فلسطين

الأربعاء 11 فبراير 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

موسكو تحذر من تقويض اتفاق أوسلو وتدين قرارات الاحتلال في الضفة الغربية

وجهت وزارة الخارجية الروسية انتقادات حادة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، مطالبة إياها بالتراجع الفوري عن قراراتها الأخيرة التي تستهدف تغيير الواقع القانوني والمدني في أراضي الضفة الغربية المحتلة. وأكدت موسكو أن هذه التحركات تمثل تصعيداً خطيراً يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

وعبرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، عن قلق بلادها العميق إزاء تعزيز أنشطة التفتيش والرقابة الإسرائيلية في المناطق التي تتبع إدارياً للسلطة الفلسطينية. ووصفت زاخاروفا هذه الخطوات بأنها خروج صريح عن أحكام اتفاق 'أوسلو الثاني' الموقع في عام 1995، مما يستوجب إدانة دولية واسعة.

وأوضحت المصادر الدبلوماسية الروسية أن محاولات فرض الرقابة والإنفاذ الإسرائيلي على المناطق المصنفة 'أ' و'ب' تعد ضربة قاصمة لفرص تحقيق السلام العادل. وأشارت إلى أن هذه الإجراءات تقوض بشكل مباشر أسس حل الدولتين وتعرقل الوصول إلى تسوية نهائية للقضية الفلسطينية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

تأتي هذه التحذيرات في أعقاب إقرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر 'الكابينت' منح صلاحيات واسعة لهدم الممتلكات الفلسطينية ومصادرتها في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية. ويتذرع الاحتلال بحماية البيئة ومكافحة البناء غير المرخص لتمرير هذه السياسات التي تنهي عملياً مفاعيل الاتفاقيات الموقعة سابقاً.

ويرى مراقبون أن هذا التحول يمهد الطريق لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية وتحويلها إلى جيوب معزولة ومحاصرة. ويهدف هذا المشروع الاستيطاني المتسارع إلى تهجير الفلسطينيين وتغيير الديموغرافيا في المنطقة، مما يقود العملية السياسية إلى طريق مسدود لا تحمد عقباه.

وفي سياق متصل، رصدت التقارير تصاعداً غير مسبوق في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية بالضفة الغربية منذ الثامن من أكتوبر 2023. حيث أسفرت عمليات القتل الممنهج عن استشهاد ما لا يقل عن 1112 فلسطينياً، بالإضافة إلى إصابة الآلاف بجروح متفاوتة وتدمير واسع في البنية التحتية.

كما شنت قوات الاحتلال حملات اعتقال واسعة طالت أكثر من 21,000 مواطن فلسطيني، في ظل توسع استيطاني محموم يلتهم مزيداً من الأراضي. وتؤكد هذه المعطيات حجم التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني في ظل صمت دولي ومحاولات إسرائيلية لفرض واقع جديد بقوة السلاح.

عربي ودولي

الأربعاء 11 فبراير 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

العليمي: أي تسوية مع الحوثيين تفتقر للضمانات التنفيذية ستقود اليمن لموجة عنف جديدة

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، على أن أي مساعٍ للسلام مع جماعة الحوثي لا تستند إلى ضمانات تنفيذية واضحة ستؤدي حتماً إلى تجدد الصراع المسلح في البلاد. وأوضح العليمي خلال لقاء جمعه بوفد من المعهد الأوروبي للسلام في الرياض أن اليمنيين يطمحون إلى استقرار طويل الأمد يحافظ على كيان الدولة ولا يمنح شرعية لمشاريع العنف.

واعتبر العليمي أن جماعة الحوثي لا تمثل طرفاً سياسياً في نزاع تقليدي، بل هي جماعة عقائدية منغلقة تتبنى مشروعاً قائماً على التمييز السلالي وادعاء الحق الإلهي في السلطة. وأشار إلى أن هذا النهج يتنافى تماماً مع مبادئ المواطنة المتساوية، مما يجعل أي اتفاقات لا تعالج هذه الجذور هشة وقابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي.

وحدد رئيس مجلس القيادة مجموعة من الشروط الجوهرية لضمان نجاح أي تسوية سياسية مستقبلاً، وفي مقدمتها تفكيك البنية العسكرية والعقائدية للمليشيات الحوثية. كما دعا إلى ضرورة تضمين الدستور والقانون اليمني نصوصاً صريحة تجرم الطائفية والعنصرية، لضمان عدم العودة إلى الممارسات التي تسببت في تمزيق النسيج الاجتماعي اليمني.

وفي سياق متصل، أكد العليمي على أهمية منع شرعنة الأمر الواقع الذي فرضته القوة العسكرية، مطالباً المجتمع الدولي بتقديم دعم حقيقي لمؤسسات الدولة على المستويين الاقتصادي والأمني. ولفت إلى أن تجاوز هذه المتطلبات الأساسية يعني الدخول في دوامة جديدة من النزاع، مستشهداً بالدروس المستفادة من التجارب الدولية التي أثبتت فشل السلام الهامشي.

من جانبه، أطلق المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، دعوة جديدة لتكثيف الجهود الرامية للدفع بعملية سياسية شاملة يقودها اليمنيون بأنفسهم. وأكد غروندبرغ في بيان رسمي استمرار تحركاته الدبلوماسية مع مختلف الأطراف المحلية والإقليمية لتعزيز مسارات الحوار والعمل على خفض التصعيد الميداني في مختلف الجبهات.

وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه 'خارطة الطريق' التي أعلنت عنها الأمم المتحدة في نهاية عام 2023 تراوح مكانها دون تنفيذ فعلي على أرض الواقع. وكانت تلك الخارطة تهدف إلى إرساء وقف شامل لإطلاق النار وتحسين الأوضاع المعيشية المتردية، إلا أن تبادل الاتهامات بين الحكومة والحوثيين حال دون تحقيق تقدم ملموس في هذا المسار.

يُذكر أن اليمن يعيش حالة من التهدئة النسبية منذ أبريل 2022، رغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب التي اندلعت قبل أكثر من عقد من الزمان. وقد تسببت السيطرة الحوثية على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 في اندلاع واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وسط محاولات دولية مستمرة لإنهاء الانقسام السياسي والعسكري.

عربي ودولي

الأربعاء 11 فبراير 2026 10:36 صباحًا - بتوقيت القدس

جدل حول الدبلوماسية الإماراتية هند العويس بعد ظهور اسمها في وثائق 'إبستين'

أقدمت الدبلوماسية الإماراتية هند العويس على حذف حسابها الرسمي عبر منصة 'إكس'، في خطوة جاءت عقب موجة من الجدل الواسع إثر ورود اسمها في مئات الوثائق المرتبطة بملفات الممول الأمريكي الراحل جيفري إبستين. وأفادت مصادر بأن المراسلات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية كشفت عن علاقة تواصل بين العويس وإبستين خلال فترة عملها في بعثة بلادها لدى الأمم المتحدة بنيويورك بين عامي 2010 و2012.

وتشير الوثائق المسربة، التي يقدر عددها بنحو 469 وثيقة، إلى وجود لقاءات متكررة جمعت الطرفين في مقر إقامة إبستين، تخللها تبادل لرسائل ودية وهدايا، بالإضافة إلى مناقشات حول مشاريع مشتركة وطلبات تتعلق باستشارات قانونية ومالية. وقد أثارت هذه الكشوفات انتقادات حادة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما دفع الدبلوماسية التي تشغل منصب مديرة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات إلى الانسحاب من الفضاء الرقمي.

وفي سياق متصل، ربط مراقبون بين هذا الجدل وصدور قرار من الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد بإعادة تشكيل مجلس أمناء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان. إلا أن المعطيات الرسمية تؤكد أن العويس لم تكن أصلاً ضمن تشكيل المجلس السابق، وأن التغيير الذي ترأسه سالم سهيل سعيد النيادي جاء كإجراء قانوني روتيني بعد انقضاء الدورة القانونية للمجلس والمحددة بأربع سنوات وفق التشريعات المحلية.

يُذكر أن هند العويس تُعد من الشخصيات الدبلوماسية البارزة، حيث كانت أول إماراتية تتبوأ منصب مستشار أول في المقر الرئيسي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، قبل أن تتولى مهامها الحالية في متابعة قضايا حقوق الإنسان والتنسيق مع المنظمات الدولية من داخل الإمارات.

فلسطين

الأربعاء 11 فبراير 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة كوشنر لنزع سلاح غزة: تسليم الصواريخ والاحتفاظ بـ 'الخفيف' مؤقتاً

كشفت تقارير صحفية أمريكية عن ملامح خطة أعدتها إدارة الرئيس دونالد ترامب تهدف إلى نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة. وتقضي المسودة بمطالبة الحركة بتسليم كافة الترسانة العسكرية القادرة على استهداف العمق الإسرائيلي، مع إمكانية السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى من التنفيذ.

ويقود هذا المسار الدبلوماسي فريق رفيع المستوى يضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، وستيف ويتكوف المبعوث الخاص لبعثات السلام، بالإضافة إلى المسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف. ويهدف الفريق إلى عرض هذه الوثيقة رسمياً على قيادة حركة حماس خلال الأسابيع القليلة المقبلة لبدء نقاشات حول آليات التنفيذ.

وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه الخطة تمثل ركيزة أساسية في رؤية ترامب المكونة من 20 بنداً، والتي تهدف إلى إنهاء الصراع في غزة وإرساء قواعد أمنية جديدة. وأكدت المصادر أن التفاصيل الواردة في المسودة الحالية لا تزال قابلة للتعديل بناءً على المشاورات الجارية مع الأطراف الإقليمية والوسطاء.

من جانبه، صرح المتحدث باسم البيت الأبيض ديلان جونسون بأن الإدارة الأمريكية تتوقع من حماس التجاوب مع متطلبات نزع السلاح لضمان نجاح خطة الاستقرار. وأشار جونسون إلى أن واشنطن تعمل بتنسيق وثيق مع الوسطاء لتوفير إطار أمني متين يدعم ازدهار القطاع على المدى الطويل.

وتستند المبادئ الحالية للخطة إلى العرض الذي قدمه كوشنر في منتدى دافوس الاقتصادي الشهر الماضي، والذي ركز على ضرورة إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً. كما تتضمن الخطة تسجيل الأسلحة الشخصية المتبقية تمهيداً لإنهاء المظاهر المسلحة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة للملف الأمني.

وتشير المعطيات إلى أن عملية نزع السلاح ستكون تدريجية وقد تمتد لعدة أشهر، حيث ترفض إسرائيل سحب قواتها من القطاع قبل التأكد من تجريد الفصائل من قدراتها القتالية. وتعتبر سلطات الاحتلال أن تدمير شبكة الأنفاق والبنية التحتية العسكرية شرط لا غنى عنه للانسحاب الكامل.

وبموجب المقترح الأمريكي، سيتولى 'مجلس السلام الجديد' الذي شكله ترامب الإشراف على المراحل اللاحقة التي تلي نزع السلاح. وتشمل هذه المراحل نشر قوة استقرار دولية في مختلف مناطق القطاع لضمان عدم عودة التوتر العسكري وتأمين عمليات الإغاثة.

كما تضع الخطة تصوراً شاملاً لإعادة إعمار قطاع غزة بالتوازي مع تسليم الإدارة المدنية للجنة تكنوقراط فلسطينية مستقلة. ويهدف هذا التوجه إلى فصل المسار الإنساني والتنموي عن الصراع العسكري المباشر، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات الدولية.

في المقابل، جاء الرد من جانب حركة حماس حازماً برفض أي مقترحات تمس سلاح المقاومة، حيث اعتبر خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة في الخارج أن هذه الطروحات تعبر عن رؤية إسرائيلية بحتة. وأوضح مشعل أن الحركة لن تقبل بإملاءات تهدف إلى تجريد الشعب الفلسطيني من أدوات الدفاع عن نفسه.

وأكد مشعل أن حماس أبلغت الوسطاء في قطر ومصر وتركيا بانفتاحها على مقاربات واقعية تعتمد على الضمانات الدولية والتهدئة طويلة الأمد. وشدد على أن أي اتفاق يجب أن يضمن حقوق الفلسطينيين ولا يقوم على مبدأ نزع السلاح الذي يخدم المصالح الأمنية للاحتلال فقط.

ورغم الفجوة الكبيرة بين الطرح الأمريكي وموقف المقاومة، إلا أن المصادر تشير إلى استمرار الجهود الدبلوماسية لتقريب وجهات النظر. ويبقى التحدي الأكبر في كيفية إيجاد صيغة تضمن الأمن دون المساس بالثوابت الوطنية الفلسطينية التي تتمسك بها الفصائل في غزة.

فلسطين

الأربعاء 11 فبراير 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

محافظة القدس تحذّر من إجراءات الاحتلال ضد المسجد الأقصى خلال شهر رمضان المقبل

 حذّرت محافظة القدس من القيود الممنهجة التي تعتزم سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرضها على وصول المصلّين من محافظات الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى المبارك خلال شهر رمضان، والتي تشمل تحديد سقف عددي لا يتجاوز عشرة آلاف مصلٍ يوم الجمعة، واشتراط فئات عمرية تقتصر على الرجال ممن تجاوزوا سن 55 عاماً والنساء فوق سن 50 عاماً، في انتهاكٍ صارخ لحرية العبادة التي كفلتها المواثيق والقوانين الدولية، ومحاولة لتحويل حق ديني أصيل إلى امتياز خاضع لاشتراطات أمنية تفرضها سلطة الاحتلال.


وأكدت المحافظة، في بيان صدر عنها الثلاثاء تعقيباً على توصيات جيش الاحتلال لما يسمى بوزير الأمن، أن هذه الإجراءات تشكّل جزءاً لا يتجزأ من مخطط تهويد القدس وأسرلتها وفصلها عن محيطها الفلسطيني، ومحاولة فرض وقائع أحادية الجانب بقوة الاحتلال تمسّ بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، مشددةً على أن جميع تدابير الاحتلال في القدس وضد مقدساتها الإسلامية والمسيحية باطلة ولاغية وغير شرعية بموجب القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.


وشدّدت محافظة القدس على أن شهر رمضان هو شهر عبادة خالص، ولا يحقّ لسلطات الاحتلال تحت أي ذريعة فرض الحواجز العسكرية والقيود والإجراءات التي تحول دون وصول المواطنين إلى المسجد الأقصى المبارك، لما يشكّله ذلك من تدخّل سافر في الشؤون الفلسطينية وتعدٍّ مباشر على صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية المشرفة على المسجد، وانتهاكٍ واضح لحرية العبادة وحق الوصول إلى أماكنها المقدسة.


كما حذّرت المحافظة من تصاعد دعوات جماعات “الهيكل” المتطرفة لحشد مزيد من المقتحمين إلى باحات المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، ولا سيما في العشر الأواخر منه، بالتوازي مع تصاعد سياسة الإبعاد التي ارتفع بموجبها عدد قرارات الإبعاد عن المسجد الأقصى إلى نحو 180 مبعداً منذ بداية العام الجاري، في استخدامٍ ممنهج للإبعاد كأداة قمعية تستهدف تفريغ الأقصى من روّاده وتقويض الرباط فيه.


وأشارت المحافظة إلى أنه، وفي الرابع عشر من شباط الماضي، أوصت ما تسمى لجنة الأمن في الكنيست الإسرائيلي شرطة الاحتلال بتقييد وصول المصلّين من محافظات الضفة الغربية إلى مدينة القدس للصلاة في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، بالتزامن مع إعلان استعدادات استباقية لمنع ما وصفته بـ“التحريض”، والشروع بحملات اعتقال واستدعاء وإبعاد طالت عشرات المقدسيين.


وجدّدت محافظة القدس مطالبتها المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة وهيئاتها المختصة والمؤسسات الحقوقية والدبلوماسية، بالتحرّك العاجل والفاعل لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية، بما يكفل حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة، وصون حرية العبادة وحق الوصول الآمن إليها دون قيود أو تمييز.

فلسطين

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

استحقاقات مؤجلة ... انتخابات "الوطني" و"الثامن" أمام اختبار المواعيد المقدسة


د. فادي جمعة: عقد المؤتمر الثامن حاجة ملحة لا تحتمل التأجيل لما تعانيه الحركة من حالة جمود تنظيمي وتراكم إشكالات داخلية منذ سنوات طويلة
عبد الغني سلامة: تقديم انتخابات المجلس الوطني على باقي الاستحقاقات يعكس أولوية سياسية تتعلق بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير
د. قصي حامد: إجراء انتخابات المجلس الوطني محاولة لإعادة تقديم السلطة أوراق اعتمادها للمجتمع الدولي وإثبات قدرتها على تنفيذ إصلاحات داخلية
محمد جودة: عقد مؤتمر فتح والمجلس الوطني يتزامن مع تحولات إقليمية ودولية تمس جوهر القضية وكذلك الضغوط المتزايدة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي
د. رائد الدبعي: الأولوية اليوم ليست الإسراع في تنظيم الانتخابات بل إعادة تعريف المشروع الوطني على أساس توافق شامل
محمد هواش: عقد المؤتمر الثامن هدفه تحديد الخيارات السياسية للحركة وتجديد هيئاتها القيادية وضخ دماء شابة بما يتلاءم مع تعقيدات المرحلة الراهنة


رام الله – خاص بـ"القدس" –

 تعود قضايا تجديد الشرعيات وإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني إلى الواجهة مجددًا، مع الإعلان الرئاسي عن مواعيد لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مايو/ أيار ، وإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، في لحظة سياسية شديدة التعقيد تتقاطع فيها تداعيات الحرب على قطاع غزة مع انسداد الأفق السياسي وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن هذه الخطوات تعكس محاولة لتحريك حالة الجمود التي أصابت مؤسسات التمثيل السياسي منذ سنوات، وإعادة الاعتبار للأطر التمثيلية، وفي مقدمتها منظمة التحرير، كما أن هذا التوجه يرافقه جدل واسع حول جدواه مع استمرار الانقسام، وغياب التوافق الوطني، وتعقيدات الاحتلال.



تحريك حالة الجمود بالنظام السياسي

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية د. فادي جمعة أن المرسوم الرئاسي المتعلق بتحديد مواعيد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، إلى جانب قرار عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، تشير إلى وجود إرادة فعلية لتحريك حالة الجمود بالنظام السياسي الفلسطيني، ومحاولة لإعادة الاعتبار لمسألة تجديد الشرعيات.
ويوضح جمعة أن هذه القرارات تعكس إدراكًا متزايدًا لدى صانع القرار الفلسطيني بأن استمرار غياب الاستحقاقات الديمقراطية، سواء على المستوى الوطني أو التنظيمي، بات عبئًا سياسيًا حقيقيًا على المشروع الوطني الفلسطيني، وأضعف قدرة المؤسسات القائمة، سواء كانت تنظيمية أو وطنية، على الاستجابة للتحديات الكبرى التي فرضتها التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب على قطاع غزة، إلى جانب التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
ويشير جمعة إلى أن الخطوة تحمل وعيًا متقدمًا بأهمية إعادة تفعيل الأطر التمثيلية الفلسطينية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في النظام السياسي.

إعادة بناء الثقة بين المجتمع الفلسطيني ومؤسساته

ويبيّن جمعة أن المسألة لا تتعلق بإجراء انتخابات بحد ذاتها، بقدر ما تتصل بإعادة بناء الثقة بين المجتمع الفلسطيني ومؤسساته، وتجديد أدوات العمل السياسي والتنظيمي بما يعزز مناعتها وقدرتها على الفعل.
ويرى جمعة أن الظروف، رغم تعقيدها، ليست مغلقة بالكامل لعقد الانتخابات والمؤتمر، محذرًا من أن انتظار ظروف مثالية قد يؤدي إلى تعطيل الاستحقاقات بدل إنجازها.
ويؤكد جمعة أن تحويل الاستحقاقات الانتخابية والتنظيمية إلى أدوات لإعادة بناء المشروع السياسي والوحدة الوطنية والمؤسساتية، يمثل خيارًا أكثر واقعية من استمرار تغييبها.
ويشدد جمعة على ضرورة الفصل بين انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والمؤتمر الثامن لحركة فتح، موضحًا أن انتخابات المجلس الوطني تمثل استحقاقًا وطنيًا شاملًا، يرتبط بإعادة تشكيل المؤسسة الأعلى في منظمة التحرير، التي تجسد التمثيل السياسي للفلسطينيين في الداخل والشتات، وتحمل أبعادًا سياسية وقانونية وتنظيمية معقدة. ويشير جمعة إلى أن هذا الاستحقاق يواجه تحديات حقيقية، أبرزها اتساع دائرة التمثيل الجغرافي، والقيود التي يفرضها الاحتلال، والحاجة إلى توافق وطني على آليات الانتخابات وقبول نتائجها، مؤكدًا أن هذه التحديات يجب أن تُدار بمقاربة سياسية مرنة لا أن تتحول إلى مبرر لتعطيل الاستحقاق.
ويدعو جمعة إلى التفاف وطني شامل حول منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمعترف بها دوليًا، معتبرًا أن هذا الالتفاف يشكل المدخل الأساسي لإعادة بناء مجلس وطني أكثر تمثيلًا، سواء عبر انتخابات مباشرة حيثما أمكن، أو من خلال صيغ توافقية تشرف عليها لجنة وطنية جامعة.

استحقاق تنظيمي لا يحتمل التأجيل

أما المؤتمر الثامن لحركة فتح، فيرى جمعة أنه يأتي في سياق مختلف، بوصفه استحقاقًا تنظيميًا داخليًا لا يخضع للتعقيدات ذاتها التي تواجه الانتخابات الوطنية.
ويوضح جمعة أن عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح حاجة ملحة لا تحتمل التأجيل لما تعانيه الحركة منذ سنوات من حالة جمود تنظيمي وتراكم إشكاليات داخلية، حيث أن المؤتمر هو الإطار الطبيعي لتجديد القيادة، وتحديث البرنامج السياسي، وضبط الخلافات عبر المؤسسات التنظيمية.

مواجهة المخاطر التي تهدد المشروع الوطني

وحول البواعث والسيناريوهات المتوقعة، يشير جمعة إلى أن الدوافع تشمل الحاجة لتجديد الشرعيات، ومواجهة المخاطر التي تهدد المشروع الوطني، والتعامل مع المتغيرات الميدانية وعلى رأسها الحرب على غزة، إلى جانب الضغوط الداخلية والخارجية للإصلاح والاستعداد لمرحلة سياسية مقبلة.
ويرى جمعة أن السيناريوهات تتراوح بين تقدم متوازٍ في المسارين التنظيمي والوطني، أو إنجاز جزئي، أو تعطيل مكلف سياسيًا، وصولًا إلى سيناريو ناضج يقوم على التفاف وطني شامل وإنهاء الانقسام.
ويؤكد جمعة أن نجاح هذه الاستحقاقات مرهون برؤية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس التمثيل وتجديد الشرعيات.

محطة بالغة الأهمية مع تداعيات الحرب على غزة

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة أن قرارات الرئيس الفلسطيني بتحديد موعد عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مايو /أيار المقبل، وإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر / تشرين الثاني من العام الجاري، تشكل محطة بالغة الأهمية في ظل التداعيات العميقة للحرب على قطاع غزة، وما أفرزته من تعقيد غير مسبوق في المشهد السياسي الفلسطيني.
ويوضح سلامة أن نتائج الحرب العدوانية على غزة أفضت إلى هزيمة عسكرية وسياسية انعكست مباشرة على الواقع الفلسطيني، حيث فقد الفلسطينيون، وللمرة الأولى منذ انطلاقة الثورة، قدرتهم على فرض رؤاهم الوطنية والتأثير في مسارات الأحداث، بل وحتى الاعتراض عليها، في ظل تراجع القرار الوطني المستقل لصالح هيمنة الولايات المتحدة وإسرائيل والوسطاء الدوليين.
ويشير سلامة إلى أن واشنطن وتل أبيب استثمرتا نتائج الحرب بوصفهما الطرف الأقوى، لدفع مخططات تصفية القضية الفلسطينية وفرض حلول سياسية منسجمة مع توجهات اليمين الإسرائيلي، لافتًا إلى أن قطاع غزة بات عمليًا تحت إدارة أميركية بالتوافق مع إسرائيل، فيما تتعرض السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية لضغوط متواصلة لتحييدها سياسيًا وتحويلها إلى مجرد إدارة خدماتية.

الإصلاحات كأداة ضغط

ويبيّن سلامة أن أداة الضغط الأساسية تمثلت في ما يسمى بـ"الإصلاحات" المفروضة على السلطة، معتبرًا أن أهمية قرارات الرئيس تكمن في تحويل هذه الإصلاحات من مطلب خارجي إلى استحقاق وطني داخلي طال انتظاره.
ويؤكد سلامة أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام استعادة المبادرة الفلسطينية، من خلال إنجاز الإصلاحات بقرار وطني مستقل، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

فتح وحمل عبء التمثيل الفلسطيني

ويشدد سلامة على أن حركة فتح تبقى الجهة الأقدر على حمل عبء التمثيل الفلسطيني وترميم شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، بحكم إرثها الوطني ومكانتها الشعبية، إلا أن ذلك مشروط بإجراء إصلاح داخلي شامل داخل الحركة.
ويعتبر سلامة أن المؤتمر الثامن لفتح لن يكون مجرد استحقاق تنظيمي عابر، بل اختبارًا وجوديًا يتطلب مراجعة نقدية شاملة، وتجديد الصف القيادي، والانتقال من مرحلة امتصاص الصدمات إلى مرحلة النهوض، عبر تقديم رؤية وطنية واضحة تقوم على استنهاض طاقات الشعب، وترتيب البيت الداخلي، واعتماد برنامج سياسي يرتكز على المواجهة والمقاومة الشعبية السلمية واستعادة ثقة الجماهير.
ويربط سلامة بين قرار عقد المؤتمر الثامن وقرار إجراء انتخابات المجلس الوطني، معتبرًا أن استعادة فتح لعافيتها التنظيمية سيمنحها موقعًا متقدمًا في أي انتخابات قادمة، بما يتيح لها مواصلة قيادة المشروع الوطني.

انتخابات المجلس الوطني أولوية سياسية

ويلفت سلامة إلى أن تقديم انتخابات المجلس الوطني على باقي الاستحقاقات يعكس أولوية سياسية، لما تحمله من دلالات تتعلق بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية واستنهاض الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ويوضح سلامة أن اعتماد التمثيل النسبي واعتبار فلسطين دائرة انتخابية واحدة يعزز التعددية السياسية ويشجع مشاركة الأحزاب الصغيرة، ويحد من النزعات الجهوية والعشائرية لصالح البرامج الوطنية، فضلًا عن ضمان تمثيل الشتات والمرأة والفئات المهمشة عبر نظام الكوتة.
ويؤكد سلامة أن منح الفصائل مهلة تسعة أشهر للاستعداد للانتخابات يعد فترة معقولة، وقد يفتح المجال لظهور قوى وتكتلات جديدة أكثر قدرة على الإسهام في رسم مستقبل فلسطين.

إثبات القدرة على تنفيذ الإصلاحات الداخلية

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة، د. قصي حامد، أن المرسوم الرئاسي بتحديد موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني يأتي في سياق سياسي أوسع، ولا يمكن قراءته كخطوة منفصلة، بل كاستكمال لسلسلة إجراءات سبقت، من بينها تعيين نائب للرئيس وإجراء تغييرات في بعض المناصب، بهدف تحديد مسارات المرحلة المقبلة في حال شغور منصب رئيس السلطة الفلسطينية وضمان استمرارية النظام السياسي.
ويوضح حامد أن هذه الإجراءات تحمل عدة أهداف رئيسية، أبرزها محاولة السلطة الفلسطينية إعادة تقديم أوراق اعتمادها للمجتمع الدولي، وإثبات قدرتها على تنفيذ إصلاحات داخلية، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها من أطراف دولية، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إضافة إلى إسرائيل.
ويعتبر حامد أن هذه الخطوات تمثل أيضًا محاولة لضخ دماء جديدة داخل بنية السلطة، وإظهار القدرة على قيادة عملية إصلاح حقيقية، ولا سيما في ظل تقديم قضايا فساد إلى المحاكم الفلسطينية كرسائل موجهة للخارج.

محاولة ترتيب البيت الداخلي

ويشير حامد إلى أن تنظيم انتخابات للمجلس الوطني يأتي في ظل تعثر إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، ما يدفع باتجاه منح المجلس الوطني دورًا تشريعيًا في النظام السياسي الفلسطيني.
ويلفت حامد إلى أن هذا التوجه يرتبط بمحاولة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني سياسيًا، وحصر الانتماء للنظام السياسي ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يتجلى في المرسوم الرئاسي الذي يشترط التزام المرشحين في أي انتخابات قادمة بتوجهات المنظمة والتزاماتها السياسية.

مساحات أكبر لقيادات فتحاوية شابة

وفيما يتعلق بعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يؤكد حامد أن ما يجري داخل الحركة ينسجم مع هذا السياق العام، إذ تواجه فتح مطالب متزايدة بإجراء إصلاحات داخلية، وإنتاج قيادات جديدة، ومنح مساحة أكبر للكوادر الشابة غير المرتبطة بقضايا فساد.
ويرى حامد أن المرحلة المقبلة تتطلب من الحركة أن تكون جاهزة لأي استحقاق انتخابي، مع تفادي الانقسامات والصراعات الداخلية، خصوصًا تلك المتعلقة بالمناصب العليا، وعلى رأسها منصب رئيس السلطة، في ظل حالة التذمر المتزايدة داخل قواعد الحركة بسبب تهميش القيادات الشابة.
إلا أن حامد يرى أن البيئة السياسية الفلسطينية الحالية لا تشكل أرضية خصبة لإعادة إحياء المشروع الوطني الفلسطيني، معتبرًا أن الخطوات الجارية تندرج ضمن مسارين أساسيين: تخفيف الضغوط الدولية عن السلطة الفلسطينية، ومحاولة إعادة تنظيم البيت الداخلي على أسس تضمن إحكام السيطرة على النظام السياسي.
ويؤكد حامد أن حصر معايير الترشح للمجلس الوطني ضمن شروط محددة قد يشكل حالة إقصاء لفئات فلسطينية أخرى لا تتوافق فكريًا مع منظمة التحرير.

أهمية التوافق الشامل على برنامج سياسي واحد

ويشدد حامد على أن المطلوب اليوم لا يقتصر على إجراء انتخابات شكلية، بل يستدعي توافقًا وطنيًا شاملًا على برنامج سياسي واحد، يلتزم به الجميع، قبل الذهاب إلى أي انتخابات.
ويرى حامد أن القضية الفلسطينية تمر بمحك وجودي يهدد الكيان السياسي برمته، في ظل مخاوف من نقل نموذج إدارة قطاع غزة إلى الضفة الغربية عبر لجان إدارية بديلة، ما قد يؤدي إلى تقويض ما تحقق من إنجازات باتجاه الدولة الفلسطينية.
ويؤكد حامد أن أي إصلاح حقيقي يبدأ بتوافق فلسطيني شامل، وليس بإجراءات منفردة قد تعمق الانقسام بدل معالجته.
محمد جودة: عقد مؤتمر فتح والمجلس الوطني يتزامنان مع تحولات إقليمية ودولية تمس جوهر القضية وكذلك الضغوط المتزايدة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي..

خطوتان تتزامنان مع تحولات إقليمية ودولية

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن المرسوم الرئاسي القاضي بتحديد موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بالتزامن مع قرار عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في الرابع عشر من مايو/ أيار المقبل، يأتيان في سياق سياسي فلسطيني شديد التعقيد، يتسم بانسداد سياسي ممتد وأزمة شرعية بنيوية تطال مؤسسات النظام السياسي، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ويوضح جودة أن هاتين الخطوتين تتزامنان مع تحولات إقليمية ودولية عميقة تمس جوهر القضية الفلسطينية، إلى جانب ضغوط متزايدة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي بما يتلاءم مع استحقاقات المرحلة المقبلة.

إعادة إنتاج الشرعية التمثيلية

ويرى جودة أن المرسوم الرئاسي يحمل دلالات سياسية مركزية، أبرزها السعي إلى إعادة إنتاج الشرعية التمثيلية عبر تجديد مؤسسات منظمة التحرير بعد سنوات من الجمود وغياب الآليات الديمقراطية، إضافة إلى إعادة الاعتبار للمنظمة كمرجعية سياسية في مواجهة محاولات تهميشها أو تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية أو دولية قادمة.
ويشير جودة إلى أن تحديد موعد انتخابات المجلس الوطني يعيد فتح النقاش حول العلاقة بين منظمة التحرير والفصائل غير المنضوية في إطارها، وما يترتب على ذلك من إعادة تعريف للتمثيل الوطني، خاصة في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.
ويشدد جودة على أن قرار عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يمكن فصله عن المرسوم الرئاسي، إذ يشكلان مسارين متوازيين ومتكاملين.

المؤتمر الفتحاوي استحقاق تنظيمي مؤجل

ويبيّن جودة أن المؤتمر الفتحاوي يمثل استحقاقًا تنظيميًا مؤجلًا يهدف إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للحركة ومعالجة مظاهر الترهل والانقسام، فضلًا عن ضبط التوازنات الداخلية قبل الدخول في استحقاق وطني بحجم انتخابات المجلس الوطني، بما يضمن حضورًا منضبطًا وفاعلًا للحركة داخل مؤسسات منظمة التحرير، وتكريس دورها القيادي في النظام السياسي الفلسطيني.
ورغم أهمية الخطوتين، يحذّر جودة من أن البيئة السياسية لا تزال تعاني من اختلالات جوهرية، أبرزها استمرار الانقسام، وغياب توافق وطني شامل على آليات الانتخابات، ولا سيما تمثيل فلسطينيي الشتات، إلى جانب القيود الإسرائيلية المحتملة، خاصة في القدس، وتراجع ثقة الشارع الفلسطيني بجدوى العملية السياسية.
ويشير إلى أن هذه التطورات تعكس محاولة لإعادة ضبط النظام السياسي الفلسطيني أكثر من كونها مسارًا مكتمل الأركان للإصلاح الشامل.
ووفقًا لجودة، فإن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين إجراء انتخابات جزئية أو شكلية، أو تأجيل غير معلن، أو توافق وطني محدود يفتح باب إصلاح تدريجي، وصولًا إلى انفراجة وطنية شاملة لكنها تبقى السيناريو الأضعف، مشدداً على أن نجاح هذه الخطوات مرهون بتوفر إرادة سياسية جامعة، وهو ما لا يزال غائبًا حتى اللحظة.

بنية النظام السياسي والمشكلة الجوهرية

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د. رائد الدبعي أن الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني تتجاوز مسألة تنظيم الانتخابات أو تحديد مواعيدها، مؤكداً أن المشكلة الجوهرية تكمن في بنية النظام السياسي نفسه، وليس في غياب إجراء انتخابي هنا أو هناك.
ويوضح الدبعي أن الانتخابات لا يمكن أن تُختزل كحل سحري لأزمة النظام السياسي، كونها في الأصل أداة إجرائية ضمن منظومة ديمقراطية متكاملة، تقوم على التعددية الحقيقية، وتكافؤ الفرص، والتداول الفعلي للسلطة، واستقلال المؤسسات، إضافة إلى عقد اجتماعي يعكس إرادة الجماعة السياسية الفلسطينية.

محاذير من وجود آلية لضبط النظام وإعادة إنتاجه

ويعتبر الدبعي أن هذه الشروط غير متوفرة بنيوياً في الحالة الفلسطينية، ما يجعل اختزال الديمقراطية في تحديد موعد للانتخابات مقاربة قاصرة تخدم خطاب "الشرعية الشكلية" أكثر مما تخدم التحول الديمقراطي الحقيقي.
ويحذر الدبعي من أن تنظيم الانتخابات في ظل هذه الظروف سيحوّلها من أداة للتحرر السياسي إلى آلية لضبط النظام وإعادة إنتاجه، بدلاً من إصلاحه أو توسيع دائرة المشاركة الشعبية في صناعة القرار السياسي.
ويشير الدبعي إلى أن هناك قناعة راسخة داخل مركز القرار السياسي الفلسطيني بأن من يسيطر على مدخلات العملية الانتخابية سيسيطر على نتائجها، وهو ما ينعكس بوضوح في تحديد موعد المؤتمر الثامن لحركة فتح.

ملامح العلاقة بين فتح والمنظمة والسلطة

ويلفت الدبعي إلى أن المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يُعد حدثاً تنظيمياً داخلياً فحسب، بل يمثل مفصلاً سياسياً ووطنياً بالغ الأهمية، نظراً لدوره في تحديد موازين القوى داخل الحركة الأكبر والأكثر تأثيراً في النظام السياسي الفلسطيني، كما يرسم ملامح العلاقة المستقبلية بين حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية.
ويعتقد الدبعي أن المؤشرات الحالية تدل على أن المؤتمر سيكون "مؤتمر انتخابات لا مؤتمر برامج"، في ظل غياب أي تغيير حقيقي في تركيبة أعضائه أو آليات اختيار المندوبين.
ويبيّن الدبعي أن الذهاب إلى المؤتمر بذات البنية التنظيمية الحالية، التي يغلب عليها الطابع الوظيفي، حيث يُتوقع أن يشكل الموظفون الحكوميون العسكريون والمدنيون أكثر من 80% من أعضائه، يتناقض مع تعريف فتح لنفسها كحركة تحرر وطني تمثل مختلف شرائح الشعب الفلسطيني.
ويؤكد الدبعي أن التيارات النقدية داخل الحركة مهمشة، وأن النقاش السياسي سيكون محكوماً بسقف منخفض، مع غياب تمثيل حقيقي للشباب، ما يجعل المؤتمر أداة لإعادة الضبط الداخلي لا للمراجعة والتجديد المطلوبين.
ويحذر الدبعي من أن قيادة حركة فتح يجب أن تدرك حجم التحديات الراهنة، محذراً من احتمال تكرار سيناريو قطاع غزة، وإسقاط المشروع السياسي الفلسطيني والتمثيل الوطني، والاستعاضة عنه بلجنة تسيير أعمال، لا سمح الله، داعياً الحركة لتبني مقاربة جديدة ترتقي لمواجهة التحديات الوجودية للقضية الفلسطينية.

غياب آلية واضحة لتمثيل فلسطينيي الشتات

وفي ما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، يعتبر الدبعي أن هذا الملف يواجه إشكاليات جوهرية تتعلق بالسؤال الأساسي: من سينتخب، وأين، وكيف، وعلى أي أساس؟
ويشير الدبعي إلى غياب آلية واضحة لتمثيل فلسطينيي الشتات، وعدم وجود إطار قانوني أو توافق وطني ينظم هذه الانتخابات، إضافة إلى تعقيدات الانقسام السياسي.
ويؤكد الدبعي أن القدس تبقى قضية سياسية وأخلاقية ووطنية، وليست مجرد تفصيل إجرائي، محذراً من أن إجراء الانتخابات دون القدس الشرقية يعني تكريس منطق السيادة الناقصة.

مصير الانتخابات في قطاع غزة

ويتساءل الدبعي عن مصير الانتخابات في قطاع غزة، وإمكانية إجرائها والاعتراف بنتائجها في ظل المواقف الدولية والإقليمية الراهنة، وما تعانيه غزة من كارثة إنسانية نتيجة الحرب.
ويشدد الدبعي على أن الأولوية اليوم ليست الإسراع في تنظيم الانتخابات، بل إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني على أساس توافق وطني شامل، وإشراك فلسطينيي الشتات في صناعة المستقبل، عبر حراك ديمقراطي وبرامجي واضح.
ويعتبر الدبعي أن الغياب اللافت للحديث عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية يثير تساؤلات جوهرية حول منطق ترتيب الشرعيات، مؤكداً أن الانتخابات حق وواجب، لكنها تحتاج إلى توافق وطني وآليات ديمقراطية حقيقية، لا إلى إجراءات متسرعة قد تضر بالمشروع الوطني الفلسطيني برمته.

محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن التوجه نحو عقد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بالتوازي مع التحضير لانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يمثل محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي داخل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح وفي مجمل الحياة السياسية الفلسطينية، في ظل ما تشهده الساحة من أزمات بنيوية وانقسام طويل الأمد.
ويوضح هواش أن انتخابات المجلس الوطني تأتي استجابة مباشرة لنداءات وضغوط عربية وأوروبية داعمة للسلطة الفلسطينية ولخيار حل الدولتين، وتطالب منذ سنوات بتجديد الشرعيات الفلسطينية عبر آليات ديمقراطية واضحة.
ويعتبر هواش أن هذه الانتخابات تشكل صيغة سياسية تتجاوز منطق الانقسام الثنائي القائم بين حركتي فتح وحماس، وتعيد الاعتبار لبقية مكونات المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية، كما كانت قبل اتفاق أوسلو.
ويشير هواش إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية، في مراحل سابقة، كانت تشكل جبهة وطنية عريضة تضم مختلف أطياف الشعب الفلسطيني المؤمن بأهداف الحركة الوطنية، قبل أن يشهد المشهد السياسي تحولات عميقة مع صعود حركة حماس، التي سعت إلى تشكيل قطب منافس لمنظمة التحرير تحت شعارات بديلة، مستغلة مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو والطعن في نهج التسوية الذي تبنته القيادة الفلسطينية.
انتخابات المجلس الوطني ومنطق العودة إلى الشعب

ويؤكد هواش أن إجراء انتخابات المجلس الوطني في هذا التوقيت يعني "العودة إلى الشعب" بوصفه مصدر الشرعية، ونقل التفويض من الفصائل إلى المواطنين، ليقول الشعب الفلسطيني كلمته في اختيار قيادته وممثليه، سواء داخل الوطن أو في أوساط الجاليات الفلسطينية في الخارج، عبر انتخابات مباشرة أو صيغ تمثيلية تعتمد نظام الحصص حيث يتعذر الاقتراع.
ويعتبر هواش أن نجاح هذه العملية قد يشكل "ثورة سياسية ثانية" وبداية جديدة للحركة الوطنية الفلسطينية، شرط ألا تعرقلها إسرائيل أو الظروف القسرية في الأراضي المحتلة.
وفي ما يتعلق بالبيئة السياسية، يشدد هواش على أن المناخ العام مؤاتٍ لإجراء الانتخابات، إذ إن مختلف الفصائل والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني تطالب بتجديد التفويض الشعبي، مؤكداً أن هذا التفويض ينبغي أن يكون لمنظمة التحرير باعتبارها الإطار الجامع، لا لفصيل أو تيار سياسي بعينه.

تحديد الخيارات السياسية لحركة فتح

أما بخصوص عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يرى هواش أن انعقاده لا ينفصل عن السياق العام، لكنه استحقاق تنظيمي داخلي تأخر منذ نهاية عام 2023 بفعل الحرب على قطاع غزة. ويوضح هواش أن قرار عقد المؤتمر يهدف إلى تحديد الخيارات السياسية للحركة وتجديد هيئاتها القيادية وضخ دماء شابة، بما يتلاءم مع تعقيدات المرحلة الراهنة، خاصة أن فتح ما تزال تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية.
وحول السيناريوهات المتوقعة، يرجّح هواش انعقاد المؤتمر الثامن لفتح ما لم تظهر عقبات سياسية كبرى، معتبراً أن التحديات الأساسية لوجستية وتتعلق بإمكانية وصول أعضاء المؤتمر من غزة والخارج.
في المقابل، يحذّر من أن انتخابات المجلس الوطني قد تواجه عراقيل إسرائيلية، لا سيما إذا استمرت الحرب على قطاع غزة أو توسعت، مؤكداً أن نجاح الانتخابات مرهون بشمولها الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، إلى جانب تمثيل الشتات، باعتبارها المخرج الحقيقي للأزمة السياسية الفلسطينية.

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

زمن غزة وزمن إبستين... الفلسطينزم كرافعة للزمن الذي لا بد منه


إذا ما اعتمدنا تعريف (هايدغر) للزمن، وهو "ليس ما يمر بنا بل ما نمر نحن به"، فلقد فُرض على فلسطين لسنوات طويلة زمن مختلف عن ذلك الذي كان يجب أن يكون؛ زمن العملية "السلمية"، زمن الانتظار والوهم، زمن الخوف من الخطأ وتوقع رد الفعل، زمن الإدارة لا التحرير، زمن "الواقعية" و"الهدوء" والمعاناة الصامتة بانتظار "الفرج"، زمنٌ قاتلٌ أفرغ السياسة من المعنى، وحوّل القضية إلى ملف، والملف إلى شظايا ملفات متناثرة، وحوّل الشعب في "أحسن" ظروفه إلى حالة إنسانية.
أما زمن غزة قبل أكتوبر فكان أكثر إيلاما؛ حاضرٌ طويل ومتوتر ومشدود، حصارٌ وانتظار بلا أفق، ومستقبل مؤجل قسرا، وابتزاز عند كل منعطف. لقد كانت غزة نموذجا للزمن حيث تُجرد الحياة من ضماناتها، وحيث اللا يقين يقترب من السرمدية.
في ذلك "الأكتوبر" _ والحديث هنا ليس سياسيا مجردا _، كانت غزة تنتج زمنها "الخاص"، كما تفعل الثورة على رأي ماركس. انتقل زمن غزة و (فلسطين) من حركة الوقت إلى الموقف، وأخذ الصمود يعيد تعريف اللحظة، والصمود في غزة ليس كما يُفهم عموما كبطولة وتحمل، بل يمتد ليكون تنظيم حياة تحت الاستحالة، وإنتاج زمن داخل الحصار، وخلق معنى حيث يُمنع المعنى. زمن غزة يشير إلى أن المقاومة ليست بالضرورة مواجهة مستمرة، بل أحيانا إدارة حياة ضد آلة الموت.
في ذلك اليوم، كسرت غزة الزمن المفروض. لم تنتظر ظروفا بل حاولت صنعها. وضعت نقطة في آخر الزمن المفروض وقالت الآن، لا بمعنى استعجال الأمور، بل بإعادة ترتيب الأولويات، وكسر وهم الاستقرار، وفرض سؤال التحرر. في ذلك الحين، صنعت غزة لحظة انقطاع مع الزمن الصهيو_ إمبريالي، كسرت إيقاع ذلك الزمن، وكشفت التاريخ.
نقلت غزة الصراع من الجغرافيا إلى الزمن، فلم تعد فلسطين قضية بعيدة بل سؤالا يوميا، واختبارا أخلاقيا، ولحظة اختيار. كسرت زمن القوة الذي يريده الاحتلال خاطفا وحاسما ونهائيا بإصرارها على الاستمرار، وأخرجت المعنى من تحت الركام، وأظهرت أن مجرد العيش يُفشل معنى "النهاية".
لم تطلب غزة من العالم وقتا إضافيا، بل فرضت عليه زمنها المختلف. زمن لا يقاس بما يُنجز، بل بما لا يُكسر. وحولت الزمن إلى ذاكرة حية، والذاكرة ليست حنينا بل مخزون فعل.
مثلت غزة لحظة تعرية للنظام العالمي؛ كشفت عنف القانون، وزيف القيم ونفاقها،  وتواطؤ المؤسسات. أنتجت زمنا يحرج ذلك النظام. حركت زمنا عالميا في الشوارع والجامعات والإعلام وفي الحركات الاجتماعية. زمن غزة، لا يُختزل إلى لحظة أو ساعة غضب. لقد كسر "الإجماع" الأخلاقي الغربي، فلم يعد ذلك الغرب قادرا على الادعاء أنه حامل قيم، ومرجع الأخلاق، وحَكَم العالم.
أي وضوح ذلك الذي صنعته غزة؟، فالعالم لم يعد كما كان. لقد غيرت إحساس العالم بالوقت، وفرضت إيقاعها على العالم الذي اعتاد على التدرج والاحتواء والنسيان.
لا شك أن زمن غزة ليس كافيا لتغيير العالم، لكنه أول زمن منذ عقود، لا يطالب بالاندماج في النظام السائد، بل فضح استحالته الأخلاقية. لم تصبح غزة سياسة عالمية بل معنى كشف تلك السياسة، وهذا في التاريخ ليس أمرا بسيطا.
بعد كل ذلك عن زمن غزة، نأتي لزمن جفري إبستين، والعلاقة بين الزمنين؟.
من الواضح، أن الفضيحة المتعلقة بذلك الملياردير الأمريكي ليست حدثا أخلاقيا منعزلا، بل حدث يتعلق بأمور عديدة تمس جوهر النظام العالمي الحالي، و"نُخب ذلك النظام. إنه حدث كاشف يشير إلى نظام ينتج اللامعقول الأخلاقي. لا يكشف فردا بعينه، ولا حتى مجموعة أفراد، بل بنية كاملة، وما كان لذلك أن يستمر ويُحمى ويعاد تدويره لولا "سلطة" عالمية تعتبر نفسها فوق المساءلة.
إبستين هو عقدة ربطٍ بين المال والسياسة والأجهزة والأمن والنخب الليبرالية التي تدعي الدفاع عن القيم. إنه مرآة للنظام العالمي وليس شذوذا عنه، ونقطة تكثيف لعالم خالٍ من أي نظام أخلاقي، أزعجه كشف الفضيحة، لكنه لم يتأثر بحقيقة وجودها.
الفضيحة الأكبر هي ليس ما فعله إبستين، بل في طبيعة رد الفعل على ذلك، في ما لم يحدث بعد الكشف عن الأمر، إذ لا حديث عن النظام، ولا عن الجهة التي رتبت وأدارت وموّلت، ولا عن العالم الذي يجب عليه أن يشعر ليس فقط بالخجل، بل بالخوف ما دامت هذه الجهة موجودة وفاعلة. هذه الجهة التي "أعلنت" مسؤوليتها عن الأمر، وأبدت شعورا بالفخر بسبب ذلك. الكل يعرفها والكل حريص على أن لا يسميها.
فضح النظام العالمي إبستين و"ضيوفه"، لكنه لم يُبد أي اهتمام بمن جنّده وموّله ورعاه. تم تسليط الضوء على "الزبائن" وتجاهل الموضوع. و"المؤامرة" وصلت ذروتها في تحويل الأمر إلى قضية أخلاقية، بدل أن تكون سؤالا سياسيا بنيويا.
لكن ما علاقة كل ذلك بزمن غزة؟. الجواب واضح كل الوضوح، فالذي يربط بين الأمرين، غزة و إبستين، هو سقوط وهم التفوق الأخلاقي للغرب الصهيوابريالي. إبستين كشف أن القيم الليبرالية تُعلّق فور مس النخبة، وعندما يشعر النظام بالتهديد، وغزة تكشف أن حقوق الإنسان تُعلّق فور مس "مصالح" ذلك الغرب، المتمثل في نظام الفضائح الأخلاقية في حالة إبستين، ونظام الإبادة وجرائم الحرب في حالة غزة.
في هذا النظام إبستين فوق القانون، وغزة خارجه، وإسرائيل فوق الشرعية الدولية، وأمريكا هي تلك الشرعية. إبستين وغزة أظهرا الفرق بين من هو داخل المنظومة، ومن هو خارجها ويشكك فيها، بين من زمنه جزء من تلك المنظومة، وبين غزة التي أنتجت زمنا "أخلاقيا" جديدا ومختلفا.
إبستين هو إبن البنية وخادمها. لم يتحول إلى سؤال عن النظام نفسه كما فعلت غزة. إنه فضيحة، لكن غزة حدث تاريخي، جريمة تحولت إلى معنى، كشفت عنف العالم ولا معقوليته، وتحولت إلى فضاء (حاضنة) تولد الأسئلة المتعلقة بذلك اللامعقول. إبستين أخبرنا أن النظام فاسد، أو أن شيئا فيه فاسد، وغزة أخبرتنا أن النظام هو المشكلة، وفتحت أفقا للتغيير.
من المهم هنا ربط غزة وزمنها بالفلسطينزم. فهي، أي الفلسطينزم، السياسة الممكنة لزمن غزة. فزمن غزة حدث كاشف، والفلسطينزم تحويل هذا الكشف إلى منهج، يدرك أن السياسة العالمية لن تتغير بالشفقة، بل عندما تصبح فلسطين معيارا للفهم، لا موضوع تعاطف.
زمن غزة هو الشرط التاريخي للفلسطينزم. ففلسطين قبل غزة استعمار "خاص" وتعاطف أخلاقي وخطاب حقوقي، أما بعدها فهي اختبار للنظام العالمي وتعاطف سياسي وخطاب بنيوي. غزة حولت الفلسطينزم من فكرة إلى زمن، أحدثت الصدمة التي حولتها الفلسطينزم إلى معنى قابلا للتعميم. بذلك تحولت فلسطين من قضية إلى موقع معرفي، ومن موضوع تضامن إلى منهج قراءة للعالم، ومن مسألة محلية، إلى مبدأ كوني للتصدي للنظام الصهيوامبريالي الليبرالي.

عربي ودولي

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس كولومبيا ينجو من محاولة اغتيال بعد 4 ساعات من المناورة في البحر

أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، يوم الثلاثاء، عن نجاته من محاولة اغتيال وشيكة استهدفت طائرته المروحية أثناء توجهه إلى الساحل الكاريبي. وأوضح بيترو أن الطاقم الأمني تلقى تحذيرات استخباراتية تفيد بنية جماعات مسلحة إطلاق النار على المروحية الرئاسية عند محاولتها الهبوط في وجهتها المحددة، مما استدعى تغييراً فورياً في مسار الرحلة.

وصف الرئيس الكولومبي تفاصيل الواقعة خلال اجتماع حكومي بُث مباشرة، مشيراً إلى أن المروحية اضطرت للتحليق في عرض البحر لمدة أربع ساعات متواصلة لتفادي الكمين المنصوب. وأكد أن الرحلة انتهت بالهبوط في منطقة غير مقررة مسبقاً، وذلك في إطار إجراءات طارئة لضمان سلامة الوفد الرئاسي من محاولة القتل التي كانت تتربص بهم.

تأتي هذه الحادثة في ظل سلسلة من التحذيرات التي تلقاها بيترو منذ أشهر، والتي تشير إلى وجود مؤامرات تحيكها كارتيلات تهريب المخدرات لاستهدافه بشكل مباشر. ويرى مراقبون أن هذه التهديدات تعكس حالة التوتر الأمني الشديد الذي تعيشه البلاد مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، وسط صراع محتدم بين السلطة والجماعات المسلحة.

وجه بيترو أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى إيفان مورديسكو، الذي يتزعم فصيلاً منشقاً عن القوات المسلحة الثورية الكولومبية المعروفة باسم 'فارك'. ويُعرف هذا الفصيل برفضه القاطع لاتفاق السلام الذي أُبرم مع الحكومة في عام 2016، واستمراره في ممارسة أنشطة مسلحة مرتبطة بتهريب المخدرات والسيطرة على الأراضي.

يُعد غوستافو بيترو أول رئيس يساري يتولى مقاليد الحكم في كولومبيا منذ أغسطس 2022، وهو ما جعله هدفاً دائماً لخصومه السياسيين والعصابات الإجرامية على حد سواء. وقد سبق للرئيس أن أعلن في مطلع عام 2024 عن إحباط محاولات أخرى لاغتياله، مما يسلط الضوء على المخاطر الأمنية المحدقة برأس الهرم السياسي في البلاد.

تعاني كولومبيا تاريخياً من ظاهرة اغتيال القادة السياسيين المنتمين للتيار اليساري، بمن فيهم مرشحون بارزون لرئاسة الجمهورية في عقود سابقة. وتضع هذه الحادثة الأخيرة جهود السلام الداخلي على المحك، في وقت تحاول فيه الحكومة تقليص نفوذ الجماعات المسلحة التي تسيطر على مساحات واسعة من البلاد وتعتمد على تجارة الممنوعات لتمويل عملياتها.

فلسطين

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي يطال خان يونس وغزة وتحذيرات أممية من تقويض وقف إطلاق النار

أفادت مصادر ميدانية بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذ عمليات نسف واسعة النطاق لمبانٍ سكنية في مناطق توغله شرقي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي مكثف استهدف عدة مواقع في المناطق الشرقية لمدينة غزة، مما أدى إلى حالة من الذعر بين السكان في ظل استمرار التحركات العسكرية.

من جانبها، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن هذا التصعيد العسكري يمثل خرقاً صريحاً وغير مسبوق للتفاهمات الأخيرة المتعلقة بوقف إطلاق النار. وأشارت الحركة إلى أن حكومة الاحتلال تسعى بشكل متعمد إلى إفشال أي مساعٍ تهدف إلى تثبيت حالة الهدوء والاستقرار الميداني في القطاع.

وصرح المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، بأن الليلة الماضية كانت دامية جراء استهداف الطائرات الحربية لمنازل المدنيين بشكل مباشر، مما أسفر عن ارتقاء 5 شهداء على الأقل. وأضاف قاسم أن الاحتلال يواصل عدوانه متجاهلاً كافة المواثيق، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد يخدم أجندته السياسية والعسكرية.

واتهمت قيادة الحركة الحكومة الإسرائيلية بالعمل على تخريب خطط السلام والمبادرات الدولية المطروحة، بما في ذلك الرؤى التي طرحتها الإدارة الأمريكية. واعتبرت أن مواصلة العمليات العسكرية تعكس عدم جدية الاحتلال في الالتزام بأي مسار يؤدي إلى إنهاء المعاناة الإنسانية في غزة.

على الصعيد الدولي، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة من المخاطر الجسيمة التي تتهدد المدنيين جراء استمرار الغارات الجوية والقصف البحري والمدفعي. وشدد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) على أن القانون الدولي يكفل حماية المدنيين والبنية التحتية، مطالباً بضرورة تحييدهم عن العمليات القتالية.

وأوضح مكتب (أوتشا) في بيان رسمي أن الفرق الإنسانية تمكنت من تقديم إغاثة طارئة لآلاف الأسر المتضررة خلال الأسابيع الماضية، إلا أن الحاجة لا تزال ماسة لحلول مستدامة. وأكد البيان على ضرورة السماح بإدخال المواد الإنشائية والمعدات اللازمة لترميم المنازل التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية.

وفيما يخص الدعم النفسي، كشفت التقارير الأممية عن وصول الخدمات الاجتماعية والنفسية لنحو 15 ألف شخص في غضون أسبوع واحد فقط. ومع ذلك، لا يزال الطلب على هذه الخدمات يفوق القدرات المتاحة بكثير، خاصة في ظل الاكتظاظ السكاني الخانق داخل المخيمات وتدهور حالة الخيام المتهالكة.

وفي تطور إيجابي محدود، أعلنت وكالة الأونروا عن إعادة تشغيل مركز البريج الصحي في منطقة دير البلح، لتقديم الرعاية الأولية وخدمات الأمومة والطفولة. ويأتي هذا الافتتاح بعد توقف قسري للمركز دام عدة أشهر، مما يوفر بارقة أمل للمرضى في تلك المنطقة المكتظة بالنازحين.

بدوره، أشار المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إلى أن آلاف المرضى في غزة يواجهون خطر الموت بسبب نقص المعدات الطبية الحيوية. وأوضح أن السلطات الإسرائيلية تضع عراقيل كبيرة أمام إدخال أجهزة الأشعة والمختبرات الضرورية، مما يعيق تطوير قدرات الرعاية الصحية الحرجة محلياً.

ختاماً، وثقت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة ارتفاعاً مهولاً في أعداد الضحايا، حيث بلغت الحصيلة الإجمالية 72,037 شهيداً وأكثر من 171 ألف مصاب منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023. وتأتي هذه الأرقام الصادمة لتؤكد حجم الكارثة الإنسانية المستمرة رغم الإعلانات المتكررة عن اتفاقيات لوقف إطلاق النار.

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

السلام من خلال القوة .. ترامب يتغذى على أعدائه


قبل حوالي 2500 سنة كان هناك جنرال صيني يدعى "سون تزو”إ اشتهر بعبقريته العسكرية  وفلسفته الفريدة في سبيل الوصول للنصر الكبير، وقد جمع رؤيته في كتاب شهير اسمه "فن الحرب". تزو يقول في كتابه أن إخضاع العدو دون قتال هو أفضل من الانتصار مائة مرة في مائة معركة، وأن القائد الماهر يتغذى على أعدائه: وهو الأمر الذي يعني استغلال موارد العدو، ونقاط ضعفه، وحتى قوته، وضرب استراتيجيته، وتحالفاته، ومحاصرته لتحقيق النصر، بدلاً من الاعتماد فقط على الموارد الذاتية. بمعنى تحقيق النصر بأقل تكلفة، فالسيطرة على البلاد سالمة أفضل من تدميرها، وأسر رأس النظام أفضل من قتله.  
وعلى واقع الشعار الذي ترفعه ادارة ترامب "السلام من خلال القوة”، وهو بالمناسبة ليس بجديد على الإدارات الأمريكية، ربما كان أكثر وضوحا وفجاجة إبان ولاية ترامب كحال كل شيء في عهده: لا تنميق، ولا عبارات رنانة أو مصطلحات تبريرية لإرضاء الفوقية الغربية المنافقة كالديمقراطية وحقوق الانسان وغيرها .. هناك فقط أهداف معلنة وواضحة: النفط / المعادن / النقود والسيطرة دون تكلفة. يتابع العالم بأسره السلوك الأمريكي الحالي الفريد في التعامل مع الجمهورية الاسلامية الإيرانية.  ففي الوقت الذي انتظر فيه العالم ضربة امريكية لإيران،  فتح الباب لمفاوضات برعاية حاملة الطائرات الضخمة "يو. اس. اس. لينكولن" ومدمراتها وصواريخها التي تقبع في بحر العرب. ليبقى الحلفاء قبل الاعداء في حيرة وعدم قدرة على التنبؤ ويحتفظ ترامب بعنصر المفاجأة وتوقيت الضربة. ويبدو أن ترامب لا يكتفي بشعار السلام من خلال القوة بل أضاف له بعضاً من مبادئ عقيدة الجنرال "سون تزو".
ترامب يتغذى على أعدائه:
إيران في حالة من الضعف لم تشهدها منذ عقود، فالبلد من الداخل يغلي فقرا وقهرا والاحتجاجات التي حدثت ليست ككل مرة، فالشئون الداخلية لم تعد داخلية بل لها تكاليف خارجية تبعًا لتهديدات الرئيس الأمريكي طوال الشهر الماضي للنظام الإيراني. أيضًا البلاد في حال انكشاف استراتيجي خارجي. تم ضرب تحالفاتها. ومحاصرتها ومن يتعامل معها اقتصاديا وعسكريا. وبات الوقت مناسبًا للانقضاض على الفريسة. ولأن إخضاع العدو دون تكلفة افضل من الانتصار في مائة معركة حسب "تزو" ، فتح ترامب بابا للتفاوض للحصول على مبتغاه.
ماذا يريد ترامب من إيران؟  هل يتفاوض من أجل إعادة العلاقات بين البلدين؟ أو من أجل تحرير الشعب الإيراني؟ بالطبع لا .. هو يسعى الى النصر دون قتال . انهيار البلاد نتيجة الحرب ستحولها الى فوضى متناثرة في الاقليم كما سبقت الشواهد في العراق وليبيا واليمن وسوريا. ولذا تحجيمها الى اقصى حد وتغيير كلي لسلوكها المناوئ منذ 1979 أفضل من تدميرها . وتجريدها من كل ما تعتبره مصادر قوة لها: محو أية طموحات نووية والقضاء على برنامجها الصاروخي وتقليص مساحة دورها الاقليمي الى أبعد الحدود،  وأيضاً إشعارها دوما ان أمريكا جادة وجاهزة لتكون لها بالمرصاد. فالقوة المتفوقة النوعية والنووية /من وجهة نظر أمريكا/ لا يجب أن تكون سوى لإسرائيل في المنطقة.
ما سيحدث لاحقا يعتمد على السلوك الإيراني هل سيخضع ويكون براجماتيا كعادته في الأزمات التي طالت تاريخ علاقاته مع الولايات المتحدة منذ العام 1979 ، أم يشعر النظام الإيراني أن الأزمة هذه المرة وجودية فيعلو صوت الأيديولوجيا حيث لا تراجع ؟




أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

احتلال بلا أقنعة وسلطة بلا خيارات...


لم تبدأ الأزمة مع قرارات "كابينت" الاحتلال الأخيرة، بل تعود جذورها لأكثر من قرن من الزمان، حين قُدمت فلسطين للحركة الصهيونية على طبق من ذهب. فمنذ الانتداب البريطاني، مرورا بالهزائم العربية المتوالية، وأوهام السلام، وصولا الى نظام دولي أدمن رعاية الاحتلال بدل جلائه، فالتحذيرات البريطانية المتأخرة جدا من اجراء أي تغييرات على الاراضي الفلسطينية لا تغير من الواقع شيئا، بل تكشف محاولة بائسة لغسل اليدين، حيث يجري اليوم الاعتراض على النتائج دون مساءلة الأسباب.
 في هذا السياق الطويل من التفكيك المنهجي، تحولت السلطة الفلسطينية تدريجيا من مشروع دولة، الى كيان وظيفي محدود الصلاحيات، محاصر ماليا وسياسيا، ومثقل بمنظومة لم تعد مجرد اختلال مالي، بل بنية متكاملة.
 القرارات تمثل مرحلة متقدمة في هذا المسار، فهي ليست إجراءات إدارية او إصلاحات قانونية كما روج لها، بل ضم فعلي صامت، والاحتلال يتجنب اعلان ذلك رسميا حتى لا يحرج داعميه الدوليين، لكنه يفرض السيادة على الارض بالقوة، وعبر تسهيل الاستيلاء على الاراضي، او توسيع صلاحيات الحكم العسكري تحت مسمى "الادارة المدنية"، ومنح المستوطنين حوافز غير مسبوقة، والنتيجة بيئة طاردة للفلسطيني، جاذبة للمستوطن، وخنق مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتحويل الأرض الى حيز غير قابل للحياة.
 الاخطر ان هذه الاجراءات لا تستهدف السلطة وحدها، بل تنتقل للمرة الاولى بشكل علني ومباشر الى مكونات المجتمع الفلسطيني، أملاكه وثرواته اصبحت في مرمى قرار سياسي، والمؤسسات أصبحت شكلية عاجزة عن التخطيط او البناء، وبالتالي نحن لا نواجه احتلالا عسكريا فقط، بل عودة غير مسبوقة له، يتحكم بالارض، ما فوقها وما في بطنها، الاقتصاد والمجتمع، وحتى الماء والهواء.
 في المقابل، يواصل سحب صلاحيات السلطة تدريجيا، دون الاعلان عن حلها، ساعيا لجعلها تتحول في نظر الفلسطيني الى عبء، بل يحاول الظهور كملاذ أمن، دافعا الفلسطينيين إلى إلغائها طوعا لا كرها، وتسليم مفاتيحها، وإخلاء طرفه من أي مسؤولية عن ذلك.
 أما التحرك العربي، فحدوده معروفة سلفا، وحتى لو اجتمع العرب على كلمة واحدة، وهو بعيد المنال، فلن يكون بمقدورهم وقف هذه الإجراءات، فكيف الحال والعواصم متفرقة، والمواقف متناقضة، والوزن الدولي شبه معدوم، لذلك فان ازمة السلطة اليوم تتجاوز قدرة اي اجتماع عربي، وتحتاج الى مقاربة اوسع واشمل، فلسطينية اولا، ثم اقليمية ودولية.
 السؤال الحقيقي لم يعد ما الذي يفعله الاحتلال، بل ماذا تفعل القيادة الفلسطينية؟ منذ ربع قرن وهي في حالة تراجع تحت شعار الانحناء للعاصفة، في السياسة يمكن الانحناء تكتيكيا، لكن حين يصل الانحناء الى حد ملامسة الارض لا يعود انحناء، فالمطلوب ليس بيانات ولا جولات، بل اعادة تعريف جذرية لوظيفة السلطة، وعلاقتها بالاحتلال، وبمجتمعها، وبالعالم، وان تعود الى قواعدها، وان تحتمي بشعبها، وان يتقدم قادتها صفوفه فعلا لا قولا، ودون ذلك ستستمر إجراءات الاحتلال على الارض، وسيبقى الفلسطيني محاصرا بين احتلال يتقدم ونظام سياسي يتآكل من الداخل.
 
 



أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:32 صباحًا - بتوقيت القدس

المستعمرة تسعى نحو الأرض دون البشر


تعمل مخططات المستعمرة الإسرائيلية وبرامجها التوسعية نحو احتلال وبلع المزيد من الأرض: كامل خارطة فلسطين باستثناء قطاع غزة، وجنوب لبنان، والجولان السوري، وما تستطيع التمدد فيها وعليها، ووفق تعبير الرئيس الأميركي الداعم ترامب: "أرض إسرائيل صغيرة محدودة".
لقد تمكنت المستعمرة من احتلال كامل خارطة فلسطين، ولكنها فشلت استراتيجياً من طرد  كامل الشعب الفلسطيني وتشريده خارج وطنه، الذي لا وطن له غيره:  فلسطين.
 تشير الإحصاءات عام 2022، وجود سبعة ملايين و142 ألف فلسطيني على كامل خارطة فلسطين، منهم ما يقارب 2 مليون في مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، أبناء الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني الخمسة المختلطة: اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا.
خطوة حكومة المستعمرة ومجلسها الأمني المصغر، بإصدار قرارات إلغاء الأنظمة والقوانين العثمانية والأردنية والفلسطينية، يوم 8 شباط فبراير 2026، وفرض سياسات وإجراءات عسكرية وأنظمة أمنية تستهدف:
1- توسيع مساحة الأرض المسيطر عليها، وجعلها جزءاً من خارطة المستعمرة بشرياً وأمنياً شكلا ومضمونا، عبر الضم العملي الفعلي لمجمل الريف الفلسطيني من أراضي الضفة الفلسطينية، وتتجاوز مساحته 60 بالمائة من مساحة الضفة الفلسطينية، مع عدم  ضم المدن.
2- تقليص عدد السكان الفلسطينيين في منطقة الريف، وتضييق  فرص الحياة أمامهم وترحيلهم كما حصل مع سكان المخيمات الثلاثة في جنين وطولكرم، بهدف استراتيجي وهو العمل على الطرد والتشريد والترحيل الاختياري للفلسطينيين من خلال إعاقة فرص الحياة أمامهم داخل وطنهم.
الشعار المركزي الموحد الذي تتمسك به الأحزاب اليمينية الإسرائيلية هو: "إما نحن أو هم" أي بقاء المستعمرة قوية متمكنة على كامل أرض فلسطين، أو زوالها وهزيمتها واندحارها بالكامل كمشروع استعماري توسعي و"وطناً قومياً لليهود"، فالحل الواقعي عبر حل الدولتين على أرض فلسطين، لا يؤمنون به ولا يعملون لأجله، بل يعملوا من أجل إحباطه وإفشاله، عبر السيطرة الإسرائيلية الكاملة من ناحية، وتقليص الوجود البشري الإنساني للفلسطينيين من على أرض فلسطين من ناحية اخرى، كما سبق وفعلوا ذلك بالشعب الفلسطيني عام 1948، رغم تغير الظروف والمعطيات القائمة حاليا، و هذايتمثل  بما يلي:
أولاً وجود شعب فلسطيني على الأرض يتجاوز السبعة ملايين نسمة، ثانياً وجود تناقض جوهري بين مشروعي الصراع، بين المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، في مواجهة المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، ثالثاً الرفض الأردني المصري اللبناني السوري باستقبال وتوطين أي فلسطيني خارج وطنه في البلدان الأربعة المجاورة، حتى لا يتم تمرير وتكرار ما حصل عام 1948، خامساً ازدياد حجم التفهم والإنحياز الدولي مع عدالة القضية الفلسطينية والتعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني، على عكس ما كان عام 1948، حيث كان التعاطف الدولي على الأغلب مع اليهود، بسبب اضطهاد أوروبا لهم: روسيا القيصرية، وألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية.
قرارات المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر، الكابينيت، لا تهدف إلى ضم المدن الفلسطينية، بشكل مقصود، حتى لا يتم ضم سكانها إلى المواطنة الإسرائيلية، كما حصل مع ما تبقى من فلسطينيي مناطق 48 حيث كانوا 150 ألف نسمة، وباتوا اليوم ما يقارب المليونين، وإذا تم ضم مدن الضفة الفلسطينية مع سكانها: رام الله والخليل وبيت لحم وأريحا ونابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية، إلى خارطة المستعمرة، سيتجاوز عدد الفلسطينيين من حملة المواطنة الإسرائيلية إلى خمسة ملايين نسمة، وبالتالي سيترك ذلك تأثيره الاستراتيجي على نقاء "الدولة اليهودية" العنصرية.
هُم يريدون الآن السيطرة والضم الكامل للريف الفلسطيني ومنع سكانه من الفلسطينيين  البقاء والبناء والانتشار، حيث سيتم التخلص ما أمكن من سكانه وترحيلهم نحو المدن كما حصل مع أهالي مخيمات جنين وطولكرم الثلاثة بهدف التخلص من المفردات: اللاجئ، المخيم، الأونروا.



أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس

الهوس من رمضان وفي رمضان


نفسياً، يُقصَد بالهوس "الإفراط" في بناء تصوُّر أو إدراك حِسِّي لشيءٍ موجود أو غير موجود، بشكل خاطئ أو مبالغ فيه. عادةً لا يقوم هذا الإدراك على فهم الواقع وتقديره بشكل دقيق، بل يرى الفرد أن إدراكه وفهمه هو الصواب، ويعتبر ذلك واجباً لا بدَّ من القيام به، كأنَّ لا مفر منه. يكون ذلك بسبب انفصاله عن الواقع، أو عدم رجاحة التقدير نتيجةً لضغوطات أو أمراض، أو هروباً من مواجهة الواقع، أو بناءً على قناعات فكرية سلبية مسبقة.
إذا ما استمرت الحالة النفسية هذه التي نحن بصددها – "الهَلوسة" – فقد تتطور إلى مرضٍ عقلي، كونها تخيُّلات لا تفضي إلى نتائج إيجابية ملموسة كما توقَّع ذاك الشخص.
قصدتُ من الشق الأول في العنوان تكرارَ ما تمارسه السلطة القائمة بالقوة من إبعاد شخصيات دينية ومجتمعية عن المسجد الأقصى المبارك بين الفينة والأخرى، وعن الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، خاصة في شهر رمضان الفضيل، ظنّاً منها أن هؤلاء قد يُثيرون "الشغب" في الحيِّز الجغرافي المقصود، دون الإقرار بأن الوضع غير السليم هو السبب وراء الاحتجاجات (إنْ تمَّت). في حين أن الهدف الفعلي الخفي هو شيطنة مناسبة حلول هذا الشهر المبارك.
أودُّ التركيز هنا على الشطر الثاني من العنوان، وبالتحديد هَوَس الشراء في رمضان.
الأصل أن يتبنَّى الشخص ويُذَوِّت قاعدةً أساسية في الحياة، ألا وهي: "يشتري ما يحتاجه، وليس ما يريده". وبالتالي عليه أن يُفكِّر أكثر من مرَّة قبل الشراء، رغم إدراكنا المسبق أن الشخص الجائع لا يستطيع ذلك؛ لأنه لا يريد أو لم يُفكِّر مسبقاً فيما يحتاج. خاصةً وللأسف الشديد، نحن اليوم نأكل مما لا نزرع، ونلبس مما لا نصنع. فيكون القرار نابعاً من الرغبة في الإشباع، وليس من تأمين ما يحتاج من مواد غذائية أو لباس أو مواد غير دائمة الاستعمال. هنا يعتري الشخصَ نمطٌ من التفكير الاندفاعي العاطفي المتسرع، وليس العقلاني المتدبِّر، فيقع فريسة التسرع جرَّاء عدم التخطيط المسبق. بينما الأصل في التسوُّق الناجح – إضافةً إلى التخطيط المسبق – مع ضرورة التفكير بالغير من المحتاجين، الابتعادُ كلَّ البُعد عن التهافت والمزاحمة ورفع الصوت، مما قد يكون سبباً في بطلان الصيام بسبب هَوَس الشراء هذا، والله أعلم.
باختصار شديد، يتم الإفراط في التسوُّق خلال شهر رمضان المبارك، بدافع نفسي وعاطفي يتخطَّى الأصلَ المتمثِّل في شراء ما نحتاج وليس ما نريد.
قد يعمد الشخص المفرط المصاب بهوس التسوُّق إلى القيام بذلك لشعوره بالحاجة إلى تقليل حالة التوتر والقلق الذي يشعر به، وبالتالي ضعف القدرة على السيطرة في اتخاذ القرار المتزن. وهذا ما يُفسِّر إدمان البعض على الاكتظاظ قبيل ساعات الإفطار.
يترتَّب على حالة هوس الشراء في رمضان – إضافةً إلى هدر المال: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29]، مع ضرورة التأكيد على أننا لا ندعو إلى الشحِّ والتقتير – هنا نودُّ اقتراحَ إعداد قائمةٍ مسبقة بالاحتياجات، والعمل قدر المستطاع للالتزام بها، حتى لا ينتاب المرء الشعور بالندم لاحقاً.
في الختام، حبَّذا لو نستذكر من هم محتاجون وفقراء من حولنا، من أقارب وجيران وأبناء سبيل، كونَ لهم حقوقاً وواجباتٍ علينا وفق التعاليم الدينية، وما لها من دور فاعل في تعزيز التكافل الاجتماعي والسلم الأهلي، من خلال نشر الفضيلة ومكارم الأخلاق بين أبناء المجتمع الواحد: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 1–7].
صدق الله العلي العظيم.


أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:30 صباحًا - بتوقيت القدس

" النافذة المكسورة...


تخيل هذا المشهد الذي حدث بالفعل عام 1969: سيارتان متطابقتان، تُركتا في حيين مختلفين تمامًا. الأولى في حي برونكس الفقير بنيويورك، والثانية في حي بالو ألتو الراقي بكاليفورنيا. في برونكس، لم تصمد السيارة طويلاً؛ ففي غضون دقائق بدأت أعمال التخريب، وخلال أقل من يوم واحد، تحولت إلى هيكل معدني فارغ. أما في بالو ألتو، فظلت السيارة سليمة لأكثر من أسبوع، وكأنها محمية بجدار غير مرئي من النظام الاجتماعي. لم تبدأ الفوضى إلا عندما قام الباحث نفسه، عالم النفس الشهير فيليب زيمباردو، بكسر إحدى نوافذها. كانت تلك الضربة بمثابة إشارة، دعوة صامتة للفوضى. هذه التجربة البسيطة والمقلقة كانت الشرارة الأولى لما يُعرف اليوم بـنظرية النافذة المكسورة (Broken Windows Theory)، وهي فكرة تتجاوز عالم الجريمة لتقدم لنا دروسًا عميقة حول بيئاتنا اليومية، وخصوصًا في أروقة مدارسنا وقاعات فصولنا الدراسية.
بعد أكثر من عقد، التقط عالما الاجتماع جيمس ويلسون وجورج كيلينغ خيط تجربة زيمباردو، وصاغا النظرية بشكلها الذي نعرفه اليوم. جوهر الفكرة بسيط بشكل مدهش لكنه قوي للغاية: عندما تظهر علامات الإهمال والفوضى في مكان ما- كنافذة مكسورة لا تُصلح، أو كتابات على الجدران لا تُمحى - فإنها ترسل رسالة واضحة بأن لا أحد يهتم، وأن القواعد لم تعد مهمة. هذه الفكرة لا تشجع فقط على المزيد من المخالفات البسيطة، بل تفتح الباب على مصراعيه أمام مشكلات أكبر وأكثر خطورة. إنها حلقة مفرغة تبدأ صغيرة لكنها تتسع بسرعة.
تتجلى هذه "النوافذ المكسورة" في مظهرين رئيسيين. الأول هو الفوضى المادية، وهي التدهور الملموس للبيئة، مثل القمامة المتراكمة أو الأثاث المكسور، والتي تهمس في أذن المارة: "لا أحد يهتم بهذا المكان، وبالتالي يمكنك أن تفعل ما تشاء". أما المظهر الثاني فهو الفوضى الاجتماعية، والتي تتمثل في السلوكيات التي تكسر النظام العام، كالضوضاء العالية أو المشاجرات، وهي تعلن بوضوح أن "القواعد الاجتماعية هنا مجرد اقتراح".
قد يبدو الربط بين شوارع نيويورك الصاخبة وأروقة مدارسنا الهادئة غريبًا للوهلة الأولى، لكن المبادئ التي تحكم سلوكنا تظل كما هي. فبيئتنا المدرسية تتنفس وتتحدث من خلال الإشارات التي نرسلها ونستقبلها كل يوم. وإهمال "النوافذ المكسورة" في هذا السياق يمكن أن يكون له تأثير مدمر على روح المكان وجودة التعليم.
فـ "النافذة المكسورة" في المدرسة لا تقتصر على قصاصة ورق في الممر، بل تتجلى بشكل أعمق في الفوضى الاجتماعية التي تبدأ بسيطة ثم تتفاقم. فتجاهل سلوك مثل عدم احترام الطابور يفتح الباب أمام فوضى أكبر. وسرعان ما قد يتطور الأمر إلى الصراخ والتحدث بوقاحة، ثم إلى الكذب والهروب من المسؤولية، وصولًا إلى شتم الآخرين، وفي أسوأ الحالات، الاعتداء الجسدي. كل مرحلة من هذا التدهور هي نافذة إضافية تُكسر، معلنةً عن تآكل المعايير الأخلاقية في بيئتنا التعليمية. قد تبدو هذه الأمور في بدايتها تافهة، لكنها في الحقيقة تصدعات صغيرة في نسيج الثقافة المدرسية، وإذا تُركت دون إصلاح، فإنها حتمًا ستتسع .
إن جمال هذه النظرية لا يكمن في تشخيصها للمشكلة فحسب، بل في أنها تمنحنا مفتاح الحل. فبدلاً من انتظار تفاقم المشكلات، تدعونا إلى تبني نهج استباقي يركز على التفاصيل الصغيرة ويمنع الفوضى من التجذر.
أولاً، الاتساق هو حجر الزاوية. على المعلمين والإداريين تطبيق القواعد على الجميع، في كل الأوقات. إن تذكير طالب متفوق بضرورة رفع يده ليس تضييعًا للوقت، بل هو تأكيد على أن العدالة والنظام هما أساس بيئتنا المشتركة. هذا الوضوح يزيل الارتباك ويخلق مناخًا آمنًا يشعر فيه الجميع بالاحترام .
ثانيًا، بيئتنا المادية هي انعكاس لقيمنا. لا يتعلق الأمر بالنظافة فقط، بل بخلق مكان يعكس الفخر والاهتمام. عندما يشارك الطلاب في الحفاظ على مدرستهم، فإنهم يطورون شعورًا بالملكية والمسؤولية. إن إصلاح كرسي مكسور على الفور ليس مجرد صيانة، بل هو رسالة قوية بأن "هذا المكان مهم، ونحن نهتم به".
ثالثًا، على كل معلم أن يسأل نفسه بصدق: "هل أنا النافذة المكسورة؟" . فالمعلم الذي يدخل فصله بمزاج سيء، أو يعامل طلابه بقلة احترام، يمكن أن يصبح هو نفسه مصدر الفوضى. إن السلوك المهني، والاحترام المتبادل، والشغف بالتعليم هي أقوى الأدوات لإصلاح أي خلل في ثقافة المدرسة.
في الختام، الدرس الذي تقدمه لنا نظرية النافذة المكسورة بسيط وعميق في آن واحد: التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفرق. إن بناء بيئة تعليمية ملهمة لا يتطلب بالضرورة برامج باهظة الثمن، بل يبدأ من التزامنا اليومي بإصلاح كل "نافذة مكسورة" نراها، مهما بدت صغيرة. فمن خلال هذا الاهتمام بالتفاصيل، يمكننا تحويل مدارسنا من مجرد أماكن للتعلم إلى مجتمعات مزدهرة، يشعر فيها كل فرد بالتقدير والاحترام، ويمتلك القدرة على تحقيق أفضل ما لديه.

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

تعميق مخطط الضم بالضفة



المصادقة على نقل صلاحيات بلدية الخليل لسلطات الاحتلال من قبل الكابينت الإسرائيلي، ستؤدي إلى تغييرات عميقة في إدارة وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة وتعميق مخطط الضم وتسمح بهدم مبان بملكية فلسطينية في المناطق "A" وتهدف هذه القرارات، التي يدفعها وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى توسيع كبير للاستعمار، بحيث أن إلغاءها مقرون بتعقيدات قانونية.
 ويتعلق أحد هذه القرارات بإزالة السرية على سجل الأراضي في الضفة، الذي سيكون مكشوفا ويسمح بالاطلاع على أسماء مالكي الأراضي والتوجه إليهم مباشرة لشرائها مما يشجع على إقامة بؤر استعمارية جديدة، وتوسيع البؤر القائمة بعد الاستيلاء على المزيد من الأراضي لصالح المستعمرين.
 القرارات التي صادق الكابينت عليها تتناقض مع "اتفاق الخليل" عام 1997، وأن حكومة نتنياهو تسعى إلى تنفيذ مخطط ضم الضفة الغربية المحتلة قبل الانتخابات التي ستجري في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بحسب موعدها الرسمي، ويقضي قرار آخر بسن قانون يلغي حظر بيع أراض في الضفة لغير العرب، وإلغاء شرط المصادقة على صفقة عقارات، وأن يكون بإمكان المستعمرين شراء أراض بصفة شخصية وليس بواسطة شركات فقط، وإلغاء الشرط الحالي بأن يشتري يهود عموما ومستعمرون خصوصا عقارات، وبذلك يكون بإمكانهم شراء أراض بحرية وبدون إجراءات بيروقراطية .
 وستنقل سلطات الاحتلال صلاحيات ترخيص المباني في مدينة الخليل، وبضمنها الحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل إلى وحدة "الإدارة المدنية" في جيش الاحتلال التي تخضع لمسؤولية سموتريتش، وسيؤدي هذا القرار إلى توسيع البؤرة الاستيطانية، وإفراغ "اتفاق الخليل" من مضمونه، وستتحول البؤرة الاستعمارية في الخليل إلى سلطة محلية مستقلة، وسيسري ذلك على مسجد بلال بن رباح في بيت لحم الذي سيُفصل عن بلدية بيت لحم من خلال إقامة "مديرية سلطة محلية"، وبذلك "سيتم ضم المنطقة إلى إسرائيل" .
 كما صادق الكابينت على فرض رقابة وإنفاذ على مبان بدون تصريح بناء في المناطق "A" و"B" بزعم أنها تمس مواقع تراث ومواقع أثرية، ما يعني أنه سيكون بإمكان الاحتلال الاستيلاء على أراض فلسطينية وهدم مبان .
 الاحتلال أحكم سيطرته على البلدة القديمة في الخليل، وكافة القرى والتجمعات في المحافظة، حيث نصب 139 بوابة عند مداخل المدينة وبلداتها، وبين أحيائها، إضافة إلى إقامة 118 حاجزًا عسكريًا، وأن سياسة الإغلاق وإحكام السيطرة على محافظة الخليل أثرت بشكل كبير على حركة المواطنين وتنقلهم، إلى جانب تردي الوضع الاقتصادي، وخلق عراقيل جغرافية انعكست سلبا على مختلف القطاعات التعليمية والصحية والتجارية وغيرها .
 كما صعدت قوات الاحتلال والمستعمرين وواصلوا اعتداءاتهم على بلدات وأحياء المحافظة من خلال الاقتحامات المتكررة، والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، في إطار سياسة ممنهجة تستهدف التضييق على المقدسيين وفرض وقائع جديدة على الأرض بينما نفذت قوات الاحتلال اقتحامات لعدد من البلدات والأحياء، تخللها إطلاق قنابل الغاز والصوت، وملاحقة المواطنين، ما أدى إلى حالة من التوتر والخوف، خاصة في صفوف الأطفال والنساء .
 الممارسات التي يقوم بها الاحتلال بحق القدس والخليل تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني ولقرارات الشرعية الدولية، وان سلطات الاحتلال تتحمل المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا التصعيد، ولا بد من المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية تحمل مسؤولياتها، والتحرك العاجل لوقف جرائم الاحتلال والمستعمرين بحق أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والخليل وباقي المحافظات الفلسطينية .




أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تُحاصَر الحكمة في زمن القوة: قراءة في كلمة خالد مشعل بمنتدى الدوحة



في زمنٍ تتراجع فيه السياسة إلى منطق الغلبة، وتُدار فيه الصراعات بمنأى عن القانون والأخلاق، جاءت كلمة الأستاذ خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، خلال مشاركته في منتدى الدوحة، محاولة جادة لإعادة السياسة إلى معناها الأخلاقي والإنساني، رغم إدراكه المسبق بأن العالم الذي يخاطبه لم يعد عالم المبادئ.
ركّز مشعل في كلمته على جملة من النقاط الجوهرية، في مقدمتها التأكيد أن ما يجري في غزة ليس حربًا تقليدية، بل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تُمارس بحق شعب أعزل، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني. وأشار بوضوح إلى أن صمت المجتمع الدولي، أو عجزه عن فرض وقف فوري للعدوان، شجّع إسرائيل على المضي في سياسة القتل والتدمير بلا رادع.
كما شدد مشعل على أن المقاومة الفلسطينية ليست نزوة عسكرية ولا خيارًا أيديولوجيًا معزولًا، بل هي حقّ مشروع كفلته القوانين الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وأن محاولة تجريم المقاومة، أو مساواتها بالإرهاب، تمثل قلبًا للحقائق وتزييفًا للوعي العالمي.
ومن النقاط اللافتة في كلمته، تأكيده أن حركة حماس ليست في صراع مع الشعب اليهودي أو مع أتباع الديانة اليهودية، بل مع المشروع الصهيوني الاستعماري، في محاولة واعية لتفكيك السردية الإسرائيلية التي تسعى لخلط الدين بالاحتلال، وتقديم الصراع بوصفه دينيًا، لا سياسيًا استعماريًا.
كذلك دعا مشعل إلى وقف فوري لإطلاق النار، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية دون شروط، معتبرًا أن استخدام الغذاء والدواء كسلاح حرب يُعدّ جريمة أخلاقية وإنسانية، لا تقل خطورة عن القصف والقتل المباشر. وأكد أن الشعب الفلسطيني، رغم الجراح، لا يزال منفتحًا على أي مسار سياسي عادل يفضي إلى إنهاء الاحتلال، ويضمن حقوقه الوطنية المشروعة.
غير أن هذه اللغة العقلانية، على تماسكها، تصطدم بواقع سياسي بالغ القسوة. ففي المقابل، يواصل بنيامين نتنياهو التهديد والوعيد، مطالبًا بالقضاء الكامل على حركة حماس، ورافضًا أي تهدئة حقيقية، بل يعمل على إطالة أمد الحرب باعتبارها أداة لتحقيق أهدافه السياسية والأيديولوجية، داخليًا وخارجيًا.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: ما يطرحه مشعل من دعوة لاحترام القانون الدولي، والعودة إلى منطق السياسة، يصطدم بعالم تحكمه سطوة القوة، وتديره نماذج سياسية ترى في الحروب فرصة للهيمنة لا مأساة إنسانية. ويجد هذا النهج غطاءً دوليًا، خصوصًا في ظل صعود تيارات سياسية على شاكلة دونالد ترامب، حيث تُختزل العلاقات الدولية في صفقات، وتُهمّش القيم لصالح المصالح.
إن تعثر كل مسارات التهدئة ووقف الحرب لا يعود إلى غياب الطروحات العقلانية، بل إلى أن طرف العدوان لا يريد للحرب أن تتوقف، بل يسعى إلى استمرار نزيف الدم، في إطار رؤية صهيونية متطرفة تقوم على الإقصاء والاقتلاع، لا على التعايش أو التسوية.
كلمة خالد مشعل في منتدى الدوحة كانت متقدمة أخلاقيًا على زمنها، وواضحة في تشخيصها، ونظيفة في منطقها. لكنها وُضعت في سياق دولي مريض، لا يصغي إلا لصوت القوة. وبين خطاب يحاول إنقاذ ما تبقى من معنى للسياسة، وواقعٍ يُدار بالبطش، يبقى السؤال مفتوحًا: هل لا يزال للعقل مكان، حين تُدار الحروب متجاوزة المبادئ وبلا ضمير أو أخلاق؟

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس

نزع السلاح في غزّة والأوهام الثلاثة


 
بعد مضي أربعة أشهر على وقف إطلاق النار، توقّفت حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل في غزّة، لكن العدوان لم يتوقّف، فقد حلّت محلها حرب أخرى بوتيرة أقلّ حدّةً من جانب واحد، أسفرت عن نحو 600 شهيد وأكثر من 1500 جريح، وتدمير آلاف المنازل والمنشآت، مع توسيع "المنطقة الصفراء" وتقليص المساحة القابلة للحياة في القطاع. لم يُفتح معبر رفح إلا قبل أيام، رغم أنه كان من المفترض أن يُفتح في المرحلة الأولى من الاتفاق، وفتحه أقربُ إلى الإغلاق، بفعل تقليص أعداد المسافرين، وفرض شروط مهينة، والتحكّم بتدفق المساعدات الإنسانية ومواد الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار. ورغم تشكيل اللجنة التكنوقراطية قبل شهر بقرار من الإدارة الأميركية وبالتنسيق مع إسرائيل، ومرجعيتها "مجلس ترامب" والمكتب التنفيذي بإشراف المبعوث الأممي نيكولاي ميلادينوف وقيادته، لم يُسمح لها بعد بدخول قطاع غزّة، في رسالة واضحة أنّ إسرائيل صاحبة اليد العليا، وكلّ شيء يجري بموافقتها.
يفرض الواقع الجديد الإقرار بأن الكفاح المسلّح ليس الطريق الوحيد من دون التخلّي عن حقّ المقاومة.
حتى بعد تسليم آخر جثّة إسرائيلية، لم يتغيّر شيء، بل تصاعد العدوان، وارتفع عدد الشهداء، وأعلن بنيامين نتنياهو صراحةً أن إسرائيل لن تقبل بقوة استقرار دولية ذات طابع رقابي أو لحفظ السلام، بل تريدها قوةً لنزع السلاح، مع رفض مشاركة قوات تركية وغيرها، ورفض عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، ورفض قيام دولة فلسطينية لا في الضفة الغربية والقطاع معاً، ولا حتى في القطاع وحده. وتتصرّف الحكومة الإسرائيلية على أساس أن الوقائع الحالية نهائية، فتبني التحصينات والمنشآت العسكرية، وتؤكّد أن السيادة الأمنية الإسرائيلية ستبقى حتى إشعار آخر.
في هذا السياق، وجد الفلسطينيُّ نفسَه أمام معادلة قسرية: إمّا الإبادة الجماعية أو الفصل العنصري، إمّا الاحتلال المباشر أو "مجلس ترامب" الذي يوفّر المظلّةَ السياسيةَ للاحتلال. وقد سقط الرهان على ترامب والثقة به، ولم يعد من بديل سوى الرهان على الذات الفلسطينية أولاً، وعلى حركة التضامن العالمية ثانياً، ثم على العرب والأصدقاء، مع التمسّك بالحكمة والواقعية والتركيز في الصمود وبقاء الشعب في أرضه وقضيته حيّةً، من دون خضوع أو استسلام، ومن دون مغامرة أو انتحار سياسي.
أمام هذا الواقع، يبرز خطر التمسّك بثلاثة أوهام رئيسة يجب الإقلاع عنها فوراً. الأول أن مرحلة رخاء وإعمار قريبة على الأبواب. هذا وهم منفصل عن الواقع، مع استمرار العدوان، والتحكّم الإسرائيلي بمفاصل الحياة كلّها، واستخدام الإعمار سلاحاً سياسياً مشروطاً بنزع السلاح واستدامة السيطرة الأمنية. الثاني الرهان على عودة السلطة الفلسطينية إلى غزّة بصيغتها الحالية. فالسلطة تُقوَّض في الضفة الغربية وتصبح أكثر وأكثر سلطةً بلا سلطة، ويُدفع بها إلى التحوّل وكيلاً وظيفياً يخدم أهداف الاحتلال، أو إلى الانهيار، تمهيداً لاستبدالها بلجان محلّية إدارية معزولة، على غرار نموذج اللجنة التكنوقراطية في غزّة. ويتمثّل الوهم الثالث في بقاء سلطة الأمر الواقع في غزّة، بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا الوهم أخطرها، لأنه يمكن أن تستخدمه دولة الاحتلال، دولة الفصل العنصري، ذريعةً لاستمرار الحرب الحالية أو العودة إلى حرب الإبادة. فإسرائيل، وفق عقيدتها الأمنية الجديدة بعد 7 من أكتوبر (2023)، لن تسمح بعودة الأمور إلى ما كانت عليه، لا اليوم ولا غداً، وستواصل سياسة الضربات الاستباقية، والمناطق العازلة، والوجود العسكري المباشر، ودعم وكلاء محلّيين، ولن تسمح ببقاء سلطة "حماس".
نيات حكومة نتنياهو واضحة: إبقاء الوضع الراهن والتذرّع بسحب السلاح، إلى حين استكمال التحضير وإيجاد الحقائق على الأرض للضمّ والحسم والتهجير وتعميق الفصل العنصري، وصولاً إلى تجسيد مشروع "إسرائيل الكبرى". وقد أعلنت دولة الاحتلال بوضوح استعدادها لاستخدام القوة لنزع السلاح إذا لم يُنزع بالوسائل "الناعمة"، من دون أيّ استعجال، لأن استمرار الوضع الحالي يخدم أهدافها.
في المقابل، لم نسمع أيَّ إدانةٍ أميركيةٍ للخروقات الإسرائيلية، بل إشادة بما تسمّيها "إنجازات"، وتشديداً متكرّراً على ضرورة نزع سلاح غزّة، ما يوفّر غطاءً وضوءاً أخضرَ لاستمرار العدوان. والأخطر أن الشهور تمضي من دون بدء تفاوض فعلي حول السلاح، رغم إمكانية ذلك في المرحلة الأولى، لاستخدامه ذريعةً لاستمرار العقوبات الجماعية، وبقاء غزّة منطقةً غير قابلة للحياة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة لمسألة السلاح، تقوم على التحلّي بأقصى درجات المرونة، وتتضمّن عدم ربط نزع السلاح بأفق سياسي أو بقيام الدولة الفلسطينية أو بالوحدة الوطنية، لأن هذا وذاك شرطان غير قابلين للتحقّق حالياً، وعدم ربطه بمطالب فئوية فصائلية، لأن الحقوق ومصلحة الشعب أهم من مصلحة الأفراد والفصيل؛ بحث خيار تجميع السلاح الثقيل، خصوصاً الصواريخ، ووضعه في أيدٍ صديقة ضمن ترتيبات واضحة، وربط تنظيم السلاح مباشرةً بإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي، فالإعمار الجدّي والسريع وحده يقطع الطريق على التهجير؛ رفض تسليم ما تبقّى من سلاح فردي في ظلّ استمرار الاغتيالات وتسليح العصابات العميلة واعتداءاتها، بما يهدّد السلم الأهلي بالفوضى والفلتان الأمني، إلا إذا توافرت قوة أمنية محلية أو قوة استقرار دولية موثوقة.
الهدف منع تحويل السلاح ذريعةً لاستمرار الحرب أو العودة إلى الإبادة، ومنع عرقلة الإعمار وفتح معبر رفح فتحاً حقيقياً. لا سيّما أن المقاومة نفسها أبدت استعداداً لتنظيم السلاح ووضعه عند جهة صديقة، ولهدنة طويلة الأمد يمكن أن تستمرّ عشر سنوات، تجمّد المقاومة المسلّحة في قطاع غزّة، في ضوء النتائج الكارثية التي وقعت، بعدما دفع أهل القطاع أثماناً تفوق طاقتهم.
تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة لمسألة نزع السلاح تقوم على عدم ربطه بالدولة الفلسطينية أو بالوحدة الوطنية
هناك حاجة ملحّة اليوم إلى نقاش وطني جادّ حول أشكال النضال والمقاومة بعد "طوفان الأقصى". فالواقع الجديد يفرض الإقرار بأن الكفاح المسلّح ليس الطريق الوحيد ولا الرئيس في هذه المرحلة، من دون التخلّي عن الحقّ في المقاومة بكل أشكالها، فالمقاومة أوسع من السلاح، والهدف الحقيقي للاحتلال كسر إرادة المقاومة وكسر صمود الشعب وتمسّكه بحقوقه والنضال لتحقيقها، لا مصادرة البنادق.
لقد علّمتنا التجارب السابقة أن تأجيل القرارات تحت أوهام لن تتحقّق، من قبيل الرهان على ترامب أو على تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، وبحجة تحسين شروط التفاوض، قد يؤدّي في النهاية إلى شروط أسوأ، كما حدث في ملفّات التبادل وغيرها. من هنا، فإن المطلوب اليوم هو تقليل الخسائر، وتوفير شروط الصمود الفاعل، وإحباط مخطّط تصفية القضية، وقطع الطريق على فرض الوصاية والبدائل التي تطلّ برأسها بقوة، والعمل الجادّ بمقاربات جديدة لترتيب البيت الفلسطيني على أساس رؤية شاملة للوضع الراهن وآفاقه، وأخذ كل السيناريوهات في الحسبان، خصوصاً المرجّحة، واعتماد سياسات واقعية وطنية وثورية، بالاستناد إلى القواسم المشتركة، وتكامل وطني حول ما يمكن الاتفاق عليه أولاً وصولاً إلى شراكة حقيقية ووحدة وطنية على أساس إجراء تغيير شامل وإعادة صياغة المشروع الوطني والاستراتيجيات المناسبة، بما يحفظ وحدة القضية والأرض والشعب والرواية والحقوق والأهداف، وتشكيل قيادة وطنية موحّدة قادرة على تحقيقه.

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

من وهم التسوية إلى تكريس الاحتلال


مع قرارات حكومة الاحتلال الأخيرة أصبحت أوسلو بلا معنى، ليس فقط على الأرض بل كوثيقة تفاهمات من أجل التوصل إلى التسوية العادلة والحل الشامل، تلا ذلك تصريحات لوزير مالية الاحتلال، والتي قال فيها: نحن بهذه القرارات ندفن قيام الدولة الفلسطينية، وهو يعني ذلك لما تمثله تلك القرارات من قضم وضم وتهويد، إلى جانب تضييق حياة الفلسطيني ودعم المستوطنين وتوفير الحماية لهم ليواصلوا اعتداءاتهم على الناس الذين لا يجدون الحماية من أحد، ويتعرضون للتنكيل الدائم، خاصة في المناطق الريفية وعلى أطراف المدن الفلسطينية.
سقطت أوسلو ولا أسف عليها. صحيح أنها كانت نواة لقيام الدولة الفلسطينية، لكنها بعد سنوات طويلة أصبحت عبئًا يثقل كاهل الفلسطيني بالاشتراطات والتعهدات والوعود، ولأنها لم تصل بنا إلى الدولة المنشودة فلا أسف عليها، لأن الهدف منها لم يتحقق، وذلك بفعل الرفض الإسرائيلي وتعنت الحكومات المتعاقبة، خاصة حكومات اليمين المتطرف الذي أراد أن ينهي أوسلو لما يعتبرها الخطيئة الكبيرة التي ارتكبها حزب العمل آنذاك حين قام بالتوقيع عليها في حديقة البيت الأبيض برعاية دولية وحضور أممي وعالمي. وقد سعى اليمين الإسرائيلي منذ ذلك اليوم لقتل عملية السلام التي ما إن انطلقت حتى اغتيل رئيس حكومة إسرائيل آنذاك إسحق رابين على يد أحد أعضاء اليمين المتطرف، وتوالت السنوات، وكلما انفكت عقدة نحو الحل وضع نتنياهو عشر عقد إضافية في الطريق الذي ظل متعثرًا حتى اليوم، وبقيت أوسلو تثقل كاهل الفلسطيني قيادةً وشعبًا بتعهدات واشتراطات، بينما ظل الجانب الإسرائيلي يتهرب من تنفيذ استحقاقات الاتفاق والبنود التي اتفق عليها.
ما سعى إليه اليمين العنصري بزعامة نتنياهو يحاول فرضه تارة بالقوة العسكرية والبطش والإبادة، وتارة أخرى بقوانين عسكرية تسهم في خلق واقع على الأرض مختل في الجغرافيا ومعتل في الديموغرافيا، وتصبح إمكانية قيام الدولة الفلسطينية أمرًا مستحيلًا حين تقطع المستوطنات كل تواصل جغرافي بين المدينة والقرية والمخيم، كما وُضعت القدس في عزلة عن محيطها العربي الفلسطيني، محاصرة بالجدار ومحاطة بالمستوطنات من كل الجهات. وهذا كله يحدث بينما صوت العالم خافتًا، فلا المؤسسات الدولية ومجلس الأمن يتحركان لحماية قراراتهما الصادرة عنهما، ولا ترامب يغير من سياساته وانحيازه المفرط، ولا الإقليم قادرًا على درء الأخطار التي تحدق بالقضية الفلسطينية، ولا الشعب الفلسطيني متحدًا وفق استراتيجية عمل موحدة وخط دفاعي يجمع عليه الكل الفلسطيني، ليكون خيط نجاة في هذه المرحلة الخطيرة من عمر قضيتنا الوطنية.

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة وانكشاف النظام الدولي: حين تحولت الإدانة إلى إدارة للإبادة



 ما يجري في غزة لا يمكن قراءته بوصفه فشلًا عابرًا للنظام الدولي، ولا خللًا مؤقتًا في آليات الاستجابة، بل بوصفه لحظة السقوط الكامل لمنظومة ادّعت، على مدى عقود، أنها قائمة على القانون الدولي، وحماية المدنيين، ومنع الإبادة الجماعية. في غزة، لم يَغِب النظام الدولي، بل كان حاضرًا بكل مؤسساته، وخطابه، وبياناته، واختار بوعي أن يكتفي بالإدانة والقلق، أي أن يكون شاهد زور منظّمًا على الجريمة.
غزة هنا ليست اختبارًا للنظام الدولي، بل لحظة كشف لوظيفته الحقيقية حين يتعارض القانون مع القوة، وحين تصبح العدالة عبئًا سياسيًا لا يمكن تحمّله. فالمشكلة لم تكن في عجز المنظومة، بل في طبيعة اختياراتها.
الإدانة، والاستنكار، والتعبير عن القلق، لم تعد أدوات ضغط رمزية كما تصفها أدبيات السياسة الرمزية، بل تحولت في الحالة الغزّية إلى آليات تشغيل يومي للإفلات من العقاب. فاللغة هنا لا تعبّر عن رفض، بل تؤدي وظيفة سياسية دقيقة: امتصاص الصدمة، تبريد الغضب، ومنح الوقت الكافي لاستكمال الفعل العسكري دون كلفة دولية تُذكر. حين تُباد أحياء كاملة، ويُستهدف المدنيون بشكل منهجي، ثم يُقال إن الوضع مقلق، فإن الجريمة لا تُدان، بل يُعاد تعريفها بوصفها أزمة قابلة للإدارة (Edelman, 1988).

وبهذا المعنى، لا تعمل الإدانة ضمن منطق الأخلاق الدولية، بل ضمن منطق إدارة الصراع كما تصفه الواقعية النقدية: ضبط السلوك الخطابي دون تغييره فعليًا، وتحويل اللغة إلى بديل عن الفعل.
الموقف الأوروبي يقدّم النموذج الأوضح لهذا الانهيار البنيوي. الاتحاد الأوروبي، الذي شيّد صورته الدولية على خطاب القيم وحقوق الإنسان، ظهر في غزة ككيان مفصول أخلاقيًا بالكامل عن خطابه. بيانات متلاحقة، قلق متصاعد، دعوات إنسانية عامة، لكن دون أي استعداد لربط هذه اللغة بأدوات السياسة الخارجية الفعلية. لم تُمس اتفاقيات الشراكة، لم يُوقف تصدير السلاح، ولم تُفعّل آليات المساءلة. أوروبا لم تكن عاجزة عن الفعل، بل اختارت ألا ترى، لأن الرؤية كانت ستفرض كلفة سياسية لا تريد دفعها (Mearsheimer, 2018)
ما جرى لم يكن انفصالًا عابرًا بين القيم والممارسة، بل لحظة اختيار واعٍ للتخلي عن القيم حين تصبح مكلفة. والمقارنة مع أوكرانيا هنا ليست تفصيلًا ولا استدعاءً دعائيًا، بل إدانة بحد ذاتها: القيم ذاتها، والقانون الدولي ذاته، لكن سلوك مختلف بالكامل. ما يعني أن القيم لم تعد معيارًا ناظمًا، بل أداة انتقائية تُستخدم وفق هوية الضحية والجاني.م تُصمَّم للضغط على المعتدي، بل لاحتواء الشارع، وتفريغ الغضب في لغة إنشائية لا تترتب عليها أي التزامات سياسية أو قانونية. لقد تحولت فلسطين، وغزة تحديدًا، إلى مناسبة دورية لإعادة إنتاج العجز نفسه، بصيغة أكثر بلاغة وأقل أثرًا.

الإدانة العربية هنا لا تعكس فقط ضعف النظام الإقليمي، بل وظيفته الفعلية في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، ولو كان ذلك على حساب فلسطين، ما يجعل هذا الخطاب جزءًا من بنية الانهيار الإقليمي لا مجرد انعكاس له (Barnett & Solingen, 2007).
أما روسيا والصين، فتتعاملان مع غزة بوصفها ساحة من ساحات الصراع مع الغرب، لا بوصفها قضية عدالة أو إبادة جماعية. مواقفهما التي تنتقد استهداف المدنيين وتستدعي القانون الدولي لا تتجاوز كونها استثمارًا سياسيًا محسوبًا في انهيار الخطاب الغربي، لا محاولة حقيقية لوقف الجريمة. الإدانة هنا مصممة بدقة بحيث لا تفرض أي التزام عملي، ولا تُخلّ بالتوازنات الكبرى (Walt, 2002).
وهذا لا يساوي بين الأطراف أخلاقيًا، بل يكشف أن الفراغ الأخلاقي بات سمة عامة في إدارة النظام الدولي، وأن غزة لم تُنتج هذا الفراغ، بل فضحته.
لقد كشفت غزة أن ازدواجية المعايير لم تعد استثناءً أو انحرافًا طارئًا، بل أصبحت القاعدة التشغيلية للنظام الدولي. لم يعد القانون الدولي معيارًا عامًا يُطبّق على الجميع، بل أداة تُستخدم حسب هوية الفاعل. الجريمة لا تُقاس بطبيعتها، بل بمن يرتكبها، والضحايا لا يُصغى إليهم إلا إذا انسجم دمهم مع خرائط المصال (Koskenniemi, 2005). ،في هذا السياق، تصبح الإدانة وسيلة لإعادة تعريف الجريمة لا لمواجهتها، ويغدو القلق آلية لإطالة أمدها لا لإنهائها.

إن ما انهار في غزة ليس فقط منظومة القيم الدولية، بل الادعاء ذاته بوجود نظام دولي عادل، أو حتى قابل للإصلاح من داخله. فالنظام الذي لا يفشل في منع الإبادة فحسب، بل يديرها لغويًا، هو نظام فقد مبرر وجوده. والإدانة التي لا تفرض كلفة ليست حيادًا، بل تواطؤ. والقلق الذي لا يغيّر سلوكًا ليس إنسانية، بل سياسة باردة تُقاس فيها الدماء بميزان التحالفات.
غزة، بهذا المعنى، ليست مأساة معزولة، بل نقطة الانكشاف الكبرى؛ اللحظة التي سقط فيها القناع، وظهر النظام الدولي كما هو: منظومة تُجيد الكلام عن العدالة، وتعجز — أو ترفض — أن تمارسها. وما سيأتي في هذه السلسلة ليس بحثًا عن بديل جاهز، بل تفكيكًا لما لم يعد قابلًا للدفاع عنه.

باحث دكتوراة في العلاقات الدولية


أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

فخ تسليم المفاتيح!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

بحسن نية، أو بسوء طويّة، بسذاجة العالم، أو بجهالة الجاهل، يعود بعض المحللين والسياسيين الشعبويين لدعوة السلطة إلى تسليم المفاتيح لسجّانها ومن يسنّ قوانين إعدامها، ويُهيئ الأرض لتقويضها وتجفيف منابعها وتجاوز زمنها.
ليس ثمة خدمة تُقدَّم لسموتريتش أكثر من تلك الوصفة الشيطانية، التي من شأنها أن تنشر الفوضى، فصاحب خطة الحسم يعشق الفراغ، ويتمناه ليرفع به الغطاء القانوني الذي تمثله السلطة، ولا تملكه أيّ من التنظيمات والفصائل المتفلتة من أي التزامات، والتي تسعى لحصد اللايكات للحفاظ على ما تبقى من مؤيديها، بعد أن تآكلت شعبيتها، وتقادمت شرعياتها، وانفض الناس من حولها. فالسلطة، رغم ضعفها، وتصلب شرايينها، تمثل "الشخصية القانونية"  في الأمم المتحدة والجنائية الدولية وفي جميع المنظمات الأممية.. ولهذه الأسباب تجري شيطنتها.
إن المعركة اليوم ليست في التخلص من  عبء السلطة، بل في تحويل هذا العبء إلى أداة اشتباك سياسي وقانوني. فالمفاتيح التي يطالب البعض بإلقائها في وجه السجان هي ذاتها التي توصد الأبواب أمام شرعنة الاستيطان، وتسليمها ليس صرخة احتجاج، بقدر ما هو إخلاء لآخر متاريس المواجهة الرسمية قبل الانكشاف الكامل أمام الحسم الشامل الذي ينتظره
من يتلمظون لحظة حدوثه، ويفركون أصابعهم لاستعجال وقوعه.
لا ينبغي للمكايدات السياسية، ولا لنوازع الانتقام والتشفي الفصائلية بالسلطة وأخطائها، حتى لو كانت مثل زبد البحر، أن تدفع تلك الفصائل للتنكر لأهمية وجودها وتمني زوالها، لأن أحدًا لن يكون بمنأى عن مخاطر وتداعيات إطاحتها.  
تسليم المفاتيح لا يحمل سوى معنى واحد فقط: مجاراة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير في مخططاتهم، وملاقاتهم عند خياراتهم.


عربي ودولي

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب عشية لقاء نتنياهو: "اتفاق جيد" مع إيران... ومفاوضات "مختلفة" تحت ظل حاملات الطائرات

عشية استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يطلق رسالة مركّبة: طمأنة سياسية للحليف الإسرائيلي بأن أي تفاهم مع إيران لن يكون "رخوًا"، وتحذير مباشر لطهران بأن خيار القوة ما زال حاضرًا، وربما أقرب مما تتصور. وبحسب موقع "أكسيوس"، قال ترمب إن نتنياهو "يريد اتفاقًا أيضًا... اتفاقًا جيدًا" ، مؤكدًا أن المحادثات النووية الجارية مع إيران "تبشر بالخير"، وأنها هذه المرة "مختلفة تمامًا".

في الظاهر، تبدو تصريحات ترمب محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في ملف شديد الحساسية، طالما كان مصدر احتكاك بين الإدارات الأميركية المتعاقبة والحكومات الإسرائيلية. لكن ما بين السطور، يتضح أن ترمب لا يقدّم التفاوض بوصفه مسارًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل كامتداد مباشر لميزان ردع تشكّل بالقوة قبل عام تقريبًا، عندما نفذت الولايات المتحدة في حزيران 2025 ضربات على مواقع نووية إيرانية في ختام حرب إسرائيل وإيران التي استمرت 12 يومًا، وجاءت بعد أيام من انهيار المسار الدبلوماسي.

وبحسب "أكسيوس"، استعاد ترمب تلك اللحظة ليؤكد أنه رئيس "يفعل ما يقول"، قائلاً إن الإيرانيين "في المرة الماضية لم يصدقوا أنني سأفعلها"، وإنهم "بالغوا في تقدير قوتهم". غير أن الاستعادة لم تكن مجرد تذكير، بل تأسيس لمعادلة تفاوضية جديدة عنوانها: الاتفاق تحت ضغط التهديد، لا الاتفاق عبر التنازلات المتبادلة.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين لغة ترمب ولغة الإدارات السابقة: فالرئيس الأميركي لا يتحدث عن "خفض التصعيد" أو "بناء الثقة"، بل عن "اتفاق ممتاز" من جهة، و"إجراء حازم للغاية" من جهة أخرى إذا فشلت المحادثات. وهذا ما يجعل المفاوضات تبدو أقرب إلى اختبار إرادات، لا إلى تسوية تقنية على نسب التخصيب أو آليات التفتيش.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن ما يميّز مقاربة ترمب أنه لا يفصل بين الدبلوماسية والقوة، بل يدمجهما في رسالة واحدة تُدار وفق منطق الصفقة: "اتفاق ممتاز" مقابل "ثمن باهظ". هذا النموذج قد ينجح في انتزاع تنازلات تكتيكية، لكنه يحمل مخاطرة إستراتيجية، لأن إيران قد تقرأ التهديدات باعتبارها مقدمة لضربة لا مجرد ورقة تفاوض. وعندها يصبح هدف طهران ليس الاتفاق، بل شراء الوقت، وتوسيع هامش الردع عبر وكلائها في المنطقة.

وبحسب "أكسيوس"، شدد ترمب على أن أي اتفاق مع إيران "من البديهي" أن يشمل منشآتها النووية، مضيفًا أنه يتوقع إمكانية إدراج برنامجها الصاروخي أيضًا. وهذه نقطة حساسة تاريخيًا، لأن طهران اعتادت اعتبار برنامجها الصاروخي "غير قابل للتفاوض"، وتربطه مباشرة بمفهوم الأمن القومي بعد عقود من العقوبات والتهديدات والحروب بالوكالة.

زيارة نتنياهو إلى واشنطن تأتي إذن كاختبار سياسي مزدوج: اختبار لمدى قدرة الإدارة الأميركية على ضبط إيقاع التفاوض دون أن تتحول إسرائيل إلى عامل تفجير، واختبار لمدى استعداد نتنياهو لتقبّل اتفاق لا يصل إلى سقف "التفكيك الكامل" للبنية النووية الإيرانية. ترمب حاول تبديد الانطباع بأن نتنياهو يقف ضد المسار الدبلوماسي، مؤكداً أنه ليس معارضًا للمحادثات، بل يريد "اتفاقًا جيدًا". غير أن هذه العبارة نفسها تحمل هامشًا واسعًا للتفسير: "الجيد" بالنسبة لواشنطن قد يعني قيودًا قابلة للتحقق، أما "الجيد" بالنسبة لتل أبيب فقد يعني حرمان إيران نهائيًا من أي قدرة تخصيب، وهو مطلب يصعب فرضه دبلوماسيًا.

في المقابل، يتحرك البعد العسكري كظل ثقيل فوق طاولة التفاوض. فقد أعلن ترمب، بحسب "أكسيوس"، أنه يدرس إرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط إذا فشلت المفاوضات، مشيرًا إلى أن "أسطولًا متجهًا إلى هناك، وقد ينطلق أسطول آخر". وفي الأسابيع الأخيرة، عززت الولايات المتحدة وجودها البحري والجوي في المنطقة، بما يوفّر عنصر ضغط سياسي، وقوة نارية جاهزة لأي سيناريو.

وعلى الأرض، بدأت تظهر إشارات اشتباك محدود: القوات الأميركية أسقطت طائرة مسيّرة قالت إنها اقتربت أكثر من اللازم من حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، وقدمت المساعدة لسفينة ترفع العلم الأميركي حاولت القوات الإيرانية إيقافها في مضيق هرمز، المدخل الضيق للخليج. ورغم أن هذه الوقائع تبدو تكتيكية، فإنها تكشف هشاشة الوضع، لأن أي خطأ حسابي قد يحوّل "الضغط" إلى مواجهة.

في هذا المشهد، عادت سلطنة عُمان إلى لعب دور الوسيط، في أول تواصل عملي بعد حرب الأيام الاثني عشر. زيارة علي لاريجاني إلى مسقط، بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، حملت إشارات رمزية مهمة، خصوصًا مع تداول صور له إلى جانب وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي وهو يحمل ما يبدو أنه رسالة مغلّفة. تاريخيًا، تعتمد إيران الرسائل المكتوبة كقناة مفضلة في التعامل مع واشنطن، لأنها تمنحها القدرة على ضبط اللغة، وترك مساحة للتأويل، وتجنب الإحراج العلني.

وتحدثت وسائل الإعلام الإيرانية عن "رسالة مهمة" سيحملها لاريجاني، لكن التلفزيون الإيراني الرسمي فاجأ المتابعين بالإشارة إلى أن البوسعيدي "سلّم رسالة" إلى لاريجاني، دون تحديد مصدرها. هذا الغموض قد يكون مقصودًا: طهران لا تريد أن تظهر وكأنها تتلقى "شروطًا أميركية" في لحظة توتر داخلي وإقليمي، وواشنطن لا تريد أن تُتهم بأنها تفاوض من موقع ضعف.

 

وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية قالت إن لاريجاني التقى أيضًا سلطان عُمان هيثم بن طارق لنحو ثلاث ساعات، فيما ذكرت وكالة الأنباء العُمانية أن الطرفين ناقشا "آخر التطورات" و"سبل التوصل إلى اتفاق متوازن وعادل"، مع التأكيد على أهمية العودة إلى طاولة الحوار. اللافت كذلك أن لاريجاني التقى محمد عبد السلام، المتحدث باسم الحوثيين، في خطوة توحي بأن طهران تربط المفاوضات بملف النفوذ الإقليمي ووكلائها، لا بالبرنامج النووي وحده.

ومن المرجح أن يتوجه لاريجاني لاحقًا إلى قطر، التي تستضيف قاعدة العديد الأميركية الرئيسية، وهي القاعدة التي هاجمتها إيران في حزيران الماضي بعد قصف مواقع نووية إيرانية. هذه المحطة تضيف بعدًا آخر: إيران تلوّح بأنها قادرة على توسيع نطاق الرد إذا شعرت بأن واشنطن تستعد لتكرار سيناريو القصف.

وفي هذا السياق، اتهم لاريجاني إسرائيل بمحاولة لعب "دور تخريبي" في المحادثات، محذرًا من أن نتنياهو قد يسعى إلى فرض "إطار تفاوضي" على الأميركيين قبل وصوله إلى واشنطن. مثل هذا الكلام يعكس حساسية إيران من البعد الإسرائيلي في الملف النووي، لكنه في الوقت نفسه يلمّح إلى أن طهران لا ترى الاتفاق مع واشنطن منفصلاً عن صراعها المفتوح مع إسرائيل.

ويرى محللون أن زيارة لاريجاني لمسقط لا تبدو مجرد محطة تفاوضية، بل إعادة تموضع إيراني بعد حرب 2025: طهران تريد أن تقول إنها قادرة على الجمع بين "المسار الدبلوماسي" و"شبكة النفوذ الإقليمي" في آن واحد. لقاءات لاريجاني مع الحوثيين وإشارته إلى "الدور التخريبي" لإسرائيل توحي بأن إيران ستستخدم ملفات المنطقة كأوراق ضغط متبادلة، وأن أي اتفاق نووي لن يكون معزولًا عن أمن الملاحة في هرمز، وعن قواعد أميركا في الخليج، وعن توازن الردع مع إسرائيل.

في المحصلة، تبدو تصريحات ترمب محاولة لفرض إطار تفاوضي جديد يقوم على ثلاث ركائز: ضغط عسكري متصاعد، وساطة عُمانية تقليدية، وضمانة إسرائيلية سياسية عبر لقاء نتنياهو. لكن نجاح هذا الإطار سيعتمد على نقطة واحدة: هل تريد إيران اتفاقًا لأنها مقتنعة به، أم لأنها تريد تفادي ضربة مؤلمة مؤقتًا؟ وهل تستطيع واشنطن ضبط حسابات إسرائيل إذا شعرت تل أبيب أن الاتفاق لا يلبّي تعريفها للأمن؟

حتى الآن، يقول ترمب إن المحادثات "مختلفة". لكن الشرق الأوسط علّم الجميع أن الاختلاف الحقيقي لا يُقاس بالتصريحات، بل بقدرة الأطراف على منع الانزلاق من التفاوض إلى الحرب.

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 9:10 صباحًا - بتوقيت القدس

المنصب لا يغيّرك ،،، بل يفضحك: كيف تصنع التربية شكل القائد؟



وأنا أقرأ مقال د. حسن بشارات المعنون «التحولات السلوكية لدى الأفراد بعد تولّي المناصب الإدارية»، تزامن ذلك مع حديث دار بيني وبين صديق مساء أمس. قال لي ببساطة لافتة: "بمجرد أن يجلس الشخص على الكرسي، يتغيّر ... كأنك لا تعرفه." هذه العبارة الشعبية تختصر سؤالًا عميقًا: هل المنصب يصنع إنسانًا جديدًا؟ أم أنه يكشف ما كان مستترًا فيه منذ البداية؟ ومن هنا جاء هذا الاجتهاد: محاولة فهم العلاقة بين التنشئة، والتعليم، والقيادة، في ضوء فكرة أعمق من مجرد "الجلوس على الكرسي".
التحليل النفسي والاجتماعي يقودنا إلى نتيجة واضحة: السلطة لا تخلق الشخصية، بل تضخّمها. الكرسي يعمل كعدسة مكبّرة؛ ما كان صغيرًا في الداخل يصبح ظاهرًا في السلوك. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا يفعل المنصب بالإنسان، بل ماذا فعلت به أسرته ومدرسته وتجارب تعلمه قبل أن يصل إليه.
من البيت يبدأ شكل القائد
الأسرة هي المدرسة الأولى للسلطة. الطفل الذي نشأ في بيئة تحترم رأيه وتضبطه دون إهانة، يتعلم أن القيادة تعني التوجيه لا القهر. أما من تربّى على الخوف أو الإقصاء، فقد يرى في المنصب فرصة لتعويض هشاشة داخلية. ما نطلق عليه ثقافيًا "الأصل الطيب" ليس مجرد مدح اجتماعي، بل توصيف لمنظومة قيم: ضبط النفس، احترام الناس، الشعور بالمسؤولية، والقدرة على العدل.
هذه القيم لا تتكوّن فجأة عند صدور قرار تعيين. إنها تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية: كيف كان الأب يتعامل مع خلاف، كيف كانت الأم تضبط الغضب، كيف كان البيت يدير الحوار. من تعلّم في طفولته معنى العدل، لن يحتاج إلى تذكير أخلاقي عندما يُمنح سلطة.
أما المدرسة فهي ليست فقط مكانًا لتلقي المعلومات، بل مختبرًا يوميًا لإدارة السلوك. هناك يتعلم الطالب احترام النظام، قبول النقد، العمل ضمن فريق، وتحمل نتيجة قراراته. غير أن المدرسة التي تختزل التعليم في الامتحان، وتُهمل التربية القيمية، قد تُخرّج أفرادًا متفوقين معرفيًا لكنهم هشّون سلوكيًا.
التعليم الحقيقي هو بناء القدرة على التنظيم الذاتي: ضبط الانفعال، إدارة القلق، الفصل بين الرأي والشخص، وتحمل المسؤولية. وهذه المهارات هي جوهر القيادة قبل أن تكون أدواتها.

في هذا السياق يكتسب الحديث النبوي الشريف «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» معنى قياديًا عميقًا. الرسالة هنا لا تربط المسؤولية بالمنصب الرسمي فقط، بل تجعل كل إنسان في موقع رعاية أينما كان: في البيت، في المدرسة، في العمل، في المجتمع. بمعنى آخر، الإنسان يتقلد منصبًا أخلاقيًا قبل أن يتقلد منصبًا إداريًا.
الراعي ليس متسلطًا، بل مؤتمنًا. والرعاية ليست سيطرة، بل حفظ وصيانة وعدل. هذا المفهوم يقلب فهم السلطة رأسًا على عقب: المنصب ليس امتيازًا، بل أمانة. والقيادة ليست تفوقًا، بل مسؤولية مضاعفة.
عندما نقرأ هذا الحديث في ضوء علم القيادة المعاصر، نجد أنه يختصر مفهوم "القيادة الخادمة" و"القيادة الأخلاقية". فالقائد الحقيقي هو من يرى نفسه مسؤولًا عن نمو من يقودهم، لا عن إخضاعهم. ومن يفهم الرعاية بوصفها مسؤولية يومية، لن يتغير سلوكه فجأة عند الجلوس على الكرسي، لأنه كان يمارس القيادة في كل موقع سابق.

التغير الذي يلاحظه الناس غالبًا ليس تحولًا جوهريًا، بل انكشافًا. من كانت مسؤوليته الأخلاقية ضعيفة قبل المنصب، ستنكشف تحت الضغط. ومن لم يتعلم إدارة ذاته، سيستخدم السلطة لإدارة قلقه. أما من تشكّلت شخصيته على معنى الرعاية والعدل، فسيظل متوازنًا لأن المنصب امتداد لقيمه لا بديلًا عنها.
هنا يتضح جوهر الفكرة: القيادة تبدأ من إدارة الذات. من لا يستطيع ضبط غضبه، أو قبول النقد، أو مراجعة خطئه، لن ينجح في رعاية الآخرين مهما كان موقعه. إدارة الآخرين دون إدارة النفس وصفة لخلل تنظيمي وأخلاقي.

إذا أردنا مؤسسات صحية، فعلينا أن نعيد النظر في معايير اختيار القيادات. الكفاءة الفنية مهمة، لكنها غير كافية. الأهم هو النضج النفسي، والوعي الأخلاقي، والقدرة على تحمّل الأمانة. لأن المنصب لا يصنع القائد، بل يختبره.
والخلاصة الصريحة:
الإنسان مسؤول في كل موقع، لا فقط حين يُمنح لقبًا.
وكل من يرى نفسه راعيًا قبل أن يكون مديرًا، لن يتغير عند الجلوس على الكرسي، لأنه أدرك مبكرًا أن القيادة ليست موقعًا، بل سلوكًا دائمًا.
فالكرسي قد يرفع الإنسان إداريًا، لكنه لا يرفعه أخلاقيًا. الذي يرفعه حقًا هو ما تعلّمه في بيته، وما صقلته مدرسته، وما وعاه من معنى المسؤولية والرعاية.

فلسطين

الأربعاء 11 فبراير 2026 8:06 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة أمريكية مرتقبة لنزع سلاح حماس مقابل الإعمار وقوات دولية في غزة

كشفت مصادر صحفية أمريكية عن تحركات مكثفة يقودها فريق الرئيس المنتخب دونالد ترامب، وتحديداً المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، لصياغة خطة تهدف إلى نزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة. وتأتي هذه المبادرة كجزء من رؤية الإدارة الأمريكية الجديدة لإنهاء الصراع المستمر منذ أكتوبر 2023، حيث من المتوقع عرضها رسمياً خلال الأسابيع القليلة المقبلة لتكون خارطة طريق للمرحلة المقبلة.

وتعتمد الخطة المقترحة على تسلسل زمني دقيق يمتد لعدة أشهر، حيث تركز المرحلة الأولى على ضرورة تسليم الحركة لكافة الأسلحة الثقيلة والمعدات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الصواريخ القادرة على استهداف العمق الإسرائيلي. وبحسب المسودة المسربة، فإن المقترح يلحظ إمكانية السماح لعناصر الحركة بالاحتفاظ بأسلحة خفيفة بشكل مؤقت وضمن ضوابط محددة خلال فترة انتقالية، قبل الوصول إلى التجريد الكامل من السلاح.

وتربط الإدارة الأمريكية بين تنفيذ هذه الشروط الأمنية وبين ملف إعادة إعمار قطاع غزة الذي تحول إلى ركام نتيجة العمليات العسكرية المستمرة. وتؤكد المصادر أن واشنطن تضع نزع السلاح كشرط لا غنى عنه للموافقة على نشر قوات دولية في القطاع، وتوفير الضمانات اللازمة لتدفق أموال الإعمار والبدء في بناء البنية التحتية والمرافق الحيوية التي دمرتها الحرب.

ميدانياً، تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في ظل واقع معقد، حيث لا تزال الهدنة التي بدأت في العاشر من أكتوبر 2025 تواجه خروقات مستمرة من الطرفين. وتشير تقديرات جيش الاحتلال إلى أن حماس لا تزال تحتفظ بقوة عسكرية تقدر بنحو 20 ألف مقاتل، يمتلكون ترسانة تضم قرابة 60 ألف بندقية آلية، مع استمرار تحصن عدد من المقاتلين في شبكات الأنفاق المعقدة القريبة من منطقة معبر رفح الحدودي.

من جانبه، يتمسك الاحتلال بموقفه الرافض للانسحاب الكامل من المناطق التي سيطر عليها، والتي تتجاوز حالياً نصف مساحة قطاع غزة، قبل التأكد من تفكيك القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية بشكل نهائي. وتشدد تل أبيب على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تضمن عدم قدرة الفصائل على إعادة بناء ترسانتها الصاروخية أو تهديد أمن المستوطنات المحيطة بالقطاع مرة أخرى.

وعلى صعيد المواقف الداخلية، نقلت تقارير عن وجود حالة من الانقسام والجدل داخل أروقة قيادة حركة حماس بشأن التعاطي مع هذا المقترح الأمريكي. ويسود تخوف لدى بعض القيادات من أن يؤدي القبول بنزع السلاح إلى فقدان السيطرة الأمنية والسياسية على القطاع، مما يجعل الحركة في موقف ضعف أمام الضغوط الدولية والإسرائيلية المتزايدة.

وفي خضم هذه التجاذبات السياسية، تستمر المعاناة الإنسانية في التفاقم، حيث تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى ارتقاء أكثر من 72,032 شهيداً منذ اندلاع المواجهات. ومع نزوح غالبية سكان القطاع، يظل فتح معبر رفح بشكل دائم وتدفق المساعدات رهناً بالتوصل إلى اتفاقات أمنية شاملة، وسط ترقب لما ستسفر عنه جهود فريق ترامب في إحداث خرق حقيقي في هذا الملف الشائك.

اقتصاد

الأربعاء 11 فبراير 2026 8:06 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق سعودي تركي لإنتاج مروحيات 'غوكباي' المتطورة داخل المملكة

شهدت العاصمة السعودية الرياض توقيع مذكرة تفاهم استراتيجية بين المملكة وتركيا، تهدف إلى إطلاق مشروع للإنتاج المشترك للمروحية التركية متعددة المهام 'غوكباي'. وجرت مراسم التوقيع الرسمية على هامش فعاليات معرض الدفاع العالمي، مما يمثل تحولاً نوعياً في التعاون الصناعي العسكري بين البلدين.

تجمع هذه الاتفاقية بين شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (توساش) من جهة، ووزارة الاستثمار السعودية والهيئة العامة للصناعات العسكرية من جهة أخرى. ويهدف هذا التعاون إلى بناء شراكة طويلة الأمد تعتمد على نقل الخبرات التكنولوجية المتقدمة وتوطين صناعة الطيران المروحي في المملكة.

بموجب المذكرة، ستتولى الجهات السعودية المختصة مسؤولية حصر وجمع الطلبات الخاصة بالمروحية لتلبية المتطلبات المتنوعة في القطاعين العسكري والمدني. وتعد هذه الخطوة ركيزة أساسية لضمان استدامة خطوط الإنتاج وتوجيهها نحو الاحتياجات الفعلية للسوق المحلية والإقليمية.

من المقرر أن تقوم شركة 'توساش' التركية بتنفيذ عمليات التصنيع والإنتاج داخل الأراضي السعودية بالتعاون مع مصانع وطنية محلية. وسيتم تحديد النطاق الفني والتفصيلي لعمليات الإنتاج بناءً على نوعية وحجم الطلبات التي سيتم استقبالها وتجهيزها خلال الفترة المقبلة.

تأتي هذه الخطوة في إطار سعي المملكة الحثيث لتحقيق مستهدفات رؤية 2030، التي تضع توطين الصناعات العسكرية في مقدمة أولوياتها. ومن المتوقع أن تساهم المروحيات المنتجة محلياً في تعزيز القدرات الدفاعية، مع فتح آفاق لتصدير هذه المنظومات إلى الدول المجاورة مستقبلاً.

تعتبر مروحية 'غوكباي' من أحدث الابتكارات التركية في مجال الطيران، حيث صُممت لتكون قادرة على أداء مهام متعددة بكفاءة عالية. وتشمل قدراتها نقل الأفراد، وعمليات البحث والإنقاذ، بالإضافة إلى مراقبة الحدود والإسعاف الجوي ومكافحة الحرائق والعمليات الأمنية.

بالتوازي مع هذا الاتفاق، أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن إبرام 28 عقداً جديداً مع مجموعة واسعة من الشركات المحلية والعالمية المتخصصة. وتهدف هذه العقود إلى تعزيز منظومة التسليح السعودية وتطوير البنية التحتية للصناعات الدفاعية بالتعاون مع شركاء دوليين.

شملت التوقيعات التي قادها مساعد وزير الدفاع للشؤون التنفيذية خالد بن حسين البياري، شركات كبرى مثل 'إم بي دي إيه' الفرنسية و'ريثون' العربية السعودية. كما تضمنت الاتفاقيات تعاوناً مع 'هانوا أيروسبيس' الكورية الجنوبية وشركة 'ليوناردو' الإيطالية الرائدة في تكنولوجيا الدفاع.

أشرف وكيل وزارة الدفاع للمشتريات والتسليح على توقيع ثمانية عقود إضافية مع شركات من جنسيات مختلفة شملت تركيا وإيطاليا وكوريا. وتعكس هذه التحركات الواسعة في معرض الدفاع العالمي بالرياض حجم الطموح السعودي في بناء قاعدة صناعية عسكرية متكاملة ومستقلة.

فلسطين

الأربعاء 11 فبراير 2026 7:51 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الرفض اللفظي والضوء الأخضر الضمني: لماذا لا توقف واشنطن 'الضم الفعلي' للضفة؟

تتصاعد حدة التناقض بين الخطاب الدبلوماسي الأمريكي المعلن والواقع الميداني في الضفة الغربية، حيث تبرز فجوة عميقة بين رفض واشنطن الرسمي لعمليات الضم وبين الخطوات الإسرائيلية المتسارعة. وتضع هذه التحركات حكومة الاحتلال في مواجهة اختبار حقيقي لحدود النفوذ الأمريكي، خاصة مع استمرار تل أبيب في تغيير الواقع القانوني والسياسي للضفة دون رادع فعلي.

وفي تصريحات حديثة، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب معارضته الشاملة لفكرة ضم الضفة الغربية، مشيراً إلى أن إدارته منشغلة بملفات أخرى ولا ترغب في الانخراط في هذا الملف الشائك حالياً. ومع ذلك، لم يتطرق ترمب إلى التفاصيل الإجرائية التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية مؤخراً، والتي تُعد تمهيداً عملياً لفرض السيادة الكاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) قد صادق على حزمة قرارات تهدف إلى إحداث تغييرات جوهرية في الوضع القانوني والمدني بالضفة الغربية. وتستهدف هذه الإجراءات تعزيز السيطرة الإسرائيلية المباشرة، متجاوزةً التفاهمات الدولية السابقة والاتفاقيات الموقعة التي تنظم إدارة هذه المناطق.

ومن أبرز هذه الخطوات توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلية لتشمل المناطق المصنفة (أ) و(ب) بموجب اتفاق أوسلو، وهي مناطق كانت تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية. وتتذرع سلطات الاحتلال بملاحقة مخالفات البناء غير المرخص وقضايا المياه وحماية المواقع الأثرية لتبرير توغلها في عمق الصلاحيات الفلسطينية.

تمنح هذه الإجراءات الجديدة الضوء الأخضر لجيش الاحتلال لتنفيذ عمليات هدم ومصادرة واسعة النطاق بحق الممتلكات الفلسطينية في قلب المدن والقرى التابعة للسلطة. كما تساهم هذه السياسات في تسهيل عمليات التوسع الاستيطاني وشرعنة البؤر العشوائية، مما يقوض بشكل نهائي أي فرص متبقية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

وتأتي هذه التطورات في سياق تراكمي، حيث عملت الحكومة اليمينية خلال الأشهر الماضية على نقل صلاحيات الإدارة المدنية وتسريع المصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية. وبموجب اتفاق أوسلو لعام 1995، كان من المفترض أن تظل المنطقة (أ) تحت سيطرة فلسطينية كاملة، إلا أن الواقع الجديد ينسف هذه التقسيمات تماماً.

وتتعارض هذه التحركات الإسرائيلية بشكل مباشر مع الطلبات التي نقلها مبعوثو ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى بنيامين نتنياهو خلال لقاءات سابقة. فقد طالبت واشنطن بضرورة تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية لتجنب انفجار أمني قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي والخطط الأمريكية الأوسع للمنطقة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن المسؤولين الأمريكيين يعربون في الغرف المغلقة عن قلقهم من قرارات الكابينت الأخيرة، لكنهم لا يزالون في مرحلة 'دراسة التداعيات'. ويتزامن هذا التردد مع زيارة نتنياهو لواشنطن، حيث يركز الجانب الإسرائيلي على الملف الإيراني كأولوية، محاولاً تهميش قضية الضفة الغربية في جدول الأعمال.

ويرى البيت الأبيض أن استقرار الضفة الغربية يعد ركيزة أساسية لأمن إسرائيل ولتحقيق أهداف الإدارة الأمريكية في الوصول إلى اتفاقات سلام إقليمية. ومع ذلك، فإن هذا الرفض لم يترجم حتى الآن إلى ضغوط حقيقية، بل اقتصر على تصريحات تحذيرية لم تمنع الكنيست من مناقشة قوانين الضم الصريحة.

وفي خطوة اعتبرها محللون تراجعاً عن أدوات الضغط، قام ترمب بإلغاء الأمر التنفيذي الذي أصدره سلفه جو بايدن لمعاقبة المستوطنين المتورطين في أعمال عنف. هذا الإلغاء جرد واشنطن من وسيلة فاعلة للجم التصعيد الاستيطاني، وأعطى إشارة للمجموعات اليمينية المتطرفة بالاستمرار في نهجها دون خوف من عقوبات دولية.

وتشير تقارير صحفية إلى أن إدارة ترمب تميز بوضوح بين 'القدرة على الضغط' و'الإدارة السياسية' للملف، حيث تفضل تجنب المواجهة المباشرة مع حكومة نتنياهو. ويبدو أن واشنطن تكتفي بالاعتراض اللفظي على 'الضم الرسمي' الذي قد يكسر المنظومة الإقليمية، بينما تغض الطرف عن 'الضم الفعلي' التدريجي.

هذا النهج الأمريكي خلق مساحة مريحة للحكومة الإسرائيلية للمضي قدماً في إجراءاتها دون الخشية من شروط على المساعدات العسكرية أو الدعم الدبلوماسي. وتخشى بعض المؤسسات داخل واشنطن أن أي إجراء عقابي ضد تل أبيب قد يُفسر على أنه تخلٍ عن شريك استراتيجي في توقيت حساس.

وتركز الأولوية الأمريكية الحالية على منع الانهيار الاقتصادي والأمني للسلطة الفلسطينية، ليس من باب دعم الحقوق الفلسطينية، بل لتفادي موجات عنف قد تخرج عن السيطرة. وتعكس هذه المقاربة رغبة في إدارة الأزمة وتفادي السيناريوهات الأسوأ، بدلاً من فرض مسار سياسي ينهي الاحتلال أو يوقف الاستيطان.

في نهاية المطاف، يرى مراقبون أن إسرائيل تفرض سيادتها عبر قرارات إدارية وأمنية متراكمة تؤدي إلى نتيجة الضم ذاتها دون الحاجة لإعلان تشريعي صاخب. ويظل الموقف الأمريكي، رغم معارضته اللفظية، عاملاً مساعداً في استمرار هذا الواقع ما لم يقترن بخطوات عملية توقف التغول الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

اقتصاد

الأربعاء 11 فبراير 2026 7:36 صباحًا - بتوقيت القدس

الكويت تتوقع عجزاً مالياً يتجاوز 32 مليار دولار في موازنة 2026-2027

أفصحت وزارة المالية الكويتية عن الملامح الرئيسية لمشروع موازنة العام المالي القادم 2026-2027، والتي أظهرت فجوة تمويلية كبيرة تقدر بنحو 9.8 مليار دينار كويتي. ويأتي هذا العجز المتوقع، الذي يعادل قرابة 32.12 مليار دولار، في ظل تحديات اقتصادية تفرضها تقلبات أسواق الطاقة العالمية والالتزامات المالية المتزايدة للدولة.

ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الوزارة، فإن إجمالي الإيرادات المتوقعة في الميزانية الجديدة ستبلغ نحو 16.3 مليار دينار. وتعتمد الموازنة بشكل أساسي على الموارد النفطية التي ستساهم بنسبة 79% من إجمالي الدخل، وهو ما يعكس استمرار اعتماد الاقتصاد الوطني على الصادرات الهيدروكربونية كمصدر رئيسي للتمويل.

وتشير التقديرات إلى تراجع واضح في العوائد النفطية بنسبة تصل إلى 16.3% مقارنة بالعام المالي الحالي 2025-2026. حيث من المتوقع أن تنخفض هذه الإيرادات إلى 12.8 مليار دينار، بعد أن كانت قد سجلت في العام السابق مستويات بلغت 15.3 مليار دينار، مما يضع ضغوطاً إضافية على بنود الإنفاق الأخرى.

في المقابل، تسعى الدولة لتعزيز مواردها من القطاعات غير النفطية، حيث توقع مشروع الموازنة تحصيل نحو 3.5 مليار دينار من مصادر متنوعة. وتمثل هذه الإيرادات غير النفطية حوالي 21% من إجمالي الدخل المستهدف، وهي خطوة تأتي ضمن مساعي تنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الارتباط الكلي بأسعار الخام.

وعلى صعيد المصروفات، كشفت الأرقام عن توجه لزيادة الإنفاق العام بنسبة 6.2% ليصل إجمالي المصروفات إلى نحو 26 مليار دينار كويتي. وتستحوذ المرتبات والأجور وما في حكمها على الحصة الأكبر من الميزانية بواقع 15.8 مليار دينار، مما يعكس الثقل الكبير لبند الرواتب في الهيكل المالي للدولة.

كما خصص مشروع الموازنة مبالغ كبيرة لدعم السلع والخدمات الأساسية، حيث قُدرت قيمة الدعم الحكومي بمختلف أنواعه بنحو 4 مليارات دينار. وتهدف هذه المخصصات إلى الحفاظ على مستويات المعيشة وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، رغم الضغوط التي يفرضها العجز المالي المتنامي في الحسابات الختامية المتوقعة.

وفيما يتعلق بالاستثمارات التنموية، بلغت المصروفات الرأسمالية المخصصة للمشاريع الإنشائية والبنية التحتية حوالي 3.1 مليار دينار، بينما وُزعت بقية المصروفات على بنود تشغيلية أخرى بقيمة 3.2 مليار دينار. ومن المقرر أن تبدأ الدورة المالية الجديدة في الأول من نيسان/ أبريل المقبل، لتستمر حتى نهاية آذار/ مارس من العام 2027.

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 6:36 صباحًا - بتوقيت القدس

من خفايا جزيرة إبستين إلى هواجس التجنيد في ألمانيا: قراءات في ملفات شائكة

كشفت تريشا كلارك، إحدى الناجيات من عالم جيفري إبستين السري، عن تفاصيل مروعة تتعلق بالانتهاكات التي تعرضت لها الفتيات السود داخل الجزيرة المشبوهة. وأوضحت في شهادتها أمام المحققين الفدراليين أن الضحايا من ذوات البشرة السمراء تعرضن لمعاملة قاسية شملت تجارب طبية غامضة وحقناً بعقاقير مجهولة، فضلاً عن استخدامهن كأدوات للإهانة المتعمدة من قبل ضيوف رفيعي المستوى كانوا يمارسون رغباتهم في الخفاء وينكرونها في العلن.

وتحدثت كلارك عن نظام معقد من التشفير كان يستخدمه القائمون على الجزيرة لتمرير جرائمهم، حيث كانت كلمات مثل 'بيتزا' ترمز لجلب فتيات قاصرات، بينما كانت 'الشوكولاتة الداكنة' تشير إلى المهام الشاقة والتجارب التي تُجرى على الفتيات السود. وأكدت أن هذه الممارسات لم تقتصر على الجزيرة فحسب، بل امتدت إلى قصر إبستين في مانهاتن، الذي كان مجهزاً بممرات سرية ومرايا مراقبة لتوثيق لحظات الضيوف وابتزازهم لاحقاً بصكوك عبودية حديثة.

وفي سياق منفصل، استعرض المقال رؤية تاريخية للإعلامي الروسي ميخائل زارونوف، الذي أشار إلى فضل العرب في نقل ثقافة النظافة والاستحمام إلى أوروبا. وأوضح زارونوف أن الملوك الأوروبيين في العصور الوسطى كانوا يجهلون استخدام الماء الساخن حتى احتكاكهم بالجنوب العربي، مستشهداً بوثائق تاريخية ورسائل من أميرات روسيات تزوجن من ملوك فرنسيين واشتكين من غياب النظافة في القصور الأوروبية آنذاك.

وعلى الصعيد السياسي المعاصر، نقل المقال تصريحات للإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون حول أزمة التجنيد التي تواجهها ألمانيا في الوقت الراهن. وأشار كارلسون إلى وجود مخاوف لدى النخبة السياسية الألمانية، بمن فيهم المستشار فريدريش ميرتس، من أن يؤدي التوسع في التجنيد إلى تشكيل جيش تمثل فيه الأغلبية المسلمة، وهو ما يثير قلقاً داخلياً بشأن الولاءات السياسية وتسليح مئات الآلاف من الشباب المسلم في ظل التراجع الديموغرافي للألمان.

تختتم هذه القراءات بالإشارة إلى التحولات الكبرى التي قد تشهدها القوانين الغربية لضبط التغيرات السكانية الناتجة عن الهجرة. ويرى الكاتب أن النفوذ المتزايد للجاليات المسلمة في صناديق الاقتراع، كما حدث في ألمانيا مع الجالية التركية، قد يمهد الطريق لوصول شخصيات من أصول مهاجرة إلى سدة الحكم، مما يستدعي إعادة قراءة موازين القوى بين الشرق والغرب في ظل هذه المعطيات المتداخلة.

أقلام وأراء

الأربعاء 11 فبراير 2026 6:36 صباحًا - بتوقيت القدس

ملفات إبستين.. تساؤلات حول توظيف 'الابتزاز' لخدمة أجندات سياسية ودعم الاحتلال

أعادت الوثائق المليونية التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، والمعروفة بـ 'ملفات إبستين'، تسليط الضوء على واحدة من أفظع الجرائم الأخلاقية والسياسية في التاريخ الحديث. وتكشف هذه الملفات عن شبكة معقدة لاستغلال الأطفال والقاصرات، تورط فيها نخبة من رؤساء الدول والحكومات والسياسيين الغربيين، مما يضع الشعارات البراقة حول حقوق الإنسان والطفل على المحك أمام هذه الانتهاكات الصارخة.

وتبرز في قائمة المتورطين أسماء ثقيلة الوزن سياسياً، من بينهم رؤساء أمريكيون سابقون وأعضاء في عائلات ملكية، بالإضافة إلى رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إيهود باراك. وتشير التقارير إلى أن باراك لعب دوراً محورياً في توجيه الملياردير جيفري إبستين نحو إنشاء منتجع الجزيرة الخاص، وتجهيزه بتقنيات تجسس متطورة لتوثيق ممارسات القادة وابتزازهم لاحقاً لضمان ولائهم لتوجهات سياسية معينة.

إن الارتباط الوثيق بين إبستين والدوائر الصهيونية يثير شكوكاً عميقة حول دور جهاز 'الموساد' في إدارة هذه الفضيحة؛ فإبستين الذي عرف بدعمه المالي السخي لجيش الاحتلال والمستوطنات في الضفة الغربية، قد يكون أداة لتطويع 'الأغيار' من القادة الدوليين. ويرى مراقبون أن تصفية إبستين في زنزانته عام 2019 في ظروف غامضة، كانت خطوة استباقية لطمس معالم الشبكة الاستخباراتية التي تدير ملفات الابتزاز ضد صناع القرار.

وعلى الرغم من حجم الفضيحة المدوية، يلاحظ غياب تام للملاحقات القضائية الجنائية بحق السياسيين المتورطين، حيث اكتفت الدول بإجراءات بروتوكولية مثل جلسات الاستماع أو التجريد من الألقاب الشرفية. هذا الإفلات من العقاب يثير تساؤلات حول نفوذ القوى التي تقف خلف هذه الملفات، وقدرتها على تعطيل العدالة الدولية حتى في قضايا تتعلق بانتهاكات جسيمة ضد الطفولة والكرامة الإنسانية.

وفي سياق متصل، يبرز الصمت المحير للمنظمات الحقوقية والجمعيات النسوية الدولية التي طالما رفعت صوتها في قضايا أقل شأناً، بينما التزمت الصمت تجاه استعباد مئات القاصرات في جزيرة إبستين. هذا التناقض في المواقف يعزز فرضية ازدواجية المعايير، ويشير إلى أن بعض هذه المنظمات قد تكون جزءاً من منظومة تخدم أجندات خارجية بعيدة كل البعد عن حماية الضحايا الحقيقيين.

تحليل

الأربعاء 11 فبراير 2026 5:52 صباحًا - بتوقيت القدس

أوهام الديمقراطية المستوردة: لماذا لن تحمل واشنطن الخلاص للشعب الإيراني؟

تأتي ذكرى الثورة الإيرانية في الحادي عشر من شباط/ فبراير هذا العام وسط مشهد سياسي محتقن، حيث سجلت البلاد انتفاضة شعبية هي الأضخم منذ سقوط نظام الشاه عام 1979. وتكشف هذه الأحداث عن مفارقة تاريخية عميقة، إذ تحول النظام الذي تأسس على أنقاض القمع الملكي إلى آلة سلطوية تمارس من البطش ما قد يتجاوز ممارسات سلفه، محاولاً فرض بقائه عبر مواجهات دموية مع المحتجين المطالبين بالتغيير.

إن المعضلة الإيرانية الراهنة لا تنفصل عن سياق المنطقة العربية، حيث اصطدمت موجات الربيع العربي في عامي 2011 و2019 بجدران صلبة من القمع الممنهج. هذا الانسداد السياسي أدى في كثير من الحالات إلى إعادة إنتاج أنظمة استبدادية بوجوه جديدة، أو الانزلاق نحو حروب أهلية مدمرة، وهو ما يثير مخاوف جدية من سيناريو 'السريَنة' في الحالة الإيرانية إذا ما فقد النظام قدرته على السيطرة المطلقة.

في ظل هذا التأزم، يبرز تساؤل حول دور المجتمع الدولي والقوى العظمى في دعم التحول الديمقراطي، إلا أن التجارب التاريخية القريبة تفرض نوعاً من الحذر الشديد. فقد أثبتت حقبة 'المحافظين الجدد' في الولايات المتحدة أن شعارات نشر الديمقراطية لم تكن سوى غطاء لمطامع إمبريالية في العراق وثرواته النفطية، مما أدى لنتائج كارثية لا تزال المنطقة تدفع ثمنها حتى اليوم.

وعلى الرغم من أن التجربة العراقية أفرزت نظاماً برلمانياً هو الأكثر ديمقراطية مقارنة بمحيطه، إلا أنه ظل رهيناً للمحاصصة الطائفية والفساد المستشري. والأخطر من ذلك هو تغلغل الميليشيات المسلحة المرتبطة بطهران، والتي لم تتردد في قمع الحراكات الشعبية العراقية، مما يعكس تداخلاً معقداً بين الاستبداد العابر للحدود وفشل مشاريع 'الديمقراطية المفروضة' من الخارج.

أما في الحالة السورية، فقد تجلى النفاق الدولي بوضوح، حيث غاب الحرص الأمريكي المزعوم على الديمقراطية لغياب المصالح الاقتصادية الجاذبة مقارنة بالعراق. هذا التباين في المواقف يؤكد أن بوصلة واشنطن تتحرك وفقاً لحسابات النفوذ والطاقة، وليس استجابة لنداءات الشعوب المقهورة التي تواجه آلات القمع العسكرية بصدور عارية.

ومع عودة دونالد ترامب إلى المشهد، يبدو أن الرهان على دعم أمريكي للانتفاضة الإيرانية هو وهم يفوق في خطورته أوهام الماضي. فإدارة ترامب لا تتبنى أدبيات نشر الديمقراطية، بل تركز على سياسة فرض الإرادة والمصالح المباشرة، وهو ما ظهر جلياً في تعاملها مع الأزمة الفنزويلية، حيث تهدف الضغوط إلى تطويع الأنظمة أو استبدال رؤوسها بما يخدم الأجندة الأمريكية حصراً.

إن الطريق نحو التغيير الحقيقي في إيران يمر عبر إدراك أن القوى الخارجية، وعلى رأسها واشنطن، لن تكون يوماً حليفاً صادقاً للديمقراطية إذا تعارضت مع مصالحها الاستراتيجية. فالتغيير المستدام يتطلب بناء شرعية نابعة من الإرادة الشعبية الحرة، بعيداً عن التدخلات التي قد تحول الثورات إلى حروب بالوكالة أو تفتح الباب أمام استبداد جديد يرتدي عباءة دولية.

اسرائيليات

الأربعاء 11 فبراير 2026 5:31 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يبحث ملف إيران مع كوشنر وويتكوف قبيل قمته مع ترامب في واشنطن

بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحركاته الدبلوماسية المكثفة فور وصوله إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث عقد اجتماعاً مغلقاً في مقر إقامته بدار الضيافة الرئاسية 'بلير هاوس'. وضم الاجتماع كلاً من المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف والمستشار السابق جاريد كوشنر، وذلك في إطار التنسيق المشترك قبيل القمة المرتقبة مع الرئيس دونالد ترامب.

تركزت المباحثات بشكل أساسي على ملف المفاوضات غير المباشرة التي تجري بين واشنطن وطهران، حيث يسعى نتنياهو للوقوف على أدق تفاصيل التحركات الأمريكية الأخيرة. وقد قدم ويتكوف وكوشنر إحاطة أمنية وسياسية شاملة لنتنياهو وفريقه الأمني حول نتائج الجولة الأولى من هذه المحادثات التي شاركا فيها قبل أيام قليلة.

أكدت مصادر مطلعة أن تل أبيب تولي أهمية قصوى لمسار التفاوض الحالي، وتحاول التأثير على صياغة أي اتفاق محتمل يخص البرنامج النووي الإيراني. وتأتي هذه الزيارة، وهي السابعة لنتنياهو منذ تولي ترامب ولايته الجديدة، لتعكس حجم التنسيق العميق بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية الحالية في قضايا الشرق الأوسط.

من جانبه، نشر السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، صورة توثق اللقاء، مشيراً إلى أن وتيرة العمل بدأت منذ اللحظات الأولى لوصول الوفد الإسرائيلي. وأوضح ليتر أن النقاشات شملت التطورات الإقليمية المتسارعة، مما يعكس رغبة الطرفين في توحيد الرؤى تجاه التهديدات الإيرانية في المنطقة.

بالتزامن مع هذه التحركات الدبلوماسية، صعدت القيادة العسكرية الإسرائيلية من لهجتها تجاه طهران، حيث أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن جاهزية سلاح الجو للتحرك. وأشار كاتس إلى أن طائرات 'إف 35' باتت مستعدة لتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف إيرانية إذا ما استدعت الضرورة الأمنية ذلك.

وفي سياق متصل، حذر مستشارون إيرانيون واشنطن من الانجرار وراء ما وصفوه بتصريحات نتنياهو 'التخريبية' التي تهدف إلى تقويض فرص التهدئة. وأكدت طهران أنها تراقب عن كثب التحركات الإسرائيلية في واشنطن، مشددة على أن أي اعتداء سيواجه برد حاسم وقوي يفوق التوقعات.

على صعيد آخر، تتجه الأنظار إلى قطاع غزة في ظل تقارير تتحدث عن خطط دولية لإرسال قوات حفظ سلام لإنهاء الحرب المستمرة. وكشفت مصادر إعلامية أن إندونيسيا أبدت استعدادها لإرسال نحو 8 آلاف جندي للمشاركة في هذه المهمة، لتكون أول دولة تعلن رسمياً عن حجم مساهمتها العسكرية المحتملة.

ميدانياً، تواصلت الغارات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من قطاع غزة، حيث أفادت مصادر بسقوط قتلى وجرحى في استهداف لشقة سكنية غرب المدينة. وتتزامن هذه التطورات مع احتجاجات داخل تل أبيب تطالب الحكومة بوقف العنف المتصاعد في المجتمع العربي داخل إسرائيل.

وفي الضفة الغربية، واصلت القوات الإسرائيلية عمليات الهدم، حيث طالت جرافاتها منزلاً في مدينة رام الله كان قد شيده شاب فلسطيني استعداداً للزواج. وتأتي هذه الإجراءات في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متزايداً ودعوات دولية لضبط النفس ووقف التصعيد الميداني.

أما على الساحة الدولية، فقد برزت تحركات أوروبية جديدة تجاه الأزمة الأوكرانية، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن استعادة قنوات الاتصال مع موسكو. وحث ماكرون القادة الأوروبيين على ضرورة الحوار مع روسيا للوصول إلى تسوية سياسية تنهي النزاع المستمر منذ سنوات.

وفي المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن نجاح دفاعاتها الجوية في إسقاط 48 طائرة مسيرة أوكرانية حاولت استهداف منشآت داخل الأراضي الروسية وفوق بحر آزوف. وأكدت موسكو أن هذه المحاولات تعكس فشل القوات الأوكرانية في تحقيق أي تقدم ملموس على جبهات القتال الميدانية.

وفي واشنطن، تشير تقارير إعلامية إلى أن الإدارة الأمريكية تعتزم الدعوة لجولة جديدة من المحادثات بشأن الصراع الأوكراني في مدينة ميامي الأسبوع المقبل. وتهدف هذه الجولة إلى بحث إمكانيات وقف إطلاق النار ونشر قوات مراقبة دولية، رغم الشكوك الروسية في جدية النوايا الغربية.

كما شهدت الساحة العربية تحركات دبلوماسية نشطة، حيث استقبل رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أبوظبي. وتناولت القمة الثنائية سبل تعزيز التعاون المشترك ومناقشة القضايا الإقليمية الملحة، وعلى رأسها الأوضاع في غزة ولبنان.

ختاماً، يبقى لقاء نتنياهو وترامب المرتقب هو المحرك الأساسي للأحداث في الساعات القادمة، حيث من المتوقع أن يرسم خارطة طريق للتعامل مع الملف الإيراني. وتترقب العواصم الإقليمية نتائج هذا اللقاء لما له من تداعيات مباشرة على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها.