وأضاف أن الإشكال الأكبر يظل مرتبطا بالفرشات المائية الباطنية، مؤكدا أن تعبئتها تتطلب سنوات طويلة بسبب الاستنزاف الحاد الذي تعرضت له خلال فترات الجفاف، والذي كان سببه في جانب كبير منه عوامل بشرية أكثر منها مناخية أو طبيعية.
بين التفاؤل الذي يعبر عنه المزارعون والقرويون، والحذر الذي يفرضه الواقع المناخي والبنيوي يتبادر سؤال: هل يكون لهذه الأمطار الغزيرة انعكاس فعلي على القطاع الزراعي وبالتالي الاقتصاد الوطني؟ أم أنها مجرد انفراج ظرفي سرعان ما يتبدد مع أول موجة جفاف جديدة؟
ويشكل القطاع الزراعي ركيزة أساسية للاقتصاد المغربي، إذ يسهم بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر فرص عمل لأكثر من 40% من السكان.
وبالنسبة للخبير الاقتصادي ورئيس المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة رشيد الساري، فإنه من السابق لأوانه تقييم الموسم الزراعي، إذ لا يمكن الحكم على الموسم قبل بلوغ مارس/آذار المقبل، للنظر في تطور سقوط الأمطار خلال الأشهر المقبلة.
وأوضح في حديث أن هناك سيناريوهين محتملين:
الأول، وهو السيناريو المتفائل في استمرار سقوط الأمطار إلى حدود مارس/آذار المقبل، ما قد يفضي إلى موسم زراعي مهم يتجاوز فيه إنتاج الحبوب متوسط 70 مليون قنطار.
وفي إطار هذا السيناريو ينتظر ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي إلى ما بين 5% و5.7 %، مدفوعا بتحسن القيمة الفلاحية المضافة وبلوغ نسب ملء السدود ما بين 55 و60%.
أما السيناريو الثاني، وفق الساري، فإنه يفترض أن تكون هذه الأمطار ظرفية وغير مستمرة خلال الأشهر المقبلة، وفي هذه الحالة لا يمكن الحديث عن قيمة فلاحية كبيرة ولا عن معدلات نمو مرتفعة، معتبرا أن الرهان على معطيات آنية يظل محفوفا بالمخاطر.
وأشار الساري إلى أن المعطى الإيجابي على المدى القريب يتمثل في توفر احتياطي مائي مهم، غير أنه عاد ليؤكد أن الأمطار الحالية على الرغم من أهميتها، تبقى ظرفية، ولا يمكن التعويل عليها وحدها للحكم على مستقبل الموسم الزراعي أو الأداء الاقتصادي بشكل عام.
من جهته، دعا الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، إدريس الفينة، إلى عدم التقليل من أهمية الأمطار الأخيرة، موضحا أنها حسنت بشكل ملموس وضعية التربة، وأنعشت الغطاء النباتي، ورفعت آمال المزارعين في الموسم الزراعي.
وأشار إلى أن الثلوج تشكل مخزونا مائيا إستراتيجيا سيسهم تدريجيا في تعزيز الموارد المائية خلال فصل الربيع، خاصة بعد سنوات من الإجهاد المائي الحاد.
وأوضح الفينة أن الجفاف في المغرب ليس حادثا عابرا، بل نتيجة تراكم عوامل هيكلية من بينها التغير المناخي، واختلالات تدبير الموارد المائية، ونموذج فلاحي كثيف الاستهلاك للماء، إضافة إلى الضغط الديمغرافي المتزايد، وهو ما يجعل موسما مطريا واحدا غير كاف للإعلان عن نهاية الجفاف.
وتحدث عن الانعكاسات الإيجابية للأمطار لا سيما على القطاع الزراعي، حيث يُرتقب تحسن المردودية، وانعكاس ذلك إيجابا على النمو الاقتصادي وعلى الطلب الداخلي، خصوصا في الوسط القروي.
ورأى الفقنة تحسن المراعي قد يخفف الضغط على مربي الماشية ويحد جزئيا من ارتفاع كلفة الأعلاف، ويسهم في استقرار أسعار بعض المواد الغذائية، مشددا على أن هذه الآثار تبقى رهينة باستمرار سقوط الأمطار.
وبلغة الأرقام، يتوقع الفينة أن يسهم سقوط الأمطار الأخيرة في استحداث ما بين 120 و180 ألف فرصة عمل موسمية في الزراعة والأنشطة المرتبطة بها، وتحسين المراعي وخفض كلفة الأعلاف بنحو 20% إلى 30%.
كما ينتظر أن ترفع الأمطار من الناتج الإجمالي للقرى بما بين 8 و12 مليار درهم (2.2 إلى 3.3 مليارات دولار) خلال سنة واحدة، وتقلص الهشاشة والفقر في البادية بنحو 1 إلى 1.5 نقطة مئوية، مع تهدئة مؤقتة للهجرة من البوادي بنسبة تتراوح بين 15 و25%.
غير أن الفينة أكد أن هذه المكاسب تظل هشة في غياب سياسات عمومية قادرة على تحويل التحسن المناخي إلى أثر اجتماعي مستدام.