في عام 2015، انضمت دولة فلسطين إلى 193 دولة في اعتماد خطة التنمية المستدامة لعام 2030، والتي تضم 17 هدفاً رئيسياً تهدف إلى خلق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للبشرية. لكن واقع هذه الأهداف في فلسطين يتسم بتعقيد فريد، حيث تسير جهود التنمية جنباً إلى جنب مع تحديات إنسانية وسياسية ووجودية كبرى، تجعل من تحقيق هذه الأهداف معركة وجودية أكثر منها عملية تنموية تقليدية.
في خضم هذا الواقع المعقد، يبرز قطاع الطاقة المتجددة كأحد أبرز المداخل لتحقيق التنمية المستدامة، ليس فقط باعتباره هدفاً قائماً بذاته (الهدف السابع: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة)، ولكن أيضاً كأداة استراتيجية لتحقيق أهداف أخرى مثل الأمن الغذائي (الهدف الثاني)، والصحة (الهدف الثالث)، والتعليم (الهدف الرابع)، والنمو الاقتصادي (الهدف الثامن)، والعمل المناخي (الهدف الثالث عشر). فهل استطاعت فلسطين استثمار هذه الأداة التنموية المهمة؟ وكيف أثرت التحديات الهيكلية في ذلك؟
الإطار النظري: أهداف التنمية المستدامة والطاقة كرافعة للتنمية
تقوم أهداف التنمية المستدامة على ثلاث ركائز أساسية: البعد الاجتماعي، والبعد الاقتصادي، والبعد البيئي. وتندرج ضمن إطار خمسة مبادئ حاكمة تعرف (المعروفة بـ 5Ps) :الناس لإنهاء الفقر ، الكوكب لحماية الموارد ، الازدهار لضمان حياة مزدهرة ، السلام لتعزيز المجتمعات السلمية ، والشراكات لتنفيذ الأهداف. ويشكل مبدأ "عدم ترك أحد خلف الركب" جوهر هذه الأهداف، بحيث تستهدف الفئات الأكثر تهميشاً وضعفاً أولاً.
في هذا الإطار، لا يمثل الهدف السابع (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة) غاية في حد ذاته، بل هو رافعة أساسية لتحقيق الأهداف الأخرى. فالطاقة المتجددة تساهم في توفير الكهرباء للمستشفيات (الهدف الثالث)، وتشغيل آبار المياه (الهدف السادس)، وتمكين الصناعات المحلية (الهدف التاسع)، وتعزيز صمود المجتمعات الريفية (الهدف الحادي عشر). هذا التشابك يجعل من قطاع الطاقة مرآة تعكس حالة التنمية في أي بلد، وفي فلسطين تحديداً، تعكس معاناة القطاع واقع التنمية الهشة.
فلسطين وأهداف التنمية المستدامة: التزام رغم التحديات
انخرطت فلسطين في نظام أهداف التنمية المستدامة كدولة عضو فاعلة، وتجسد هذا الالتزام في خطط وطنية وشراكات دولية على الرغم من التحديات الاستثنائية. تجلى ذلك في مواءمة الخطط الوطنية مع هذه الأهداف، كما في الخطة الاستراتيجية المخصصة لفلسطين (2023-2028) لبرنامج الأغذية العالمي[1]، والمشاركة الفاعلة في المبادرات الإقليمية مثل مبادرة الشرق الأوسط الخضراء[2]، إضافة إلى جهود "توطين" الأهداف عبر تكييفها مع السياق المحلي كما في برنامج Habitat الخاص بفلسطين (2023-2026)[3].
واقع التنمية على الأرض: هشاشة مزمنة في سياق صعب
يمكن وصف واقع التنمية المستدامة في فلسطين بأنه "هشاشة مزمنة"، حيث تتحقق مكاسب تنموية هنا وهناك، لكنها تبقى مهددة بالانهيار بسبب تركيبة التحديات السياسية والاقتصادية والمالية.
التحدي السياسي يظل العائق الهيكلي الأكبر، حيث يسيطر الاحتلال على 60% من مساحة الضفة الغربية (منطقة ج)، مما يحرم الفلسطينيين من الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية، ويجعل التخطيط المكاني مجرد أحلام على ورق. الاستيطان والتوسع المستمر يقوضان أي إمكانية لتنمية متكاملة، ويعطلان الأهداف المرتبطة بالبنية التحتية والصناعة والغذاء.
التحدي المالي يتمثل في أزمة خانقة تفاقمت بسبب حرب غزة وتراجع الدعم الخارجي، وحجز الاحتلال لمستحقات السلطة الوطنية من أموال المقاصة، مما أدى إلى تراجع الخدمات الأساسية وتعثر مشاريع تنموية كبرى وزيادة الاعتماد على المساعدات الطارئة على حساب التنمية طويلة الأمد، وتفاقم البطالة والفقر.
على الأرض، يعيش قطاع غزة أوضاعاً كارثية حيث دمرت 85% من البنية التحتية[4]، وتحولت التنمية إلى جهود إغاثة طارئة حيث يواجه 96% من السكان (2.1 مليون نسمة) مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد . ويعتمد أكثر من 95% من الأسر على المساعدات الإغاثية للبقاء على قيد الحياة[5] .
أما في الضفة الغربية، فيتواصل التآكل في مقومات الصمود بسبب الاستيطان[6] المتسارع وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، مع بطالة مرتفعة بلغت 27.5% [7]وتدهور في الخدمات الأساسية.
فاعلية الحكومة الفلسطينية: تخطيط متقدم وتنفيذ محدود
تمتلك الحكومة الفلسطينية هيكلاً مؤسسياً متقدماً على مستوى التخطيط، يتجسد في تشكيل فريق وطني للتنمية المستدامة يضم 24 مؤسسة حكومية، وتشكيل مجموعات عمل تضم شركاء غير حكوميين والقطاع الخاص، وتطوير أنظمة إحصائية لرصد مؤشرات التنمية. لكن الفجوة واسعة بين هذا التخطيط والتنفيذ الفعلي، حيث تبقى خطط جيدة على الورق لا تتحول إلى خدمات ملموسة بالسرعة والجودة المطلوبتين، خاصة في المناطق المهمشة.
الانقسام السياسي بين الضفة وغزة يشل القدرة التنفيذية الموحدة، وضعف التنسيق الأفقي يحول دون وصول مؤسسات المجتمع المدني إلى صنع القرار أثناء التنفيذ. إضافة إلى ذلك، فإن غياب السيادة الكاملة، والاعتماد على التمويل الخارجي، وضعف الوعي المجتمعي لأهداف التنمية المستدامة، كلها عوامل تحد من فاعلية الأداء الحكومي وتجعل المبادرات التنموية مجزأة وغير مستدامة.
الطاقة المتجددة: رافعة التنمية في مواجهة المعيقات الهيكلية
إذا كانت أهداف التنمية المستدامة تمثل "الغاية"، فإن الطاقة المتجددة تمثل إحدى أهم "الوسائل" للوصول إليها. في فلسطين، يحمل هذا القطاع إمكانيات هائلة، لكنه يصطدم بنفس المعيقات الهيكلية التي تواجه التنمية بشكل عام.
تعكس الاستراتيجية الوطنية للطاقة (2025-2027) الصادرة عن سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية (PENRA) هذا الترابط العضوي بين قطاع الطاقة وأهداف التنمية المستدامة. فلم تعد الطاقة غاية في حد ذاتها، بل أصبحت أداة مركزية لتحقيق خطة التنمية الأوسع. الاستراتيجية تبني جسوراً واضحة بين أهدافها التشغيلية الثلاثة الكبرى وغايات الأمم المتحدة، مما يوفر إطاراً وطنياً لترجمة الطموح العالمي إلى نتائج ملموسة على الأرض، رغم التحديات [1].
الإمكانيات: مؤهلات طبيعية واعدة
تمتلك فلسطين مقومات طبيعية هائلة للطاقة المتجددة، مع أكثر من 300 يوم مشمس سنوياً ومعدل إشعاع شمسي يصل إلى 5.6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع [2]، مما يؤهلها لأن تكون رائدة في هذا المجال. هذه الإمكانيات لو استثمرت في كافة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة بالشكل الأمثل، لكانت قادرة على توفير طاقة نظيفة لكافة للمستشفيات والمدارس، وتشغيل مشاريع زراعية، وخلق فرص عمل، وتعزيز صمود المجتمعات المحلية.
الإسهام المحدود: أسباب وعوامل
لكن إسهام الطاقة المتجددة في تحقيق التنمية المستدامة يظل محدوداً لعوامل أهمها:
أولاً: معيقات مرتبطة بالاحتلال، وتشمل انعدام وجود شبكة نقل وطنية ذات الجهد العالي نتيجة الرفض الإسرائيلي (باعتبارها أحد مظاهر السيادة على البنية التحتية)، والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي في المناطق (ج) المؤهلة لبناء محطات ذات قدرات متوسطة، وازدواجية المعايير التي ترفض المشاريع الفلسطينية بينما تمنح المستوطنات موافقات سريعة وتعرفات تفضيلية.
ثانياً: معيقات بنيوية داخلية، مثل ضعف شبكات الكهرباء المحلية وعدم ترابطها (حالة جزرية)، وعدم تأهلها لربط مشاريع ذات بعد استراتيجي، إضافة إلى التدمير الشامل لشبكات الكهرباء ومشاريع الطاقة الشمسية في قطاع غزة. وتشير التقديرات الأولية إلى محدودية قدرة الشبكات الكهربائية القائمة على استيعاب الطاقة المستهدفة في الخطة الوطنية، مما يستلزم العمل على توسعة وتطوير شبكات التوزيع وبناء نظام النقل الكهربائي، إضافة إلى الإدراج الإلزامي لتقنيات تخزين الطاقة في المشاريع الجديدة. وتقدر كلفة تأهيل الشبكات في الضفة الغربية بحوالي 150 مليون دولار، وبناء قدرات تخزينية بـ 150 مليون دولار إضافية [2].
ثالثاً: معيقات مؤسسية ومالية، تتمثل في ضعف البيئة التشريعية وتداخل الصلاحيات، ومحدودية التمويل والحوافز للمستثمرين.
وتتوزع هذه المعيقات بشكل غير متساوٍ بين أنواع الطاقة المتجددة المختلفة. ففي مجال طاقة الرياح، تشكل "القيود الأمنية من الجانب الإسرائيلي" العائق الأكبر، إضافة إلى محدودية الخبرات الفنية المحلية وصعوبة توفر المناطق ذات سرعات الرياح المجدية اقتصادياً، علماً أن المواقع المناسبة غالباً ما تفتقر إلى شبكات كهربائية قادرة على الاستيعاب [2].أما بالنسبة لـ محطات الطاقة الشمسية المركزة (CSP)، فإن التحدي يتمثل في حاجتها لاستثمارات كبيرة جداً (حيث لا تقل قدرة المحطة الواحدة المجدية اقتصادياً عن 50 ميجاواط)، وتتركز المواقع المناسبة لها في المناطق المصنفة (ج)، مما يخلق عائقاً كبيراً أمام الحصول على التراخيص اللازمة ونقل الطاقة المنتجة [2].
حلول محلية واعدة: Micro-grid كنموذج للصمود التنموي
في المقابل، تشكل مشاريع Micro-grid (الشبكات الصغيرة جدا) الحل المناسب والأمثل في الظرف الفلسطيني الراهن بسبب تعذر وجود أنظمة مركزية كبيرة. التجارب الميدانية في المناطق الريفية أثبتت جدواها في توفير الكهرباء للمنازل وضخ المياه للزراعة وتحسين الأمن الغذائي، بفترة استرداد رأس مال مناسبة مقارنة باستخدام المولدات.
هذه المشاريع تمثل نموذجاً عملياً للربط بين الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة، حيث تساهم بشكل مباشر في تحقيق الهدف الثاني (الأمن الغذائي) عبر توفير الطاقة لضخ المياه الزراعية، والهدف الثالث (الصحة) عبر تشغيل العيادات الريفية، والهدف الرابع (التعليم) عبر إنارة المدارس، والهدف الثامن (العمل اللائق) عبر خلق فرص عمل محلية.
الفجوة بين الطموح والواقع في قطاع الطاقة
وضعت الحكومة الفلسطينية أهدافاً طموحة، أبرزها الوصول إلى 30% من مصادر الطاقة المتجددة من الاستهلاك النهائي للطاقة الكهربائية بحلول عام 2030 [2]. وتترجم الخطة الوطنية للطاقة المتجددة (2025-2030) هذا الطموح إلى أرقام محددة، حيث تستهدف إضافة 1430 ميجاواط من مصادر الطاقة المتجددة المتنوعة، ليبلغ إجمالي القدرات المركبة حتى العام 2030 حوالي 1730 ميجاواط ،بما يشمل 300 ميجاواط تم إنجازها قبل الخطة [2]. وتشكل الطاقة الشمسية الكهروضوئية المكون الرئيسي لهذه الخطة، باستهداف إضافة 1300 ميجاواط (أي ما نسبته 91% من الهدف العام)، تليها الطاقة من المخلفات (60 ميجاواط)، والطاقة الشمسية المركزة (50 ميجاواط)، وطاقة الرياح (20 ميجاواط). [2]
وفي إطار سعيها لتحقيق الأمن الطاقي، تحدد الاستراتيجية الوطنية للطاقة (2025-2027) الهدف الاستراتيجي الأول بـ "تحقيق الأمن الطاقي من خلال تنويع مصادر الطاقة واستدامتها". ويترجم هذا الهدف إلى نتائج محددة ترتبط مباشرة بغايات الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG 7) الخاص بـ "الطاقة النظيفة وبأسعار معقولة [1].
لكن الواقع يشير إلى أن القدرة الإجمالية للألواح الشمسية لا تتجاوز 300 ميجاواط (حوالي 5-6% من الاستهلاك الكلي) [2]، وهو تقدم ملحوظ لكنه بعيد عن الهدف الاستراتيجي.
هذه الفجوة تعكس الفجوة الأكبر بين التخطيط والتنفيذ التي تعاني منها عملية التنمية بشكل عام، وتؤكد أن قطاع الطاقة ليس بمعزل عن التحديات الهيكلية التي تواجهها الدولة. تُظهر استراتيجية سلطة الطاقة (2025-2027) والخطة الوطنية (2025-2030) مدى دقة التخطيط الوطني ومواءمته مع المعايير الدولية. إلا أن هذه الوثائق، بطبيعتها كخطط وطنية، تفترض وجود سيادة كاملة على الموارد والقدرة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى. هنا تبرز الفجوة بين ما هو "مخطط" في الاستراتيجيات وما هو "ممكن" على الأرض في ظل التحديات السياسية. فبينما تطمح الاستراتيجية إلى مشاريع ربط إقليمي وتوسيع شبكات النقل، يبقى تنفيذها رهناً بموافقات الاحتلال على الأراضي في المناطق (ج) وإمكانية استيراد المعدات، مما يجعل من هذه الوثائق خريطة طريق لـ"صمود تنموي"[8] في انتظار توفر الإرادة السياسية لتحقيقها.
الآثار الاقتصادية والبيئية المتوقعة
تحمل الخطة الوطنية للطاقة المتجددة في طياتها آثاراً اقتصادية وبيئية كبيرة. فعلى المستوى الاقتصادي المباشر، تقدر الاستثمارات المباشرة لتنفيذ الخطة بحوالي 1.493 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات في التخزين والبنية التحتية [2]. وتساهم هذه الاستثمارات في تقليل الاستنزاف السنوي لمقدرات الشعب الفلسطيني لصالح الموردين غير المحليين، حيث تشكل الطاقة الكهربائية المستوردة حالياً ما نسبته 5-5.5% من الناتج المحلي الإجمالي [2].
أما الآثار غير المباشرة، فتشمل خفض الفاقد الفني الذي تفرضه شركة الكهرباء الإسرائيلية (والذي يصل أحياناً إلى 8%)، وخفض كلفة الإنتاج على المنشآت المحلية، وتوفير فرص عمل جديدة، ونشوء صناعات محلية مساندة، وفتح آفاق جديدة للتمويل الأخضر في فلسطين [2].
وعلى الصعيد البيئي، سيساهم تنفيذ الخطة في تجنب انبعاث حوالي 1,965,600 طن سنوياً من غاز ثاني أكسيد الكربون بحلول نهاية عام 2030، مما يعزز التزام فلسطين بالاتفاقيات الدولية الخاصة بتغير المناخ والمساهمات المحددة وطنياً [2] (NDC)...
استمرارية السياسات: بين الضمان القانوني والتحديات التنفيذية
يوفر قرار بقانون رقم (14) لسنة 2015 بشأن الطاقة المتجددة وتعديلاته إطاراً قانونياً مؤسسياً، كما أن وجود هيئات مستقلة (سلطة الطاقة، مجلس التنظيم، شركة النقل وشركات التوزيع) يشكل ضمانة نسبية لاستمرارية العمل.
لا يقتصر دور الاستراتيجية على الجانب الفني فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب المؤسسية والحوكمة. فالهدف الاستراتيجي الثالث يركز على "تحديث الإطار القانوني الناظم وتحسين البيئة الاستثمارية للقطاع". وهذا البعد يحمل في طياته ارتباطاً وثيقاً بتحقيق غايات الهدف السابع [1].
فمن خلال "تحديث القوانين والأنظمة"، تسعى السلطة إلى خلق بيئة جاذبة للاستثمار، وهو شرط أساسي لزيادة "قدرة توليد الطاقة المتجددة المنشأة" وتحسين "كفاءت الطاقة". كما أن النتائج المتعلقة بـ "خفض صافي الإقراض لقطاع الكهرباء وتحسين كفاءة التحصيل" تهدف إلى ضمان الاستدامة المالية للقطاع، وبالتالي "استدامة" تقديم الخدمات للمواطنين، وهو ما يتماشى تماماً مع مبدأ "عدم ترك أحد خلف الركب[1].
وتعتمد الخطة بشكل كبير على استثمارات القطاع الخاص والمانحين الدوليين، حيث تشير التقديرات إلى أن تنفيذ الجزء الأكبر منها سيكون عبر استثمارات مباشرة من القطاع الخاص، إضافة إلى مساهمة المانحين عبر برامج التمويل الأخضر والكفالات والضمانات (مثل برنامج البنك الدولي بقدرة 20 مليون دولار، والذي يسعى للوصول إلى 80 مليون دولار) [2] .كما تجري سلطة الطاقة مفاوضات مع صندوق المناخ الأخضر (GCF) للحصول على منح لمشاريع كبرى[2]. إلا أن هذا الاعتماد على التمويل الخارجي يبقى أحد نقاط الضعف التي تهدد استمرارية السياسات إذا تغيرت أولويات المانحين.
لكن البيئة التشريعية لا تزال تعاني من غموض يخلق مساحة لتفسيرات مختلفة، وضعف في الحوكمة والتنسيق المؤسسي، وغياب أهداف رقمية ملزمة أو آليات مساءلة واضحة. إضافة إلى ذلك، فإن سيطرة الاحتلال تشكل "الفيتو" الخارجي الذي يعطل التنفيذ بغض النظر عن قوة القانون محلياً، مما يعيد التأكيد على أن تحدي التنمية في فلسطين هو في الأساس تحدي سيادي.
قطاع غزة: انهيار شامل وتحول التنمية إلى إغاثة وجودية
يشكل قطاع غزة الحالة الأكثر تطرفاً في معادلة الهشاشة المزمنة التي تعاني منها فلسطين، حيث تحولت التنمية المستدامة من هدف استراتيجي إلى رفاهية مستحيلة في ظل الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية للطاقة. فقبل السابع من أكتوبر 2023، كان القطاع يعاني أصلاً من عجز مزمن في الطاقة، حيث كان يعتمد على 120 ميجاواط مستوردة من إسرائيل ووقود لتشغيل محطة التوليد الوحيدة، لتغطية طلب يقدر بنحو 600 ميجاواط [3] . لكن العدوان الأخير حوّل هذا العجز المزمن إلى انهيار كامل، حيث دُمرت شبكات الكهرباء ذات الجهد المتوسط بنسبة 80% (800 كم)، والمنخفض بنسبة 60% (2000 كم)، كما طال الدمار حوالي 80% من الألواح الشمسية المنزلية و85% من المشاريع التجارية [3].
هذا التدمير الممنهج للبنية التحتية للطاقة أفقد 2.1 مليون فلسطيني القدرة على تأمين أبسط مقومات الحياة. فبعد أن كانت الأسر تستهلك 200-300 كيلوواط/ساعة شهرياً، انخفض الاستهلاك إلى أقل من 50 كيلوواط/ساعة، مع اعتماد شبه كامل على بطاريات السيارات وأنظمة شمسية صغيرة غير كافية. [3] وحسب تصنيف "الإطار متعدد المستويات" (MTF) لقياس جودة الطاقة، فإن أكثر من 90% من الأسر في غزة تقع في المستويين " 0 و1، أي أنها لا تحصل على كهرباء سوى لأقل من 4 ساعات يومياً" ،حسب هذا المعيار، وبما لا يكفي إلا لشحن الهاتف أو إنارة بسيطة [3]. ويعتمد 73% من السكان على بطاريات هواتفهم المحمولة كمصدر رئيسي للإضاءة في ظل انعدام التيار العمومي [3] .
أما كارثة الطاقة في غزة فتتجلى بأبشع صورها في قطاع الطهي، حيث تحولت معاناة تأمين وجبة دافئة إلى صراع يومي على البقاء. فبينما كانت أسرة واحدة تستهلك 15-20 كغم من غاز الطهي (LPG) شهرياً قبل الحرب، أصبحت نفس الكمية من الغاز (8 كغم) تكفي لـ40-60 يوماً، مما اضطر 86% من الأسر إلى العودة لطرق طهي بدائية وخطيرة كالمواقد الطينية والطبخ على الحجارة [3]. والمشهد الأكثر مأساوية هو لجوء العائلات إلى حرق الأخشاب المنقولة من ركام المباني، أو حتى شراء النفايات البلاستيكية خصيصاً لحرقها كوقود للطهي، مما يعرضهم لسموم خطيرة ويؤكد تحول أزمة الطاقة إلى أزمة إنسانية وجودية [3]. وتشير البيانات إلى أن ربع الأسر فقط كانت قادرة على إعداد وجبة ساخنة واحدة يومياً خلال فترة المسح، بينما حُرمت نسبة كبيرة من إعداد أي وجبة ساخنة على الإطلاق [3] .
إن معادلة التنمية في غزة قد انقلبت رأساً على عقب. فبدلاً من الحديث عن أهداف تنموية كبرى، أصبح الحديث يدور حول استعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي تمكن الإنسان من العيش بكرامة. التعافي في غزة لا يبدأ بتحقيق الهدف السابع (الطاقة النظيفة)، بل يبدأ بإعادة تشغيل خطوط التغذية الكهربائية الأساسية، والسماح بإدخال آلاف الأطنان من الغاز والوقود، وتأمين الألواح الشمسية الصغيرة والبطاريات كحلول إغاثية عاجلة. وهذا ما تؤكده توصيات تقرير NORCAP الذي يشدد على ضرورة التعامل مع الطاقة كأولوية إنسانية قصوى، وليس كملف تقني ثانوي [3]. غزة اليوم تقدم أقسى دليل على أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل انعدام السلام، وأي حديث عن أهداف 2030 يبقى معلقاً حتى يتم وقف العدوان والحرب بصورة كاملة وإعادة بناء ما دمر.
خلاصة: التنمية المستدامة كصراع وجودي
في الختام، يمكن القول إن العلاقة بين التنمية المستدامة والطاقة المتجددة في فلسطين هي علاقة عضوية تعكس واقعاً معقداً. فالطاقة المتجددة، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية، تتحول هي نفسها إلى ضحية لنفس المعيقات التي تعيق التنمية.
نحن أمام معادلة صعبة: نحاول بناء مستقبل مستدام في ظل احتلال يعمل على تقويض كل مقومات هذا المستقبل. المكاسب التنموية التي تتحقق، سواء في قطاع الطاقة أو غيره، هي بمثابة "صمود تنموي" أكثر منها تنمية بالمعنى الكلاسيكي. تجربة مشاريع Micro-grid في المناطق الريفية تقدم نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التحديات إلى فرص، عبر حلول محلية مبتكرة تعزز صمود المجتمعات.
الحكومة والمؤسسات الفلسطينية تبذل محاولات جادة، وتسعى لمواءمة الخطط الوطنية مع أهداف التنمية المستدامة، وتُظهر استراتيجياتها الوطنية مثل استراتيجية الطاقة (2025-2027) والخطة الوطنية للطاقة المتجددة (2025-2030) مدى شمولية هذا التخطيط ومواءمته مع المعايير الدولية، لكن الأداء التنموي الشامل يبقى محدوداً لأن القرار النهائي في كثير من الملفات التنموية ليس بأيدينا. يبقى الرهان الأكبر على إرادة الشعب الفلسطيني وشراكاته الدولية وقدرته على ابتكار طرق جديدة للتكيف والصمود، إلى أن تتوفر الإرادة السياسية الدولية ويتوج النضال الوطني الفلسطيني بإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال والسلام العادل والشامل الذي يعد شرطاً أساسياً لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة الأخرى، وفي مقدمتها الهدف السابع المتعلق بالطاقة النظيفة.
الهوامش
[1] سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية (PENRA ):الاستراتيجية الوطنية للطاقة (2025-2027). فلسطين.
[2] سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية (PENRA) :الخطة الوطنية للطاقة المتجددة في فلسطين (2030-2025).. فلسطين.
[3] Helbig, F., Al-Kaddo, H., & Onsager, J. E. (2025). *Restoring Dignity: The Urgent Need for Energy Access in Gaza - 2025 Energy Assessment for Gaza: Humanitarian Operations and Household Needs*. Shelter Cluster (Palestine), NRC and NORCAP.
[1] State of Palestine- country strategic plan (2023 - 2028), revision |04|-WFP [2] مبادرة الشرق الأوسط الأخضر هي مبادرة إقليمية تقودها المملكة العربية السعودية بهدف الحدّ من تأثيرات تغير المناخ على المنطقة، والعمل المشترك لتحقيق أهداف العمل المناخي العالمي. ومن خلال توسيع التعاون الإقليمي وإنشاء بنية تحتية كفيلة بخفض الانبعاثات وحماية البيئة [3] Palestine Habitat Country Programme Document (2023-2026) [4] الإحصاء الفلسطيني - بيان صحافي بمناسبة اليوم العالمي للإحصاء الذي يصادف العشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2025 [5] الإحصاء الفلسطيني – نفس المصدر [6] رقم قياسي.. 28 ألف وحدة استيطانية جديدة بالضفة في 2025 - الجزيرة [7] الإحصاء الفلسطيني [8] ""الصمود التنموي" مصدره الأساسي هو المزج بين النضال الوطني الفلسطيني (الثبات على الأرض) وأدوات التنمية الحديثة (التمكين الاقتصادي، بناء المؤسسات، والحماية الاجتماعية)