أقلام وأراء

الثّلاثاء 20 يناير 2026 1:43 مساءً - بتوقيت القدس

جسر الكرامة: حين يتحوّل المنفذ الوحيد إلى اختبار يومي للإذلال

 جسر الكرامة ليس مجرد معبر حدودي، بل هو المنفذ الوحيد لسكان الضفة الغربية إلى العالم الخارجي. ومع ذلك، تحوّل على مدار سنوات إلى مسرح يومي للإذلال المنهجي، حيث الطوابير الطويلة، الانتظار القاسي، غياب المعلومة، وانعدام الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، في كل رحلة خروج أو عودة يُجبر فيها الفلسطيني على اختبار صبره وكرامته معًا.
الأزمة في شكلها الحالي ليست طارئة ولا استثنائية، بل متكررة ومتجددة، وكأنها جزء من “الوضع الطبيعي” الذي يُراد تطبيعه. ساعات طويلة تحت الشمس أو البرد، كبار سن، مرضى، طلبة، وعائلات، جميعهم عالقون في معادلة واحدة: معبر بلا إدارة فعّالة، ولا محاسبة، ولا رؤية تخفف عن الناس عبء هذا الواقع القسري.
في الآونة الأخيرة، برز حراك واضح لمحاولة احتواء الأزمة، تمثل في مبادرات شخصية، وأصوات فردية، وتحركات لمؤسسات أهلية، إلى جانب جهود رسمية متأخرة. بعض هذا الحراك نابع من حرص وطني صادق، لكن بعضه الآخر لا يتجاوز كونه استجابة ظرفية لضغط الرأي العام. وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: لماذا نصل دائمًا إلى مرحلة “إدارة الأزمة” بدل حلّها؟ ولماذا لا تتحول هذه التحركات إلى سياسات دائمة تحمي كرامة المواطن؟
المؤسسات الأهلية والمبادرات الفردية تؤدي دورًا وطنيًا مهمًا، لكنها وُجدت لتكمل دور السلطة لا لتستبدله. حين تتحول هذه الجهات إلى الطرف الذي يضغط، وينسق، ويقترح الحلول في ملف سيادي وحساس، فهذا مؤشر خطير على خلل عميق في إدارة الشأن العام، وعلى انتقال منطق الحكم من الحل الجذري إلى إدارة المعاناة.
من هنا، لا يمكن فصل أزمة جسر الكرامة عما يجري في فلسطين عمومًا. فالنموذج الذي يُدار به هذا الملف يثير تساؤلات مشروعة حول ما يُطرح اليوم من أفكار تتعلق بإدارة غزة عبر لجان أو أطر إدارية بديلة. هل ما نراه في الضفة، من تعويم دور المؤسسات الأهلية والمبادرات الفردية في الملفات الخدمية والسيادية، هو مقدمة لتعميم نموذج مشابه في غزة بدل قيام السلطة الفلسطينية بدورها الكامل؟
وإذا كان معبر واحد، يمس حياة آلاف المواطنين يوميًا، يُدار بهذا الشكل المرتجل، فكيف يمكن الاطمئنان إلى نماذج إدارة تُطرح لمناطق منكوبة كغزة؟ المسألة هنا ليست في الأسماء أو الأطر، بل في الفلسفة: هل نريد إدارة وطنية قائمة على المسؤولية والمحاسبة، أم إدارة أزمات تُرحّل المشكلات وتدار بردود الفعل؟

من توصيف المعاناة إلى أسئلة الحل

لم تعد أزمة جسر الكرامة تحتمل مزيدًا من الوصف أو الشكوى. ما يغيب اليوم هو طرح حلول واضحة وجريئة، وتحويلها إلى مطالب رسمية ثابتة لا لبس فيها.
أولى هذه الحلول هي العمل على مدار 24 ساعة. فجسر الكرامة ليس معبرًا ثانويًا، ومعظم المعابر بين الدول تعمل ليلًا ونهارًا لتخفيف الضغط وتنظيم الحركة. فلماذا لا يكون هذا مطلبًا فلسطينيًا واضحًا؟ ولماذا يُترك المواطن رهينة ساعات محدودة تتكدس فيها آلاف الحالات الإنسانية؟
الحل الثاني يتمثل في إعادة فتح ملف العبور بالسيارة. إجبار المسافر على ترك سيارته والتنقل بين الحافلات والنقاط المختلفة ليس إجراءً تنظيميًا، بل شكل آخر من أشكال الإذلال. السماح بالعبور بالسيارة، ولو ضمن ترتيبات واضحة، من شأنه أن يقلل الضغط ويحفظ كرامة الإنسان.
أما الحل الثالث، فيكمن في وجود إدارة فلسطينية فاعلة للملف، لا تكتفي بالتنسيق عند الانفجار، بل تضع خطة دائمة، وتعلن مطالب محددة، وجدولًا زمنيًا، وتتحمل مسؤولية المتابعة والمساءلة. فالأزمات لا تُحل بالمبادرات الموسمية، بل بقرار سياسي وإداري واضح.
أزمة جسر الكرامة تكشف أكثر مما تخفي. إنها اختبار حقيقي لدور السلطة، ولمكانة المؤسسات الأهلية، ولمستقبل نموذج الحكم الفلسطيني. فإما انتقال حقيقي من إدارة المعاناة إلى إنهائها، أو بقاء الجسر رمزًا لعجز سياسي وإداري، يُدار بالحد الأدنى الممكن، بينما يُطلب من الفلسطيني أن يتحمل ما لا يُحتمل.
في الختام، لا تتركوا المواطن الفلسطيني عرضة لابتزاز الأزمات، ولا رهينة لخدمات “الفي آي بي” وغيرها من الحلول الطبقية التي لا تخفف المعاناة بل تعمّق الإذلال، وتحوّل السفر من حق إنساني إلى عبء نفسي ومالي، وتُكرّس الفجوة بين كرامة المواطن وخطاب المسؤولية. الكرامة لا تُشترى، والحقوق لا تُدار بالاستثناءات، بل بسياسة عادلة تحمي الجميع دون تمييز.

دلالات

شارك برأيك

جسر الكرامة: حين يتحوّل المنفذ الوحيد إلى اختبار يومي للإذلال

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.