عربي ودولي

الخميس 26 فبراير 2026 3:48 مساءً - بتوقيت القدس

مارسيل خليفة في الجزائر: سهرات موسيقية تستعيد ذاكرة الفن الملتزم والمقاومة الجمالية

تستعد الساحة الثقافية الجزائرية لاستقبال قامة فنية عربية رفيعة، حيث يعود الفنان اللبناني مارسيل خليفة لإحياء سلسلة من الأمسيات الموسيقية تحت رعاية وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة. ومن المقرر أن تحتضن أوبرا الجزائر 'بوعلام بسايح' الانطلاقة الأولى لهذه السهرات، التي ستشمل أيضاً مدينتي وهران وقسنطينة، لتقدم تجربة فنية تمزج بين الحنين والرسالة الهادفة.

تبدأ هذه العروض يومي 28 فبراير و01 مارس المقبل، في تمام الساعة العاشرة ليلاً بقاعة العروض الكبرى، حيث يُنتظر أن تشهد إقبالاً جماهيرياً واسعاً. ولا تُعد هذه الحفلات مجرد نشاط ترفيهي عابر، بل هي لقاء متجدد مع ذاكرة جيل كامل نشأ على صوت خليفة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الموسيقى أداة للمقاومة والموقف.

وفي قراءة لهذا الحدث، أفادت مصادر إعلامية بأن عودة خليفة لا تقتصر على البعد النوستالجي، بل تعكس تطوراً في المشهد الثقافي الجزائري. وأكد الكاتب حميدة العياشي أن جمهور الأغنية الملتزمة لا يزال حاضراً بقوة، خاصة مع استمرار الانفتاح الشعبي على القضية الفلسطينية كقضية إنسانية مركزية تناهض الإمبريالية والظلم.

ويرى مراقبون أن حضور مارسيل خليفة اليوم يتقاطع مع تطلعات الحراك الشبابي والأجيال الجديدة التي تبحث عن خيارات جمالية مغايرة. فهذه الأجيال تعيد اكتشاف الخطابات الفنية التي ترفض الذل وتنشد العدالة، مما يجعل من حفلات خليفة فرصة لمد الجسور بين تاريخ النضال الوطني وتطلعات الشباب المعاصر بطريقة عصرية ومختلفة.

وتعتبر هذه التظاهرة الفنية بمثابة مقاومة جمالية في وجه موجات الاستهلاك السريع وتراجع الأغنية ذات المعنى العميق. فالفن في مدرسة خليفة ليس مجرد إيقاع، بل هو فكرة وذاكرة وموقف أخلاقي، يذكر الجمهور بأن الموسيقى يمكن أن تكون مؤثرة وعميقة في آن واحد، بعيداً عن سطوة الصورة التجارية السطحية.

وفي مقارنة لافتة، أشار العياشي إلى وجود تقاطعات جوهرية بين فن 'الراي' الجزائري والفن الملتزم التقليدي رغم اختلاف القوالب الموسيقية. فبينما ركز الفن الملتزم على القضايا القومية الكبرى، عبر 'الراي' عن هموم الهامش وقهر الشباب وأحلامهم المهدورة، مما يجعلهما يلتقيان في خانة التعبير عن رفض الإهانة والبحث عن الكرامة.

ويؤكد هذا الطرح أن الالتزام الفني لا ينحصر في شكل موسيقي واحد، بل يتجلى في الرسالة والموقف الذي يحمله الفنان تجاه مجتمعه. فالنصوص الشعرية واللحن التقليدي عند خليفة، تلتقي مع عفوية إيقاعات الراي في استمرارية روح المقاومة والتعبير عن قضايا الإنسان البسيط وتطلعاته نحو حياة أفضل.

من جانبه، وصف الكاتب علي جري عودة خليفة بأنها لحظة تستعيد فيها الجزائر الأغنية كـ 'سؤال' واللحن كـ 'موقف' سياسي وثقافي. واعتبر في مقال له أن هذا الحدث يعيد الاعتبار للفن الذي لا يموت بمرور الزمن، مؤكداً أن بعض الأصوات تظل حاضرة في الوجدان الشعبي مهما طالت سنوات الغياب أو تغيرت الظروف السياسية.

لقد جسد مارسيل خليفة طوال مسيرته نموذج الفنان الذي جعل من آلة العود صوتاً صارخاً للمطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية. وارتبط اسمه بشكل وثيق بالقضية الفلسطينية وبالدفاع عن المظلومين، مما جعل حضوره في الجزائر يتجاوز كونه زيارة لفنان عابر، ليصبح حضوراً لرمز ثقافي يتقاطع مع تاريخ الثورة والتحرر الجزائري.

تجاوزت تجربة خليفة الموسيقية حدود الأغنية السياسية المباشرة، لتصل إلى آفاق السيمفونيات والمقطوعات الآلية المعقدة. وقد نجح في تأسيس نهج موسيقي حديث يمزج بين المقامات الشرقية والتقنيات الغربية المتطورة، مما خلق لغة عالمية تحترم الأصالة وتتطلع نحو التجديد دون الانغلاق على القوالب الجامدة.

ويبرز في مسيرة خليفة ذلك التشابك الفريد بين الموسيقى والشعر العربي الحديث، حيث شكل ثنائيات تاريخية مع شعراء كبار وفي مقدمتهم الراحل محمود درويش. وقد تحولت قصائد مثل 'جواز السفر' و'ريتا والبندقية' إلى أناشيد خالدة ترددها الأجيال، كجزء لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية والسياسية العربية المعاصرة.

إن تحويل القصيدة إلى أغنية عند مارسيل لم يكن مجرد تلحين للكلمات، بل كان إعادة صياغة للهوية والوعي الجمعي. فمن خلال أغنيات مثل 'أحن إلى خبز أمي'، استطاع خليفة أن يلمس أعمق المشاعر الإنسانية المرتبطة بالأرض والوطن والغربة، محولاً التجربة الفردية إلى قضية عامة تهم كل إنسان يبحث عن جذوره.

وتمثل الجزائر، بتاريخها الطويل في الكفاح ضد الاستعمار، بيئة خصبة لاستقبال هذا النوع من الفن الذي يعكس قضايا المجتمع. فمنذ عقود، كانت الأغنية الملتزمة في الجزائر مرآة للتضامن مع الشعوب المضطهدة، وشكلت وعياً جمعياً يرفض الظلم، وهو ما يفسر الرابط القوي والدائم بين الجمهور الجزائري وأعمال مارسيل خليفة.

ختاماً، تأتي هذه السهرات لتؤكد أن روح الفن الملتزم لا تزال تنبض في قلب المغرب العربي، وأن الإبداع الحقيقي هو الذي يجمع بين الجمال الفني والموقف المبدئي. عودة مارسيل خليفة إلى منصات العرض الجزائرية هي احتفاء بالكلمة الحرة واللحن الذي لا ينكسر، وتذكير بأن الفن يظل دائماً سلاحاً في وجه النسيان.

دلالات

شارك برأيك

مارسيل خليفة في الجزائر: سهرات موسيقية تستعيد ذاكرة الفن الملتزم والمقاومة الجمالية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.