الإملاءات المنافقة من هيئات متحيزة تعارض باستمرار دولة إسرائيل وحقوقنا التوراتية والتاريخية والقانونية".
ووجه سموتريتش اتهامات حادة للسلطة الفلسطينية، واصفًا إياها بأنها "منظمة إرهابية"، وقال إنها "بدأت حربًا وستحصل على حرب"، مدعيًا أن السلطة عملت خلف الكواليس للحصول على مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين كبار. وأضاف أنه من الآن فصاعدًا سيهاجم "جميع الأهداف" ضمن صلاحياته كوزير للمالية.
ولم تأت تهديدات سموتريتش في فراغ. ففي حزيران 2025، فرضت المملكة المتحدة وخمس دول غربية أخرى عقوبات على سموتريتش والوزير إيتمار بن غفير، بما وصفته "تحريضًا متكررًا على العنف ضد المجتمعات الفلسطينية" في الضفة الغربية. وقد وصفت الحكومة الإسرائيلية تلك الإجراءات بأنها "شنيعة".
وامتنعت المحكمة الجنائية الدولية عن التعليق على ما إذا كان قد صدر أمر اعتقال جديد ضد مسؤول إسرائيلي أو ما إذا كان الادعاء قدم طلبًا بذلك. ووفقًا لقواعد المحكمة ومقرها لاهاي، تظل طلبات الاعتقال مختومة ما لم يُصدر قضاة أمرًا بنشرها، وذلك لمنع إخطار المشتبه بهم مسبقًا. ويمتنع المدعون العامون عن التعليق على طلبات الاعتقال غير المعلنة.
وأفادت صحيفة "هآرتس" نقلًا عن مصادر بأن المدعي العام للمحكمة طلب إصدار مذكرات اعتقال جديدة بحق خمسة مسؤولين إسرائيليين سياسيين وعسكريين، بما في ذلك سموتريتش. ولكن المتحدث باسم المحكمة قال لوسائل الإعلام إن المحكمة "تنفي إصدار مذكرات اعتقال جديدة في حالة دولة فلسطين".

مذكرات الاعتقال السابقة
تأتي هذه التطورات في أعقاب إصدار المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني 2024 مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق يوآف غالانت، للاشتباه في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب في غزة.
عرقلة خطة أمريكية لتمويل مساعدات غزة بأموال السلطة الفلسطينية
وفقًا لتقرير نشره موقع "واينت" (Ynet) الإخباري الإسرائيلي نقلًا عن ثلاثة مصادر سياسية إسرائيلية، فإن الإدارة الأمريكية تسعى لتمرير خطة تهدف إلى إعادة توزيع المساعدات الإنسانية في غزة عبر جهات "غير مرتبطة بحماس"، من خلال مراكز توزيع قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يستطيع الجيش الإسرائيلي تأمينها.
حجم الأموال المحتجزة والإطار القانوني
وفق المصادر ذاتها، تصل قيمة الأموال المحتجزة إلى 275 مليون شيكل شهريًا، أي ما يعادل نحو 5 مليارات شيكل تراكميًا منذ بدء الحرب. وتسعى واشنطن أيضًا لتوظيف هذه الأموال في مشاريع إضافية مرتبطة بإعادة إعمار قطاع غزة.
ويسمح القانون الإسرائيلي باحتجاز أموال السلطة الفلسطينية، لكنه لا يسمح باستخدامها دون موافقة السلطة. وقد أوضح الأمريكيون أن السلطة الفلسطينية توافق على استخدام الأموال المحتجزة، وهو ما يشكل جوهر معارضة سموتريتش، لئلا يُفسر الأمر على أنه تنسيق أو تفاهم مع السلطة.
موقف سموتريتش وأسباب العرقلة
بحسب المصادر الإسرائيلية، يعترض سموتريتش على الخطة الأمريكية بشكل قاطع، ويعزو ذلك إلى رفض منح السلطة الفلسطينية أي موطئ قدم في غزة، حتى بصورة غير مباشرة.
"حركة الكماشة".. خنق اقتصادي وتمدد استيطاني
هذا وكشفت مصادر إسرائيلية مقرّبة من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش النقاب عن مخطط متكامل يهدف إلى القضاء على السلطة الفلسطينية وتفكيك اتفاق أوسلو بشكل نهائي.
ويعتمد هذا المخطط، الذي يُوصف بـ"حركة الكماشة"، على شقين متلازمين: خنق اقتصادي منهجي عبر تجميد وسرقة أموال المقاصة، وتمدد استيطاني زاحف يهدف إلى طمس التقسيمات المنصوص عليها في الاتفاقات الثنائية (أ، ب، ج). وهكذا يتحول الفلسطينيون بين فكَّيْ كمّاشة: جوع يفتك بالجسد، واستيطان يلتهم الأرض والمستقبل.
تجويع السلطة حتى الانهيار الذاتي
إذا كان المال هو عصب الحياة لأي كيان سياسي، فإن سموتريتش، الذي يسيطر على خزائن الدولة ويمتلك صلاحيات واسعة في وزارة الدفاع، حوّل إيرادات السلطة الفلسطينية إلى سلاح ذي حدين.
ففي خطوة متكررة وممنهجة، أعلن مكتبه مؤخرًا اقتطاع نحو 590 مليون شيكل، أي ما يعادل 197.7 مليون دولار، من أموال المقاصة لشهر نيسان الماضي، بحجة تسوية "ديون" الكهرباء والمياه، فيما تم تجميد الرصيد المتبقي بالكامل.
وتشرح المحللة اليمينية حجيت روزنباوم، في مقال نشره موقع "بشيفع" الديني اليميني بتاريخ 14 أيار، أن استراتيجية الوزير تقوم على تعميق ما تصفه بـ"الخنق الاقتصادي"، معتبرةً إياها "الأكثر نجاحًا في حكومة نتنياهو".
لكن الأمر لا يتوقف عند تجميد الأموال فقط، بل يمتد إلى منع آلاف العمال من دخول أراضي 48 والمستوطنات، مما يرفع منسوب البطالة في الضفة الغربية إلى مستويات غير مسبوقة.
والنتيجة الميدانية، وفقًا لروزنباوم، ليست عارضة، بل مقصودة بدقة، وهي إحداث "فوضى في الشارع الفلسطيني". فالمدارس لم تعد تعمل بكامل طاقتها، ومهندسو الخدمة المدنية دخلوا في إضراب بسبب غياب الرواتب، فيما باتت المؤسسات المحلية منشغلة بإدارة التداعيات الاقتصادية والأزمات المعيشية المتصاعدة.
طمس أوسلو.. من المناطق الثلاث إلى سيادة واحدة
وبينما يعاني الفلسطينيون جوعًا متعمدًا، يعمل سموتريتش على تغيير الواقع القانوني والجغرافي على الأرض، في مشهد متكامل الأبعاد.
ففي خطاب ألقاه مؤخرًا في "مدرسة ميركاز هراف"، أعلن صراحة: "لقد حان الوقت لمحو الخطوط الفاصلة بين المناطق (أ) و(ب) و(ج) بشكل دائم… أرض إسرائيل هي ملك لنا بالكامل".
وهذا التصريح ليس مجرد شعار، بل ترجمة عملية لخطة مفصلة قُدمت إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تتضمن خرائط لنقل مناطق استراتيجية من سيطرة السلطة إلى سيطرة إسرائيلية كاملة.
واللافت أن الإعلان عن هذه الخطة جاء ردًا مباشرًا على عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد مستوطنين إسرائيليين. فوصف سموتريتش العقوبات بأنها "نفاق أوروبي"، وأصر على أن الرد سيكون "تعميق السيطرة على أراضينا".
وفي احتفالات "يوم القدس"، ذهب الوزير إيتمار بن غفير إلى أبعد من ذلك، معلنًا عن خطط لتشجيع "الهجرة" من غزة والضفة، بل وحتى عن طموح لإنشاء مستوطنات في لبنان.
وتعكس هذه التصريحات إجماعًا في الجناح اليميني المتطرف على أن الوقت قد حان لإنهاء أي أمل في حل الدولتين.

"فتيان التلال".. العنف المنظم كذراع ميدانية غير رسمية
لا تقتصر الخطة على الإجراءات الوزارية والقوانين، بل تمتد إلى الميدان عبر ميليشيات "فتيان التلال"، الذين يوصفون في التحليلات الإسرائيلية بأنهم "ذراع حكومية غير رسمية".
وفي افتتاحية مؤثرة بصحيفة "يديعوت أحرونوت"، حذر المحلل ناحوم برنياع قائلًا إن "الأرض تحترق"، موثقًا كيف تحولت مناطق مصنفة رسميًا بأنها (ب) إلى ساحات مفتوحة للعنف.
والمشاهد تتكرر يوميًا: مستوطنون يهاجمون القرى والأحياء الفلسطينية، ويحرقون المركبات، ويسرقون المواشي، ويعتدون على المزارعين، ويروعون النساء والأطفال.
لكن الأخطر هو ما يصفه برنياع بـ"التواطؤ الرسمي"، حيث ينقسم الجنود بين مشاركين في أعمال الشغب، خاصة من وحدات الاحتياط، ومراقبين يخشون توثيق تواطئهم، فيما تتردد الشرطة في التحقيق خوفًا من نفوذ بن غفير داخل المؤسسة.
ووفق المحللين، فإن الهدف من هذه الفوضى هو "تهجير سكان الريف الفلسطيني بالكامل إلى المدن، حيث سيعيشون كنازحين"، تمهيدًا للترحيل الكامل.
وهكذا يلتقي العنف المنظم بالتجويع الممنهج في حلقة واحدة لا تنفصم.

لماذا الآن؟ ثلاثة عوامل تسرّع تنفيذ المخطط
يجمع المراقبون على أن توقيت تنفيذ هذا المخطط ليس عشوائيًا، بل تحكمه ثلاثة عوامل رئيسية:
نهاية عهد أبو مازن، حيث تشير التقديرات إلى أن اليوم التالي لرحيل الرئيس محمود عباس سيكون لحظة الفراغ التي ينتظرها سموتريتش لإعلان "الوفاة الرسمية" للسلطة.
انشغال العالم بالحروب الدائرة في المنطقة، خاصة غزة والتوتر مع إيران، ما أدى إلى تراجع القضية الفلسطينية في سلم الأولويات الدولية.
تحويل مسار الأموال، حيث تشير تقارير إلى أن إسرائيل تدرس تحويل الأموال "المحتجزة" من السلطة إلى "مجلس السلام" المعني بإعمار غزة، بدلًا من دفع رواتب موظفي السلطة.

إن ما يفعله سموتريتش اليوم ليس مجرد عدوان استيطاني عابر، بل هو هندسة تفكيكية منهجية تتجاوز منطق "الضغط من أجل التفاوض" إلى منطق "القتل الرحيم للسلطة الفلسطينية".

خنق اقتصادي + توسع استيطاني + عنف منظم = انهيار السلطة.
وفي هذا السيناريو، لا مكان لاتفاقات أوسلو، ولا مكان لسلطة موحدة، بل لمناطق معزولة "كانتونات" محاصرة بالبؤر الاستيطانية، جُرد سكانها من أي أفق سياسي أو اقتصادي، ويقول مراقبون إن الفلسطينيين يواجهون ضغوطًا متصاعدة قد تدفع نحو انفجار ميداني واسع أو زيادة معدلات الهجرة من الضفة الغربية.
وأمام هذا المشروع الممنهج، يبدو المجتمع الدولي عاجزًا بين قرارات إدانة باردة وتطبيع اقتصادي مستمر، فيما تُدفن حل الدولتين، قبيل ولادتها، في مقبرة "الكمّاشة" الإسرائيلية.

أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

مع تلويحِ الرَّئيسِ الأميركيّ بعودةِ الحرب، وأنَّه في مرحلةِ «الهدوء الذي يسبق العاصفة»، ومع انسدادِ آفاقِ المفاوضاتِ التي تستضيفُها وتتابعُها باكستان، ومع ارتفاعِ نغمةِ التحدّي وإعلان الانتصار المبكّر من طرَف إيران، ومع تعاظم الضَّرر العالمي من «خطف» إيرانَ لمضيقِ هرمزَ وابتزازِ العالم به... مَا هو المشهد التالي؟!

دولة قطر التي تعلن دعمَها المستمر للتفاوض والحلّ السياسي، وهي مشاركةٌ في هذه المساعي، بعد الاعتداء على «محطة براكة» الأخير، بـ3 مُسيّرات، أعلنت عبرَ وزارة الخارجية أن «الاعتداءات الغاشمة على دول المنطقة تجاوزت كافة الخطوط الحمراء».
في المقابل، كيف يفكّر قادة النظام الإيراني اليوم؟! التصعيد والمُضي قُدماً في رقصةِ الحرب التي تشبه رقصةَ الذبيح. وباقر قاليباف، الموصوفُ بالاعتدالِ والواقعية، يعلن مؤخراً أنَّ «القوات المسلحة الإيرانية مستعدةٌ للرد على أي عدوان». لكنَّ الأكثرَ شفافية في التعبير عن عقلِ النّظام وانفصاله التامّ عن دنيا النَّاس الحقيقية، هو ما ذكره رئيسُ لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الإيراني محمد صالح جوكار، من أنَّ تعليمات «المرشد الغائب» خامنئي تقضي بعدم قبولِ التَّفاوض إلا بعد:
إنهاء الحربِ على جميع الجبهات وضدَ جميع أطراف «محور المقاومة».
انسحاب القوات الأميركيةِ المقاتلة من جميع قواعدها في المنطقة.
دفع تعويضات كاملة لإيران.
رفع جميع العقوبات المفروضة على طهران.
الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج.
الحق الكامل في تخصيب اليورانيوم.
ماذا بقي أيضاً؟! خضوعُ المنطقة لتعليمات وليّ أمرِ المسلمين، وقائدِ الثورة، ومرشدِها، ونائبِ صاحب الزمان... وهذه ألقابٌ حقيقيةٌ وليست تأويليَّة!
إذن، نحن أمامَ عقليةٍ موهومة، أو على حدّ تعبير المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، تفعل فعل «الاستقالة من العقل»، على طريقة أهل العِرفان والفيض والعلم اللدُنّي.
يُقال إنَّ هذا الكلامَ الإيرانيَّ العلَني هو فقط للاستهلاك الداخلي، والمحافظة على ماءِ وجه النظام، لكن إخفاق جولات باكستان - حتى الآن - وقبلها جولات عُمان والنمسا، وقبل ذلك جملة من المفاوضات من أيام أوباما وبايدن... كلها تكشفُ عن أنَّ النظامَ لن يتخلّى عن مصادر قوته - كما يراها - إلا بالقوّة... سواء كانت هذه القوة على شكل حصارٍ اقتصادي «حقيقي» ودائم، أو سلسلة أخرى من الرَّدعِ العسكري الفاعل.
هذا، إلَّا إذا فتحَ الله على عقولِ وقلوب القوم في قيادة إيران، وأدركوا أنَّهم يلقون قومَهم في التهلكة، وأنَّ الضرر الذي يلحقونه بجيرانهم - مهما بلغَ أذاه - يمكن استيعابُه وتجاوزه لاحقاً... واللهُ غالبٌ على أمره.
عن “الشرق الأوسط”

أقلام وأراء

الأربعاء 20 مايو 2026 11:16 صباحًا - بتوقيت القدس

أين تختفي الأحزاب الإسرائيلية ؟؟


د. أماني القرم
لا يوجد مجتمع في العالم ينشئ أحزابا ويفتت أخرى بقدر ما يفعلون في إسرائيل .. فكل شيء في المعركة الانتخابية المعقدة وارد.. هل سمعت يوما بتسمية حزب سياسي باسم مؤسسه؟  مثلا حزب "أحمد"  أو حزب "روبرت" أو حزب "ستارمر"! بالطبع لا.. قد يتم تنسيب الحزب للشخصية الأكثر نفوذا فيه كالقول إن الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة أصبح حزب "ترمب" لطغيان شخصية الرئيس الأمريكي عليه ..في إسرائيل  نفتالي بينيت رئيس الوزراء السابق فعلها .. فمن اجل ضمان عودته للساحة السياسية أنشأ حزبًا هذا العام باسمه حزب " بينيت 2026"، والذي تحالف لاحقا مع يائير لابيد مؤسس حزب "يوجد مستقبل" .  فاختفى الحزبان الأول والثاني وولد حزب جديد أسمياه "معا" ليخوضوا معركتهم الشرسة لإسقاط بنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة. في السابق أيضا فعلها اريئيل شارون فانشقّ عن الليكود وانشأ حزب كاديما وذهب شارون وذهب كاديما وراءه.
ظاهرة " الأحزاب الموسمية" حيث تظهر أحزاب فجأة وتختفي فجأة أو "التفتتية الحزبية" بدأت تتزايد منذ اواخر العقد الماضي تبعًا لمتطلبات النجاح في الانتخابات. فلماذا تختفي الأحزاب في إسرائيل؟
أولا: أحزاب معادلة نعم لبيبي ولا لبيبي: جدلية وجود نتنياهو كوجه سياسي يتزعم الحالة السياسية في إسرائيل على الرغم من محاكماته المستمرة (منذ عام 2019 ) واتهاماته بالفساد، حيث بات التنافس الانتخابي يدور حوله في ظل غياب التنافس التقليدي بين اليمين واليسار، أدى الى تصدع في حزب الليكود وانشقاق أسماء بارزة عنه مثل موشيه يعلون ونفتالي بينيت وجدعون ساعر من اجل تقديم بديل يميني توافقي، ولكن لأن المسألة لا تتعلق بالنزاهة السياسية كما يدعون وانما تتعلق بالنجاح في الانتخابات، فقد فشلوا جميعا واختفت أحزابهم وظهرت أخرى..
ثانيا: نسبة الحسم : وهي النسبة المطلوب الحصول عليها من الأصوات الانتخابية كحد أدنى ليتمكن الحزب من دخول الكنيست.  وقد لعبت هذه النسبة دورا محوريا في ظاهرة اختفاء الأحزاب. حتى العام 2014 كانت نسبة منخفضة (2%)  دائما كانت تؤدي إلى فوز أحزاب صغيرة لها مصالح ضيقة دون جماهيرية كبرى أو هيكلية تأسيسية كالأحزاب الكبرى . ومع ارتفاع النسبة الى (3.25 % ) بعد العام 2014  فشلت بعض الأحزاب في تجاوز هذه النسبة ولعل المثال الأكبر هو حزب ميرتس اليساري الذي فشل في انتخابات الكنيست 2022 واختفى تماما ليندمج لاحقا مع حزب العمل  في العام 2024 لتكوين حزب جديد يسمى "الديمقراطيون".
ثالثا: الشخصنة: بمعنى طغيان نفوذ القائد الفرد على معايير تشكيل الحزب التقليدية كالايديولوجيا والمؤسسات والانتخابات التمهيدية في الحزب.. في معظم الاحزاب الجديدة في إسرائيل تغيب هذه المعايير من أجل سلطة فرد واحد هو المؤسس الذي ينفرد بالقرارات والتوجهات والمواقف حتى بتشكيل القائمة الحزبية وشكل التحالفات مثل حزب "إسرائيل بيتنا" لليميني المتطرف أفيغدور ليبرمان. وحزب " يوجد مستقبل" للعلماني الوسطي يائير لابيد.  ولهذا من المنطقي انه باختفاء المؤسس يختفي الحزب .
وحتى موعد الانتخابات القادمة عندهم ستبقى صراعات البقاء لأحزابهم بين صعود وهبوط ، وسنشهد تكتلات وانشقاقات غير مسبوقة هذه المرة. عموما تحتفظ إسرائيل بالمعدل الأعلى عالميا بين الأنظمة البرلمانية في ظاهرة اختفاء الأحزاب.
 
 


فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة المخصصات تتفاقم.. اعتصام مفتوح لذوي الشهداء والجرحى والأسرى يهدد بالتصعيد

محمد صبيحات: لا بد من تدخل الرئيس لإعادة معالجة الملف وضمان انتظام صرف المستحقات بما يحفظ كرامة الأسر ويمنع اتساع دائرة المعاناة..

عبد الله الزغاري: المطلوب قرار جريء من قيادة حركة فتح والسلطة لمعالجة الأزمة بشكل نهائي وصون حقوق المناضلين بما يضمن حياة كريمة لها...

جمال الشاتي: نبهنا منذ أشهر إلى احتمالية تفاقم الأزمة وخروجها عن السيطرة إذا استمر منع صرف المخصصات والاعتصام يعكس حجم الاحتقان المتصاعد..

محمود التميمي، والد الشهيد قصي: المعتصمون لا يطالبون بـ"منّة أو مكاسب اقتصادية" بل بالحفاظ على الكرامة الوطنية وحقوق من ضحوا..

الأسير المحرر والجريح ناصر زيد: حال عدم التوصل لحل قبل عيد الأضحى فسيتم الإعلان عن إضراب مفتوح عن الطعام مع الاستمرار في الاعتصام..

الجريح والأسير المحرر أسامة عيسى: المعتصمون يدركون حجم الضغوط التي تواجهها السلطة لكن ذلك لا يلغي حقوقنا بالحصول على مخصصاتنا وفق القانون..



رام الله- خاص بـ"القدس"- يواصل عشرات الجرحى والأسرى المحررين وعائلات الشهداء منذ نحو أسبوع، اعتصامهم المفتوح قرب مجلس الوزراء في مدينة رام الله، احتجاجاً على انقطاع مخصصاتهم المالية منذ نحو ثمانية أشهر، مؤكدين تمسكهم بالبقاء في الشارع حتى تحقيق مطالبهم، وسط تحذيرات من تصعيد الاحتجاج إلى إضراب مفتوح عن الطعام مع اقتراب عيد الأضحى في حال استمرار الأزمة دون حلول.
ويؤكد المعتصمون في أحاديث منفصلة مع "القدس" أن تحركهم يأتي دفاعاً عن الكرامة وحقوق فئات دفعت أثماناً باهظة في مواجهة الاحتلال، محذرين من تفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية لآلاف الأسر التي تعتمد على هذه المخصصات كمصدر دخل رئيسي، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى تدخل رسمي عاجل لإنهاء الأزمة، مع تلويح بخطوات تصعيدية قد تصل إلى إضراب مفتوح عن الطعام قبيل عيد الأضحى في حال استمرار غياب الحلول.
في حين، يرى مسؤولو مؤسسات تمثل ذوي الشهداء والجرحى والأسرى في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الاعتصام يعكس حالة احتقان متصاعدة نتيجة توقف المخصصات، مؤكدين أن هذه الحقوق تحمل بعداً وطنياً وقانونياً وليست مساعدات اجتماعية، مطالبين بتدخل عاجل يضمن انتظام صرف المستحقات وصون كرامة العائلات التي تعتمد عليها في معيشتها اليومية.

تحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية

يحذّر الأمين العام لجمعية تجمع أسر الشهداء في فلسطين محمد صبيحات من تفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية التي تواجهها أسر الشهداء والجرحى بعد انقطاع مخصصاتهم المالية منذ نحو ثمانية أشهر، مؤكداً أن الحلول المطروحة حتى الآن غير عملية وما زالت تراوح مكانها، في ظل تعقيدات مالية ومصرفية وإدارية حالت دون تنفيذ أي معالجات حقيقية للملف.
ويوضح صبيحات أن قضية مخصصات أسر الشهداء والجرحى ما تزال ملفاً معقداً، معتبراً أنه لا يمكن تقديم وعود بانتهاء الأزمة قريباً، رغم وجود محاولات متواصلة لإيجاد مخارج، بما فيها العمل على تجزئة الملف بين فئات مختلفة مثل الشهداء العسكريين، وشهداء الوطن، والجرحى وشرائح أخرى، إلا أن جميع هذه المحاولات لم تحقق نتائج فعلية حتى الآن.

إشكاليات تتعلق بمؤسسة "تمكين"

ويؤكد صبيحات أن المرسوم الرئاسي الذي صدر بشأن تحويل ملفات الشهداء والجرحى إلى مؤسسة "تمكين" لم يُنفَّذ كما يجب، ما تسبب إشكاليات إضافية، أولها عدم انتظام عملية صرف المخصصات، مرجعاً ذلك إلى وجود أزمة تتعلق بالبنوك التي ترفض استقبال حوالات مالية مرتبطة بهذه الفئات، حتى تلك التي تُحوّل عبر مؤسسة "تمكين".
ويشير صبيحات إلى أن الإشكالية الثانية ترتبط بطبيعة نظام مؤسسة "تمكين" نفسه، الذي يتعامل مع الملفات وفق "نظام اجتماعي بحت" ولا يأخذ بعين الاعتبار البعد الوطني أو حتى الاجتماعي الكامل لبعض الحالات، مشيراً إلى أن البرنامج استثنى عدداً كبيراً من الأسر التي كانت تتلقى مخصصات سابقاً، بما يشمل زوجات شهداء لديهن أبناء قيد الإعالة، وأمهات وآباء شهداء من كبار السن يعتمدون بشكل أساسي على هذه المخصصات.

انقطاع الرواتب كارثة حقيقية

ويبيّن صبيحات أن نحو 70 % من الأسر التي كانت تستفيد من مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى وكذلك الأسرى تعتمد اعتماداً كاملاً على المخصصات كمصدر دخل وحيد، معتبراً أن استمرار توقفها وما مرت به الأسر من التزامات شهر رمضان وحتى اقتراب عيد الأضحى يمثل "كارثة حقيقية"، خصوصاً أنّ هذه الأسر التي لا تمتلك أي دخل بديل.
ويشير صبيحات إلى أنه شارك بلقاء، إلى جانب رئيسة مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى انتصار الوزير وعدد من كوادر المؤسسة، بالرئيس محمود عباس عقب صدور المرسوم، جرى خلاله توضيح أن نظام المخصصات المعمول به أساساً يحمل طابعاً اجتماعياً وليس مكافأة مرتبطة بأي فعل، موضحاً أن قيمة المخصصات تُحتسب وفق ظروف الأسرة وعدد أفرادها المعالين، بما يجعلها أقرب إلى شبكة حماية اجتماعية لعائلات فقدت معيلها.
ويلفت صبيحات إلى أن الرئيس شدد خلال الاجتماع على ضرورة توفير حياة كريمة لهذه الأُسر، والحفاظ على كرامتها، وضمان وصول المخصصات إليها، وفق النظام المعمول به في مؤسسة التمكين، إلا أن ذلك لم يتم ولم يُنفذ عملياً حتى الآن، معتبراً أن تفاصيل وتعقيدات نظام "تمكين" ربما لم تُعرض بصورة واضحة أمام الرئيس، خاصة فيما يتعلق برفض النظام قبول عدد كبير من الأسر أو خفض بعض المخصصات إلى مبالغ متدنية، فيما يدعو صبيحات إلى ضرورة إعادة النظر ببرنامج مؤسسة "تمكين" بشكل جدي.

دعم لأي تحرك سلمي

وفي ما يتعلق بالاعتصام المفتوح الذي ينفذه الجرحى وأسر الشهداء والأسرى المحررون، يؤكد صبيحات دعم أي تحرك سلمي مطلبي، مشدداً على ضرورة التعاطي الجدي مع الملف وإنهائه، لأن استمرار الأزمة لا يحتمل وطنياً أو إنسانياً أو أخلاقياً أو مالياً.
ويشير صبيحات إلى أن هؤلاء أُسر الشهداء والجرحى هم ضحايا احتلال ويعتمدون منذ سنوات طويلة على المخصصات كمصدر رزق أساسي، داعياً إلى تدخل جديد من الرئيس لإعادة معالجة الملف وضمان انتظام صرف المستحقات، بما يحفظ كرامة الأسر ويمنع اتساع دائرة المعاناة الاجتماعية والاقتصادية.

تعبير عن حالة الغضب والاحتقان والألم

يؤكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله الزغاري، ضرورة التحرك العاجل والمسؤول لإنهاء أزمة وقف المخصصات المالية لفئات من ذوي الشهداء والجرحى والأسرى والمحررين، محذراً من التداعيات الإنسانية والوطنية المتفاقمة الناجمة عن استمرار انقطاع هذه المستحقات منذ نحو ثمانية أشهر، في ظل ظروف معيشية واقتصادية صعبة وقاسية.
وبحسب الزغاري، فإن عدداً من ذوي الشهداء والجرحى، إلى جانب الأسرى المحررين وعائلات الأسرى، يواصلون حراكهم واعتصامهم الاحتجاجي أمام مجلس الوزراء في مدينة رام الله للتعبير عن حالة الغضب والاحتقان والألم التي يعيشونها نتيجة استمرار توقف صرف المخصصات المالية، مؤكداً أن هذه الفئات تُركت، رغم الجهود والمبادرات المطروحة، دون رعاية واضحة أو حلول ملموسة تنهي أزمتها المتواصلة.
ويوضح الزغاري أن جزءاً كبيراً من هذه الفئات لم يتلقَ مستحقاته المالية حتى اللحظة، رغم ما قدمته من تضحيات كبيرة على طريق الحرية والكرامة والاستقلال، معتبراً أن هذه الشريحة دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن القضية الفلسطينية، الأمر الذي يستوجب تكريمها وحماية حقوقها التي يكفلها القانون الفلسطيني، لا المساس بها أو الانتقاص منها تحت أي ظرف.

القضية ليست اجتماعية أو إنسانية فقط

ويشدد الزغاري على أن قضية الأسرى والشهداء والجرحى لا يمكن التعامل معها باعتبارها قضية اجتماعية أو إنسانية فقط، بل تحمل بعداً وطنياً وسياسياً يرتبط بحجم التضحيات التي قدمها هؤلاء المناضلون في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
ويشدد الزغاري على أن هذه القضية لطالما شكّلت عنواناً للصمود والتحدي في ظل استمرار العدوان والانتهاكات بحق الفلسطينيين والأسرى في مختلف الأراضي الفلسطينية.
ويؤكد الزغاري أن الحراك والاعتصام القائم من قبل هذه الفئات يُعد تعبيراً طبيعياً عن حجم المعاناة المتراكمة، داعياً الجهات الرسمية إلى التعامل مع مطالبهم بمسؤولية عالية والاستجابة السريعة لها عبر إيجاد حلول جذرية وليست مؤقتة أو ترقيعية، بما يضمن رعاية المناضلين وعائلاتهم وحمايتهم من تداعيات الأزمة المعيشية.

مطالبات باتخاذ قرار جريء

ويطالب الزغاري باتخاذ "قرار جريء" من قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية لمعالجة الأزمة بشكل نهائي، مشدداً على ضرورة صون الحقوق المالية والمعنوية لهؤلاء المناضلين بما يضمن حياة كريمة لهم، باعتبار ما يقدم لهم حقاً أصيلاً وتكريماً لتضحياتها، وليس منّة أو مساعدة ظرفية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية.

الدفاع عن حقوق وطنية مكتسبة

يؤكد رئيس الاتحاد العام لجرحى فلسطين "فجر"، جمال الشاتي، أن احتجاجات واعتصام ذوي الشهداء والجرحى والأسرى والمحررين على وقف المخصصات المالية تمثل حقاً طبيعياً ومشروعاً، باعتبارها تعبيراً عن الدفاع عن حقوق وطنية مكتسبة، محذراً من تفاقم الأزمة في ظل استمرار انقطاع المستحقات المالية منذ أشهر طويلة، وما يرافق ذلك من تداعيات اجتماعية ومعيشية متزايدة.
ويشدد الشاتي على أن من حق أسر الشهداء والجرحى والأسرى والمحررين، الدفاع عن حقوقهم كاستحقاق وطني وليست منّة من أي جهة، موضحاً أن حالة الاحتجاج القائمة تأتي في سياق الاعتراض على قطع المخصصات المتعلقة بهذه الفئات التي قدمت تضحيات كبيرة في تاريخ الشعب الفلسطيني.
ويشير الشاتي إلى أن حق الاحتجاج مكفول لهذه الفئات، رغم اختلاف أشكال التعبير عنه من منطقة إلى أخرى، مؤكداً أن جوهر القضية يتمثل في حماية كرامة وحقوق من ضحوا في سبيل القضية الفلسطينية، وعدم السماح بأن تكون أي ضغوط أو إجراءات على حساب هذه الحقوق الأساسية.

الأمر بات بحاجة إلى تقييم ومراجعة جادة

ويلفت الشاتي إلى أن الاتحاد العام لجرحى فلسطين "فجر" بادر بالتواصل مع جهات الاختصاص منذ فترة، في محاولة لمعالجة الأزمة والحد من تداعياتها، لافتاً إلى أن الاتحاد طالب الرئيس محمود عباس في أكثر من بيان بضرورة إجراء مراجعة للمرسوم الرئاسي المتعلق بالحقوق والاستحقاقات الوطنية الخاصة بهذه الفئات، مشدداً على أن الأمر بات بحاجة إلى تقييم ومراجعة جادة.
وبحسب الشاتي، فإن الاتحاد سبق وأن نبه منذ أشهر طويلة إلى احتمالية تفاقم الأزمة وخروجها عن السيطرة إذا استمر منع صرف المخصصات، معتبراً أن الاعتصام الحالي يعكس حجم الاحتقان المتصاعد، وقد تتطور الأوضاع بصورة أكبر في حال عدم التدخل السريع.

الأزمة تستوجب حلاً عاجلاً

ويشدد الشاتي على أن الأزمة تستوجب حلاً عاجلاً من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسسات الاختصاص، داعياً إلى البحث عن "حلول وطنية خلاقة" تضمن إنهاء الأزمة، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى المبارك واستمرار معاناة آلاف العائلات التي لم تتلق مخصصاتها منذ أشهر، بما يضمن صون كرامتها وحقوقها الوطنية.

حقوق وطنية أصيلة

يؤكد محمود التميمي، وهو والد شهيد وشقيق شهيد وأسير محرر من قرية النبي صالح شمال رام الله، أن الاعتصام المفتوح الذي يشارك به شخصياً وينفذه العشرات من ذوي الشهداء والجرحى والأسرى والمحررين، يأتي دفاعاً عن "حقوق وطنية أصيلة" لفئة دفعت أثماناً باهظة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، مطالباً بإعادة الحقوق والمستحقات المالية وضمان الرعاية الصحية والاجتماعية لهذه الفئات.
ويوضح التميمي أن الهدف من الاعتصام يتمثل في إيصال رسالة مفادها بأن هناك شريحة من الشعب الفلسطيني "حملت الضريبة وبادرت وقدمت التضحيات" في مواجهة الاحتلال، وكان منها الشهيد والأسير والجريح والمبعد، مؤكداً أن عائلته نفسها عاشت هذه التجربة على مدار نحو 43 عاماً، باعتبارها عائلة شهداء وجرحى وأسرى، مشدداً على أن ما دفعهم إلى ذلك كان رفض "الإذلال والاحتلال" وتقديم التضحية من أجل الوطن.

تراكم الاحتجاجات

ويؤكد التميمي أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية مطالبتان بتوفير الرعاية لعائلات الشهداء والجرحى والأسرى، معرباً عن رفضه للتغيّر الذي طرأ على التعامل مع هذه الفئات عقب صدور مرسوم رئاسي بتاريخ الخامس من فبراير/ شباط 2025، معتبراً أنه أسقط المسميات الوطنية الخاصة بفئات الشهداء والجرحى والأسرى، وحوّلهم إلى "حالات اجتماعية" تخضع لمعايير ونماذج دولية، وهو ما قوبل برفض واسع حفاظاً على الكرامة وكرامة الأبناء.
ويشير التميمي إلى أن الاحتجاجات بدأت منذ العام الماضي، عبر الرفض والمقابلات والاتصالات، قبل أن تتصاعد بعد توقف الرواتب والمخصصات لمدة ستة أشهر، ما دفع إلى تشكيل "خلية أزمة" لإدارة التحرك الوطني وتنظيم سلسلة اعتصامات متكررة استمرت لأيام، وكانت تنتهي بوعود دون حلول ملموسة، إلى أن وصل المعتصمون إلى "مرحلة الإنكار الكامل" لحقوقهم، الأمر الذي دفعهم للاعتصام المفتوح أمام مجلس الوزراء.

سبب اختيار مقر رئاسة الوزراء للاعتصام

ويبيّن التميمي أن اختيار مقر مجلس الوزراء جاء باعتباره الجهة الحكومية المسؤولة عن الملف المالي ووزارة التنمية الاجتماعية، داعياً الحكومة ورئيس الوزراء د. محمد مصطفى إلى تحمل مسؤولية العمل مع القيادة السياسية لضمان حقوق هذه الفئات.

تزامن الاعتصام مع المؤتمر الثامن

ويوضح التميمي أن توقيت الاعتصام تزامن مع المؤتمر العام الثامن لحركة فتح بهدف توجيه رسالة إلى الحركة، باعتبارها "حاضنة الثورة الفلسطينية"، بضرورة تحمل مسؤولياتها تجاه عائلات الشهداء والجرحى والأسرى.

مطالب المعتصمين

ويؤكد التميمي أن مطالب المعتصمين هي: تقديم الرعاية لعائلات الشهداء والجرحى والأسرى، وصرف المستحقات المالية لهم، وضمان العلاج والرعاية الصحية للجرحى، خاصة من يعانون إصابات دائمة وإعاقات خطيرة.
ويشدد التميمي على أن المعتصمين لا يطالبون بـ"منّة أو مكاسب اقتصادية"، بل بالحفاظ على الكرامة الوطنية وحقوق من ضحوا، وأن لا يشعرهم أحد بالندم على ما قدموا، معرباً عن أمله في أن تبقى فلسطين "حرة ومستقلة" وأن ينتهي الاحتلال بما يضمن حرية الحركة وحماية الأرض والإنسان الفلسطيني.

عشرات المشاركين وآمال باتساع الدائرة

يؤكد الناطق الإعلامي باسم الاعتصام، الأسير المحرر والجرح ناصر زيد "أبو البراء" من مخيم الجلزون شمال رام الله، أن الاعتصام انطلق صباح يوم الأربعاء الموافق 13 أيار/مايو الجاري، عند الساعة العاشرة صباحاً، بمشاركة نحو 35 شخصاً من عدة محافظات في الضفة الغربية، بينهم جرحى وأهالي شهداء وأسرى محررون، فيما تتزايد أعداد المشاركين بشكل يومي ويزداد حجم التضامن.

المشاركون ومعاناتهم

ويوضح زيد أن غالبية المشاركين يعانون من إعاقات وإصابات جسدية متفاوتة، تشمل حالات بتر كامل أو جزئي، وإصابات شلل أو إعاقات دائمة، ما يجعل استمرارهم في الاعتصام تحدياً يومياً في ظل ظروف صحية وإنسانية معقدة. ويشير زيد إلى أن بعض المعتصمين يضطرون للعودة مؤقتاً إلى منازلهم بسبب التعب أو أوضاعهم الصحية قبل العودة مجدداً إلى ساحة الاعتصام.

مصاب بشظايا قذيفة ويعاني عجزاً

ويتحدث زيد عن تجربته الشخصية بوصفه جريحاً، مشيراً إلى أنه أصيب خلال اجتياح رام الله عام 2002 بشظايا قذيفة دبابة إسرائيلية، ما أدى إلى إصابات متعددة في الوجه والعين والرجل واليد والحوض، وأفقده البصر في إحدى عينيه بسبب إصابة الشبكية، فضلاً عن تضرر الأوتار والأعصاب، لافتاً إلى أنه يعاني من نسبة عجز تبلغ 55%، وهو ما يزيد من معاناته.

قضية تتجاوز البعد المعيشي المباشر

ويؤكد زيد أن قضية المعتصمين تتجاوز البعد المعيشي المباشر، رغم أهميتها، وتمثل بالنسبة لهم "حالة نضالية" مرتبطة بحقوق قانونية أقرها النظام الفلسطيني للأسرى والشهداء والجرحى، مشدداً على أن المحتجين يرفضون تحويل ملفهم من إطار الحقوق الوطنية إلى المساعدات الاجتماعية ضمن مؤسسة "تمكين".
ويوضح زيد أن صرف المخصصات توقف فعلياً منذ أيلول الماضي، باستثناء دفعة واحدة تم تحويلها عبر مؤسسة "تمكين" في 25 كانون الأول الماضي، وهو ما رفضناه باعتباره تصنيفاً ضمن إطار "الحالات الاجتماعية".

أصحاب حقوق مكفولة بموجب القانون

ويشدد زيد على أن الجرحى والأسرى وعائلات الشهداء أصحاب حقوق مكفولة بموجب القانون الفلسطيني والمؤسسات الرسمية التي أنشئت خصيصاً لرعاية ملفاتهم.
ويلفت زيد إلى أن كثيراً من الجرحى يتقاضون مخصصات متدنية لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لافتاً إلى أن بعض المصابين الذين لا تزال إصاباتهم قيد العلاج يحصلون على مبالغ لا تتجاوز مئات الشواقل، رغم أوضاعهم الصحية الصعبة وعدم قدرتهم على العمل أو تأمين احتياجات أسرهم.

دفاع عن حقوق الأجيال القادمة

وبحسب زيد، فإن المعتصمين ينظرون إلى تحركهم باعتباره دفاعاً عن حقوق الأجيال القادمة أيضاً، في ظل استمرار الاحتلال وسقوط مزيد من الشهداء والجرحى واعتقال الفلسطينيين بشكل متواصل، متسائلاً عن مصير عائلات الأسرى والشهداء والجرحى في ظل استمرار تقليص أو وقف المخصصات.
ويؤكد زيد وجود تضامن شعبي متزايد مع الاعتصام، إلى جانب زيارات تضامنية من أسرى محررين وشخصيات سياسية ومشاركين في المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، إضافة إلى مبادرات طرحت لحل الأزمة، إلا أنه يعتبر أن المشكلة ما تزال قائمة رغم ما يقال عن ضغوط سياسية ومالية خارجية، مؤكداً أن ملف الجرحى وعائلات الشهداء يجب أن يبقى "معزولاً عن التجاذبات السياسية".

خطوات تصعيدية خلال الفترة المقبلة

ويلوّح المعتصمون بحسب زيد، بخطوات تصعيدية خلال الفترة المقبلة، موضحاً أنه في حال عدم التوصل إلى حل قبل عيد الأضحى، فسيتم الإعلان عن إضراب مفتوح عن الطعام، مع الاستمرار في الاعتصام وعدم مغادرة المكان، حتى لو اضطروا لقضاء العيد في الشارع بعيداً عن عائلاتهم.

أهمية التغطية الإعلامية

ويوجّه زيد مناشدة إلى وسائل الإعلام والشعب الفلسطيني لتوسيع دائرة التضامن مع الاعتصام، معتبراً أن التغطية الإعلامية حتى الآن "دون المستوى المطلوب"، داعياً المواطنين إلى زيارة المعتصمين أو تنظيم وقفات إسناد في مختلف المحافظات، مؤكداً أن أي شكل من أشكال الدعم المعنوي يمثل مصدر قوة للمعتصمين في معركتهم من أجل استعادة حقوقهم المكفولة قانوناً.

نتيجة مباشرة لاستمرار قطع المخصصات

يؤكد أحد المتحدثين باسم المعتصمين، الجريح والأسير المحرر أسامة عيسى، أن الاعتصام جاء نتيجة مباشرة لاستمرار قطع مخصصات الجرحى للشهر الثامن على التوالي، موضحاً أن آخر دفعة مالية تلقاها الجرحى كانت في 25 تشرين الأول 2025، الأمر الذي نتج عنه بشكل خاص دخول آلاف المصابين وعائلاتهم بأوضاع اقتصادية وإنسانية "بالغة الصعوبة"، خاصة أن نسبة كبيرة منهم تعاني من إعاقات جسدية تمنعهم من العمل أو توفير دخل ثابت.

عجز في البصر

وأسامة عيسى، هو من مدينة نابلس، وأصيب خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي مدينة نابلس في شهر آذار 2004، ما تسبب بفقدان كلي للبصر في عينه اليمنى، وهو كذلك أسير محرر أمضى نحو عام ونصف في سجون الاحتلال عام 2008، وتركه بلا مصدر دخل يكبده معاناة إضافية، بحسب ما يوضح.

أزمة انعكست على الحياة اليومية

ويؤكد عيسى أن أزمة الجرحى تفاقمت منذ صدور قرار بقانون رقم (4) لسنة 2025، والمتعلق بتحويل ملفات الجرحى إلى مؤسسة "تمكين"، مشيراً إلى أن ملفات المصابين أصبحت منذ ذلك الحين تواجه إشكاليات متواصلة انعكست بشكل مباشر على حياتهم اليومية، حيث أن عدد الجرحى في محافظات الضفة الغربية يقدّر بنحو ثلاثة آلاف جريح.
 ويتراوح عدد المشاركين يومياً في الاعتصام الحالي بحسب عيسى، بين 30 و40 معتصماً، مع تسجيل تفاوت يومي في الأعداد تبعاً للظروف الصحية للمصابين، لافتاً إلى أن كثيراً من الجرحى يعانون أوضاعاً صحية معقدة وإعاقات مزمنة تجعل مشاركتهم المستمرة في الفعاليات الاحتجاجية أمراً شاقاً.

وعود لم تترجم

ويوضح عيسى أن الاعتصام القائم بدأ منذ 13 أيار الجاري، أمام مقر مجلس الوزراء، بعد اعتصام سابق نُظم قبل نحو شهر في المكان ذاته، انتهى بوعد بإيجاد مخرج للأزمة، غير أن ذلك الوعد لم يترجم إلى خطوات عملية، ما دفع المعتصمين إلى استئناف احتجاجاتهم والإصرار هذه المرة على الاستمرار حتى تحقيق مطالبهم.

مبادرات جديدة

ويلفت عيسى إلى أن المعتصمين تلقوا خلال الأيام الماضية، عدة مبادرات وساطة من أسرى محررين ولجان إصلاح وسلم أهلي، جرت برعاية وزير الداخلية، مشيراً إلى أن المعتصمين قدموا ردهم على المقترحات المطروحة وما زالوا بانتظار نتائج ملموسة قد تفضي إلى حل الأزمة، مع تأكيدهم أن هدفهم يقتصر على استعادة حقوقهم المالية بصورة منتظمة تحفظ لهم حياة كريمة.

معاناة وآثار تمتد إلى عائلات المصابين

ويؤكد عيسى أن قضية الجرحى لا تتعلق فقط بالمصابين أنفسهم، بل تمتد آثارها إلى عائلاتهم التي تتحمل أعباء صحية ونفسية واقتصادية كبيرة، موضحاً أن الجريح يفقد في كثير من الأحيان مصدر دخله الأساسي نتيجة الإصابة، فيما تصبح أسرته أمام أعباء معيشية مضاعفة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف العلاج وتعطل الخدمات الطبية المرتبطة بالتحويلات الصحية والإضرابات التي يشهدها القطاع الصحي.
ويشير عيسى إلى أن الاعتصام، الذي بدأ بجرحى، توسع تدريجياً ليشمل أهالي شهداء وأسرى محررين وعائلات أسرى داخل السجون، متوقعاً انضمام أعداد إضافية خلال الأيام المقبلة، معتبراً أن ملفات الشهداء والأسرى والجرحى قضية واحدة، وأن استمرار الاحتلال يجعل المجتمع الفلسطيني عرضة يومياً لوقوع شهداء وجرحى واعتقال مزيد من الأسرى.

ضرورة الالتفات لأوضاع الجرحى وأهالي الشهداء والأسرى

ويوجّه عيسى رسالة إلى صناع القرار والمؤسسات الرسمية والوطنية والفصائل الفلسطينية بضرورة الالتفات إلى أوضاع الجرحى وأهالي الشهداء والأسرى، مؤكداً أن المعتصمين يدركون حجم الضغوط السياسية والمالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، لكن ذلك لا يلغي حق هذه الفئات في الحصول على مخصصاتها باعتبارها حقوقاً يكفلها القانون الأساسي الفلسطيني.

اقتصاد

الأربعاء 20 مايو 2026 10:37 صباحًا - بتوقيت القدس

التوترات الجيوسياسية تهبط بصادرات السيارات الكورية للشرق الأوسط بنسبة 39%

كشفت بيانات رسمية صادرة عن وزارة التجارة والصناعة والموارد في كوريا الجنوبية عن تسجيل تراجع في أداء قطاع صادرات السيارات خلال شهر نيسان/ أبريل الماضي. وأظهرت الأرقام انخفاضاً إجمالياً بنسبة تجاوزت 5% مقارنة بذات الفترة من العام المنصرم، وهو ما يعكس تأثر الصناعة بالمتغيرات الدولية المتسارعة.

وبحسب ما أوردته مصادر رسمية، فقد بلغت القيمة الإجمالية لصادرات المركبات الكورية نحو 6.17 مليارات دولار، مسجلة هبوطاً بنسبة 5.5% على أساس سنوي. ويأتي هذا التراجع في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية تحديات اقتصادية وجيوسياسية أثرت بشكل مباشر على حركة التجارة الخارجية لسيول.

وتصدرت منطقة الشرق الأوسط قائمة الأسواق الأكثر تراجعاً في استقبال السيارات الكورية، حيث هوت الشحنات المتجهة إليها بنسبة بلغت 38.7%. وعزت التقارير هذا الانخفاض الحاد إلى حالة عدم الاستقرار والتوترات المتصاعدة في المنطقة، لا سيما المرتبطة بالصراع الأمريكي الإيراني وتداعياته الميدانية.

ولم تقتصر حالة التراجع على السوق الشرق أوسطي فحسب، بل امتدت لتشمل أسواقاً رئيسية أخرى حول العالم بنسب متفاوتة. فقد سجلت الصادرات إلى دول آسيا انخفاضاً كبيراً بنسبة 31.7%، بينما تراجعت الشحنات المتجهة إلى أمريكا اللاتينية بنسبة 23.7% خلال الشهر ذاته.

وفي القارة الأوروبية، أظهرت البيانات أن الصادرات الكورية إلى دول الاتحاد الأوروبي انكمشت بنسبة 13.1%، فيما سجلت منطقة أوقيانوسيا تراجعاً بنسبة 20.1%. أما السوق الأمريكي الشمالي، فقد كان الأقل تأثراً رغم تسجيله انخفاضاً طفيفاً بنسبة بلغت 2.4% مقارنة بالعام الماضي.

وعلى الرغم من القتامة التي خيمت على الأرقام الإجمالية، إلا أن قطاع السيارات الصديقة للبيئة حقق نمواً لافتاً ومخالفاً للاتجاه العام. فقد قفزت صادرات هذا النوع من المركبات بنسبة 13.5%، لتصل قيمتها السوقية إلى نحو 2.52 مليار دولار، مما يؤكد التحول العالمي المستمر نحو الطاقة النظيفة.

أما على صعيد العمليات التصنيعية داخل كوريا الجنوبية، فقد شهد الإنتاج المحلي انكماشاً بنسبة 6.1% ليصل إلى 362 ألف وحدة فقط في أبريل. وأرجعت الوزارة هذا الهبوط إلى اضطرابات مفاجئة في سلاسل توريد قطع الغيار الأساسية التي تدخل في عمليات التجميع النهائي.

وإلى جانب أزمات التوريد، لعب سلوك المستهلك دوراً في تباطؤ الإنتاج، حيث يميل المشترون حالياً إلى التريث بانتظار إطلاق طرازات جديدة مرتقبة. ومع ذلك، سجلت المبيعات داخل السوق الكوري المحلي تحسناً طفيفاً جداً بنسبة 0.7%، حيث تم بيع نحو 152 ألف سيارة.

وتشير التقديرات الحكومية في سيول إلى أن هذه الأزمة قد تكون مؤقتة ومرتبطة بظروف لوجستية وجيوسياسية طارئة. وتوقعت وزارة التجارة أن يبدأ قطاع تصنيع السيارات في استعادة توازنه تدريجياً مع مطلع شهر يونيو المقبل، تزامناً مع حلحلة بعض مشكلات الإمداد.

ويرى مراقبون أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يلقي بظلاله لفترة أطول على تدفقات التجارة الكورية نحو المنطقة. وتعد هذه المنطقة سوقاً حيوياً للشركات الكورية، مما يتطلب استراتيجيات مرنة للتعامل مع تقلبات الطلب الناتجة عن الأزمات السياسية المستمرة.

ختاماً، تضع هذه الأرقام صانعي القرار الاقتصادي في كوريا الجنوبية أمام تحدي تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على المناطق المتوترة. ويبقى الرهان الأكبر على قطاع السيارات الكهربائية والهجينة الذي يواصل تحقيق أرقام إيجابية رغم التحديات التي تعصف بالمركبات التقليدية.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 10:37 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تحت وطأة التصعيد: غارات ليلية وأوامر إخلاء قسرية تنهش اتفاق وقف إطلاق النار

تتصاعد حدة التوتر في قطاع غزة مع استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف المنازل والأحياء السكنية، مما يعمق المعاناة الإنسانية للسكان الذين يواجهون ظروفاً قاسية. وأكد مواطنون فلسطينيون أن عبارة 'الإبادة الجماعية مستمرة' لم تعد مجرد شعار، بل هي واقع يومي يتجسد في عمليات النزوح المتكررة وفقدان الأمان تحت وطأة القصف المتواصل.

ووثقت مصادر ميدانية وناشطون مساء الثلاثاء لحظات مروعة لقصف استهدف منزلاً في مخيم البريج وسط القطاع، حيث غطت سحب الدخان الكثيفة سماء المنطقة عقب الغارة مباشرة. وأدى هذا الاستهداف إلى تدمير واسع في الممتلكات المحيطة، مما أثار حالة من الذعر بين العائلات التي كانت تحاول إعادة ترتيب حياتها بعد شهور من الدمار.

وفي مدينة غزة، اندلع حريق هائل فجر الأربعاء في حي النصر غربي المدينة إثر غارة جوية استهدفت منزلاً سكنياً، مما استدعى تدخل طواقم الدفاع المدني بشكل عاجل. وبذلت فرق الإنقاذ جهوداً مضنية للسيطرة على النيران وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، في ظل نقص حاد في الإمكانيات والمعدات اللازمة للتعامل مع مثل هذه الكوارث.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع إطلاق نار كثيف سُمعت أصداؤه في مناطق جنوب خان يونس وحي التفاح شرقي القطاع، مما يشير إلى تصعيد عسكري واسع النطاق. واعتبر مراقبون أن هذه التحركات تمثل خروقات واضحة لاتفاق وقف إطلاق النار المفترض سريانه منذ العاشر من أكتوبر لعام 2025، وهو ما يضع الاتفاق على حافة الانهيار.

وأفادت مصادر محلية بأن جيش الاحتلال عاد خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية إلى سياسة 'الأرض المحروقة' عبر إخلاء مربعات سكنية كاملة قبل تدميرها. وتستخدم القوات الإسرائيلية قنابل شديدة الانفجار تؤدي إلى مسح أحياء بأكملها، مما يحول المناطق المأهولة إلى ركام في غضون دقائق معدودة، دون مراعاة لوجود مدنيين.

وأشار الصحفي محمد هنية إلى أن الاحتلال يصعد حربه تدريجياً عبر عمليات الاغتيال الممنهجة وأوامر الإخلاء القسرية التي تطال آلاف العائلات. وأوضح أن قصف منزل واحد بات يؤدي إلى تدمير حارة كاملة، مما يثخن جراح الفلسطينيين الذين يعانون من ويلات الحرب منذ أكثر من عامين ونصف دون توقف حقيقي للعدوان.

من جانبه، ذكر الداعية جهاد حلس أن مئات العائلات وجدت نفسها مضطرة للنزوح في عتمة الليل من شمال القطاع وجنوبه هرباً من القذائف والصواريخ. ووصف حلس الواقع في غزة بأنه يفوق القدرة على الوصف، حيث تلاحق المآسي السكان في كل زاوية، وتتحول رحلة البحث عن الأمان إلى كابوس مستمر لا ينتهي.

وفي سياق متصل، أكد الناشط أدهم أبو سليمة أن فجر غزة بات يصبغ بلون الدم والدمار، حيث يستهدف العدوان الأبرياء في منتصف الليل بأسلوب ترهيبي متعمد. وأضاف أن هذا التصعيد المتجدد يعكس إصراراً على استمرار التنكيل بالمدنيين العزل، في وقت ينشغل فيه العالم بملفات أخرى بعيداً عن مأساة القطاع المحاصر.

وعبر منصات التواصل الاجتماعي، تحولت صفحات الغزيين إلى ساحات لتوثيق الجرائم اليومية، حيث تصدرت وسوم تؤكد أن 'الإبادة لم تنتهِ'. ويعبر المدونون عن غضبهم من الصمت الدولي المطبق تجاه ما يحدث من تصعيد تدريجي يفتك بالبشر والحجر، معتبرين أن غياب الرادع يشجع الاحتلال على التمادي في خروقاته.

وتحدث سكان من مخيم البريج عن تفاصيل قاسية لعمليات الإخلاء في 'بلوك 7'، حيث أُجبروا على مغادرة منازلهم تحت التهديد المباشر قبل أن يتم مسح المربع السكني بالكامل. وتكررت هذه المشاهد في عدة مناطق، مما دفع العائلات للجوء إلى الشوارع أو مراكز الإيواء المكتظة التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة.

وتشير التقارير إلى أن الاستهدافات المفاجئة باتت تطال الأسواق والمناطق الساحلية التي كان السكان يظنون أنها آمنة نسبياً، مما خلق حالة من التوتر الدائم. ولا يقتصر الخطر على القصف المباشر، بل يمتد ليشمل المجاعة والأمراض التي تفتك بالأطفال وكبار السن في ظل حصار خانق يمنع دخول المساعدات الأساسية.

ولليوم الثالث على التوالي، يواصل الاحتلال إصدار أوامر إخلاء ليلية، وهو تكتيك يهدف إلى استنزاف السكان نفسياً وجسدياً وزيادة وتيرة التهجير الداخلي. ويرى ناشطون أن هذه السياسة تهدف إلى تفريغ مناطق استراتيجية في القطاع وتحويلها إلى مناطق عازلة، مما يعمق الأزمة الإنسانية ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً مستحيلاً.

ختاماً، يبقى المشهد في قطاع غزة مفتوحاً على مزيد من التصعيد في ظل غياب أي أفق سياسي لوقف حقيقي للعدوان الشامل. ويناشد الغزيون المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بالتدخل الفوري لوقف نزيف الدم وحماية المدنيين من آلة الحرب التي لا تفرق بين منزل ومستشفى أو مدرسة، مؤكدين صمودهم رغم كل محاولات الإبادة.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

مخطط إسرائيلي واسع لتهويد معالم القدس: استهداف لمقبرة مأمن الله ومقر 'أونروا'

أقرت حكومة الاحتلال الإسرائيلي في اجتماعها الأخير سلسلة من القرارات التصعيدية التي تستهدف تغيير الهوية التاريخية والقانونية لمدينة القدس المحتلة. تأتي هذه الخطوات تحت غطاء مشاريع تطويرية وتراثية، تهدف في جوهرها إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية المطلقة وتعزيز الرواية الصهيونية في الفضاء العام للمدينة المقدسة.

وخلال الاجتماع الذي عُقد في متحف الكنيست، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته تبذل جهوداً غير مسبوقة في بناء وتطوير القدس بصفتها 'عاصمة' للاحتلال. واعتبر نتنياهو أن هذه الاستثمارات في مجالات السياحة والتراث والأمن تمثل جزءاً مما وصفه بـ 'نهضة الشعب اليهودي'، مشدداً على استمرار الزخم الاستيطاني.

وتضمنت القرارات خطة خمسية جديدة للأعوام 2027-2031 تستهدف ساحة البراق الملاصقة للمسجد الأقصى المبارك، بهدف زيادة أعداد الزوار وتكثيف الحفريات الأثرية. وتهدف هذه الخطة إلى تحويل الساحة إلى مركز تعليمي وقومي يرسخ الرواية التوراتية، مع رصد ميزانيات ضخمة لتحسين الاستعداد للطوارئ في الموقع بحلول عام 2026.

وفي خطوة تستهدف المعالم الإسلامية التاريخية، أعلنت سلطات الاحتلال عن مشروع لترميم بركة ماميلا الواقعة ضمن مقبرة 'مأمن الله' العريقة غرب البلدة القديمة. وخصصت بلدية الاحتلال ميزانية تصل إلى 80 مليون شيكل لتحويل هذا الموقع التاريخي إلى حديقة حضرية، في محاولة لطمس الهوية العربية والإسلامية للمقبرة وتجريدها من سياقها الجنائزي والتاريخي.

كما شملت المخططات إقامة مركز تراثي في منطقة مطار القدس الدولي المعروف بـ 'عطروت' شمال المدينة، لتخليد قصة الاستيطان المبكر في تلك المنطقة منذ عام 1912. وسيركز هذا المركز على دمج التاريخ العسكري الإسرائيلي بالجغرافيا الفلسطينية المحتلة، مما يعزز الوجود الاستيطاني في منطقة استراتيجية تفصل القدس عن محيطها الشمالي.

ومن أبرز القرارات التي تحمل دلالات سياسية وأمنية خطيرة، تخصيص الأرض المقامة عليها مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في حي الشيخ جراح لإقامة منشآت عسكرية. ويخطط الاحتلال لتحويل المقر الأممي إلى متحف لجيش الاحتلال ومكتب تجنيد، بالإضافة إلى مكتب لوزير الأمن، في خطوة تهدف لإنهاء الشواهد الدولية على قضية اللاجئين.

وفي سياق تعزيز البنية التحتية السيادية، قررت الحكومة تخطيط وإقامة 'مركز وطني' بالقرب من أسوار البلدة القديمة لتقديم خدمات لذوي الإعاقة واستخدامه كمركز إخلاء في حالات الطوارئ. ويرى مراقبون أن هذا المشروع يغلف الأهداف السيادية والسيطرة الجغرافية بطابع إنساني، لتسهيل تمريره وتثبيت الوجود الإسرائيلي في أكثر المناطق حساسية.

ولم تقتصر القرارات على المشاريع الإنشائية، بل امتدت لتشمل تشكيل فريق وزاري مشترك للإعداد للذكرى الستين لاحتلال القدس وتوحيدها المزعوم في عام 2027. ويضم هذا الفريق ممثلين عن وزارات المالية والقدس والتراث، بهدف تنسيق الفعاليات التي ستعرض المشاريع التهويدية كإنجازات قومية كبرى أمام المجتمع الدولي.

وأفادت مصادر بحثية بأن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية 'المحطات السردية'، حيث يتم تحويل عام 2027 إلى ذروة رمزية لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة. وأوضحت المصادر أن تزامن الخطط الخمسية مع هذه الذكرى يكشف عن تخطيط مسبق لدمج العمليات التقنية والإنشائية بالأهداف الأيديولوجية والسياسية بعيدة المدى.

ويرى الباحث وليد حباس أن هذه القرارات تعكس المبادئ التأسيسية لحكومة نتنياهو الحالية، والتي تضع تعزيز مكانة القدس كأولوية قصوى. وأشار إلى أن الاتفاقيات الائتلافية نصت صراحة على تطوير البنية التحتية في القدس كأداة لإحباط أي نشاط للسلطة الفلسطينية أو أي تطلعات سيادية لغير اليهود في المدينة.

إن تحويل مقبرة مأمن الله إلى حديقة عامة يمثل نموذجاً لما يسمى 'التجميل الاستعماري'، حيث يتم إعادة صياغة الفضاء بصرياً لإقصاء الرواية الفلسطينية. هذا النهج يعتمد على إخفاء المعالم الأثرية التي تثبت الوجود العربي والإسلامي، واستبدالها بمظاهر سياحية تخدم الرواية الإسرائيلية الحديثة وتجذب المستوطنين والسياح.

وفيما يخص منطقة 'عطروت'، فإن استحضار التاريخ الاستيطاني القديم يهدف إلى خلق سابقة تاريخية تبرر السيطرة على مناطق شرقي القدس المحتلة. وربط هذه المواقع بالبطولات العسكرية الإسرائيلية، مثل عملية 'عنتيبي'، يهدف إلى تحويل الجغرافيا الصامتة إلى نصب تذكارية قومية تثير المشاعر الوطنية لدى الإسرائيليين وتثبت أحقيتهم المزعومة.

أما استهداف مقر 'أونروا'، فيعتبره محللون عملية 'محو رمزي مزدوج' تستهدف المؤسسة الدولية واللاجئ الفلسطيني في آن واحد. فإحلال مكاتب وزارة الأمن ومتاحف الجيش محل المنظمة الدولية يبعث برسالة واضحة حول رفض الاحتلال لأي دور دولي يعترف بحقوق الفلسطينيين التاريخية في مدينتهم.

ختاماً، تظهر هذه القرارات أن كل حجر يتم ترميمه أو شارع يتم شقه في القدس المحتلة هو بمثابة ادعاء سياسي مضاد للحقوق الفلسطينية. وتستمر حكومة الاحتلال في استخدام أدوات البناء والتطوير كأدوات سيادة حرفية، تسعى من خلالها إلى فرض واقع ديموغرافي ومعماري يستحيل معه أي تقسيم مستقبلي للمدينة.

عربي ودولي

الأربعاء 20 مايو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

الرئيس الكوري الجنوبي يهاجم إسرائيل بسبب 'أسطول الصمود' ويلمح لموقف من اعتقال نتنياهو

وجه الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونج، انتقادات حادة للحكومة الإسرائيلية على خلفية اعتراضها 'أسطول الصمود' واعتقال مواطنين كوريين جنوبيين كانوا على متنه. وأكد الرئيس الكوري خلال اجتماع لمجلس الوزراء اليوم الأربعاء أن عملية الاعتقال جرت في المياه الدولية، معتبراً هذا السلوك 'تجاوزاً صارخاً للحدود' واعتداءً غير مبرر قانونياً.

وتساءل لي جاي ميونج عن الصمت الدولي تجاه هذه الممارسات، مشدداً على أن بلاده لا يمكنها التغاضي عن احتجاز مواطنيها دون سند من القانون الدولي. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الدبلوماسية توتراً متصاعداً بسبب الأنشطة الإسرائيلية في المياه الإقليمية والدولية تجاه قوافل المساعدات المتجهة إلى قطاع غزة.

وفي سياق متصل، تطرق الرئيس الكوري الجنوبي إلى مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأشار إلى أن العديد من العواصم الأوروبية تتجه نحو تنفيذ هذه المذكرات، موضحاً أن سيول تعكف حالياً على دراسة الموقف لاتخاذ قرارها السيادي المستقل في هذا الشأن، بما يتماشى مع التزاماتها الدولية.

اسرائيليات

الأربعاء 20 مايو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

مناورات نتنياهو للبقاء في السلطة: وعود للحريديم وسيناريوهات لإحراق البلاد

تشير القراءات السياسية الحالية إلى أن بنيامين نتنياهو يخوض سلسلة من المناورات المعقدة بهدف منع حل الكنيست وتأجيل موعد الانتخابات حتى نهاية شهر تشرين الأول القادم. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، يقدم وعوداً صريحة للأحزاب الحريدية بقدرته على تمرير قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية ما دام يمتلك الوقت الكافي في السلطة، رغم الشكوك المعلنة من قادة تلك الأحزاب.

وعلى الرغم من التصريحات الحادة التي صدرت عن الحاخام دوف لنداو، والتي أشار فيها إلى انعدام الثقة برئيس الحكومة وتفكك الكتلة، إلا أن مصادر مطلعة ترى في ذلك مجرد مناورة سياسية مخادعة. تهدف هذه التحركات إلى استعادة ثقة الناخبين لكل من الليكود والحريديم عبر إظهار تباين وهمي في المواقف، بينما تظل الحقيقة أن الليكود هو الخيار الوحيد الذي يضمن لهم الميزانيات والإعفاءات المطلوبة.

وفي سياق التنافس الداخلي، يبرز حزب 'شاس' بقيادة آريه درعي كلاعب محوري يعتمد على ولائه المطلق لنتنياهو لجذب الناخبين التقليديين من الطائفة الشرقية. يسوق درعي فكرة أن التصويت لحزبه هو وسيلة مزدوجة لتعزيز التقاليد الدينية وضمان بقاء نتنياهو في سدة الحكم، وهو ما يجسد تلاحم كتلة اليمين والمسيحانيين في مواجهة المعارضة.

إن الدافع الأساسي وراء استماتة نتنياهو للبقاء في السلطة هو إدراكه العميق بأن الهزيمة تعني العودة لصفوف المعارضة، مما سيؤدي بالضرورة إلى تسريع وتيرة محاكمته الجنائية. هذا السيناريو قد ينتهي به خلف القضبان، ولذلك فإنه يبدو مستعداً لاتخاذ إجراءات متطرفة قد تصل إلى تقويض أسس الدولة لضمان استمراره في منصبه وحماية نفسه من الملاحقة.

وتتزايد المخاوف من استمرار الهجوم الممنهج على المحكمة العليا في الأشهر المقبلة، حيث يسعى نتنياهو لنزع الشرعية عنها لتعطيل قدرتها على تنفيذ القرارات القضائية. كما يمتد هذا التحريض ليشمل لجنة الانتخابات المركزية، بهدف ترهيب القائمين عليها وغض الطرف عن أي تجاوزات أو عمليات تزوير قد تحدث أثناء فرز الأصوات في الاستحقاقات القادمة.

ومن بين السيناريوهات الخطيرة المطروحة، إمكانية لجوء نتنياهو لإشعال مواجهة عسكرية أو حرب شاملة إذا أظهرت استطلاعات الرأي عدم قدرته على تحقيق الأغلبية، وذلك كذريعة لتأجيل الانتخابات. كما لا يُستبعد استخدام عناصر متطرفة لترهيب الخصوم السياسيين في تجمعاتهم الانتخابية، أو حتى ممارسة ضغوط أمنية عبر أجهزة الدولة ضد معارضي النظام تحت مسميات مختلفة.

وفي حال فشلت كل هذه المحاولات وتبينت هزيمته في صناديق الاقتراع، فمن المتوقع أن يتم الترويج لادعاءات تزوير من قبل اليسار لرفض النتائج الرسمية. هذا المسار قد يقود البلاد نحو نموذج ديكتاتوري يتم فيه حل المؤسسات القضائية وإعادة صياغة النظام السياسي بما يضمن بقاء 'الكتلة' في الحكم بعيداً عن المعايير الديمقراطية المتعارف عليها.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

نشطاء 'أسطول الصمود' يبدأون إضراباً عن الطعام بعد اختطافهم في المياه الدولية

أعلن أسطول الصمود العالمي عن دخول أكثر من 87 ناشطاً دولياً في إضراب مفتوح عن الطعام، وذلك تعبيراً عن رفضهم لعملية الاختطاف التي تعرضوا لها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية كرسالة تضامن مع نحو 9500 أسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال بظروف قاسية، مؤكدين أن نضالهم من أجل غزة يرتبط بشكل وثيق بقضية الأسرى.

وأوضحت قيادة الأسطول في بيان رسمي أن جيش الاحتلال أقدم للمرة الثانية خلال ثلاثة أسابيع على تنفيذ عملية قرصنة في المياه الدولية واختطاف المتضامنين. ووصفت المصادر هذا التحرك بأنه انتهاك صارخ للقوانين الدولية، مشيرة إلى أن الاحتلال الذي يدعي الالتزام بالأخلاق يمارس أعمالاً غير قانونية ضد مدنيين عزل في عرض البحر.

من جانبها، أقرت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان متأخر باحتجاز جميع نشطاء الأسطول البالغ عددهم 430 شخصاً، حيث جرى نقلهم قسراً إلى سفن حربية إسرائيلية. وزعمت المصادر الإسرائيلية أن هؤلاء النشطاء في طريقهم إلى الموانئ الإسرائيلية، حيث سيتم السماح لهم بمقابلة ممثليهم القنصليين قبل اتخاذ إجراءات الترحيل بحقهم.

وكانت غرفة عمليات أزمات الأسطول قد أكدت أن التدخل العسكري الإسرائيلي استهدف كافة السفن المشاركة بشكل غير قانوني، مشيرة إلى أن سفينة 'لينا النابلسي' كانت آخر الأهداف التي طالتها يد الاحتلال. ويضم الأسطول الذي انطلق من مدينة مرمريس التركية يوم الخميس الماضي نحو 428 ناشطاً يمثلون 44 دولة، في محاولة رمزية وعملية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة.

وطالب القائمون على أسطول الصمود العالمي الحكومات الدولية والمجتمع الدولي بضرورة التنديد الفوري بهذه الأعمال التي تندرج تحت بند القرصنة البحرية. كما شددوا على ضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المختطفين، بالإضافة إلى إنهاء الحصار الجائر المفروض على سكان قطاع غزة منذ سنوات طويلة.

وفي سياق ردود الفعل الدولية، وصفت منظمة العفو الدولية الاعتراض الإسرائيلي للأسطول بأنه عمل 'مخز ولا إنساني'، محذرة من تداعيات استمرار استهداف المتضامنين الدوليين. وتأتي هذه التطورات رغم وجود اتفاق معلن لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، إلا أن القيود الإسرائيلية المشددة على حركة الأفراد والبضائع لا تزال مستمرة.

يُذكر أن الأسطول يتكون من نحو 50 سفينة وقارباً، يحملون على متنهم مساعدات إنسانية ورسائل سياسية تطالب بالحرية لفلسطين. ويؤكد النشطاء المضربون عن الطعام أنهم لن يتراجعوا عن خطواتهم الاحتجاجية حتى يتم ضمان سلامة جميع المشاركين وتحقيق مطالبهم العادلة برفع الحصار وإطلاق سراح الأسرى.

فلسطين

الأربعاء 20 مايو 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يصعد هجماته على غزة: تدمير منازل وأوامر إخلاء قسرية تطال مربعات سكنية

شهد قطاع غزة ليلة دامية وفجراً ساخناً إثر تصعيد قوات الاحتلال الإسرائيلي لعملياتها العسكرية في مختلف المحافظات، حيث طالت الغارات الجوية والقصف المدفعي منازل المواطنين ومنشآت مدنية. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تتزايد فيه التحذيرات من انهيار التفاهمات الهشة لوقف إطلاق النار، مما يفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية أصلاً نتيجة الحصار المستمر.

وأفادت مصادر ميدانية بأن مدفعية الاحتلال استهدفت بشكل مكثف المناطق الشمالية لمدينة بيت لاهيا، مما أثار حالة من الذعر بين السكان الذين يعانون من استهدافات متكررة. هذا القصف تزامن مع تحركات عسكرية على الأرض تهدف إلى تضييق الخناق على المناطق السكنية المكتظة في شمال القطاع.

وفي المنطقة الوسطى، أقدمت طائرات الاحتلال على تدمير منزل سكني بالكامل بعد إرغام سكانه على الإخلاء القسري تحت تهديد السلاح والقصف. وقد تسبب هذا الاستهداف في أضرار جسيمة بالمباني المجاورة، مما ترك عشرات العائلات في العراء دون مأوى في ظل ظروف معيشية قاسية.

مدينة غزة لم تكن بمنأى عن هذا التصعيد، حيث استهدفت غارة إسرائيلية منزلاً في حي النصر، وهو الموقع الذي تعرض للقصف للمرة الثانية على التوالي. وأسفر الهجوم عن وقوع إصابات متفاوتة بين المدنيين، نُقل على إثرها خمسة جرحى إلى مجمع الشفاء الطبي لتلقي العلاج.

أما في جنوب القطاع، فقد ركزت قوات الاحتلال استهدافاتها على مدينة خانيونس، حيث قصفت نقطة تابعة للشرطة في المنطقة الشمالية من المدينة. وتعكس هذه الهجمات رغبة الاحتلال في تقويض المنظومة الأمنية والخدماتية المحلية، وزيادة الضغط على الحاضنة الشعبية عبر استهداف المقرات الحيوية.

وتشير التقارير الواردة من الميدان إلى أن جيش الاحتلال بات يعتمد سياسة 'تدمير المربعات السكنية' كاستراتيجية ثابتة لتهجير السكان وتغيير معالم المناطق الجغرافية. هذه السياسة الممنهجة تترافق مع تشديد الإجراءات العقابية على المعابر، مما يعيق وصول المساعدات الإنسانية الضرورية للسكان المحاصرين.

وتسود حالة من القلق الشديد في الشارع الفلسطيني جراء الأنباء المتواترة حول تعثر المسار السياسي وفشل الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء الحرب. ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية بهذا الزخم يشير إلى غياب الإرادة الدولية في لجم الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق المدنيين.

الواقع الإنساني في غزة يوصف حالياً بأنه 'مأساوي ومعقد'، حيث تطلق الجهات الطبية والإغاثية نداءات استغاثة متكررة دون استجابة فعلية من المجتمع الدولي. وتؤكد المصادر أن التحذيرات من كارثة وشيكة لا تجد آذاناً صاغية، في ظل إصرار الاحتلال على مواصلة نهجه العسكري وتجاهل القوانين الدولية.

ومع استمرار هذا التصعيد، يبقى أفق الحل السياسي مسدوداً، مما يضع سكان القطاع أمام خيارات صعبة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. وتتجه الأنظار الآن نحو التحركات الشعبية والدولية المنددة بالعدوان، في محاولة للضغط من أجل وقف نزيف الدم وحماية ما تبقى من مقومات الحياة في غزة.

عربي ودولي

الأربعاء 20 مايو 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس

بوتين وشي يفتتحان قمة بكين: إشادة بمستوى تاريخي للعلاقات وبحث ملفات الطاقة والشرق الأوسط

استقبل الرئيس الصيني شي جينبينغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين، إيذاناً ببدء جولة جديدة من المحادثات الاستراتيجية التي تستمر على مدار يومين. وتأتي هذه الزيارة في توقيت حساس يهدف إلى ترسيخ التحالف بين القوتين العظميين، وذلك عقب فترة وجيزة من زيارة أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين لبحث ملفات تجارية.

وخلال الجلسة الافتتاحية، أعرب الرئيس بوتين عن اعتزازه بالمسار الذي سلكته العلاقات الثنائية، واصفاً إياها بأنها بلغت ذروة تاريخية غير مسبوقة. وأشاد بوتين بالديناميكية العالية والزخم القوي الذي يشهده التعاون المشترك في مختلف المجالات، مؤكداً أن التقارب السياسي والاقتصادي بين موسكو وبكين بات ركيزة أساسية في المشهد الدولي الراهن.

من جانبه، تطرق الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى الأوضاع الملتهبة في منطقة الشرق الأوسط، مشدداً على أن استمرار أو استئناف العمليات العسكرية هناك يعد أمراً غير مناسب في ظل الظروف الحالية. وأوضح شي أن وقف القتال يمثل ضرورة قصوى لتجنب حدوث اضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة العالمية وحماية استقرار النظام التجاري الدولي الذي يعاني من ضغوط متزايدة.

وفي خطوة تعكس سياسة التوازن التي تنتهجها بكين، أعلنت الحكومة الصينية عن توجه للعمل مع الولايات المتحدة لخفض متبادل للرسوم الجمركية على سلع تقدر قيمتها بنحو 30 مليار دولار. وتظهر هذه الخطوة رغبة الصين في إدارة علاقاتها التجارية مع واشنطن بحذر، بالتوازي مع تعميق تحالفها الاستراتيجي مع روسيا لضمان مصالحها القومية والاقتصادية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الملف الاقتصادي يتصدر أجندة الزعيمين، مع تركيز خاص على قطاع الطاقة وتأمين سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تشهد المحادثات دفعاً قوياً لمشروع خط أنابيب الغاز 'قوة سيبيريا 2'، الذي يهدف لنقل كميات ضخمة تصل إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى الأسواق الصينية عبر الأراضي المنغولية.

وتسعى بكين من خلال هذه التفاهمات إلى تنويع مصادر الطاقة لديها وتأمين احتياجاتها المستقبلية بعيداً عن أي تقلبات جيوسياسية قد تطرأ. وفي المقابل، تجد موسكو في السوق الصينية شريكاً حيوياً ومستداماً، خاصة في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية والضغوط الغربية المستمرة على الصادرات الروسية.

يُذكر أن هذه الزيارة هي الخامسة والعشرون لبوتين إلى الصين منذ وصوله إلى سدة الحكم، مما يعكس عمق الروابط الشخصية والمؤسسية بين البلدين. ومن المنتظر أن يتوج اللقاء بتوقيع إعلان مشترك يضع خارطة طريق جديدة للشراكة الشاملة، ويشمل اتفاقيات في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة والتجارة البينية.

عربي ودولي

الأربعاء 20 مايو 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس

توبيخ برلماني لترمب: الشيوخ الأمريكي يصوت لتقييد صلاحيات الحرب ضد إيران

كشف مشروع قانون جديد في الكونغرس الأمريكي عن توجه جدي لتقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب العسكرية في المواجهة المستمرة مع إيران. وتعكس هذه الخطوة التشريعية حالة من التململ المتزايد داخل الأوساط الجمهورية، مما يضع البيت الأبيض تحت ضغوط سياسية وشعبية مكثفة تزامناً مع تصاعد التداعيات الاقتصادية للحرب على المواطن الأمريكي.

وأفادت مصادر مطلعة من واشنطن بأن أهمية هذا المشروع تتجاوز أبعاده القانونية الصرفة، لتصل إلى كونه مؤشراً على انقسام عميق داخل القاعدة الجمهورية. فالحزب الذي طالما شكل حائط الصد والمدافع الأول عن قرارات ترمب الخارجية، بدأ يشهد تصدعات ناتجة عن المخاوف من استنزاف الموارد في صراعات مفتوحة.

وصادق مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار يوصف بالرمزي لكنه يحمل دلالات سياسية ثقيلة، حيث يهدف للحد من قدرة الرئيس على شن حرب شاملة دون العودة للمشرعين. وقد اجتاز القرار تصويتاً إجرائياً حاسماً بغالبية 50 صوتاً مقابل 47، في خطوة اعتبرها مراقبون توبيخاً علنياً نادراً للقيادة العسكرية في ذروة العمليات القتالية.

وشهدت جلسة التصويت تحولاً لافتاً بانضمام أربعة نواب من الحزب الجمهوري إلى المعسكر الديمقراطي، بينما تغيب ثلاثة آخرون في خطوة فُسرت على أنها محاولة لتجنب الإحراج السياسي أمام قواعدهم الانتخابية. ويرتبط هذا التحول بالضغوط المتنامية الناتجة عن ارتفاع الأسعار وربط الناخبين بين الأزمة المعيشية والإنفاق العسكري الضخم.

وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن نسبة تتراوح بين 60% و70% من الأمريكيين يحملون العمليات العسكرية الحالية مسؤولية التدهور الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة. هذا الواقع دفع عدداً من النواب الجمهوريين لإعادة حساباتهم السياسية، خشية فقدان مقاعدهم في الانتخابات المقبلة نتيجة السخط الشعبي من استمرار الحرب.

ويضع تمرير هذا القانون الرئيس ترمب أمام خيارين كلاهما مر، فإما الرضوخ للإرادة التشريعية أو استخدام حق النقض 'الفيتو'. وفي حال لجوئه للفيتو، فإنه سيظهر في مواجهة مباشرة مع أجزاء من حزبه، مما يعزز صورته كطرف متمسك باستمرار النزاع رغم الكلفة الباهظة التي يتحملها دافع الضرائب الأمريكي.

وتواجه الإدارة الأمريكية انتقادات حادة تتعلق بآليات تمويل العمليات العسكرية، خاصة بعد تسريبات عن طلب تخصيص 25 مليار دولار إضافية لتغطية ستة أسابيع فقط من القتال. وتتصاعد المخاوف من أن هذه المبالغ الضخمة سيتم اقتطاعها من ميزانيات حيوية مثل الصحة والمساعدات الغذائية والبرامج الاجتماعية الداخلية.

وفي محاولة لاحتواء هذه الضغوط، بدأ ترمب في تغيير نبرته الخطابية خلال الأيام الأخيرة، متحدثاً عن إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب مع طهران. ويسعى البيت الأبيض للترويج لفكرة أن إنهاء الحرب سيؤدي فوراً إلى استقرار أسواق الطاقة العالمية وتراجع أسعار النفط، في محاولة لتهدئة الرأي العام القلق.

وتعد هذه المرة الأولى التي ينجح فيها أي من مجلسي الكونغرس في تمرير تشريع يسعى لتقييد العمليات العسكرية ضد إيران منذ اندلاع المواجهة قبل نحو 11 أسبوعاً. وستكشف الأيام المقبلة مدى قدرة الرئاسة على احتواء هذا الانقسام الجمهوري قبل أن يتحول إلى أزمة سياسية شاملة تهدد التماسك الداخلي للإدارة.

تحليل

الأربعاء 20 مايو 2026 8:10 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير أممي: غزة والضفة على حافة الانهيار الإنساني وسط اتهامات بجرائم حرب وتطهير عرقي



واشنطن- سعيد عريقات – 20/5/2026


في واحد من أكثر التقارير الأممية حدة منذ بداية الحرب على غزة، رسم مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان صورة قاتمة للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة بين 7 تشرين الأول 2023 و31 أيار 2025، متهما إسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما الإبادة الجماعية، في وقت حمّل فيه أيضا الفصائل الفلسطينية المسلحة مسؤولية ارتكاب انتهاكات خطيرة، أبرزها قتل المدنيين واحتجاز الرهائن.


التقرير، الذي يغطي غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، لا يكتفي بتوثيق أرقام الضحايا والدمار، بل يذهب أبعد من ذلك ليشير إلى ما وصفه بـ”نمط ممنهج” من السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إحداث تغيير ديموغرافي دائم في الأراضي الفلسطينية، عبر التهجير القسري والتجويع وتدمير البنية التحتية المدنية.


وبحسب التقرير، بدأت المرحلة الحالية من الحرب بهجوم شنته "كتائب القسام" وفصائل فلسطينية أخرى على جنوب إسرائيل في السابع من تشرين الأول 2023، أسفر عن مقتل أكثر من 1124 إسرائيليا وأجنبيا. لكن الرد الإسرائيلي، وفق التقرير، تجاوز حدود “الدفاع المشروع عن النفس” ليتحول إلى حملة عسكرية واسعة النطاق تسببت في دمار غير مسبوق في غزة، بالتوازي مع تصعيد عسكري وأمني كبير في الضفة الغربية.


ووفقا للأرقام الواردة في التقرير، قُتل في غزة حتى نهاية أيار 2025 ما لا يقل عن 54,381 فلسطينيا، وأصيب أكثر من 124 ألفا (الآن نعلم أن الأرقام الرسمية حتية نهاية تشرين الأول 2025 وصلت 72 ألف قتيل على الأقل، بينهم 38 ألف امرأه وفتاة، وأكثر من 150 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال). وتمكنت الأمم المتحدة من التحقق من مقتل 18,683 شخصا، بينهم 7347 طفلا و3994 امرأة، ما يعكس النسبة المرتفعة للضحايا المدنيين.


ويشير التقرير إلى أن إسرائيل استخدمت أسلحة شديدة التدمير في مناطق مكتظة بالسكان، بما في ذلك قنابل ذات آثار واسعة النطاق، الأمر الذي اعتبره انتهاكا لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني. ومن بين الحوادث التي وصفها التقرير بالـصارخة، غارة جوية على بيت لاهيا في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2024 أدت إلى مقتل 133 فردا من عائلة واحدة.


لكن أخطر ما يطرحه التقرير يتمثل في اتهام إسرائيل باستخدام “التجويع كسلاح حرب”. فالحصار المفروض على غزة منذ سنوات، وفقا للتقرير، تحول بعد آذار/مارس 2025 إلى حصار شبه كامل، مع منع دخول الغذاء والماء والوقود والمساعدات الإنسانية لمدة قاربت ثلاثة أشهر، ما أدى إلى مجاعة “من صنع الإنسان”.


ويشير التقرير إلى وفاة عشرات الأطفال بسبب سوء التغذية، بينما قتل أكثر من 2435 فلسطينيا أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية عبر "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة إسرائيليا، بعدما تعرضوا لإطلاق نار من قوات إسرائيلية ومتعاقدين أمنيين خاصين.


تكمن خطورة التقرير الأممي في أنه لا يكتفي بوصف الكارثة الإنسانية، بل يربطها مباشرة بالبنية السياسية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي. فحين تتحدث الأمم المتحدة عن "بيئة قسرية" تدفع السكان إلى الرحيل، فهي تقترب من استخدام توصيف قانوني شديد الحساسية يتعلق بالتطهير العرقي. كما أن الربط بين التجويع والتصريحات العلنية لمسؤولين إسرائيليين دعوا إلى “محو غزة” أو وصف الفلسطينيين بـ”الحيوانات البشرية”، يضع إسرائيل أمام اتهامات تتجاوز الانتهاكات التقليدية، لتلامس نية التدمير الجماعي، وهي النقطة المحورية في أي نقاش قانوني حول الإبادة الجماعية.


وفي ملف التهجير، يؤكد التقرير أن نحو 90% من سكان غزة تعرضوا للنزوح القسري مرة واحدة على الأقل، فيما صدرت 144 أوامر إخلاء إسرائيلية، وتحولت أكثر من 80% من مساحة القطاع إلى "مناطق محظورة". ويرى معدو التقرير أن الحديث الإسرائيلي عن “الهجرة الطوعية” لسكان غزة يفقد معناه القانوني في ظل القصف والتجويع وانهيار مقومات الحياة.


أما في الضفة الغربية، فيشير التقرير إلى تصعيد غير مسبوق منذ الانتفاضة الثانية. فقد قُتل 919 فلسطينيا على يد القوات الإسرائيلية خلال الفترة المشمولة بالتقرير، مع تأكيد الأمم المتحدة أن نحو 46% منهم لم يشكلوا أي تهديد فعلي لحظة قتلهم.


كما وثق التقرير استخدام إسرائيل لأساليب حربية في عمليات يفترض أنها “أمنية”، بما في ذلك الغارات الجوية والصواريخ المحمولة على الكتف والقصف المدفعي، خصوصا خلال عملية “الجدار الحديدي” التي بدأت مطلع 2025 في شمال الضفة.


وفي تطور وصفه التقرير بـ”الخطير”، تم تهجير عشرات الآلاف من سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، مع تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية، ما أثار مخاوف أممية من محاولة فرض تغيير ديموغرافي دائم في شمال الضفة الغربية أيضا.


يعكس التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية تحولا استراتيجيا يتجاوز مسألة "مكافحة الإرهاب"، نحو إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي في المناطق الفلسطينية. فإدخال الطائرات الحربية والصواريخ إلى مدن الضفة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يشير إلى انتقال العقيدة العسكرية الإسرائيلية من إدارة الاحتلال إلى فرض وقائع ضم تدريجية بالقوة. كما أن استهداف مخيمات اللاجئين تحديدا يحمل دلالات سياسية عميقة، لأن هذه المخيمات تمثل الذاكرة الحية لقضية اللاجئين وحق العودة. لذلك، فإن تدميرها أو تفريغها سكانيا لا ينفصل عن مشروع أوسع لإعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها.


التقرير يتناول أيضا ملف الاعتقالات والتعذيب، مشيرا إلى تدهور “صادم” في ظروف احتجاز الفلسطينيين. فقد تم اعتقال آلاف الأشخاص، بينهم أطفال، بموجب الاعتقال الإداري أو تحت تصنيف "مقاتلين غير شرعيين"، بينما تحدث معتقلون عن تعرضهم للضرب والتجويع والعزل الانفرادي والإيهام بالغرق والعنف الجنسي.


وخلال الفترة المشمولة بالتقرير، توفي 70 فلسطينيا داخل السجون الإسرائيلية، مقارنة بحالة وفاة واحدة فقط في العام السابق. كما اتهم التقرير القوات الإسرائيلية باستخدام معتقلين فلسطينيين "دروعا بشرية" خلال العمليات العسكرية.


وفي الجانب الإعلامي، اتهم التقرير إسرائيل بتضييق الخناق على حرية التعبير والصحافة، موثقا مقتل 243 صحفيا وعاملا إعلاميا، وحظر شبكة الجزيرة، واعتقال فلسطينيين بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع تجاهل تحريض مسؤولين إسرائيليين ضد الفلسطينيين.


ولم يسلم التراث الثقافي الفلسطيني من الدمار. إذ أكد التقرير تدمير مئات المساجد والكنائس والمواقع الأثرية والمتاحف والجامعات، بما في ذلك 110 مواقع تراثية وثقتها اليونسكو، معتبرا أن ذلك يشكل “اعتداء على الهوية الفلسطينية”.


ولا يبدو الاستهداف الواسع للصحفيين والمؤسسات الثقافية والتعليمية ، وفقا للمنظمات الحقوقية، مجرد "أضرار جانبية" للحرب، بل جزءا من معركة على الرواية والذاكرة والهوية. فحين تُدمر الجامعات والمتاحف ودور العبادة، ويتم قتل هذا العدد الضخم من الصحفيين، تصبح الحرب موجهة أيضا ضد قدرة المجتمع الفلسطيني على توثيق ذاته وحماية سرديته التاريخية. ولهذا يكتسب توصيف الأمم المتحدة لتدمير التراث الثقافي أهمية خاصة، لأنه يربط بين التدمير المادي ومحاولة محو الوجود الرمزي والثقافي الفلسطيني، وهي قضية تتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي.


وفي فصل خاص، سلط التقرير الضوء على ما جرى في شمال غزة بين تشرين الأول/أكتوبر 2024 وكانون الثاني 2025، معتبرا أن المنطقة شهدت نموذجا مكثفا للسياسات الإسرائيلية في القطاع.


فخلال تلك الفترة، فرض جيش الاحتلال الإسرائيلي حصارا كاملا على شمال غزة، ومنع دخول الغذاء والماء والمساعدات، بالتزامن مع أوامر إخلاء متكررة وقصف واسع للمنازل والمستشفيات. وتشير التقديرات إلى مقتل ما بين 2300 و5000 فلسطيني هناك، بينما أصبحت المنطقة شبه غير قابلة للحياة.


ورأى التقرير أن العملية العسكرية بدت وكأنها تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي دائم، بما يرقى إلى التطهير العرقي.


وفي المقابل، لم يعف التقرير الفصائل الفلسطينية المسلحة من المسؤولية، إذ أكد أن هجمات السابع والثامن من تشرين الأول 2023 تضمنت استهدافا مباشرا للمدنيين واحتجاز رهائن وإطلاق صواريخ عشوائية، وهي أفعال ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية.


وأشار التقرير إلى أن الرهائن الذين أطلق سراحهم تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب والتجويع والعنف الجنسي والعزل الانفرادي، فيما قتل بعضهم خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية.


كما انتقد التقرير أداء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، متهما أجهزتها الأمنية باستخدام القوة المفرطة والاعتقال التعسفي والتعذيب ضد معارضين وصحفيين ونشطاء حقوقيين.


ويعكس التقرير الأممي تحولا متزايدا داخل المؤسسات الدولية تجاه توصيف ما يجري في الأراضي الفلسطينية، خصوصا مع تكرار الإشارات إلى الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والضم القسري. ورغم أن الأمم المتحدة لا تملك أدوات تنفيذ مباشرة، فإن تراكم هذا النوع من التقارير يضع أساسا قانونيا وسياسيا لتحركات مستقبلية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. كما أنه يزيد الضغوط على الحكومات الغربية الداعمة لإسرائيل، التي باتت تواجه أسئلة متزايدة حول مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في استمرار الحرب، خصوصا في ظل الدعوات الأممية لوقف تصدير السلاح ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.


وفي ختام التقرير، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إسرائيل إلى الالتزام بقرارات محكمة العدل الدولية لمنع الإبادة الجماعية، ورفع الحصار عن غزة، ووقف التهجير القسري والقتل غير القانوني والتعذيب، والسماح بعودة النازحين.


كما دعا جميع الأطراف إلى وقف احتجاز الرهائن والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، بينما طالب الدول بوقف نقل الأسلحة إلى إسرائيل والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية.