يشبه لبنان متحفاً حيّاً للطوائف، وفسيفساء مذهبية فريدة من نوعها في محيطه العربي. وقد اتسم تاريخه بالتداخل بين الدين والسياسة، والصراعات على النفوذ وحفظ الهوية، ما جعل منه حالةً فريدةً في الشرق الأوسط، أو ربما استثناءً تاريخياً في تشكيله الطائفي المتنوّع الذي يتجاوز الصورة التقليدية لطوائفه الكبرى المعروفة، والتي لعبت أدواراً محورية منذ استقلاله، مروراً بالحرب الأهلية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الطائف. إذ تختزن ذاكرة هذا البلد الصغير تنوعاً مذهلاً لطوائف ومذاهب، بقي بعضها مجهولاً للكثيرين، تُشكّل جزءاً لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي والثقافي والتاريخي. وفي ظلّ تجاهل إعلاميّ معتاد، بقيت هذه الطوائف في الظلّ، رغم ما تحمله من إرث غنيّ وقصص غير مروية، ودورٍ لا يُستهان به في تشكيل الهُوية اللبنانية، والتأثير على المشهد السياسي والاجتماعي.
من هنا، يخصص سلسلة مقالات بعنوان "لبنان متحف طوائف الشرق الأوسط" ويتحدث في هذه الحلقة عن طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، في محاولةٍ جادةٍ وعميقة لإلقاء الضوء على هذه الطائفة وغيرها من الطوائف، واستكشاف خصائصها وتاريخها وتراثها، والتعرف إلى الدور الذي لعبته وتلعبه اليوم في الواقع اللبناني، بعيداً من الصور النمطية والأحكام المسبقة. هذه السلسلة ليست مجرد بحثٍ معرفي، بل هي جولةٌ بين مكوّنات مجتمعٍ زاخر بالتنوع، لا يزال رغم صراعاته قادراً على البقاء كأحد أغنى نماذج التعددية في الشرق الأوسط.
تُشكل طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان حالة فريدة في الفسيفساء اللبنانية والمشرقية. فهي الطائفة التي ولدت من رحم انشقاقٍ كنَسي عام 1724، لتعيد وصْل ما انقطع بين الشرق البيزنطي والغرب اللاتيني، حاملةً لقب "الملَكيّين" الذي يشير تاريخياً إلى التمسك بمرجعية الفاتيكان مضيفةً إليه البُعد "البيزنطي" المتّحد بالإمبراطورية الرومانية الشرقية.
ولا يُقاس ثقل هذه الطائفة في لبنان بديمغرافيتها العددية فحسب، بل بنوعية حضورها الثقافي، الاقتصادي، والسياسي، حيث عُرفت تاريخياً بأنها "طائفة المدن" والنخبة المثقفة والبورجوازية التي ساهمت في صياغة "الفكرة اللبنانية". هذا المقال يبحث في عمق التكوين الاجتماعي والثقافي للطائفة، مروراً بأبرز رجالاتها ومؤسساتها، وصولاً إلى تحوّلات دورها السياسي من الاستقلال إلى ما بعد الطائف، وانتهاءً باستشراف مستقبلها في ظل التحولات الوجودية.
الخصائص الاجتماعية والدينية
نشأت طائفة اليوم الملكيين الكاثوليك نتيجة انقسامٍ داخل الكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية في دمشق عام 1724. سببُ الانقسام كان انتخاب بطريرك جديد للكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية، ورفض بعض الأساقفة أن يُنتخب البطريرك الذي فضّل الاستقلال عن روما. فاختار بعض رجال الدين والشعب التحالف مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فنشأت بذلك الطائفة الملكية الكاثوليكية التي تجمع بين الطقس البيزنطي والولاء للبابا في روما.
وتحمل صفة "الملكية" (من الكلمة اليونانية "Melkāyā) التي تعني "المؤيدون للملك والمقصود به هو السلطة العليا للبابا في روما أو في بعض السياقات الأصلية سلطة الإمبراطور البيزنطي قبل سقوط الإمبراطورية.
في التاريخ الحديث، في لبنان تحديداً، تميّزت طائفة الروم الكاثوليك عن سائر المكونات المسيحية والإسلامية في لبنان بكونها تحمل فكراً يتقاطع فيه الشرق والغرب وتجتمع فيه الهويات والثقافات المسيحية، وهذا ما سمح لأبناء الطائفة بلعب الدور الوسيط في التجارة والسياسة والدبلوماسية خلال مختلف المراحل من تاريخ لبنان.
دينياً، هي كنيسة مشرقية الجذور، بيزنطية الطقس، عربية اللغة الليتورجية، وكاثوليكية الانتماء (تابعة لكرسي روما). وهذا المزيج جعلها جسراً ثقافياً بين التراث الشرقي والحداثة الغربية إذ لم تتخلَ الكنيسة عن طقوسها الشرقية وأيقوناتها، لكنها انفتحت باكراً على الإرساليات الغربية والعلوم الحديثة، مما أكسب أبناءها مرونة فكرية وقدرة عالية على التكيف.
اجتماعياً، يُطلق باحثون في علم الاجتماع السياسي اللبناني على الروم الكاثوليك وصف "طائفة المدُن" أو "الأرستقراطية المدينية" إذ تمركز أبناؤها في المدن الكبرى خلافاً للموارنة والدروز الذين تمركزوا تاريخياً في الجبال والأرياف الوعرة. ولأن الروم الكاثوليك استوطنوا المدن برز تجمّعهم الأكبر في مدينة زحلة (التي توصف بعاصمة الكثلكة في الشرق)، وفي العاصمة بيروت، وصيدا، وصور. هذا التمركز الحضَري دفع أبناء الطائفة نحو ممارسة المهن الحرة، كالتجارة، الصيرفة، والعمل الدبلوماسي، بدلاً من الزراعة.
ثقافياً، لعب الروم الكاثوليك دوراً طليعياً في "عصر النهضة العربية". استفادوا من حماية القناصل الغربيين ومن البعثات التعليمية لروما، فكانوا رواداً في الطباعة والصحافة والترجمة. تعتبر مطبعة "دير المخلص" في الشوف (تأسست أوائل القرن الثامن عشر) من أوائل المطابع العربية، وساهمت الرهبانيات الكاثوليكية (المُخلِّصية، الشويرية، والحلبية) في نشر التعليم والمخطوطات. هذه الخلفية أنتجت مجتمعاً يتسم بالليبرالية الاقتصادية، الانفتاح الثقافي، وتعدد اللغات، مما جعلهم "مهندسي العلاقات" على أنواعها بين لبنان والعالم الخارجي.
وارتبط تاريخ لبنان الحديث ارتباطاً عضوياً بشخصيات كاثوليكية تركت بصمات لا تُمحى في هوية الكيان ومؤسّساته. إذ لا يمكن الحديث عن "الميثاق الوطني" والدستور اللبناني من دون التوقف مطولاً عند ميشال شيحا. شيحا، المفكر والمصرفي والسياسي، يتحدّر من عائلة جذورها عراقية سريانية كاثوليكية لكنها استقرت في لبنان حيث انتمت إلى طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، ويُعتبر شيحا "أبو الدستور اللبناني" ومُنَظّر "لبنان بلد الأقليات المتشاركة" وشكّلت فلسفته حول الاقتصاد الحرّ والعيش المشترك العقيدة السياسية للبنان قبل الحرب الأهلية وبعدها.
إلى جانب شيحا، برز هنري فرعون، السياسي المخضرم الذي لعب دوراً حاسماً في معركة الاستقلال، ويُنسب إليه تصميم العلم اللبناني بشكله الحالي. وتميّزت عائلة تقلا (سليم وفيليب تقلا) في السلك الدبلوماسي والخارجية، حيث أرسوا قواعد الدبلوماسية اللبنانية. وفي زحلة، شكلت زعامة آل سكاف (جوزيف سكاف ومن ثم إلياس سكاف) ثقلاً سياسياً وازنًا حافظ على خصوصية المدينة كمعقل مسيحي وكاثوليكي في البقاع.
كنسياً، يُعتبر البطريرك غريغوريوس الثاني يوسف (القرن التاسع عشر) والبطريرك مكسيموس الرابع صايغ من العمالقة. إذ لعب الأخير دوراً ثورياً في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) مدافعاً عن حقوق الكنائس الشرقية واستقلاليتها واستخدام اللغة العربية في الطقوس، رافضاً "اللتننة" (فرض الطقس اللاتيني). ولا يمكن إغفال المطران غريغوار حداد، المعروف بـ"مطران الفقراء" أو "المطران الأحمر"، الذي أسس "الحركة الاجتماعية" وطرح مفاهيم علمانية سابقة لأوانها أثارت جدلاً واسعاً.
على صعيد المؤسسات، تملك الطائفة شبكة واسعة من الصروح التي تتجاوز خدمتها أبناء الطائفة ومنها:
1 ـ المؤسسات الدينية والكنسية:
ـ بطريركية الروم الملكيّة الكاثوليكية في بيروت: هي مقر البطريرك حيث يجري الاشراف على شؤون الرعايا في لبنان والعالم.
ـ الرعايا والكنائس المنتشرة في مناطق بيروت، صيدا، زحلة، حاصبيا، وطرابلس.
ـ دير مار أنطونيوس، دير مار الياس: من أكبر الأديرة التي تُشرف على النشاط الروحي والتعليم الديني.
2 ـ المؤسسات التعليمية:
مدارس مدنية، مدارس بطريركية: هذه المدارس تقدم التعليم العام وفق المناهج اللبنانية، مع تعزيز القيم الدينية والثقافة المسيحية الشرقية.