استدعى تصاعد التوتر الإقليمي المرتبط بالملف الإيراني انعقاد اجتماع عاجل لمجموعة "عصابة الثمانية"، وهي الدائرة الأضيق التي تُطلع على أدق الأسرار الاستخباراتية في الولايات المتحدة. تعكس هذه الخطوة حساسية المرحلة الراهنة واحتمالية اقتراب واشنطن من اتخاذ قرارات مصيرية تمس الأمن القومي الأمريكي بشكل مباشر.
ترأس الاجتماع السري الذي عُقد يوم الثلاثاء، وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يجمع في مهامه الحالية منصب مستشار الأمن القومي، إلى جانب مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف. وقدم المسؤولان إحاطة شاملة للمجموعة حول تطورات وُصفت بأنها بالغة الخطورة وتتعلق بالنشاط الإيراني الأخير في المنطقة.
يأتي هذا التحرك الاستخباراتي الرفيع قبيل ساعات قليلة من خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه الرئيس دونالد ترامب، وفي وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط أكبر حشد عسكري أمريكي منذ غزو العراق عام 2003. تثير هذه التزامن تساؤلات جدية حول طبيعة الرد الأمريكي المحتمل تجاه البرنامج النووي الإيراني وتطوراته المتسارعة.
أبدى القادة الديمقراطيون المشاركون في الاجتماع قلقاً واضحاً، حيث صرح زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر بأن الموقف الراهن يتسم بخطورة استثنائية. وطالب شومر الإدارة الأمريكية بضرورة التحلي بالشفافية وإيضاح الحقائق أمام الشعب الأمريكي نظراً لحجم التحديات المطروحة في الإحاطة السرية.
من جانبه، طرح زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز تساؤلات حول مدى الحاجة الملحة لعمل عسكري جديد في هذا التوقيت. وذكّر جيفريز بتصريحات سابقة للرئيس ترامب ادعى فيها أن البرنامج النووي الإيراني قد تم تحييده بالكامل خلال عملية "مطرقة الليل" التي نُفذت في صيف عام 2025.
تعتبر "عصابة الثمانية" بموجب القانون الأمريكي أعلى مستوى للرقابة التشريعية على العمليات السرية، حيث تقتصر العضوية فيها على ثمانية قادة فقط من الحزبين. ولا يتم اللجوء لهذا المسار إلا عندما يقرر الرئيس أن الظروف الاستثنائية تتطلب حماية قصوى للمصادر والأساليب الاستخباراتية الحساسة.
لا تعقد هذه المجموعة اجتماعات دورية، بل يتم استدعاؤها فقط في الأزمات التي تهدد المصالح الحيوية العليا للولايات المتحدة. ويملك البيت الأبيض وحده صلاحية تقدير ما إذا كان الموقف يستدعي حصر المعلومات في هذه الدائرة الضيقة بدلاً من إطلاع لجان الكونغرس الموسعة.
هذا الأمر خطير جداً، ويجب على الإدارة أن توضح موقفها أمام الشعب الأمريكي.
تاريخياً، ارتبطت اجتماعات هذه المجموعة بقرارات عسكرية كبرى، مثل الغارة التي استهدفت أسامة بن لادن في باكستان عام 2011. كما تم إطلاع المجموعة على تفاصيل اغتيال قاسم سليماني في عام 2020، والتحركات الروسية التي سبقت غزو أوكرانيا في فبراير من عام 2022.
كما سجلت السجلات الاستخباراتية إحاطات مكثفة للمجموعة خلال الانسحاب الدراماتيكي من أفغانستان عام 2021 لمناقشة مخاطر الإجلاء. وفي أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023، كانت المجموعة في حالة انعقاد دائم لمتابعة تفاصيل العدوان الإسرائيلي وتداعيات التصعيد الإقليمي المستمر.
تضم التركيبة الحالية للمجموعة للفترة بين 2025 و2027 قيادات حزبية بارزة، على رأسهم رئيس مجلس النواب مايك جونسون وزعيم الأغلبية في الشيوخ جون ثون. كما تشمل رؤساء لجان الاستخبارات، توم كوتون عن مجلس الشيوخ وريك كروفورد عن مجلس النواب، بالإضافة إلى الأعضاء الأقدم من الحزب المعارض.
يتزامن هذا الحراك مع ترقب دولي لجولة مفاوضات غير مباشرة مقررة في جنيف يوم الخميس المقبل بين واشنطن وطهران. وتأتي هذه المفاوضات في بيئة مشحونة بانعدام الثقة المتبادل، حيث تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن الالتزام بالاتفاقيات الدولية والشفافية في الملف النووي.
أكدت مصادر مطلعة أن الإحاطة الأخيرة ركزت على معلومات تقنية واستخباراتية تشير إلى تقدم إيراني في مجالات محظورة رغم الضغوط العسكرية. وتخشى الدوائر السياسية في واشنطن من أن يؤدي هذا التصعيد إلى مواجهة مباشرة تتجاوز حدود العمليات الاستخباراتية المحدودة التي شهدتها السنوات الماضية.
في غضون ذلك، يواصل البنتاغون تعزيز قدراته الجوية والبحرية في القواعد القريبة من إيران، مما يعزز فرضية التحضير لعمل عسكري وشيك. ويراقب الحلفاء الإقليميون هذه التحركات بحذر، وسط مخاوف من اندلاع صراع شامل قد يغير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بشكل جذري.
يبقى خطاب حالة الاتحاد المرتقب هو المؤشر الأبرز على توجهات الإدارة الأمريكية القادمة، حيث من المتوقع أن يجدد ترامب التزامه بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. وتنتظر الأوساط السياسية معرفة ما إذا كان الرئيس سيعلن عن إجراءات عقابية جديدة أو تفويض عسكري بناءً على معطيات "عصابة الثمانية".




