في زمنٍ تتراجع فيه السياسة إلى منطق الغلبة، وتُدار فيه الصراعات بمنأى عن القانون والأخلاق، جاءت كلمة الأستاذ خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، خلال مشاركته في منتدى الدوحة، محاولة جادة لإعادة السياسة إلى معناها الأخلاقي والإنساني، رغم إدراكه المسبق بأن العالم الذي يخاطبه لم يعد عالم المبادئ.
ركّز مشعل في كلمته على جملة من النقاط الجوهرية، في مقدمتها التأكيد أن ما يجري في غزة ليس حربًا تقليدية، بل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تُمارس بحق شعب أعزل، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني. وأشار بوضوح إلى أن صمت المجتمع الدولي، أو عجزه عن فرض وقف فوري للعدوان، شجّع إسرائيل على المضي في سياسة القتل والتدمير بلا رادع.
كما شدد مشعل على أن المقاومة الفلسطينية ليست نزوة عسكرية ولا خيارًا أيديولوجيًا معزولًا، بل هي حقّ مشروع كفلته القوانين الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وأن محاولة تجريم المقاومة، أو مساواتها بالإرهاب، تمثل قلبًا للحقائق وتزييفًا للوعي العالمي.
ومن النقاط اللافتة في كلمته، تأكيده أن حركة حماس ليست في صراع مع الشعب اليهودي أو مع أتباع الديانة اليهودية، بل مع المشروع الصهيوني الاستعماري، في محاولة واعية لتفكيك السردية الإسرائيلية التي تسعى لخلط الدين بالاحتلال، وتقديم الصراع بوصفه دينيًا، لا سياسيًا استعماريًا.
كذلك دعا مشعل إلى وقف فوري لإطلاق النار، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية دون شروط، معتبرًا أن استخدام الغذاء والدواء كسلاح حرب يُعدّ جريمة أخلاقية وإنسانية، لا تقل خطورة عن القصف والقتل المباشر. وأكد أن الشعب الفلسطيني، رغم الجراح، لا يزال منفتحًا على أي مسار سياسي عادل يفضي إلى إنهاء الاحتلال، ويضمن حقوقه الوطنية المشروعة.
غير أن هذه اللغة العقلانية، على تماسكها، تصطدم بواقع سياسي بالغ القسوة. ففي المقابل، يواصل بنيامين نتنياهو التهديد والوعيد، مطالبًا بالقضاء الكامل على حركة حماس، ورافضًا أي تهدئة حقيقية، بل يعمل على إطالة أمد الحرب باعتبارها أداة لتحقيق أهدافه السياسية والأيديولوجية، داخليًا وخارجيًا.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: ما يطرحه مشعل من دعوة لاحترام القانون الدولي، والعودة إلى منطق السياسة، يصطدم بعالم تحكمه سطوة القوة، وتديره نماذج سياسية ترى في الحروب فرصة للهيمنة لا مأساة إنسانية. ويجد هذا النهج غطاءً دوليًا، خصوصًا في ظل صعود تيارات سياسية على شاكلة دونالد ترامب، حيث تُختزل العلاقات الدولية في صفقات، وتُهمّش القيم لصالح المصالح.
إن تعثر كل مسارات التهدئة ووقف الحرب لا يعود إلى غياب الطروحات العقلانية، بل إلى أن طرف العدوان لا يريد للحرب أن تتوقف، بل يسعى إلى استمرار نزيف الدم، في إطار رؤية صهيونية متطرفة تقوم على الإقصاء والاقتلاع، لا على التعايش أو التسوية.
كلمة خالد مشعل في منتدى الدوحة كانت متقدمة أخلاقيًا على زمنها، وواضحة في تشخيصها، ونظيفة في منطقها. لكنها وُضعت في سياق دولي مريض، لا يصغي إلا لصوت القوة. وبين خطاب يحاول إنقاذ ما تبقى من معنى للسياسة، وواقعٍ يُدار بالبطش، يبقى السؤال مفتوحًا: هل لا يزال للعقل مكان، حين تُدار الحروب متجاوزة المبادئ وبلا ضمير أو أخلاق؟
أقلام وأراء
الأربعاء 11 فبراير 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
حين تُحاصَر الحكمة في زمن القوة: قراءة في كلمة خالد مشعل بمنتدى الدوحة