واشنطن – سعيد عريقات
يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإطلاق واحدة من أكثر المبادرات الدبلوماسية إثارة للجدل ، وذلك في المنتدى الإقتصادي في دافوس، عبر تنظيم مراسم توقيع ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، الهيئة الدولية الجديدة التي تسعى واشنطن إلى تقديمها كمرجعية بديلة لإدارة النزاعات العالمية، وفي مقدمتها المرحلة الثانية من خطة ترمب للسلام في غزة. إلا أن هذه الخطوة، التي يُراد لها أن تكون استعراضًا للقيادة الأميركية، تبدو محاطة بتردد دولي واسع وتشكيك متزايد في أهدافها الحقيقية.
وبحسب دعوة رسمية جرى تداولها وتأكيد صحتها من قبل مسؤول أميركي، من المقرر أن تُعقد مراسم التوقيع يوم الخميس في الساعة العاشرة والنصف صباحًا، بحضور محدود من القادة والمسؤولين، في توقيت لا يخلو من الدلالات السياسية. فاختيار دافوس، بوصفه منصة اقتصادية عالمية، يعكس رغبة الإدارة الأميركية في ربط السلام بالحوكمة والاستثمار، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول غياب الغطاء المؤسسي الدولي الأوسع.
يشار إلى أن القلق الدولي لا ينبع فقط من طبيعة المجلس الوليد، بل من الطريقة التي تسعى بها واشنطن إلى تقديمه. فبينما رُوّج للمجلس في بداياته كآلية للإشراف على إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب، جاء الميثاق النهائي – الذي اطلعت عليه وسائل إعلام دولية – خاليًا تمامًا من أي إشارة مباشرة إلى غزة، ومشحونًا بانتقادات مبطنة للأمم المتحدة، معتبرًا أن المؤسسات القائمة «فشلت مرارًا» وتحتاج إلى بديل أكثر "جرأة".
وقد وُجهت دعوات الانضمام إلى عشرات الدول، بينها قوى كبرى وإقليمية، من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. وأكد عدد من القادة تلقيهم الدعوة، إلا أن الردود تراوحت بين التحفظ والصمت، في مؤشر على حجم التردد في منح هذه المبادرة شرعية سياسية مبكرة. وتبرز إسرائيل كحالة خاصة، إذ تلقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الدعوة، لكنه عبّر علنًا عن امتعاضه من تركيبة "المجلس التنفيذي لغزة"، ولا سيما إشراك تركيا وقطر في أدوار محورية.
وبحسب المراقبين، لم يبقَى هذا الامتعاض الإسرائيلي في الإطار الدبلوماسي، بل تُرجم إلى اتصالات مباشرة مع واشنطن، عبّر خلالها نتنياهو عن "مفاجأة" تل أبيب بالصيغة التي أُعلن بها المجلس التنفيذي. ورغم محاولته التقليل من نفوذ قطر وتركيا علنًا، إلا أن الوقائع تشير إلى أن هذا المجلس سيكون الجهة المشرفة فعليًا على إدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب، ما يضع إسرائيل أمام معادلة جديدة لم تكن في حسبانها.
في موازاة ذلك، كشفت تقارير إسرائيلية عن تجاهل حكومة نتنياهو مطالب أميركية بإعادة فتح معبر رفح، في خطوة تعكس حجم التباين بين الطرفين حول تنفيذ خطة ترمب ذات العشرين نقطة. وتبرر إسرائيل موقفها بربط أي خطوة ميدانية بنزع سلاح حماس واستعادة جثة آخر رهينة، في حين ترى واشنطن أن تعطيل المعبر يقوض المسار السياسي الأوسع.
على الصعيد الدولي، شكّل البند المالي في ميثاق مجلس السلام – الذي يشترط دفع مليار دولار للحصول على عضوية دائمة – نقطة اشتعال رئيسية. فقد أعلنت فرنسا صراحة رفضها هذا الشرط، معتبرة أنه يتعارض مع التزاماتها داخل الأمم المتحدة، في موقف عكسه تصريح وزير خارجيتها أمام البرلمان. مواقف مشابهة صدرت عن كندا وبولندا، وسط مخاوف من أن يتحول المجلس إلى نادٍ مدفوع الثمن يخضع لإرادة سياسية واحدة.
ولم يتردد ترمب في الرد بأسلوبه المعهود، ملوحًا بإجراءات تجارية عقابية بحق الدول المترددة، في خطاب زاد من حدة الانتقادات التي ترى في المجلس محاولة أميركية للالتفاف على النظام الدولي القائم، وليس إصلاحه. وفي هذا السياق، حذّر أكاديميون وخبراء من أن المبادرة قد تُفسَّر على أنها "استيلاء على السلطة" أكثر منها مشروع سلام جامع.
ويعكس إطلاق مجلس السلام من دافوس رؤية ترمب للعلاقات الدولية بوصفها صفقات تُدار بالقوة والنفوذ المالي، لا عبر التوافق المؤسسي. فاشتراط الدفع مقابل العضوية، ومنح الرئيس الأميركي سلطة شبه مطلقة في تشكيل المجلس وإقصاء أعضائه، يقوض أي ادعاء بالحياد أو التعددية. هذا النموذج قد يجذب بعض الدول الباحثة عن رضا واشنطن، لكنه ينفّر الغالبية التي ترى في الأمم المتحدة، رغم عيوبها، الإطار الشرعي الوحيد لإدارة السلم والأمن الدوليين.
في السياق الفلسطيني، يبدو مجلس السلام محاولة لإعادة هندسة مرحلة ما بعد الحرب في غزة خارج المرجعيات التقليدية. غير أن تجاوز الأمم المتحدة، وتهميش الفاعلين المحليين، وفرض تركيبات تنفيذية مثيرة للجدل، ينذر بإعادة إنتاج أزمات الشرعية نفسها التي أفشلت مبادرات سابقة. فالسلام المستدام لا يُفرض من فوق، ولا يُدار عبر مجالس مغلقة، بل يحتاج إلى قبول سياسي وشعبي حقيقي على الأرض.
أما دوليًا، فإن فتور الاستجابة لمبادرة ترمب يعكس إدراكًا متزايدًا بأن النظام العالمي يمر بمرحلة إعادة توازن، لا تسمح ببدائل أحادية للمؤسسات متعددة الأطراف. فحتى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة باتوا أكثر حذرًا من الانخراط في مشاريع قد تضعهم في مواجهة مباشرة مع التزاماتهم الدولية. وفي هذا المعنى، قد يتحول مجلس السلام إلى اختبار لحدود النفوذ الأميركي، لا إلى تتويج.