علينا تدارك الفتن قبل السقوط الكبير الذي ينتظرنا، إذا ما بقينا على هذه الهشاشة وهذه البلاهة، التي تُحتكم فيها القضايا الكبرى لمقاولي السوشيال ميديا، وأصحاب الهمبقات الذين يبثون في الأوقات الصعبة الراهنة شرَّ الفتن، ويتوقّفون عند هفوات البعض؛ لينهالوا بمنشوراتهم الفارغة في إطار تأجيج الرأي العام وخلق حالة رمادية غير مفهومة المآلات، وسط ما نعيشه من ظروف استثنائية وواقعٍ صعبٍ في كل الاتجاهات. وأمام القضايا الكبيرة التي تعصف بأمتنا العربية ومنطقتنا، تخرج بعض الأصوات الهابطة بلا منطق لتعلو وتعلن شرَّ الفرقة، وترشّ الملح على جرحنا النازف.
يقول صاحبي القصة مش رمانة، القصة القلوب مليانة. وأقول حتى لو كانت القلوب مليئة بالحقد والضغينة فهذا ليس وقتها وليس زمانها.
الشعور بالضعف والعجز طيلة عامين ونصف، أخرج الكثير من بلهاء الندرة في عالمنا العربي، أولئك الذين لا تعرف لهم موقفًا، ولا تدري عقولهم من أي مشارب تستقي الأفكار الرخوة، والتي الهدف منها واضح ويلتقي مع ما قاله صديقي حول الرمانة.
حالة اشتباك تطفو على السطح لا هو زمانها ولا مكانها، والحقيقة أنها ليست موجة فكرية يمكن تتبعها، أو حالة وجدانية يمكن تقصي أثرها، بل هي إمعان في زرع الضغينة من جهة، والفتنة من جهة أخرى. وأما الفتنة فنائمة لعن الله من أيقظها، ورحم الله من أخمدَها وأطفأها.
وفي هذا السياق فإن المواقف هذه الأيام تخضع لتأثير ماكينات إعلامية ضخمة تفتح الهواء على مدار الساعة لتغرق المشهد بتحليلات فوضوية غير قائمة على الحقيقة، بل على أنصاف الحقيقة من أجل تلويث الرأي العام والتأثير على الأفكار النامية وفق أجندات رديئة غير بريئة، الأمر الذي يجعل البعض يسقط في فخاخ ضلال العبثية المتساوقة مع أهداف ونوايا تابعة لأجندات تسهم في تعزيز العبث وقلب الحقيقة وتشويه المواقف، وهؤلاء ليسوا في دوائر الاتهام بل في زوايا السذاجة، لهذا من المهم التعامل معهم على قاعدة أنهم ضُلِّلوا وغرقوا في المنطقة الرمادية، ومن الواجب إنقاذهم بدلًا من الهجوم عليهم.
عالم اللامنطق يجعل التعامل مع كافة القضايا على قاعدة الاستقواء، وممارسة العربدة الفكرية، وفرط من الأكاذيب التي تنتشر كالنار في الهشيم، ويصبح التراشق الأعمى من خلال تغريدات التواصل الاجتماعي حالة عصبية وقبلية غير مفهومة ولا محمودة العواقب.
ما من أحد يمكن أن يكون ضد حرية التعبير، فالإنسان بغريزته يسعى إلى الحرية ويلعن التبعية والعبودية، وهي حاجة أساسية لكل كائن بشري سوي السلوك والعاطفة، ولكن الحرية ليست حالة من الشتم والتخوين والفجور الفكري، والدين الكاذب والفكر الكاذب واللغة البذيئة، ولا هي حالة مزاجية طارئة، بل هي انبعاث قيمي حضاري طارد للعبودية وحافظ لديناميكية تطور المجتمع وهيبة الإنسان وتقدمه.
إن عالمنا العربي يعيش حالة من الارتباك والاشتباك، ذلك أن ما يعصف بمنطقتنا ثمنه باهظ ونتائجه خطيرة، ولا أحد يمكنه التنبؤ بمصائر هذه الحرب المستعرة ونتائجها على منطقتنا العربية وعلى قضيتنا الوطنية الفلسطينية، وارتداداتها الإقليمية والدولية. وما من غرابة أن يحدث كل ما يحدث من تقزيم المقزم وتقسيم المقسم وبث الفرقة وتدليس المواقف والزج بقضايا هامشية على حساب القضايا الرئيسية والمصيرية.
أقلام وأراء
الأحد 29 مارس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
ضباب الحقيقة وتضليل الوعي