أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

الضوابط العلمية للانفتاح اللغوي: رؤية الدكتور أحمد بن نعمان لحماية السيادة والهوية

طرح الباحث والكاتب الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان رؤية فكرية معمقة تتناول الجدل القائم حول الانفتاح على اللغات الأجنبية في المجتمعات العربية. وأكد بن نعمان أن هناك خلطاً كبيراً يمارسه البعض بين ضرورة اكتساب اللغات كأدوات معرفية وبين فرضها كبديل للغة الوطنية في المؤسسات التعليمية والسيادية.

وشدد الباحث على أن تعلم اللغات الأجنبية يمثل ضرورة علمية ووطنية لا يرفضها عاقل، مستشهداً بنماذج من أفذاذ الأمة الذين أتقنوا لغات عدة مثل الدكتور طه حسين ومولود قاسم نايت بلقاسم. ومع ذلك، اعتبر أن التعليم باللغات الأجنبية على حساب اللغة الأم يمثل تهديداً مباشراً للوحدة الترابية والشعبية للدولة.

ويرى بن نعمان أن اللغة الوطنية هي صمام الأمان للحفاظ على اللحمة الوطنية، تماماً كما هي العملة الوطنية في المجال الاقتصادي. فكما لا تقبل دولة ذات سيادة تداول العملات الأجنبية في أسواقها الداخلية دون تحويلها، لا ينبغي قبول اللغات الأجنبية في قطاعات الإدارة والسيادة.

وانتقد المقال بشدة استمرار تجميد قانون اللغة الوطنية في الجزائر لأكثر من ثلاثة عقود دون مبررات واضحة. وأشار إلى أن هذا التعطيل يفتح الباب أمام التبعية الثقافية التي تضعف مناعة المجتمع أمام التأثيرات الخارجية التي تستهدف الهوية الأصيلة.

وفيما يخص البحث العلمي، أوضح الدكتور بن نعمان أن التقدم التكنولوجي لا يتطلب بالضرورة التخلي عن اللغة الوطنية. واقترح استراتيجية تعتمد على توجيه فئة موهوبة من النجباء لا تتجاوز 3% من المجتمع للتخصص في اللغات الحية ليكونوا جسوراً للترجمة والنقل المعرفي.

وأكد أن الدول المتقدمة مثل اليابان والصين وألمانيا وفرنسا تدرس العلوم بلغاتها الوطنية، مما يثبت أن الإبداع العلمي مرتبط باللغة الأم. واعتبر أن محاولة فرض لغة أجنبية واحدة كوعاء للتعليم هي خيانة للمبادئ الوطنية وتكريس لنموذج التبعية الثقافية.

ودعا الباحث إلى ضرورة استبدال الهيمنة اللغوية الفرنسية بالانفتاح على اللغة الإنجليزية إذا كان الهدف هو التواصل العالمي الحقيقي. وأوضح أن التمسك بالفرنسية في الجزائر يمثل نوعاً من الإدمان الثقافي الذي يعيق التطور والاندماج في العصر الرقمي الحديث.

واقترح المقال ستة ضوابط أساسية لحماية السيادة اللغوية، تبدأ بمنح اللغة الوطنية الصدارة المطلقة في الإدارة والحياة العامة. كما طالب بغرس حب اللغة في المناهج التربوية كرمز مقدس لا يقل أهمية عن العلم والنشيد الوطني في وجدان الناشئة.

وطالب بن نعمان برفع المعامل التنقيطي للغة الوطنية في الامتحانات الرسمية لتكون المادة الأساسية التي تحدد نجاح الطالب أو رسوبه. ويرى أن هذا الإجراء سيحفز الأجيال الجديدة على التمكن من لغتهم الأم وإعطائها الأهمية التي تليق بمكانتها التاريخية والحضارية.

كما تضمنت المقترحات ضرورة تفضيل مجيدي اللغة الوطنية في فرص التوظيف العمومي، وحصر استخدام اللغات الأجنبية في المخابر والبحث العلمي فقط. وشدد على أهمية إبعاد اللغات الدخيلة عن الإعلام والثقافة العامة لضمان عدم تشتت الهوية المجتمعية.

وأشار الباحث إلى أن الدراسات العلمية والنفسية تؤكد أن استيعاب المعارف المعقدة يكون أسرع وأعمق عندما يتم باللغة الأصلية للمتعلم. وبالتالي، فإن العلماء وحدهم هم من يحتاجون للتبحر في اللغات الأجنبية، بينما يحتاج عامة الشعب للتعلم بلغتهم الوطنية لضمان انتشار المعرفة.

واختتم بن نعمان مقالته بالتأكيد على أن الوحدة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل تشتت لغوي أو ديني. واعتبر أن السيادة تبدأ من اللسان، وأن استعادة الدور الحضاري للأمة تتطلب العودة إلى اللغة العربية في الجامعة والشارع والمعمل على حد سواء.

إن الرؤية التي قدمها الدكتور بن نعمان تضع النقاط على الحروف في قضية الهوية، محذرة من الانزلاق نحو التبعية تحت مسميات الانفتاح. فالتطور الحقيقي يكمن في الأخذ من الآخرين مع الحفاظ على الذات، وليس في الذوبان في لغة المستعمر القديم.

ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه الرؤية هو الإرادة السياسية لتفعيل القوانين المجمدة وإعادة الاعتبار للغة الوطنية في كافة مفاصل الدولة. فبدون حماية تشريعية وتنفيذية صارمة، ستظل اللغة الوطنية تعاني من التهميش أمام ضغوط العولمة واللوبيات الثقافية الفرنكوفونية.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

سلاح الشباك.. استراتيجية أوكرانية جديدة لتحصين طرق الإمداد ضد المسيرات الروسية

شرعت السلطات الأوكرانية في تنفيذ خطة دفاعية واسعة النطاق تعتمد على تغطية الطرق الحيوية بشبكات معدنية وهيكلية مضادة للطائرات المسيرة. وتمتد هذه التحصينات على مسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات في المنطقة الواصلة بين مدينة خاركيف والحدود الشمالية مع روسيا، في محاولة جادة لتقليص الخسائر الناجمة عن الهجمات الجوية غير المأهولة التي تشنها القوات الروسية باستمرار.

وتأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد استخدام الجانب الروسي للمسيرات الانتحارية بمختلف طرازاتها، حيث تركز هذه الهجمات على استهداف الآليات العسكرية والسيارات المدنية المخصصة لعمليات الإجلاء. وأفادت مصادر ميدانية بأن الكثافة النارية للمسيرات الروسية باتت تشكل تهديداً دائماً للتحركات اللوجستية، مما استدعى ابتكار حلول دفاعية سلبية تعيق وصول هذه الطائرات إلى أهدافها المباشرة.

وأكد عسكريون أوكرانيون أن هذه الشبكات أظهرت كفاءة عالية في اعتراض طائرات 'FPV' الانتحارية، التي تُعد السلاح الأكثر فتكاً واستخداماً على طرق خاركيف ونقاط التماس الحدودية. وتعمل هذه الشباك كحاجز مادي يؤدي إلى انفجار المسيرة قبل وصولها إلى المركبة أو يعطل مراوحها، مما يوفر حماية نسبية للقوات والمعدات المتحركة تحت ضغط القصف الروسي المتواصل.

ومن المثير للاهتمام أن كييف استلهمت هذا التكتيك الدفاعي من القوات الروسية، التي كانت قد نصبت في وقت سابق شبكات مماثلة لحماية مواقعها ومقاطعاتها من هجمات المسيرات الأوكرانية. ويعكس هذا التطور حالة من محاكاة التكتيكات الميدانية بين الطرفين، حيث يسعى كل جانب لتطوير وسائل صد رخيصة التكلفة لمواجهة التهديدات الجوية المتزايدة التي غيرت ملامح الصراع التقليدي.

ولا يقتصر نشر هذه الشبكات على جبهة خاركيف فحسب، بل تم رصد توسع في استخدامها بمناطق دونيتسك وزابوريجيا، خاصة فوق الطرق التي تُعد شرايين حياة للإمداد اللوجستي. وتعتبر هذه المسارات حيوية جداً لاستمرار العمليات العسكرية الأوكرانية، حيث تضمن تدفق التعزيزات وإخراج الجرحى من مناطق المواجهة المباشرة التي تشهد ضغطاً عسكرياً روسياً مكثفاً.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 12:50 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن تسمح لموظفي سفارتها وعائلاتهم بمغادرة إسرائيل لدواعٍ أمنية

أصدرت السفارة الأمريكية في القدس المحتلة قراراً يقضي بالسماح لموظفيها غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم بمغادرة الأراضي المحتلة، وذلك استجابةً لتقييمات أمنية تشير إلى مخاطر محتملة. وأوضحت مصادر دبلوماسية أن هذا الإجراء يأتي في سياق المخاوف المتنامية من اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، خاصة مع وصول التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة.

ورغم أن السفارة لم تفصح عن طبيعة التهديدات الأمنية المحددة التي استدعت هذا الإجراء، إلا أنها أكدت أن القرار يندرج تحت بند 'الإذن بالمغادرة' الطوعي. ويمنح هذا التصنيف الموظفين المعنيين حرية اختيار البقاء أو الرحيل، وهو ما يختلف عن إجراءات المغادرة القسرية التي فُرضت مطلع هذا الأسبوع على طواقم دبلوماسية في العاصمة اللبنانية بيروت.

ويتزامن هذا التحرك الدبلوماسي مع تعزيز الولايات المتحدة لوجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشهد المنطقة واحداً من أضخم عمليات الانتشار للقوات الأمريكية. وتأتي هذه التحركات العسكرية في وقت حساس تخوض فيه واشنطن مفاوضات معقدة مع طهران بشأن ملفها النووي، والتي لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر مطلعة بأن الجولة الأخيرة من المحادثات النووية التي اختتمت يوم الخميس لم تحقق أي خرق ديبلوماسي يذكر. وقد زاد هذا الجمود من حدة الخطاب الإيراني، حيث لوحت طهران باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة في حال تعرضت لأي هجوم، مع التحذير من أن أي تصعيد قد يجر إسرائيل إلى قلب المواجهة.

وعلى صعيد دولي أوسع، بدأت عواصم غربية أخرى في اتخاذ خطوات احترازية مماثلة عبر إجلاء عائلات دبلوماسييها من عدة دول في الشرق الأوسط. كما أصدرت دول عدة تحذيرات لمواطنيها تطالبهم بتجنب السفر إلى إيران، في ظل حالة الاستنفار والترقب التي تسود المنطقة نتيجة التجاذبات المستمرة بين واشنطن وطهران.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 12:49 مساءً - بتوقيت القدس

سمية الغنوشي تفند مغالطات السفير الأمريكي هاكابي: رؤية 'صهيونية مسيحية' تستهدف تصفية القضية

اعتبرت الكاتبة التونسية سمية الغنوشي أن التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، خلال حواره مع الإعلامي تاكر كارلسون، لا تمثل مجرد تباين في وجهات النظر السياسية. بل رأت فيها محاولة ممنهجة لتحريف الوقائع التاريخية وتقديم رؤية أيديولوجية متطرفة لمكانة الاحتلال في الشرق الأوسط ودور واشنطن في تمكينها.

وأوضحت الغنوشي في مقالها المنشور بموقع 'ميدل إيست آي' أن هاكابي حاول ترويج صورة مضللة عن 'ازدهار' المسيحيين تحت سلطة الاحتلال، مستشهداً بأرقام مجردة من سياقها التاريخي. وأكدت أن هذه الادعاءات تتجاهل واقع النكبة التي تسببت في تهجير نحو 90 ألف مسيحي فلسطيني من ديارهم عام 1948.

وبينت الكاتبة أن الأرقام الحقيقية تشير إلى تراجع حاد في الوجود المسيحي، خاصة في مدينة القدس التي كان المسيحيون يشكلون خمس سكانها عام 1946. وبحلول عام 2006، انخفضت هذه النسبة إلى 2% فقط، مما يدحض مزاعم الازدهار ويؤكد أثر السياسات القومية المتشددة.

ولم يقتصر تزييف السفير الأمريكي على الجانب الديموغرافي، بل امتد ليشمل محطات تاريخية مفصلية مثل وعد بلفور وحرب عام 1956. فقد ادعى هاكابي أن العرب هم من بدأوا 'عدوان السويس'، بينما تؤكد الوثائق التاريخية أن إسرائيل هي التي بادرت بالهجوم بالتنسيق مع القوى الاستعمارية.

وأشارت الغنوشي إلى أن هاكابي ذهب بعيداً في تبرير الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، زاعماً أن جيش الاحتلال هو الأكثر 'ضبطاً للنفس' في التاريخ. وتأتي هذه الادعاءات في وقت توثق فيه التقارير الدولية استخدام كثافة نيرانية في غزة تتجاوز ما استُخدم في حرب فيتنام بـ18 ضعفاً.

وترى الكاتبة أن خطورة خطاب هاكابي تكمن في استناده إلى 'الصهيونية المسيحية' التي تمنح الشرعية للاحتلال بناءً على 'عهود توراتية' وليس على القانون الدولي. هذه الرؤية تلغي وجود الشعب الفلسطيني وتعتبرهم مجرد عقبات في طريق مشروع 'إسرائيل الكبرى'.

وشددت الغنوشي على أن تحويل الكتب المقدسة إلى 'سجلات عقارية' لامتلاك الأراضي يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار الإقليمي والدولي. فدمج اليقين اللاهوتي مع التفوق العسكري يؤدي حتماً إلى صراعات دموية لا تنتهي وتشريد الملايين من البشر في المنطقة.

وانتقدت الكاتبة الموقف الرسمي الأمريكي الذي وصف تصريحات السفير بأنها 'اقتطعت من سياقها' بدلاً من إدانتها بشكل واضح. واعتبرت هذا الرد الباهت مؤشراً على تغلغل الفكر الإنجيلي المتطرف في مفاصل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية.

كما لفتت إلى أن الصهيونية السياسية، التي نشأت في أوروبا، تحاول اليوم احتكار الثقافة المحلية عبر روابط أسطورية لتبرير الاستيطان. وتناست هذه السردية أن فلسطين كانت دائماً أرضاً مأهولة بشعوب سامية من مختلف الأديان تعايشوا فيها لآلاف السنين.

وحذرت الغنوشي من أن طموحات 'إسرائيل الكبرى' التي يروج لها هاكابي وحلفاؤه قد تمتد لتشمل أراضٍ في دول عربية مجاورة. هذا المشروع التوسعي لن يجلب الأمن للاحتلال، بل سيؤدي إلى زعزعة استقرار القارة الأوروبية والعالم نتيجة موجات التهجير القسري.

وفي سياق موازٍ، ربطت الكاتبة بين هذا الخطاب الديني المتطرف وبين الاستراتيجية العسكرية الرامية لتغيير وجه الشرق الأوسط بالقوة. فما فشلت 'اتفاقات أبراهام' في تحقيقه دبلوماسياً، تحاول حكومة نتنياهو الآن فرضه عبر آلة الحرب والدمار في غزة ولبنان.

وأكدت أن المواجهة الوشيكة مع القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، تأتي في إطار السعي لإزالة أي عائق أمام الهيمنة العسكرية الإسرائيلية المطلقة. فإزاحة مراكز الثقل الإقليمية هي الخطوة الضرورية لتنفيذ المخططات التوسعية التي يبشر بها السفير الأمريكي.

وخلصت الغنوشي إلى أن مقابلة هاكابي كشفت عن مشروع إقليمي متكامل يتجاوز حدود فلسطين ليشمل إعادة صياغة المنطقة بأكملها. وعندما يصبح التوسع 'قدراً محتوماً' مدعوماً من قوة عظمى، فإن المجتمع الدولي يواجه تحدياً أخلاقياً وقانونياً غير مسبوق.

ختاماً، دعت الكاتبة إلى ضرورة الوعي بخطورة دمج اللاهوت بالسياسة الاستراتيجية، مؤكدة أن الحقوق الفلسطينية لا يمكن محوها بتصورات مجردة. فالفلسطينيون، بوجودهم التاريخي الدائم، يظلون الحقيقة الراسخة التي لا يمكن للرؤى الصهيونية المسيحية تجاوزها مهما بلغت قوتها العسكرية.

تحليل

الجمعة 27 فبراير 2026 12:49 مساءً - بتوقيت القدس

السلفية في تونس.. كتاب جديد يفكك تشعبات الفكر وتحولات الخطاب وأبعاد الممارسة

صدر حديثاً عن دار المقدمة للنشر والتوزيع كتاب جماعي بعنوان 'السلفية في تونس: الأسس والخطاب'، من تنسيق ومراجعة الدكتور محمد بالطيب. ويأتي هذا العمل الأكاديمي، الواقع في 434 صفحة، نتاجاً لجهود وحدة البحث في الظاهرة الدينية بكلية الآداب والفنون والإنسانيات، محاولاً سبر أغوار الفكر السلفي في سياقه التونسي المعاصر.

يشير منسق الكتاب في مقدمته إلى الدور الخطير الذي لعبته بعض الاتجاهات المتطرفة في تنامي ظاهرة الإرهاب، واصفاً إياها بالداء الذي اتسع نطاقه واستهدف الشباب المحبط. ويرى الباحثون أن فهم الأسس الفكرية لهذه التيارات يعد الخطوة الأولى والأساسية لرسم سياسات وقائية فعالة تحمي المجتمع من مخاطر التشدد.

يعتبر الكتاب امتداداً لدراسات سابقة تناولت السلفية في المغرب العربي، لكنه يركز هنا على المسكوت عنه في الخطاب التونسي، خاصة لدى التيارات العنيفة. ويهدف البحث إلى مساعدة صناع القرار عبر تقديم قراءة علمية لأصول الفكر السلفي ومحددات خطابه ومرجعياته التاريخية والعقدية التي تشكلت عبر عقود.

يطرح المبحث الأول تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت السلفية تجديداً للخطاب الإسلامي أم مجرد إعادة إنتاج له في قوالب قديمة. ويخلص الباحثون إلى وجود تيارين؛ أحدهما كلاسيكي يرفض الحداثة، وآخر يحاول المواءمة بين 'دولة الوحي' والمدنية في ظل صراع محتدم بين الأصالة والمعاصرة.

أولى الكتاب اهتماماً خاصاً بالتيارات العنيفة، محللاً خطابها التكفيري الذي يستند إلى مقولات تاريخية لابن تيمية وغيره من الأعلام. كما بحثت الدراسات في مفاهيم 'الطاغوت' و'شرعية الجهاد' وكيفية توظيف النص القرآني لتبرير العمليات المسلحة وترويع الآمنين تحت غطاء ديني.

يتفق المشاركون في الكتاب على صعوبة ضبط مفهوم موحد للسلفية نظراً لتعدد مشاربها واختلاف منطلقات مفكريها. ويفضل الباحثون دراستها كظاهرة اجتماعية تطورت في سياقات محددة، متتبعين مسارها منذ مدرسة القيروان المالكية وصولاً إلى التأثيرات الوهابية الحديثة التي اختزلت الإسلام في منهج محدد.

يرصد العمل تحول السلفية في بداية القرن العشرين إلى حركة إصلاحية قادها مشايخ من جامع الزيتونة، مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وقد تأثرت هذه المرحلة بمقولات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، حيث كانت المعركة الأساسية حينها ضد 'الطرقية' والبدع والممارسات الدينية التقليدية.

مع بداية الألفية الجديدة، وتحديداً بعد الثورة، شهدت تونس ظهور أحزاب سلفية قانونية مثل جبهة الإصلاح وحزب الأصالة. إلا أن هذه المرحلة شهدت أيضاً بروز تنظيم 'أنصار الشريعة' الذي بدأ كحركة دعوية سلمية قبل أن ينزلق سريعاً نحو العنف والمواجهة المسلحة مع الدولة.

يصنف الكتاب السلفية العلمية كتيار يركز على تصفية العقيدة وتربية الأجيال، مع الالتزام الصارم بطاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه. ويمثل هذا التيار شخصيات مثل البشير بن حسين، حيث يفضلون الانكفاء على الدروس المسجدية والابتعاد عن الصدام المباشر مع مؤسسات السلطة.

في المقابل، تبرز السلفية المدخلية أو 'الولائية' التي تؤكد على الولاء المطلق للأنظمة الحاكمة والامتناع عن أي شكل من أشكال الاحتجاج. وتستمد هذه الجماعات مرجعيتها من رموز دينية في مصر والسعودية، وتدعو إلى الصبر على الحاكم والتماس الأعذار له مهما بلغت درجة الخلاف.

أما السلفية الجهادية، فقد اختارت القطيعة التامة مع الدولة الوطنية، معتبرة أن المواجهة المسلحة هي السبيل الوحيد لإقامة 'الخلافة'. وقد تُرجم هذا الفكر ميدانياً في أحداث دموية بدأت بتفجير كنيس جربة عام 2002 وصولاً إلى الاغتيالات السياسية ومواجهات جبال الشعانبي بعد عام 2011.

كشف الكتاب عن استراتيجيات 'أنصار الشريعة' في التخفي، حيث رفعوا شعارات دعوية وخيرية لتغطية عمليات تجنيد الشباب. واستخدم التنظيم الخيمات الدعوية كغطاء لتوجيه العناصر نحو بؤر التوتر في الخارج، معتمدين على خطاب إعلامي فعال يشمل الأناشيد والفيديوهات المؤثرة.

تشترك جميع التيارات السلفية، رغم انقساماتها، في أرضية عقدية صلبة تقوم على مركزية النقل ورفض التأويل العقلي. ويشكل مبدأ 'الولاء والبراء' حجر الزاوية في فكرها، مما ينتج بيئة تمنح الماضي سلطة مطلقة على الحاضر وتفرض قيوداً صارمة على التعامل مع 'الآخر' المختلف.

يخلص الكتاب إلى أن الخارطة السلفية في تونس متعددة الجذور ومتصلة وثيقاً بالحركات الدولية عبر آليات الاستنساخ والاقتداء. ويؤكد الباحثون أن دراسة الجوانب المسكوت عنها في هذا الخطاب تظل ضرورة ملحة لفهم آليات التطرف وحماية المجتمع من الانقسامات الحادة التي تهدد كيان الدولة.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 12:19 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يفرض حصاراً مشدداً على القدس في الجمعة الثانية من رمضان

حولت قوات الاحتلال الإسرائيلي مدينة القدس المحتلة ومحيطها إلى ثكنة عسكرية صباح اليوم الجمعة، تزامناً مع توافد المواطنين لأداء صلاة الجمعة الثانية من شهر رمضان المبارك. ودفعت سلطات الاحتلال بتعزيزات إضافية إلى الحواجز الرئيسية، لا سيما حاجزي قلنديا وبيت لحم، لعرقلة وصول المصلين من الضفة الغربية.

وأفادت مصادر ميدانية بأن جنود الاحتلال المتمركزين على المداخل المؤدية للعاصمة المحتلة شرعوا في تدقيق صارم في هويات المواطنين وتفتيشهم. وقد شملت هذه الإجراءات منع الرجال الذين تقل أعمارهم عن 55 عاماً والنساء دون سن 50 عاماً من عبور الحواجز، في خطوة تهدف لتقليص أعداد المصلين.

وشهد حاجز قلنديا العسكري شمال القدس ازدحامات خانقة منذ ساعات الفجر الأولى، حيث تجمعت حشود غفيرة من الفلسطينيين الراغبين في الوصول للأقصى. ورغم حيازة البعض لتصاريح خاصة، إلا أن قوات الاحتلال أعادت المئات منهم بحجج أمنية واهية، مما أدى إلى حالة من التوتر في المكان.

وفي البلدة القديمة، نصبت شرطة الاحتلال حواجز حديدية عند الأبواب المؤدية للمسجد الأقصى، ودققت في هويات الشبان المتواجدين في الأزقة. وقد طالت هذه التضييقات سكان المدينة المقدسة أنفسهم، حيث تم منع عدد من الشبان من الدخول إلى باحات المسجد دون مبرر قانوني.

وتأتي هذه التحركات تنفيذاً لخطة أقرها المستوى السياسي والأمني في إسرائيل مع بداية الشهر الفضيل، تقضي بتحديد سقف المصلين المسموح بدخولهم من الضفة بـ 10 آلاف شخص فقط. وتفرض هذه الخطة قيوداً معقدة تشمل الحصول على تصاريح يومية مسبقة لكل صلاة على حدة، وهو ما يصعب تحقيقه للكثيرين.

وأوضحت مصادر أن الاحتلال فرض نظام 'التوثيق الرقمي' على المصلين عند عودتهم عبر المعابر، لضمان مراقبة تحركاتهم بدقة. وتخضع كافة التصاريح الممنوحة لفحص أمني دقيق ومسبق من قبل أجهزة المخابرات، مما يجعل عملية الوصول إلى القدس رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.

وتعاني مدينة القدس من حصار متواصل منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، حيث تضاعفت القيود العسكرية على كافة المداخل. وقد انعكست هذه الإجراءات سلباً على الحركة التجارية في أسواق البلدة القديمة التي تعتمد بشكل أساسي على زوار المسجد الأقصى خلال شهر رمضان.

ورغم كافة هذه العوائق، يصر آلاف الفلسطينيين على الزحف نحو المسجد الأقصى لتأكيد هويته العربية والإسلامية في وجه محاولات التهويد. وتعتبر الجمعة الثانية من رمضان اختباراً حقيقياً لقدرة المواطنين على كسر الحصار المفروض على المقدسات في ظل تصعيد إسرائيلي غير مسبوق.

اسرائيليات

الجمعة 27 فبراير 2026 11:48 صباحًا - بتوقيت القدس

استطلاع إسرائيلي: تراجع حاد في تأييد حل الدولتين وهيمنة لتوجهات السيطرة والضم

أظهرت نتائج استطلاع رأي إسرائيلي حديث حالة من التشاؤم العميق تجاه آفاق الصراع مع الفلسطينيين، متجاوزة الانقسامات التقليدية بين اليمين واليسار. وأوضح القائمون على الدراسة أن النتائج تعكس رغبة واضحة في تجنب اتخاذ قرارات حاسمة، وسط سيطرة لمشاعر الخوف من المجهول وعدم القدرة على تحويل التفاهمات العامة إلى سياسات ملموسة.

وبحسب الاستطلاع الذي أجراه باحثون من جامعة رايخمان في ديسمبر 2025، فإن أقل من نصف الجمهور اليهودي يؤيد فكرة الانفصال عن الفلسطينيين بأي شكل. وبينت الأرقام أن 22% فقط يدعمون حل الدولتين، بينما يميل 23% نحو الانفصال أحادي الجانب، مما يشير إلى تراجع حاد في الخيارات السياسية التقليدية.

في المقابل، أعربت أغلبية تصل إلى 55% عن تفضيلها لاستمرار السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية. وتتوزع هذه النسبة بين مؤيدين لضم الأراضي رسمياً، وبين من يفضلون الإبقاء على الوضع الراهن كما هو، هرباً من استحقاقات التغيير الجذري.

وأشار الباحثان تسيون هيفلر وجلعاد هيرشبرجر إلى أن هذه النتائج لا تعكس بالضرورة تمسكاً أيديولوجياً بفكرة 'أرض إسرائيل الكاملة'. بل هي تعبير عن ميل لاختيار مسار لا يتطلب تنازلات فورية أو مخاطرات أمنية ملموسة في الوقت الراهن، وهو ما يفسر التآكل المستمر في دعم حل الدولتين منذ عام 2018.

وأكدت الدراسة أن هذا التحول في الوعي الإسرائيلي بدأ قبل أحداث السابع من أكتوبر، مما يعني أنه نمط عميق من فقدان الثقة في الحلول السياسية. ويرى الجمهور اليهودي أن التهديدات الجسدية المتمثلة في العمليات المسلحة والصواريخ تفوق بكثير التهديدات الرمزية أو القانونية الدولية.

وينظر المستطلعون إلى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية كتهديد فوري وواضح للأمن الشخصي، بينما تُعتبر عواقب السيطرة على ملايين الفلسطينيين قضية نظرية أو بعيدة المدى. هذا التصور يخلق انحيازاً ثابتاً لصالح تجنب الحلول الانفصالية، سواء كانت عبر اتفاقيات ثنائية أو خطوات أحادية الجانب.

وكشف الاستطلاع عن حالة من 'وعي الفخ'، حيث يرفض الجمهور دفع ثمن الانسحاب أمنياً، كما يرفض ثمن الضم الذي قد يضر بهوية الدولة وصورتها العالمية. ونتيجة لهذا التناقض، تبرز الأولوية لتأجيل القرارات الكبرى والحفاظ على الواقع الحالي رغم عدم استقراره الواضح.

أما فيما يخص مستقبل قطاع غزة، فقد أيد أكثر من نصف المشاركين مواصلة السيطرة الإسرائيلية على القطاع حتى بعد انتهاء العمليات القتالية. وظهر دعم واسع لأفكار وصفت بالمتطرفة، مثل تشجيع هجرة السكان الفلسطينيين من غزة، كطريقة لإبعاد التهديد الأمني بشكل دائم.

وفي مفارقة لافتة، أبدى الجمهور انفتاحاً على فكرة التعاون الإقليمي مع الدول العربية المعتدلة، حيث أيد أكثر من نصفهم هذا التوجه لتعزيز الأمن. ومع ذلك، تنخفض هذه النسبة إلى الخمس فقط إذا كان هذا التعاون مشروطاً بالتقدم نحو حل الدولتين أو تقديم تنازلات جغرافية.

وتطرقت الدراسة إلى فجوة كبيرة في فهم الواقع الديموغرافي، حيث تعتقد أغلبية واسعة من اليهود بوجود أغلبية يهودية صلبة تصل لـ 62% بين النهر والبحر. وتتعارض هذه القناعة مع بيانات الإحصاء الرسمية التي تشير إلى أن نسبة اليهود في هذه المنطقة لا تتجاوز 48%، وهو ما يغذي وهم القدرة على الاستمرار في السيطرة دون تهديد لمستقبل الدولة.

وعمقت النتائج صورة الشك وعدم الثقة تجاه الفلسطينيين بشكل عام، حيث يعتقد 80% من المستجيبين أن الفلسطينيين يسعون بشكل أساسي لتدمير إسرائيل. هذا اليقين بوجود تهديد وجودي يمنع حدوث أي تغيير في التصورات السياسية ويعزز أنماط التعميم والعداء.

ولم يقتصر هذا التوجه على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بل امتد ليشمل فلسطينيي الداخل، حيث يعتقد أكثر من نصف الجمهور اليهودي أنهم دعموا هجوم حماس. هذا المزيج من الخوف الديموغرافي والشكوك الأمنية يعزز التردد في التعامل مع التكاليف طويلة المدى لاستمرار الصراع.

وخلص الباحثون إلى أن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من الانغلاق الفكري تجاه الحلول السياسية، مفضلاً إدارة الصراع على حله. ويرى التقرير أن البحث عن حلول تبعد التهديد، حتى لو كانت غير قابلة للتطبيق، أصبح هو المحرك الأساسي للمواقف السياسية العامة.

ختاماً، تشير هذه المعطيات إلى أن الفجوة بين الواقع الميداني والتصورات العامة في إسرائيل تزداد اتساعاً، مما يعقد أي جهود دولية أو إقليمية لإحياء مسار السلام. ويبقى خيار 'تأجيل القرار' هو السائد، بانتظار مجهول يخشاه الجميع ولا يملكون أدوات مواجهته.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 11:48 صباحًا - بتوقيت القدس

موازين القوة العسكرية بين باكستان وأفغانستان: فجوة واسعة وردع نووي

تشهد الحدود الباكستانية الأفغانية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، حيث أعلن وزير الدفاع الباكستاني عن دخول بلاده في مرحلة المواجهة المفتوحة مع الجارة أفغانستان. يأتي هذا التطور في ظل اشتباكات حدودية متكررة تثير مخاوف من انزلاق المنطقة نحو صراع واسع النطاق بين الطرفين.

تستند القوة العسكرية الباكستانية إلى بنية تحتية دفاعية متطورة وشراكة استراتيجية وثيقة مع الصين، مما يوفر لها تدفقاً مستمراً للتكنولوجيا العسكرية الحديثة. وتعتمد إسلام آباد على نظام تجنيد واسع النطاق يضمن لها استمرارية العمليات القتالية والاحتفاظ بالكوادر المدربة في مختلف الصنوف.

في المقابل، تعاني القوات التابعة لحركة طالبان في أفغانستان من تحديات تشغيلية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بصيانة المعدات العسكرية التي تركتها القوات الدولية. كما يلقي عدم الاعتراف الدولي بالحكومة الحالية بظلاله على قدرة كابل على تحديث ترسانتها أو الحصول على قطع غيار للمعدات المتقادمة.

على صعيد القوة البشرية، يتفوق الجيش الباكستاني بشكل كاسح بوجود نحو 660 ألف جندي في الخدمة النشطة، موزعين على القوات البرية والجوية والبحرية. هذا العدد الضخم يمنح إسلام آباد قدرة عالية على الانتشار والمناورة في جبهات متعددة في آن واحد.

أما الجانب الأفغاني، فيعتمد على قوة بشرية تقدر بنحو 172 ألف عنصر، مع وجود مساعٍ حثيثة من قبل سلطات كابل لزيادة هذا العدد ليصل إلى 200 ألف مقاتل. وتهدف هذه الخطط إلى تعزيز السيطرة الأمنية الداخلية وحماية الحدود في مواجهة الضغوط العسكرية المتزايدة.

وفيما يخص السلاح البري، تمتلك باكستان ترسانة ضخمة تضم أكثر من 6000 مركبة مدرعة وما يزيد عن 4600 قطعة مدفعية متنوعة. هذا التفوق النوعي والكمي يمنح القوات الباكستانية قدرة نارية هائلة وتفوقاً في التنقل التكتيكي خلال المواجهات الميدانية.

بالمقابل، تفتقر القوات الأفغانية إلى بيانات دقيقة حول حجم ترسانتها من الدبابات والمدفعية، حيث تعتمد بشكل أساسي على مخلفات الحقبة السوفيتية. ورغم امتلاكها لبعض الناقلات المدرعة، إلا أن جاهزيتها القتالية تظل محل تساؤل في ظل غياب الدعم الفني المتخصص.

يمثل سلاح الجو نقطة التفوق الحاسمة لصالح باكستان، حيث يضم أسطولها 465 طائرة مقاتلة وأكثر من 260 مروحية متعددة المهام. هذه القوة الجوية تمنح إسلام آباد القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة وتقديم الدعم اللوجستي السريع للقوات البرية في المناطق الوعرة.

وعلى النقيض تماماً، تفتقر أفغانستان إلى قوة جوية منظمة أو طائرات مقاتلة حديثة، حيث تقتصر قدراتها على عدد محدود جداً من الطائرات القديمة والمروحيات. هذا الغياب للغطاء الجوي يجعل القوات الأفغانية مكشوفة أمام أي هجمات جوية منسقة من الجانب الباكستاني.

ختاماً، تبرز الترسانة النووية الباكستانية كعنصر ردع استراتيجي نهائي، حيث تمتلك إسلام آباد نحو 170 رأساً نووياً معلناً. هذا التفاوت النووي، إلى جانب الفجوة في القوى التقليدية، يضع أفغانستان في موقف دفاعي صعب أمام جارتها التي تمتلك أدوات القوة الشاملة.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

لعنة الجغرافيا والاستعمار: كيف حُرمت دول العالم من إطلالاتها البحرية؟

تواجه عشرات الدول حول العالم معضلة جغرافية قاسية تُعرف بكونها دولاً 'حبيسة'، حيث تفتقر لأي حدود مائية تطل على البحار أو المحيطات. هذا الوضع الجيوسياسي لم يكن دائماً وليد الطبيعة، بل نتج في حالات كثيرة عن خسارات إقليمية إبان حروب طاحنة أو بسبب خرائط رسمها الاستعمار.

تشير الإحصاءات الدولية إلى وجود أكثر من 40 دولة حبيسة البر حالياً، تعيش بعضها نزاعات حدودية قد تنفجر في أي لحظة مع جيرانها المطلين على السواحل. وتسعى هذه الدول جاهدة لتأمين ممرات تجارية تضمن وصول بضائعها إلى الأسواق العالمية دون عوائق سيادية أو اقتصادية.

تبرز بوليفيا في أمريكا الجنوبية كأحد أوضح الأمثلة على هذه المعاناة، حيث كانت تمتلك سابقاً إطلالة واسعة على المحيط الهادئ عبر إقليم ليتورال. إلا أن النزاع مع تشيلي في القرن التاسع عشر حول ضرائب استخراج الملح أدى إلى اندلاع حرب مدمرة غيرت وجه المنطقة.

تمكنت القوات التشيلية في عام 1879 من هزيمة التحالف البوليفي البيروفي، وقضمت أراضٍ استراتيجية شملت إقليم ليتورال بالكامل. هذه الهزيمة حولت بوليفيا إلى دولة حبيسة، وهو جرح وطني لا يزال مفتوحاً حتى اليوم رغم مرور أكثر من قرن ونصف.

تتمسك بوليفيا بحقها التاريخي في الوصول السيادي للمحيط، حيث أقرت يوماً وطنياً يسمى 'يوم البحر' يُحتفل به في 23 مارس من كل عام. ورغم وجود اتفاقيات تمنحها حق العبور عبر الموانئ التشيلية، إلا أن الطموح البوليفي يتجاوز مجرد التسهيلات التجارية إلى السيادة الكاملة.

في القارة الأفريقية، تمثل إثيوبيا نموذجاً آخر للدول التي فقدت رئتها البحرية نتيجة التحولات السياسية والاستعمارية. فبعد أن كانت إثيوبيا تطل على البحر الأحمر عبر إريتريا، أدت خرائط القوى الاستعمارية الإيطالية والبريطانية إلى عزلها تدريجياً عن الساحل.

عقب استقلال إريتريا رسمياً بعد سنوات من الحروب والترتيبات الفيدرالية الفاشلة، وجدت إثيوبيا نفسها دولة حبيسة بالكامل. وقد تسبب هذا الوضع في اندلاع حرب حدودية دموية عام 1998 في منطقة بادمي، ولا تزال التوترات قائمة مع تصاعد الخطاب الإثيوبي المطالب بمنفذ بحري.

على الجانب الآخر، نجحت دول حبيسة أخرى في التعايش مع واقعها الجغرافي عبر تفاهمات قانونية ودولية تضمن لها النفاذ إلى المياه. ويعد قانون البحار الصادر عام 1982 المرجعية الأساسية التي تمنح هذه الدول حق العبور عبر أراضي جيرانها وفق ترتيبات ثنائية.

تعتمد نيبال، الواقعة بين عملاقي آسيا، بشكل شبه كامل على الموانئ الهندية لتأمين احتياجاتها التجارية. وتُنظم هذه العملية معاهدات دورية مع نيودلهي تتيح مرور البضائع عبر موانئ كالكوتا وهالديا، رغم ما يشوب هذه العلاقة أحياناً من تجاذبات سياسية.

في أمريكا الجنوبية، ابتكرت باراغواي حلاً فريداً للتغلب على انغلاقها البري عبر استغلال الملاحة النهرية الدولية. فمن خلال نهري باراغواي وبارانا، تستطيع السفن الوصول إلى المحيط الأطلسي مروراً بالأراضي الأرجنتينية والأوروغويانية بموجب اتفاقيات ملاحة حرة.

تمتلك باراغواي اليوم واحداً من أكبر الأساطيل النهرية في العالم، مما مكنها من تحويل أنهارها إلى شرايين اقتصادية تعوض غياب السواحل البحرية. هذا النموذج يوضح كيف يمكن للتعاون الإقليمي أن يخفف من وطأة القيود الجغرافية المفروضة على الدول.

في غرب أفريقيا، تعاني دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر من ظروف جغرافية مشابهة، لكنها تعتمد على شبكة معقدة من الموانئ في دول الجوار. وتلعب موانئ السنغال وساحل العاج وتوغو دوراً حيوياً في تأمين سلاسل الإمداد لهذه الدول الحبيسة عبر ممرات برية وسكك حديدية.

يعد ممر 'داكار-باماكو' الاستراتيجي مثالاً حياً على التكامل الاقتصادي الذي يربط مالي بالمحيط الأطلسي عبر السنغال. وتساهم هذه الخطوط الحديدية في تسهيل حركة التجارة ونقل المواد الخام، مما يقلل من تكاليف الشحن التي ترهق ميزانيات الدول المغلقة.

يبقى التحدي الأكبر أمام الدول الحبيسة هو الحفاظ على علاقات مستقرة مع دول الجوار الساحلية، حيث أن أي توتر سياسي قد يعني خنقاً اقتصادياً فورياً. لذا، تظل قضية الوصول إلى البحر بالنسبة لهذه الدول مسألة أمن قومي تتجاوز مجرد أرقام التجارة والاستيراد.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

حشد جوي أمريكي غير مسبوق في إسرائيل: وصول مقاتلات F-22 رابتور تزامناً مع مفاوضات جنيف

شهدت المنطقة تحركاً عسكرياً أمريكياً استثنائياً وغير مسبوق، حيث وصلت إلى إسرائيل اثنتا عشرة مقاتلة من طراز F-22 رابتور، التي تعد درة تاج سلاح الجو الأمريكي. تأتي هذه الخطوة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، إذ تزامنت مع انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في مدينة جنيف السويسرية، مما يضفي صبغة سياسية واستراتيجية على هذا الانتشار العسكري.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التعزيزات لم تقتصر على المقاتلات الشبحية، بل شملت وصول 6 طائرات تزويد بالوقود من طراز KC-46 إلى مطار بن غوريون، لضمان قدرة الطائرات المقاتلة على تنفيذ مهام طويلة المدى. كما استقبلت قاعدة عوفدا الجوية في جنوب البلاد 11 مقاتلة إضافية من طراز F-22، ترافقها أطقم جوية متخصصة وطائرات دعم لوجستي متطورة.

وتتميز مقاتلات F-22 بقدرات فائقة على التخفي عن الرادارات واختراق أكثر أنظمة الدفاع الجوي تعقيداً، فضلاً عن تفوقها في إدارة الحرب الإلكترونية. ويعد نشر هذه الطائرات خارج القواعد الدائمة للولايات المتحدة حدثاً نادراً، يهدف بالدرجة الأولى إلى إرسال رسائل ردع مباشرة للخصوم الإقليميين، وعلى رأسهم طهران، في ظل التوترات المستمرة بشأن الملفين النووي والصاروخي.

ورصدت تقارير ميدانية حشداً جوياً واسعاً يضم عشرات الطائرات المقاتلة من طرازات F-35 وF-15 وF-16، بالإضافة إلى أسراب من طائرات الشحن العسكري الثقيل. ويصف مراقبون هذا التحرك بأنه يوازي في حجمه وزخمه التحركات العسكرية الكبرى التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط إبان غزو العراق، مما يشير إلى استعدادات لسيناريوهات مواجهة محتملة.

من جانبه، أوضح المتحدث باسم القيادة الوسطى الأمريكية، تيموثي هوكينز أن هذا الانتشار يندرج ضمن استراتيجية حماية القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة. وأكد هوكينز أن واشنطن تسعى من خلال هذه القوة إلى مواجهة التهديدات المتزايدة الناجمة عن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وضمان أمن الحلفاء في مواجهة أي تصعيد مفاجئ.

ويرى محللون أن وصول هذه القوة الجوية الضاربة قبل ساعات من مفاوضات جنيف يمثل أداة ضغط غير مباشرة على المفاوض الإيراني، لتعزيز الموقف التفاوضي الأمريكي. كما يعكس هذا التحرك مستوى التنسيق العسكري العالي بين واشنطن وتل أبيب، مع التأكيد على الجاهزية الكاملة للردع أو تنفيذ ضربات جراحية إذا ما اقتضت الضرورة الأمنية ذلك.

وتتأرجح السيناريوهات المتوقعة لهذا الانتشار بين كونه تموضعاً مؤقتاً لطمأنة الحلفاء، أو تحولاً إلى وجود طويل الأمد تحسباً لفشل المسار الدبلوماسي. وفي كلتا الحالتين، تظل المنطقة أمام مشهد عسكري معقد، حيث وصلت الاستعدادات الأمريكية إلى ذروتها، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج سياسية أو ميدانية.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

استنفار في تل أبيب مع اقتراب مهلة ترمب: توقعات بحرب متعددة الجبهات وانهيار مسار جنيف

تعيش الأوساط الأمنية والسياسية في تل أبيب حالة من التأهب القصوى، تزامناً مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمفاوضات النووية في جنيف. وأفادت مصادر بأن التقديرات تشير إلى احتمالية كبيرة لانهيار هذه المحادثات يوم الأحد المقبل، مما يفتح الباب أمام خيارات عسكرية أمريكية مباشرة ضد المنشآت الإيرانية.

وذكرت تقارير إعلامية أن التعثر في مسار جنيف يعود إلى تمسك طهران بمواقف حازمة، حيث رفضت بشكل قاطع المطالب الأمريكية المتعلقة بإخراج المخزون من اليورانيوم المخصب خارج أراضيها. كما أبدت القيادة الإيرانية رفضاً تاماً للالتزام بمبدأ 'صفر تخصيب' بصفة دائمة، معتبرة ذلك تجاوزاً لخطوطها الحمراء في السيادة النووية.

وفي سياق متصل، ترفض إيران أي مقترحات تهدف إلى تفكيك بنيتها التحتية النووية الحساسة، لا سيما منشآت 'فوردو' و'نطنز' و'أصفهان'. هذه التعقيدات دفعت الدوائر العسكرية في تل أبيب إلى إجراء تقييمات وضع وصفت بالدراماتيكية، لبحث سيناريوهات الرد الإيراني المتوقع في حال تعرضها لضربة جوية من قبل واشنطن.

وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن أي مواجهة قادمة لن تقتصر على جبهة واحدة، بل ستتحول سريعاً إلى حرب 'متعددة الجبهات'. ويرى المحللون العسكريون أن جماعة الحوثي في اليمن ستكون أول الأطراف المنخرطة في القتال إلى جانب طهران، عبر استهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ والمسيرات.

وحذرت المصادر من تداعيات انخراط حركة حماس في هذه المواجهة المحتملة، حيث وضعت قيادة جيش الاحتلال خططاً تقضي بالاحتلال الكامل لقطاع غزة وتصفية ما تبقى من الهيكل القيادي للحركة في حال فتح جبهة من القطاع. ويأتي هذا التهديد في إطار محاولات الردع لمنع توسع رقعة الصراع لتشمل الأراضي الفلسطينية.

أما فيما يخص الجبهة الشمالية والساحة العراقية، فتميل التقديرات الحالية إلى أن حزب الله والميليشيات الموالية لإيران في العراق قد يفضلون عدم الانضمام الرسمي والمباشر للمواجهة في مراحلها الأولى. ومع ذلك، تشير التقارير إلى وجود ضغوط داخلية متزايدة داخل هذه التنظيمات تدفع باتجاه المشاركة الفاعلة لتعزيز وحدة الساحات.

من جهتها، أكدت صحيفة يديعوت أحرونوت أن الاستعدادات في تل أبيب تجري بمعزل عن النتائج النهائية لمحادثات جنيف، حيث تسود فرضية مفادها أن الفشل هو السيناريو الأرجح. وتعتمد الخطط العملياتية على أن أي هجوم أمريكي سيتبعه رد إيراني فوري ومباشر يستهدف المدن الكبرى والمرافق الحيوية في الداخل المحتل.

وخلصت التقديرات إلى أن طهران تنظر إلى أي تحرك عسكري أمريكي باعتباره يخدم المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى، وهو ما يعزز من احتمالية توجيه ضربات انتقامية ضد تل أبيب. وبناءً عليه، رفعت أجهزة الطوارئ والدفاع الجوي من وتيرة استعداداتها لمواجهة سيناريوهات القصف المكثف من اتجاهات مختلفة.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

عائلة فرانشيسكا ألبانيزي تقاضي إدارة ترمب في محكمة فدرالية بواشنطن

واشنطن – سعيد عريقات - 2026

رفعت عائلة فرانشيسكا ألبانيزي دعوى قضائية أمام محكمة فيدرالية في واشنطن ضد إدارة دونالد ترمب، طعناً في العقوبات التي فرضتها الحكومة الأميركية عليها العام الماضي على خلفية مواقفها من الحرب في غزة وانتقاداتها لإسرائيل.

وجاء في الدعوى، التي قُدمت الأربعاء أمام المحكمة الجزئية الأميركية لمقاطعة كولومبيا، أن العقوبات "تنتهك التعديل الأول من الدستور الأميركي"، باعتبار أن تصريحات ألبانيزي وعملها في إطار الأمم المتحدة يندرجان ضمن حرية التعبير والنشاط المهني المحميين دستورياً. ورفع الدعوى زوج ألبانيزي وابنتها القاصر، معتبرين أن الإجراءات الأميركية ألحقت أضراراً مباشرة بالعائلة، بما في ذلك قيود مالية ومصرفية وتعقيدات تتعلق بالإقامة والتنقل.

وتشغل ألبانيزي منصب المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو منصب مستقل عيّنه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وخلال الحرب الأخيرة في غزة، كانت من أبرز الأصوات المنتقدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، كما دعت إلى محاسبة المسؤولين عن انتهاكات محتملة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وكانت الإدارة الأميركية قد فرضت في تموز 2025 عقوبات على ألبانيزي، متهمة إياها باتخاذ مواقف “منحازة” والعمل على تقويض مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وشملت العقوبات إدراجها على لوائح وزارة الخزانة، ما يترتب عليه تجميد أي أصول خاضعة للولاية الأميركية وحظر التعاملات المالية معها من قبل مؤسسات أو أفراد أميركيين.

وتسمّي الدعوى عدداً من كبار المسؤولين في إدارة ترمب بصفتهم الوظيفية، من بينهم وزير الخارجية ووزير الخزانة والنائب العام، معتبرة أن قرار العقوبات جاء نتيجة “توجه سياسي رفيع المستوى” استهدف إسكات صوت ناقد في مؤسسة دولية.

وفي بيان صدر عنها، وصفت ألبانيزي العقوبات بأنها “محاولة لترهيبها وثنيها عن أداء مهامها”، مؤكدة أنها ستواصل عملها بصفتها خبيرة مستقلة مكلفة من الأمم المتحدة. من جهتها، دافعت الإدارة الأميركية عن قرارها، قائلة إن الإجراءات قانونية وتندرج ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية في مجال السياسة الخارجية وحماية المصالح الوطنية.

 

وتسلط القضية الضوء على توتر متصاعد بين واشنطن وبعض آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، لا سيما في ما يتعلق بالملف الفلسطيني–الإسرائيلي. كما تفتح الباب أمام اختبار قضائي جديد لحدود استخدام العقوبات الأميركية ضد مسؤولين دوليين، ومدى خضوع تلك القرارات لمراجعة المحاكم الأميركية حين يترتب عليها آثار تمس حقوقاً دستورية داخل الولايات المتحدة.

ومن المتوقع أن تبدأ المحكمة النظر في طلبات أولية لوقف تنفيذ العقوبات مؤقتاً إلى حين البت في دستورية الإجراءات، في قضية قد تحمل تداعيات تتجاوز الأطراف المباشرة لتطال العلاقة بين القانون الدستوري الأميركي وآليات المساءلة الدولية.

وتعكس هذه القضية تصادماً متنامياً بين أدوات السياسة الخارجية الأميركية التقليدية، القائمة على العقوبات، وبين منظومة القانون الدستوري الداخلي الذي يمنح حماية واسعة لحرية التعبير. فالمحاكم الأميركية لطالما منحت السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً في قضايا الأمن القومي، إلا أن استهداف شخصية تعمل ضمن إطار أممي مستقل يطرح سؤالاً جديداً حول ما إذا كانت العقوبات يمكن أن تتحول إلى أداة ردع سياسي ضد خطاب قانوني أو حقوقي. وبالتالي، قد تجد المحكمة نفسها أمام اختبار دقيق للموازنة بين صلاحيات الرئيس وحماية الحقوق الفردية داخل النظام الدستوري الأميركي.

على المستوى الدولي، قد تتجاوز تداعيات الدعوى حدودها القانونية لتؤثر في علاقة واشنطن بمؤسسات الأمم المتحدة، خاصة إذا اعتُبر فرض العقوبات سابقة تسمح بمعاقبة خبراء دوليين بسبب تقاريرهم أو آرائهم المهنية. فنجاح الدعوى قد يعزز استقلالية آليات حقوق الإنسان الأممية، بينما فشلها قد يشجع دولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مشابهة ضد مقررين أمميين ينتقدون سياساتها. وفي الحالتين، تبدو القضية مؤشراً على تحوّل أوسع في التداخل بين القانون الدولي والسياسات الداخلية للدول الكبرى.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

اختراق جامعات النخبة.. كيف اشترى إبستين نفوذه الأكاديمي بالمال والعلاقات؟

كشفت تقارير صحفية استقصائية استندت إلى ملايين الوثائق الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية، عن تفاصيل مثيرة حول كيفية تسلل رجل الأعمال المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين، إلى أروقة جامعات النخبة في الولايات المتحدة. ورغم افتقاره لأي شهادة جامعية أو درجة علمية من جامعات رابطة اللبلاب المرموقة، نجح إبستين في بناء شبكة علاقات عميقة مع نخبة من الأكاديميين والعلماء البارزين عبر استراتيجية تعتمد على التبرعات السخية واللقاءات الاجتماعية الفاخرة.

تسببت هذه التسريبات في زلزال داخل الأوساط الأكاديمية، حيث أعلن العالم الحائز على جائزة نوبل، ريتشارد أكسل، استقالته من منصبه كمدير مشارك في معهد العقل والدماغ بجامعة كولومبيا. ووصف أكسل تواصله السابق مع إبستين بأنه يمثل خطأً جسيماً في التقدير، خاصة بعد الكشف عن محاولات إبستين التدخل في شؤون القبول الجامعي لصالح شخصيات من عائلات ثرية.

وفي سياق متصل، قرر الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لجامعة هارفارد، لورانس سمرز، إنهاء مسيرته التدريسية في الجامعة مع نهاية العام الدراسي الحالي. وتأتي هذه الخطوة بعد نشر رسائل بريد إلكتروني محرجة أظهرت طلبه لنصائح شخصية من إبستين، مما دفعه للتعبير عن خجله الشديد والاعتذار علناً عن تلك المراسلات التي اعتبرت غير لائقة بمكانته الأكاديمية.

ولم تقتصر التداعيات على هارفارد وكولومبيا، بل امتدت لتشمل كلية بارد، التي استعانت بمكتب محاماة خارجي لمراجعة علاقة رئيسها ليون بوتستين بإبستين. وأظهرت الوثائق وجود علاقة ودية استمرت لسنوات حتى بعد إدانة إبستين بتهم تتعلق باستغلال القاصرات في عام 2008، وهو ما يضع نزاهة الإدارة الجامعية تحت مجهر الفحص والتدقيق.

أفادت مصادر مطلعة بأن نفوذ إبستين امتد ليشمل أسماء لامعة في مجالات علمية متنوعة، من بينهم اللغوي الشهير نعوم تشومسكي والفيزيائي الراحل ستيفن هوكينغ. ورغم أن هؤلاء العلماء لم يستفيدوا مالياً بشكل مباشر كما فعل مستثمرو وول ستريت، إلا أن تواصلهم مع إبستين منحه غطاءً من الاحترام العلمي وصورة ذهنية كراعٍ للابتكار والعقول اللامعة.

كان إبستين يحرص على تعزيز صورته الأكاديمية من خلال الظهور المتكرر بملابس تحمل شعار جامعة هارفارد، والمشاركة النشطة في المؤتمرات العلمية الكبرى مثل فعاليات 'تيد'. كما استضاف تجمعات خاصة للعلماء في جزره الخاصة، مما مكنه من بناء قائمة تضم نحو 30 عالماً من المؤثرين في مجالات الفيزياء والذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب.

كشفت الوثائق أيضاً عن جانب مظلم في المراسلات المتبادلة بين إبستين وبعض الأكاديميين، تضمنت تعليقات مهينة للنساء تعود لفترة ما قبل حركة 'أنا أيضاً'. وفي إحدى المراسلات، دعا عالم فيروسات إبستين لتناول العشاء مع متدربات وصفهن بـ 'الجذابات'، مما يعكس طبيعة الثقافة التي كانت سائدة في تلك الدوائر المغلقة بعيداً عن الرقابة العامة.

أظهر تقرير داخلي صادر عن جامعة هارفارد أن إبستين ضخ نحو 9.1 مليون دولار في خزينة الجامعة خلال العقد الذي سبق فضيحته الكبرى. وخصص الجزء الأكبر من هذه الأموال لإنشاء برنامج الديناميات التطورية، وهو ما أدى لاحقاً لإيقاف البروفيسور المسؤول عن البرنامج، مارتن نواك، عن العمل بانتظار نتائج التحقيقات الشاملة في مصادر التمويل.

استغل إبستين حاجة بعض الأكاديميين في تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى التمويل المستمر لأبحاثهم، حيث كانت تبرعاته الفردية تتراوح بين عشرات الآلاف من الدولارات. وأشاد بعض هؤلاء الباحثين، مثل عالم الأنثروبولوجيا روبرت تريفرز، بنزاهة إبستين الشخصية في رسائل سابقة، معتبرين دعمه المالي وسيلة أمان تفوق الضمانات الحكومية.

تشير المراسلات إلى أن الأكاديميين أنفسهم كانوا يعملون كوسطاء لتعريف إبستين بشخصيات أخرى، مما ساعده على توسيع دائرته باستمرار. فعلى سبيل المثال، تعرف الاقتصادي نوريل روبيني على إبستين عبر وسيط أكاديمي آخر، رغم أن روبيني صرح لاحقاً بأن اللقاء كان قصيراً ولم يتجاوز استعراض أسماء المشاهير من قبل إبستين.

برز اسم أليس دي روتشيلد في الوثائق كأحد الأمثلة على محاولات إبستين استخدام نفوذه الأكاديمي لتسهيل القبول في الجامعات الكبرى. ورغم تواصله مع ريتشارد أكسل في جامعة كولومبيا لهذا الغرض، إلا أن الطلب قوبل بالرفض، مما دفعها للالتحاق بجامعة نيويورك لاحقاً، وسط تأكيدات من عائلتها بأن مسارها التعليمي اعتمد كلياً على كفاءتها الشخصية.

يرى مراقبون أن الأكاديميين لم يمنحوا إبستين الاحترام فحسب، بل وفروا له مظهراً من النفوذ القوي الذي مكنه من إقناع الأثرياء بقدرته على فتح الأبواب المغلقة في جامعات رابطة اللبلاب. هذا النفوذ المتبادل خلق بيئة سمحت له بالاستمرار في نشاطاته لسنوات طويلة دون إثارة الشكوك الكافية حول دوافعه الحقيقية أو سلوكياته الإجرامية.

تضع هذه الفضيحة المتصاعدة الجامعات الأمريكية أمام تحديات أخلاقية كبرى تتعلق بحدود العلاقة بين المال والبحث العلمي ومعايير قبول التبرعات. ومع استمرار الكشف عن المزيد من الوثائق، يبدو أن تداعيات علاقات إبستين ستستمر في هز أركان المؤسسات التعليمية المرموقة، مما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في سياسات الشفافية والمساءلة الأكاديمية.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران تعرض 'إغراءات تجارية' على واشنطن لتفادي المواجهة العسكرية وتخفيف العقوبات

كشفت تقارير صحفية دولية عن توجه جديد في الدبلوماسية الإيرانية يهدف إلى تقديم إغراءات اقتصادية واسعة النطاق لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتتضمن هذه المقترحات فتح قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والتعدين والطيران أمام الاستثمارات الأمريكية المباشرة، في محاولة لتجنب أي عمل عسكري محتمل وتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية التي تنهك الاقتصاد الإيراني.

ووصفت مصادر مطلعة هذا العرض بأنه 'غنيمة تجارية' صُممت خصيصاً لتناسب توجهات الرئيس ترامب الذي يولي أهمية كبرى للعوائد الاقتصادية والصفقات التجارية الكبرى. وتهدف طهران من خلال هذه الخطوة إلى بناء مصالح مشتركة تجعل من الصعب على واشنطن المضي قدماً في خيارات التصعيد العسكري، مع ضمان تدفق الاستثمارات الأجنبية مجدداً.

وتشير المعلومات المسربة إلى أن المخططين في طهران يدرسون بعناية النموذج الفنزويلي، حيث سُمح لشركات طاقة أمريكية بالعمل هناك رغم القطيعة الدبلوماسية والتوترات السياسية الحادة. وتأمل إيران أن يؤدي هذا المسار إلى الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة في الحسابات الخارجية، مقابل خضوع أنشطتها لآلية رقابة دولية صارمة.

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن تحقيق تقدم ملموس في جولة المفاوضات الثالثة التي اختتمت في جنيف. ووصف عراقجي هذه المباحثات بأنها كانت الأكثر تركيزاً وعمقاً، مشيراً إلى التوصل لتفاهمات متبادلة بشأن القضايا الأساسية التي تشمل رفع العقوبات والخطوات التقنية المتعلقة بالبرنامج النووي.

وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي تحدث عنها الجانب الإيراني، إلا أن تقارير أخرى أشارت إلى استمرار وجود فجوات جوهرية في المواقف بين الطرفين. وتتمسك واشنطن بمطالب صارمة تشمل تدمير المواقع النووية الحصينة ونقل كامل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج الأراضي الإيرانية، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع حتى الآن.

وأبلغ المبعوثان الأمريكيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، الجانب الإيراني بضرورة أن يكون أي اتفاق مستقبلي دائماً وشاملاً، متجاوزاً ثغرات اتفاق عام 2015. وتصر الإدارة الأمريكية على عدم إدراج 'بنود غروب' تسمح لإيران باستئناف أنشطتها النووية بعد فترة زمنية محددة، مؤكدة على ضرورة وجود ضمانات أبدية.

وفي محاولة لتقريب وجهات النظر، قدمت إيران مقترحات تقنية تتضمن خفض مستويات تخصيب اليورانيوم من 60% إلى 1.5% فقط، أو تعليق عمليات التخصيب لعدة سنوات. كما برز مقترح بإنشاء 'كونسورتيوم عربي-إيراني' يتولى إدارة ومعالجة الوقود النووي داخل إيران لتبديد المخاوف الدولية بشأن احتمالات التسلح النووي.

من جانبها، لا تزال الولايات المتحدة ترفع شعار 'صفر تخصيب' كهدف استراتيجي نهائي في أي مفاوضات مع طهران، لكنها أبدت مرونة طفيفة في الكواليس. وتفيد مصادر بأن واشنطن قد تسمح بتشغيل محدود لمفاعل بحثي في طهران لإنتاج النظائر الطبية، شريطة أن يكون ذلك تحت إشراف دولي لصيق يمنع أي انحراف نحو الأغراض العسكرية.

وتأتي هذه التطورات في وقت حساس، حيث تتواتر الأنباء عن اطلاع الرئيس ترامب على مجموعة من الخيارات العسكرية الجاهزة ضد المنشآت الإيرانية. ويبقى الرهان الإيراني معلقاً على مدى قدرة 'الدبلوماسية الاقتصادية' على إقناع البيت الأبيض باستبدال لغة التهديد بلغة الصفقات التجارية الرابحة للطرفين.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

صواريخ أوكرانية تضرب منشآت الطاقة في بيلغورود الروسية وتتسبب بانقطاعات واسعة

أفادت مصادر رسمية روسية، فجر اليوم الجمعة، بأن مدينة بيلغورود القريبة من الحدود الأوكرانية تعرضت لضربات صاروخية مكثفة استهدفت منشآت حيوية. وأكد فياتشيسلاف غلادكوف، حاكم المنطقة أن الهجوم تسبب في أضرار جسيمة طالت البنية التحتية للطاقة، مما أدى إلى توقف إمدادات الكهرباء والمياه والتدفئة عن قطاعات واسعة من المدينة.

ويعد هذا الاستهداف هو الثاني من نوعه في غضون خمسة أيام فقط، حيث تركز القوات الأوكرانية هجماتها على المرافق الخدمية في المنطقة التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن خط الحدود. وقد تسبب الهجوم السابق في أزمات مشابهة، مما يعكس استراتيجية استنزاف البنية التحتية الروسية في المناطق المتاخمة لمناطق الصراع.

من جانبها، تداولت منصات إخبارية غير رسمية صوراً ومقاطع فيديو تظهر انقطاعاً تاماً للتيار الكهربائي في أحياء سكنية بمدينة بيلغورود، بينما كانت ومضات الانفجارات تضيء سماء المنطقة. وأوضح غلادكوف أن السلطات المحلية تنتظر بزوغ الفجر لبدء تقييم شامل لحجم الخسائر المادية وتحديد الجدول الزمني لعمليات الإصلاح.

على الصعيد السياسي، جاء هذا التصعيد الميداني بالتزامن مع اختتام مبعوثين من الولايات المتحدة وأوكرانيا محادثات دبلوماسية في مدينة جنيف السويسرية. وتهدف هذه اللقاءات إلى التنسيق والتحضير لجولة مفاوضات جديدة مرتقبة مع الجانب الروسي، في محاولة لإيجاد مخرج سياسي للأزمة المستمرة منذ سنوات.

وفي سياق متصل، جددت موسكو موقفها بشأن مسار الحرب، حيث أكدت مصادر روسية مسؤولة عدم وجود أي سقف زمني أو 'مهل نهائية' لإنهاء العمليات العسكرية. ويأتي هذا الموقف في وقت تواصل فيه أوكرانيا استهداف العمق الروسي، بما في ذلك مصانع الصواريخ والمنشآت الاستراتيجية، لزيادة الضغط على صانع القرار في الكرملين.

رياضة

الجمعة 27 فبراير 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

تطورات قضية أشرف حكيمي: دفاع اللاعب يكشف تفاصيل جديدة حول اتهامات الاغتصاب

عاد ملف النجم الدولي المغربي أشرف حكيمي، مدافع نادي باريس سان جيرمان، ليتصدر المشهد الإعلامي والقضائي في فرنسا من جديد. جاء ذلك عقب صدور قرار رسمي بإحالته إلى المحاكمة في القضية التي يواجه فيها اتهامات بالاغتصاب، وهي التطورات التي تزامنت مع نجاح فريقه في العبور إلى ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا.

وفي أول ظهور إعلامي لها للتعليق على هذه المستجدات، أكدت المحامية فاني كولين، الموكلة بالدفاع عن حكيمي أن موقف موكلها القانوني قوي للغاية. وأوضحت في تصريحات تلفزيونية أن رواية اللاعب المغربي تستند إلى أدلة موضوعية ملموسة ضمن ملف القضية، مشددة على براءته التامة من التهم المنسوبة إليه.

وكشفت كولين عن تفاصيل تسبق الواقعة المدعاة، حيث ذكرت أن التواصل بين حكيمي والمشتكية استمر لفترة تتراوح بين ثلاثة أسابيع وشهر عبر منصة إنستغرام. وأشارت إلى أن اللاعب هو من اقترح مراراً اللقاء في أماكن عامة ومطاعم وبحضور أصدقاء، إلا أن الطرف الآخر كان يصر على الرفض ويفضل اللقاء الخاص.

وحول تفاصيل اللقاء الذي جرى في منزل اللاعب، أوضحت المحامية أنه لم يستغرق سوى ساعة واحدة فقط، وانتهى بشكل طبيعي وهادئ تماماً. وأضافت أن حكيمي رافق المشتكية إلى باب المنزل عند مغادرتها، مؤكدة عدم وجود أي مؤشرات على حدوث توتر أو مشادات خلال تلك الفترة القصيرة التي قضياها معاً.

وانتقدت هيئة الدفاع سلوك المشتكية خلال مراحل التحقيق، معتبرة أنها لم تظهر تعاوناً كافياً مع السلطات القضائية بخلاف موكلها. وأكدت المحامية أن حكيمي بادر بطلب المواجهة المباشرة، كما قدم طواعية عينة من حمضه النووي وسلم هاتفه الشخصي للمحققين لإثبات حسن نيته وصدق أقواله.

في المقابل، لفتت المحامية الانتباه إلى أن المشتكية رفضت الخضوع للفحوصات الطبية اللازمة التي كانت متاحة في حينها، كما امتنعت عن كشف هوية شاهد كان برفقتها قبل التوجه للمنزل. وألمحت كولين إلى وجود رسائل نصية تشير إلى وجود مخططات مسبقة تهدف لسرقة اللاعب، وهي معطيات تضع علامات استفهام حول دوافع الشكوى.

واختتمت المحامية تصريحاتها بالتأكيد على أن لائحة الاتهام الحالية لا تعبر عن الحقيقة الكاملة للملف، مشيرة إلى أن تقارير الخبراء النفسيين ليست أدلة قطعية. وشددت على أن حكيمي متمسك بالدفاع عن سمعته أمام المحكمة المختصة، واثقاً من أن المسار القضائي سينصفه في نهاية المطاف ويغلق هذا الملف الذي بدأ منذ عام 2023.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

رودريغيز تدعو ترمب لرفع العقوبات وتدشن مرحلة تعاون نفطي جديدة مع واشنطن

وجهت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، نداءً مباشراً إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تطالبه فيه بإنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلادها. ودعت رودريغيز في خطاب متلفز إلى طي صفحة الماضي وفتح آفاق جديدة للعلاقات الدبلوماسية بين كراكاس وواشنطن، والتي شهدت قطيعة تامة منذ عام 2019.

تأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية تقودها رودريغيز منذ توليها السلطة في يناير الماضي عقب عزل الرئيس السابق نيكولاس مادورو. وقد باشرت الإدارة الجديدة سلسلة من الخطوات الدبلوماسية المكثفة لإعادة بناء الجسور مع واشنطن، شملت استقبال مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى في العاصمة الفنزويلية.

وشهدت الأسابيع الأخيرة لقاءات غير مسبوقة جمعت رودريغيز برئيس البعثة الأمريكية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، بالإضافة إلى رئيس القيادة العسكرية الأمريكية لأمريكا اللاتينية. كما أجرى وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت زيارة ميدانية تفقد خلالها حقول النفط، مما يعكس رغبة الطرفين في استكشاف فرص التعاون المستقبلي.

وأكدت رودريغيز في خطابها الموجه لترمب أن فنزويلا مستعدة للعمل كشريك وصديق للولايات المتحدة ضمن برنامج تعاون شامل. وشددت على ضرورة رفع الحظر النفطي الذي شل الاقتصاد الفنزويلي لسنوات، معتبرة أن المرحلة الراهنة تتطلب براغماتية اقتصادية تخدم مصالح البلدين والشعبين.

من جانبها، بدأت وزارة الخزانة الأمريكية في تخفيف القيود تدريجياً عبر إصدار تراخيص محدودة تسمح لعدد من الشركات العالمية باستئناف نشاطها. وتراقب الإدارة الأمريكية عن كثب مسار الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تنفذها حكومة رودريغيز قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن الرفع الكامل للعقوبات المفروضة منذ عام 2019.

وفي سياق الإصلاحات الداخلية، أطلقت الحكومة الفنزويلية خطة لتطوير قطاع النفط الذي يضم أكبر احتياطيات خام في العالم. كما أقرت السلطات قانون عفو عام أدى للإفراج عن مجموعة من السجناء السياسيين، وهي خطوة اعتبرتها كراكاس ضرورية لإعادة دمج البلاد في المنظومة الاقتصادية والسياسية الدولية.

وعلى الصعيد التجاري، عقدت رودريغيز اجتماعات موسعة مع ممثلي شركة 'شل' البريطانية لبحث إطلاق مشاريع غازية كبرى. وتأتي هذه المباحثات عقب إقرار قانون جديد للمحروقات في يناير الماضي، والذي سمح بفتح القطاع أمام الاستثمارات الخاصة والأجنبية تحت ضغوط وتفاهمات مع الجانب الأمريكي.

وحصلت شركة 'شل' إلى جانب خمس شركات أخرى متعددة الجنسيات على تصاريح استثنائية من واشنطن للعمل في الأراضي الفنزويلية. ويعد هذا التحول بمثابة عودة تاريخية للشركة البريطانية التي اضطرت لبيع أصولها في البلاد عام 2019 نتيجة التوترات السياسية المتصاعدة في عهد هوغو تشافيز وخلفه مادورو.

ولم تقتصر اللقاءات على الجانب البريطاني، بل شملت أيضاً مباحثات مع مسؤولي شركة 'شيفرون' الأمريكية و'ريبسول' الإسبانية و'موريل إي بروم' الفرنسية. وتهدف هذه التحركات إلى استعادة مستويات الإنتاج النفطي والغازي التي تراجعت بشكل حاد خلال سنوات الحصار والاضطرابات السياسية السابقة.

وتسعى كراكاس حالياً إلى تسريع عملية التموضع السياسي والاقتصادي عبر بوابة الطاقة، مستغلة حاجة الأسواق العالمية للإمدادات المستقرة. وفيما تستمر المفاوضات، يبقى رفع العقوبات الكلي هو المطلب الأساسي للحكومة الفنزويلية لضمان تدفق الاستثمارات اللازمة لإنعاش الاقتصاد الوطني المنهك.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تقارير استخباراتية أمريكية تفند مزاعم ترمب بشأن صواريخ إيران العابرة للقارات

أفادت مصادر مطلعة بأن تقارير الاستخبارات الأمريكية لا تدعم الادعاءات التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب مؤخراً بشأن اقتراب إيران من امتلاك صواريخ باليستية عابرة للقارات. وأوضحت المصادر أن التقييمات الفنية الحالية تضع علامات استفهام كبرى حول المبررات التي ساقها البيت الأبيض للتلويح بالخيار العسكري ضد طهران.

وكان الرئيس الأمريكي قد صرح خلال خطاب 'حال الاتحاد' أمام الكونغرس بأن إيران تعمل بوتيرة متسارعة لتطوير صواريخ ستصل قريباً إلى العمق الأمريكي. واعتبر ترمب أن هذا التطور يمثل تهديداً مباشراً يستوجب تحركاً حازماً، في إطار سعيه لحشد الرأي العام خلف سياساته التصعيدية تجاه النظام الإيراني.

وفي مقابل ذلك، أكد مصدران مطلعان أنه لم يطرأ أي تغيير جوهري على التقييم السنوي الذي ترفعه وكالة المخابرات العسكرية الأمريكية لعام 2025. ويشير هذا التقييم بوضوح إلى أن إيران قد تحتاج إلى عقد كامل، وتحديداً حتى عام 2035، لتتمكن من إنتاج صاروخ باليستي عابر للقارات صالح للاستخدام العسكري.

من جانبها، دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، عن موقف الرئيس، مشيرة إلى أن ترمب محق في تسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تشكلها البرامج العسكرية الإيرانية. وقالت كيلي إن القلق من امتلاك طهران لتقنيات الصواريخ العابرة للقارات يظل أولوية قصوى للإدارة الأمريكية الحالية.

ويرى خبراء تقنيون أنه حتى في حال حصول طهران على دعم تكنولوجي من حلفاء مثل الصين أو كوريا الشمالية، فإن العملية ستستغرق وقتاً طويلاً. ويُقدر هؤلاء الخبراء أن إنتاج صاروخ جاهز لتنفيذ عمليات قتالية فعلية يتطلب ثماني سنوات على الأقل من التجارب والتطوير المستمر.

وفي السياق ذاته، نقلت تقارير صحفية عن أجهزة الاستخبارات الأمريكية اعتقادها بأن طهران لا تزال بعيدة سنوات عن امتلاك قدرات هجومية بعيدة المدى. وتأتي هذه التقديرات في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تعزيزات عسكرية أمريكية مكثفة تزامناً مع تعثر المفاوضات النووية بين الجانبين.

ولم يقدم البيت الأبيض حتى الآن تفاصيل إضافية أو أدلة استخباراتية ملموسة تدعم الرواية التي قدمها ترمب أمام الكونغرس. ويصف مراقبون هذا التوجه بأنه الأكثر عدوانية تجاه إيران منذ عقود، حيث يربط ترمب بين البرنامج الصاروخي ودعم الجماعات المسلحة لتبرير أي تحرك مستقبلي.

وزعم ترمب أيضاً أن إيران بدأت في إعادة بناء منشآتها النووية التي تعرضت لغارات أمريكية في يونيو الماضي، مدعياً أن تلك المواقع عادت للعمل. ورغم هذه التصريحات، لم تظهر أي تقارير علنية تؤكد استئناف النشاط في المواقع الثلاثة الرئيسية التي استهدفها القصف الجوي الأمريكي سابقاً.

من جهته، تبنى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطاباً بدا أكثر تحفظاً من تصريحات الرئيس، حيث وصف إيران بأنها 'على مسار' امتلاك هذه الأسلحة. وتعكس هذه الصياغة محاولة للموازنة بين الخطاب السياسي المتشدد والواقع الفني الذي تفرضه تقارير أجهزة المعلومات.

على الطرف الآخر، تواصل إيران نفي سعيها لامتلاك أسلحة نووية، مؤكدة أن كافة أنشطتها تندرج تحت الأغراض السلمية والبحثية. وشدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده لا تطور صواريخ بعيدة المدى، وأن ترسانتها الحالية مخصصة حصراً للدفاع عن النفس.

وأوضح عراقجي في تصريحات صحفية أن مدى الصواريخ الإيرانية محدد سلفاً بسقف لا يتجاوز ألفي كيلومتر، وهو ما يكفي للرد على التهديدات الإقليمية. وتصر طهران على أن برنامجها الصاروخي هو حق سيادي لا يخضع للتفاوض، رغم الضغوط الدولية المتزايدة لتقييد قدراتها الباليستية.

وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران أوقفت برنامجها العسكري النووي منذ عام 2003، رغم استمرارها في تخصيب اليورانيوم. ومع ذلك، فإن وصول نسب التخصيب إلى مستويات مرتفعة يثير مخاوف دولية من إمكانية تحويل البرنامج إلى المسار العسكري في وقت قصير.

وتمتلك إيران حالياً أكبر منظومة للصواريخ الباليستية في منطقة الشرق الأوسط، قادرة على الوصول إلى أهداف في أوروبا والقواعد الأمريكية المحيطة. ويرى محللون أن تطوير مركبات الإطلاق الفضائي الإيرانية يمنحها خبرة تقنية يمكن تحويلها مستقبلاً إلى صواريخ عابرة للقارات إذا اتخذ القرار السياسي بذلك.

لكن ديفيد أولبرايت، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي، يؤكد أن طهران لا تزال تفتقر لتقنيات حماية الرؤوس النووية أثناء العودة للغلاف الجوي. ويخلص الخبراء إلى أن الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني تظل واسعة، خاصة مع الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإيرانية جراء الضربات الإسرائيلية الأخيرة.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل تغيّر قواعد اللعبة في غزة: تصعيد منهجي وحدود تُرسم بالقوة

غزة- مراسل القدس الخاص- يشهد قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا عسكريًا متدرجًا اتخذ طابعًا منهجيًا ومتسعًا، متجاوزًا إطار العمليات المحدودة أو الردود الموضعية، ليعكس ملامح استراتيجية أمنية جديدة تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة هندسة المشهد الميداني وفرض معادلات أمنية مختلفة بالقوة.

ويتميز هذا التصعيد باتساعه الجغرافي وتكراره الزمني، واستهدافه مناطق متعددة في أنحاء القطاع، بما في ذلك مناطق سكنية ومواقع مدنية، في ظل غياب ضغوط دولية .فاعلة يمكن أن تكبح هذا المسار أو تحدّ من تداعياته.

ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره رد فعل عابرًا، بل كجزء من سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة تعريف حدود الاشتباك وخلق واقع أمني جديد داخل القطاع.

توسيع "الخط الأصفر" 

يتزامن التصعيد مع توسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في خطوة تعكس سعيًا إسرائيليًا عمليًا لإعادة رسم الحدود الأمنية داخل غزة، وخلق نطاق ميداني أوسع تتحكم به القوات الإسرائيلية.

ويرى محللون أن هذا التوسع يهدف إلى تكريس حرية حركة أكبر لجيش الاحتلال، وتثبيت معادلة ردع جديدة قائمة على الضغط المستمر وتكلفة الاستنزاف.

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو أن ما يجري يتجاوز إطار "الردود التكتيكية"، ويعكس سياسة تصعيد ممنهجة تستهدف إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وفرض وقائع ميدانية تخدم الرؤية الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

ويشير لـ"ے" إلى أن توسيع "الخط الأصفر" يشكّل أداة مركزية في هذه الاستراتيجية، بما يسمح بفرض قيود إضافية على حركة السكان ويزيد من الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة.

استهداف الصمود المجتمعي 

ولا تقتصر أهداف التصعيد، وفق سويرجو، على البعد العسكري فحسب، بل تمتد إلى محاولة إضعاف صمود السكان عبر توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المدنيين والمناطق السكنية، بما يفاقم الأثر النفسي والاجتماعي، ويعمّق حالة القلق وعدم الاستقرار.

ويضيف أن الرسالة الإسرائيلية واضحة: رفع كلفة أي شكل من أشكال المقاومة أو الصمود، في محاولة لدفع الفصائل الفلسطينية إلى تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية تحت ضغط ميداني واقتصادي متواصل.

غياب الردع الدولي 

من جانبه، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين أن اتساع رقعة الاستهداف يعكس شعورًا إسرائيليًا بغياب ردع دولي فاعل، في ظل صمت أو عجز المجتمع الدولي عن فرض ضغوط حقيقية توقف العمليات العسكرية أو تحد من نطاقها.

وقال ياسين لـ"ے" أن هذا الواقع يمنح إسرائيل هامش مناورة سياسيًا وأمنيًا واسعًا، بدعم أو إشراف غير مباشر من دوائر تنسيق دولية.

ويشير ياسين إلى أن التصعيد يخدم أيضًا أهدافًا سياسية داخلية، خاصة في ظل أجواء انتخابية محتدمة، إذ يُستخدم لإرضاء جمهور اليمين وإظهار استمرار "القبضة الأمنية"، إلى جانب استعادة ثقة مستوطني غلاف غزة بقدرة المؤسسة العسكرية على حمايتهم.

التهدئة على المحك

وحول مستقبل اتفاق التهدئة، يحذر ياسين من أن استمرار الخروقات من شأنه تقويض أي مسار سياسي أو جهود إعادة إعمار جادة، مؤكدًا أن مصير الاتفاق يبقى مرهونًا بمدى جدية الوسطاء والإدارة الأمريكية في إلزام إسرائيل بتعهداتها.

ويرى أن أي تراخٍ في هذا السياق سيُبقي احتمالات الانفجار قائمة، فيما يشكّل الضغط الإقليمي والدولي عاملًا حاسمًا في كبح التصعيد.

ويجمع مراقبون على أن محاولات فرض وقائع دائمة بالقوة في غزة أثبتت تاريخيًا محدودية نتائجها على المدى الطويل، في ظل قدرة المجتمع على التكيف والصمود. وهو ما يجعل أي مكاسب ميدانية عرضة للتآكل مع الزمن، ويبقي المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة بين التصعيد والاحتواء.

وتواصل قوات الاحتلال خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار مع حركة "حماس"، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول الماضي. ووفق وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد الشهداء والمصابين منذ بدء سريان الاتفاق 615 شهيدًا و1,651 مصابًا، إضافة إلى انتشال 726 شهيدًا من تحت الأنقاض.



أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس

أيام حاسمة قادمة

مجمل التوقعات تتحدث عن ان مفاوضات أمس الخميس ، ستكون حاسمة ومصيرية ونتيجة هذه المفاوضات هي التي ستحدد موقف الرئيس ترامب، والخيارات المطروحة في حال فشلت المفاوضات تتمثل في، حصار بحري وجوي، أو ضربة محدودة تكون مركزة وتشمل اهداف حيوية عسكرية وأمنية بهدف إخضاع إيران للمطالب الأمريكية، أو ضربات متعددة تبدأها الولايات المتحدة وتستمر عدة أيام بهدف إضعاف النظام تحضيرا للعمل على إسقاطه في المستقبل القريب، وإسرائيل تدخل المعركة اذا ما تعرضت للقصف من قبل إيران


التحليلات الاستخبارية غير الرسمية الاسرائيلية ترى أن الضربة قادمة لا محالة وأنها ستكون محدودة، ولكن من سيحدد شكل كل شيء بعد الضربة هو الرد الإيراني، فاذا كان الرد الإيراني كما يتم التصريح فيه من قبل اقطاب الحكم العسكريين والأمنيين والسياسيين الايرانيين، فالمنطقة ككل ذاهبة إلى حرب إقليمية شاملة، أما إذا كان الرد محدود وبعيد عن إسرائيل فالتداعيات لن تكون كبيرة، ولكن في نفس الوقت لن يؤدي ذلك لتغيير شامل في المواقف وبالذات الإيرانية


في حين تحليلات الإستخبارات الروسية غير الرسمية ترى ان ما يحدث هو في باب الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد إيران للحصول على أكبر قدر من التنازلات، وأن لا ضربة قادمة في المدى القريب


الواقع رغم تعقيداته ورغم تردد الرئيس ترامب يُشير إلى أن التوجهات الحقيقية بالنظر إلى طبيعة الحشد العسكري الأمريكي، ذاهب إلى أقصى الحدود، وذلك لأسباب متعددة وأهمها:


أولا- الرئيس ترامب يرفع شعار السلام بالقوة، أي إخضاع الدول للإرادة والرؤيا الترامبية، لذلك هو لا يبحث عن مفاوضات بل عن خضوع إيران للشروط الأمريكية، وكل ما يحدث من مفاوضات يهدف لتبرير الهجوم القادم على إيران، والقول انه استنفذ كل الطرق الدبلوماسية لتجنب الحرب، إضافة إلى كسب الوقت للحشد العسكري والذي إكتمل مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية الأكبر "جيرالد فورد"


ثانيا- الأمريكي لا يمكن ان يقبل بأي إتفاق محدود بزمن أو بشكل مؤقت، او يشبه اتفاق أوباما 2015، أي أن المطلوب إتفاق دائم يمكن الرئيس ترامب من إعلان الإنتصار وأنه أخضع إيران، وهذا الإتفاق الدائم يؤدي إلى تفكيك البرنامج النووي بطريقة أو بأخرى، وتوافق إيران أيضا على التفاوض بعد ذلك على قدراتها الصاروخية البالستية وعلاقاتها بحلفاءها


ثالثا- أي إتفاق ممكن أو محتمل، ستكون إسرائيل ظاهرة فيه بشكل واضح، وهذا ما يعقد التوصل لأي إتفاق، كون الضغوطات الإسرائيلية هي التي تدفع إدارة الرئيس ترامب للتشدد لكي تحصل على إنجاز واضح لا غموض فيه


رابعا- الموقف الإيراني المرن والمستعد للذهاب لحدود لم يصلها سابقا لا يمكن أن تتوافق مع ما يريده الرئيس ترامب، لأن المطلوب هو إستسلام إيران، او كما يقول ترامب، إما ان توافق وإما أن نذهب للطريقة السيئة


خامسا- إسرائيل العامل المركزي في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، لن تقبل مطلقا أي إتفاق وفقا للرؤيا الإيرانية، أي كما قال نتنياهو "نريد إتفاق مستدام، إتفاق إلى الأبد"، وهذا ما ردده المبعوث والمفاوض اليهودي الأمريكي "ستيف وتكوف"


إذا كل الدبلوماسية الجارية والمسماه مفاوضات لا علاقة لها بالواقع، فالمطلوب ليس مرونة إيرانية، ولا تنازلات هنا وهناك، ويتضح بشكل لا لبس فيه أن المطلوب هو إستسلام إيران بشكل كامل للمطالب الصهيو أمريكية، وهذا يؤكد المؤكد بأن طبول الحرب تُغطي على أي شيء آخر


في إستطلاع للرأي في إسرائيل أجراه "مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" يوم 25 شباط/فبراير، اجاب تقريبا 51% من المُستطلع آرائهم انهم يؤيدون ضربة منفردة من إسرائيل ضد إيران، وهذا وحده يُشير إلى الواقع الحقيقي بما يتعلق بالنظرة لإيران، كما ان حديث السيناتور الديمقراطي الأمريكي "تشاك شومر" زعيم الاقلية في الكونغرس الأمريكي بعد جلسة الإحاطة من رئيس أل سي آي إيه، والذي قال:" انظروا الأمر خطير ... على ترامب ان يشرح هذا للشعب الأمريكي"، أي أننا أمام مسرح حرب قادمة لا محالة.


سابقا قلنا أن المخطط الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة تم حسمه في اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب ونتنياهو قبل شهر في منتجع "مارالاغو" في بالم بيتش خارج ميامي، حيث تم التوافق على حسم ملفات المنطقة بحيث يتم إخضاعها بشكل كامل للمصالح الأمريكية، وتحويلها إلى بحيرة أمريكية وقبطان ونفوذ إسرائيلي يحافظ على أمنها، وهذا غير ممكن دون إخضاع إيران.


صحيح أن الأمريكي ترامب متردد بعض الشيء كما يوحي الإعلام، وصحيح أن هناك إنقسام داخلي امريكي في الذهاب للخيار العسكري، لكني شخصيا لا أرى أن الرئيس ترامب متردد، بل يبدو لي أنه ذاهب للحرب على إيران لأنه يرى الأمر من منطلق شخصي اولا، ويرى عظمة امريكا بإخضاع الدول الأخرى للإرادة الأمريكية لنهب ثرواتها كما حدث في فنزويلا حيث تفاخر في خطابه "حالة الاتحاد" بحصول امريكا على 80 مليون برميل نفط، إضافة إلى أنه يرى نفسه رسول من الرب "يهوة" بعثه لحماية شعبه المختار، وقد تم ذكر ذلك بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي "حماية امن إسرائيل"، وهذا غير ممكن بدون إخضاع إيران.


كل من يسمع خطاب الرئيس ترامب "حالة الإتحاد" سيفهم أن هذا الرجل لا يرى أحدا، ولا يفهم سوى لغة واحدة، لغة المصارعة التي كان هو ولا يزال من عشاقها، فإما الفوز وإما عقد صفقة تؤدي إلى فوزه، اي انه لا يفكر في الخسارة، بل هذا المصطلح غير موجود في قاموس مفرداته، لذلك قام بكل هذا الحشد العسكري او كما اسماه "الأسطول الجميل".


إذا الخيارات أصبحت واضحة، الشرف والكرامة أو الخضوع، لأن رجل بعقلية الرئيس ترامب لا يفهم لغة الإحترام، ويكفي ملفات "إبيستين" المنشورة لتوضح كيف يفكر، لا أخلاق ولا شرف، هم لا يفهمون إلا لغة القوة ولغة الصمود ولغة الذهاب للاستنزاف.


المواجهة تفرض على ايران وعلى حلفائها، وختام المعارك التي بدأها "الطوفان" ستحددها المعركة القادمة، فإما نهاية للحرب والذهاب للإستقرار في المنطقة بوضع حد للعنجهية وللابادة والتطهير العرقي، وإما الدخول في معارك استنزافية ستطال الإقليم ككل، بل قد تصل إلى ابعد من ذلك بكثير، أما الخضوع للصهيو أمريكي فهذا يعني ضياع كل شيء لعقود من الزمن.


أيام حاسمة قادمة تحمل في ثناياها كل الأمل بفجر رمضاني فيه عزة وإباء لكل شعب "هيهات منا الذلة".

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

سؤال الفن ما بعد المجزرة .. حين يصبح الشعب فناً ويتحول المتفرج إلى شاهد أخلاقي

يختبر مسلسل «صحاب الأرض» للمخرج بيتر ميمي حدود الفن في مواجهة المأساة، غير مكتفٍ بكونه تجربة فنية فقط، لكنه وضعنا أمام سؤال جوهري، ماذا يعني أن نشاهد عملا فنيا عن مأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة والواقع ولم تتحول بعد إلى ماضٍ يمكن تأويله؟ كيف يواجه الفن حدثا لم يبرد في الوعي الجمعي ويعيد صياغة ألم يعيشه الناس كل يوم؟ 

وبحق فقد استطاع المخرج أن يحول الأداء التمثيلي الى أداة كشف لا مجرد تمثيل. فالفنانة منة شلبي تقدم في دور الدكتورة سلمى وجها يتحول إلى مرآة للصدمة والذهول، بينما تستعيد لغة الجسد داخل المستشفى إيقاعها المتوتر لتجعل من كل حركة وكل صمت شهادة على قلق لا يجد مستقرا. وفي المقابل يمنح الفنان إياد نصار الشخصية توترا مشحونا بالدفء والسخرية، ليؤكدا ما أشار إليه ستانسلافسكي من أن الفعل الصادق ينبع من نفس حية تقود الحركة لا العكس. 

هذا التوازن بين الوجه والجسد والصوت لا يحيي الشخصيات فحسب، لكنه يفتح للمشاهد مساحة يتأمل فيها معنى الفن... الفن حين يصبح مواجهة مباشرة مع ذاكرة حية وخراب قائم. وليس مرآة صامتة للوقائع، أو شاشة أخرى تعيد بث المأساة كما حدثت، أو صورا أخرى تضاف إلى أرشيف مزدحم، لكنه شكل فضاء يعاد فيه تشكيل الألم ليغدو سؤالا عن الحق وعن الأرض وعن العدالة، وعن الإنسان حين يحاصر في قلب الجريمة، كاشفا البنية التي جعلت الظلم ممكنا، ويضعنا وجها لوجه أمام تاريخ لم ينته بعد وأمام أسئلة طال تأجيلها. 

قد يرى البعض أن أهل غزة ليسوا بحاجة إلى من يروي لهم ما عاشوه، فحياتهم امتداد مباشر للحدث، وذاكرتهم مشبعة بالألم في الانتظار والصمت والمسافة بين انفجار وآخر. كما أن الامتناع عن المشاهدة قد يكون فعل حماية للنفس لا رفضا للفن، ومحاولة للإبقاء على مسافة بين الحياة وكارثة لم تستقر بعد في الماضي. أما من تابع المأساة من خارجها فقد رأى الصور وحفظ الأرقام وسمع الشهادات، لكنه تلقى الحدث دون عمقه، والوقائع دون معناها، فالأخبار تلتقط اللحظة وتمضي، وسرعان ما يتحول الحدث إلى مادة قابلة للاستهلاك. أما الحقيقة فتحتاج إلى بطء يتيح الفهم، إلى مساحة يتحول فيها الألم من صدمة عابرة إلى وعي نقدي بالبنية التي تنتج الكارثة وتسمح باستمرارها. 

ولذلك كان لا بد للفن أن يتقدم لا بوصفه منافسا للخبر وإنما مقاومة للنسيان، حيث ينزع الحدث من عابريته ويثبته في الوعي، ولا يسأل ماذا جرى فقط، بل ماذا يعني أن نعيش بعده، وكيف يتشقق الداخل، ويتبدل معنى المدينة والأرض في الوجدان. 

وعلى الرغم من امتداد السنوات فإن غسان كنفاني يقدم مثالا حيا لهذا المسار. فلم يكن اللاجئون بحاجة إلى من يخبرهم أنهم لاجئون، لقد كانوا يعيشون الكارثة كل يوم، لكنه حول التجربة إلى سؤال أخلاقي وتاريخي كشف الطبقات والبنية الاجتماعية والسياسية التي تصنع الموت، فلم يرو الحدث فقط بل عاشه في خوفه وانتظاره وصمت الشوارع، وحول الألم الفردي إلى وعي جمعي يربط الإنسان بسياقه التاريخي والاجتماعي، قصص غسان كنفاني لم تضف معلومة بل أضافت معنى، ومنحت القارئ قدرة على رؤية ما وراء الصورة. 

أما التعب في مشاهدة الحدث مرة أخرى لا يأتي من الحقيقة بل من تكرارها بلا أفق، فالتواتر يصنع اعتيادا على القسوة، بينما الفن الصادق يكسر هذا الاعتياد، يبطئ النظر ويعيد للإحساس حدته، كما ان  السؤال ليس لماذا ننتج عملا بعد المجزرة، 

ولكن ماذا يفعل الفن بما عجز الخبر عن فعله، الخبر يقول حدثت مجزرة، أما الفن فيمنح الإنسان موقعا أخلاقيا داخل الخراب، ينقله من متفرج مشبع بالصور إلى ذات تسأل وتفكر وتقاوم، وهنا تتجسد مقولة عبقري القصة القصيرة يوسف إدريس في تقديمه لأعمال غسان كنفاني حين قال " لأ أخلد من الشعب إلا الشعب ذاته حين يتحول الى لوحات وموسيقى وفن". فالفن ليس ترفا بعد الكارثة بل هو الشكل الذي يحفظ الوجود من الذوبان في التكرار ويحمي الذاكرة من التحول إلى أرشيف صامت. 

بهذا المعنى يصبح الفن ممارسة وعي جماعي، أداة تحليل في مواجهة تاريخ غير عادل، يربط الفرد بالذاكرة وبالمجتمع وبالزمن، ويذكره أن الحكاية ليست مأساة عابرة يمكن تمريرها أو نسيانها، لكنها تجربة تعيد تعريف معنى الوجود، وتبقي السؤال مفتوحا عما يبقى من إنسانية، وما يمكن استعادته من  الأرض وإلى العدالة.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تتقاطع الانتماءات: هل تصنع العائلة والتنظيم تكاملًا انتخابيًا أم تعمّق الانقسام؟



في كل موسم انتخابي، يعود النقاش حول طبيعة تشكيل القوائم، خاصة في الريف الفلسطيني حيث تتداخل العلاقات الاجتماعية بالسياسة بشكل واضح. فالمتابع يلحظ أن كثيرًا من القوائم تنشأ على أساس عائلي، أو تُنسب إلى عائلات بعينها، في مشهد يعكس طبيعة المجتمع وتركيبته التقليدية. والعائلة، في هذا السياق، ليست مجرد اسم يُرفع في الدعاية الانتخابية، بل إطار انتماء متجذر، يمنح أفراده الدعم والامتداد الاجتماعي والثقة المتبادلة.
غير أن الإشكالية لا تكمن في الانتماء للعائلة بحد ذاته، فذلك أمر طبيعي ومشروع، بل في تحوّله إلى معيار وحيد أو شبه وحيد لاختيار المرشحين. حين يصبح السؤال: "من يمثل هذه العائلة؟" بدلًا من "من هو الأقدر على خدمة الناس؟" تضيق دائرة الاختيار، ويتراجع معيار الكفاءة لصالح معيار القرب، ويصبح الاسم أثقل من البرنامج، والعدد أهم من النوع.
ومع تطور المشهد السياسي، لم يعد البعد العائلي وحده حاضرًا، بل دخل إلى جانبه البعد التنظيمي والحزبي، وكذلك البعد الوطني العام. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يؤدي تداخل هذه الأبعاد إلى حالة من التكامل، أم يفتح الباب أمام شرخ أوسع في المجتمع؟
من حيث المبدأ، يمكن لهذه الأبعاد أن تتكامل بصورة إيجابية. فالعائلة توفر الحاضنة الاجتماعية، والتنظيم السياسي يقدم الإطار الفكري والبرنامجي، والبعد الوطني يشكل السقف الجامع الذي يحدد الأولويات الكبرى. إذا اجتمعت هذه العناصر على قاعدة الكفاءة والنزاهة وخدمة الصالح العام، فإنها قد تنتج قوائم متوازنة، تمتلك الامتداد الشعبي والوضوح السياسي والالتزام الوطني في آن واحد. في هذه الحالة، لا تكون العائلة بديلًا عن البرنامج، ولا يكون التنظيم أداة إقصاء، بل تتحول جميعها إلى روافد تصب في خدمة المجتمع.
لكن الصورة ليست دائمًا بهذه المثالية. فحين يُقدَّم الولاء الحزبي على الكفاءة، وتُستخدم العائلة كأداة لحشد الأصوات لا أكثر، ويُختزل الخطاب الوطني في شعارات انتخابية، تتكاثر خطوط الانقسام بدل أن تضيق. يصبح التنافس بين العائلات، وبين التنظيمات، وربما داخل العائلة الواحدة نفسها، ويتراجع النقاش حول البرامج والخطط التنموية لصالح اصطفافات اجتماعية وسياسية حادة. وهنا لا نكون أمام تكامل، بل أمام تراكب انقسامات قد يترك أثره في النسيج الاجتماعي بعد انتهاء الانتخابات.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود البعد العائلي أو التنظيمي أو السياسي، فهذه مكونات طبيعية في أي مجتمع حي، بل في كيفية ترتيبها. فالفرد يمكن أن يكون ابن عائلة يعتز بها، وعضوًا في تنظيم سياسي يؤمن بفكره، ومواطنًا يحمل همّ وطنه، دون أن يقع في تناقض. التناقض يظهر حين تتحول هذه الانتماءات إلى أدوات نفوذ ضيقة، أو حين يُختزل الوطن في الحزب، ويُختزل الحزب في العائلة.
الأصل أن تكون الوطنية هي السقف الأعلى، والكفاءة هي معيار التقديم، والبرنامج هو أساس المنافسة، بينما تبقى العائلة والتنظيم أطرًا داعمة لا حاكمة. وعلى العائلات، إن أرادت حضورًا مشرّفًا في الحياة العامة، أن تقدّم الأقدر لا الأقرب، وعلى التنظيمات أن تدفع بأصحاب الرؤية والخبرة لا بمجرد الموالين، وعلى الناخب أن يُعمل عقله قبل عاطفته.
بين التكامل والشرخ مساحة من الوعي والمسؤولية. فإذا أحسن المجتمع إدارة تعدد انتماءاته، تحولت الانتخابات إلى فرصة لتعزيز الوحدة وبناء نموذج أكثر نضجًا في العمل العام. أما إذا بقيت المعايير أسيرة الحسابات الضيقة، فإننا سنعيد إنتاج ذات المشهد في كل دورة انتخابية، دون أن نخطو خطوة حقيقية نحو تمثيل أكثر عدالة.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة المنكوبة: متطلبات البقاء والصمود في مواجهة الابادة ومخططات التهجير


كشفت حرب الإبادة الشاملة التي تعرّض لها شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة على امتداد عامين متواصلين، عن هدفٍ استراتيجي ظلّت دولة الاحتلال تحاول إخفاءه لعقود، لكنه ما لبث أن طفا على السطح بوصفه الهدف المركزي للمشروع الصهيوني، والمتمثّل في طرد الشعب الفلسطيني من أرضه وتهجيره إلى المنافي. وهو هدف لم تنجح دولة الاحتلال في إنجازه كاملًا منذ عام 1948، رغم ما حققته من نجاحات جزئية، إذ ما يزال على أرض فلسطين التاريخية ما يقارب سبعة ملايين فلسطيني، تسعى دولة الاحتلال، بأدوات متعددة، إلى اقتلاعهم وتهجيرهم من أرضهم، انسجامًا مع جوهر المشروع الصهيوني الذي انطلق منذ مؤتمر بازل، ورفع شعار: “شعب بلا أرض لأرض بلا شعب”.

وما تعرّض له قطاع غزة من حرب إبادة جماعية، وما رافقها من إصرار إسرائيلي ممنهج على دفع السكان نحو التهجير القسري أو ما يُسمّى “التهجير الطوعي”، لا يشكّل إلا فصلًا جديدًا من فصول هذا المشروع المتواصل. ورغم فشل هذا المسعى خلال عامين من حرب الإبادة، بفعل الموقف المصري الرافض للتهجير، وبفعل إصرار الشعب الفلسطيني على التمسك بأرضه رغم المجازر والدمار والجوع والحصار، إلا أن القراءة الواقعية لتجربة شعبنا مع دولة الاحتلال تؤكد أن مشروع التهجير ما زال قائمًا، ويجري العمل على تنفيذه بأشكال وأساليب جديدة، عسكرية واقتصادية وإنسانية وسياسية.

من هنا، تصبح مهمة تثبيت الناس في أرضهم، وضمان بقائهم، وإفشال مخططات التهجير القسري أو المقنّع، المهمةَ المركزيةَ الأكثر إلحاحًا في هذه المرحلة ،وهي الخط الأحمر المقدس دون سواه ، وعلى قاعدة تحقيق هذا الهدف فقط، يستطيع شعبنا أن يلتقط أنفاسه، ويواصل كفاحه من أجل الحرية والاستقلال، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

إن أولوية البقاء والصمود في مواجهة مشروع التهجير لا يمكن أن تتحقق بالشعارات وحدها، بل تتطلب مقومات مادية وسياسية وخدماتية ملموسة، في مقدمتها التعامل مع قطاع غزة بوصفه منطقة منكوبة بكل ما تحمله هذه الصفة من التزامات وطنية ودولية. وهو ما يستدعي إعلانًا سياسيًا واضحًا من قبل القيادة الفلسطينية، وإجراءات استثنائية تتجاوز منطق الإغاثة المؤقتة، نحو خطة إنقاذ وطنية شاملة.

فعلى المستوى الخدماتي والإنساني، يقتضي الصمود توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، وفي مقدمتها السكن المؤقت والآمن بدل الخيام البالية ومراكز الإيواء غير الإنسانية، وضمان توفير الغذاء والمياه الصالحة للشرب، والرعاية الصحية الشاملة، وإعادة تشغيل المستشفيات والمراكز الطبية، واستئناف العملية التعليمية مع توفير أقصى أشكال الدعم، بما في ذلك إعفاء الطلبة من الرسوم الجامعية. كما يشمل ذلك إعفاء المقترضين من البنوك بعد أن دمّر العدوان بيوتهم التي اقترضوا لشرائها، وتأمين مصادر دخل أو بدائل اقتصادية تُمكّن الناس من تدبير شؤون حياتهم بكرامة، وتمنع دفعهم إلى الهجرة كخيار قسري تحت ضغط الجوع وانعدام الأفق.

ويتطلب ذلك أيضًا فتح المعابر بشكل دائم ودون تعقيدات، وضمان تدفّق المساعدات الإنسانية دون قيد أو ابتزاز سياسي، والشروع الفوري في عملية إعادة الإعمار، حتى في ظل استمرار العدوان.

أما على المستوى السياسي، فإن الصمود يتطلب إرادة وطنية موحّدة، وبناء خطاب سياسي واضح وموحد يضع أولوية البقاء في غزة في صدارة العمل الوطني، وفوق أي اعتبارات أخرى، ويرفض تحويل المأساة الإنسانية إلى أداة ضغط على الضحايا أنفسهم. كما يتطلب تحرّكًا دبلوماسيًا فاعلًا لفرض الاعتراف الدولي بقطاع غزة والتعامل معه كمنطقة منكوبة بفعل حرب إبادة، بما يستتبع ذلك من التزامات قانونية وأخلاقية على المجتمع الدولي، ومحاسبة دولة الاحتلال على جرائمها، بدل مكافأتها بمشاريع “إغاثة” مشروطة أو حلول التفافية تأتي على حساب المشروع الوطني وجوهره: الحرية والاستقلال.

إن تثبيت الناس في أرضهم ليس مسألة إنسانية فحسب، بل هو جوهر المعركة السياسية في هذه المرحلة، وجبهة متقدمة من جبهات الصراع مع الاحتلال. فالصمود هو الشرط الأول لاستمرار النضال، والبقاء هو المقدّمة الضرورية لأي مشروع تحرر وطني. ومن دون توفير مقومات الصمود، يصبح الحديث عن أي مستقبل سياسي مجرد خطابٍ معزول عن واقع شعبٍ يُدفع يوميًا إلى حافة الفناء أو المنفى.

26 شباط/فبراير/2026

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تُحاكم الوثيقة أمام ميزان القانون: مسؤولية الاحتلال ومعاناة الأسرى بين النصوص والوقائع


تشكل الوثيقة محلّ الدراسة مادة ثرية للتحليل القانوني، لا سيما عندما تتصل وقائعها بما يُنسب إلى الكيان الصهيوني من تجاوزات جسيمة في حقّ الأسرى، وما يرتبط بذلك من انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. فالقراءة القانونية هنا لا تكتفي بسرد المعاناة أو توصيفها أخلاقيًا، بل تتجه إلى تفكيك الادعاءات إلى عناصر قانونية محددة، تُوزن بميزان النصوص الملزمة، وتُقاس بمدى انطباقها على الوقائع.

إن أولى خطوات التحليل تقتضي التمييز بين الوصف السياسي وبين التكييف القانوني. فالتعبير عن "انتهاك" أو "جريمة" لا يكتسب قيمته القانونية إلا إذا توافرت أركانه المحددة في القواعد المعمول بها. وفي حالة الأسرى، فإن المرجعية الأساسية تتمثل في قواعد اتفاقيات جنيف لعام 1949، ولا سيما الاتفاقية الثالثة بشأن أسرى الحرب، والاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، فضلًا عن البروتوكولات الإضافية. فهذه النصوص لا تُعدّ مجرد توصيات أخلاقية، بل التزامات قانونية ملزمة، تُرتب مسؤولية دولية عند خرقها.

إذا تضمنت الوثيقة ادعاءات بسوء المعاملة، أو التعذيب، أو الحرمان من المحاكمة العادلة، فإن السؤال القانوني يتمحور حول مدى توافر الركن المادي (الفعل أو الامتناع)، والركن المعنوي (القصد أو العلم)، والركن الشرعي (وجود نص يجرّم الفعل). فالتعذيب، على سبيل المثال، محظور حظرًا مطلقًا بموجب قواعد القانون الدولي العرفي والاتفاقيات الخاصة، ولا يجوز تبريره بأي ظرف استثنائي. كما أن الاحتجاز التعسفي أو المحاكمة أمام جهات تفتقر إلى الاستقلال والحياد يشكل انتهاكًا صريحًا للضمانات القضائية الأساسية.

وفي حال ثبت أن الانتهاكات ذات طابع منهجي أو واسع النطاق، فإن التكييف قد يرتقي إلى مستوى "الجرائم ضد الإنسانية"، وهي من أخطر الجرائم التي لا تسقط بالتقادم. وقد كرّس هذا المبدأ النظام الأساسي لـ المحكمة الجنائية الدولية، التي تختص بالنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية متى توافرت شروط الاختصاص الموضوعي والزماني والشخصي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تشكل معاملة الأسرى، كما تصفها الوثيقة، نمطًا ممنهجًا يعكس سياسة عامة، أم مجرد تجاوزات فردية؟ فالإجابة تحدد طبيعة المسؤولية: فردية أم مؤسسية.

إن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات واضحة على سلطة الاحتلال، من بينها ضمان المعاملة الإنسانية للأسرى، وتوفير الرعاية الطبية، ومنع الإهانة أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية. وأي إخلال بهذه الالتزامات يُعدّ خرقًا جسيمًا يرتب مسؤولية دولية، ويستوجب المساءلة والتعويض. كما أن نقل الأسرى خارج الأراضي المحتلة، إن ثبت، يثير إشكالية قانونية خطيرة في ضوء حظر النقل القسري للأشخاص المحميين.

ومن زاوية المسؤولية، ينبغي التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية، التي تقوم على مبدأ شخصية العقوبة، وبين مسؤولية الدولة عن أفعال أجهزتها. فالقانون الدولي لا يكتفي بملاحقة الأفراد، بل يُقرّ أيضًا بمسؤولية الكيان ذاته عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، ما يفتح الباب أمام المطالبة بجبر الضرر، سواء عبر التعويض أو إعادة الاعتبار أو اتخاذ تدابير إصلاحية. ويستند ذلك إلى القواعد المستقرة بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة، والتي تفرض التزامًا بوقف الانتهاك وضمان عدم تكراره.

كما أن مسألة الإثبات تحتل موقعًا محوريًا. فالوثيقة، مهما كانت قوة خطابها، تحتاج إلى أدلة موثقة: تقارير طبية، شهادات، تقارير منظمات مستقلة، أو قرارات قضائية. فالخطاب السياسي قد يلهب المشاعر، لكن القضاء لا يحتكم إلا إلى الدليل. ومع ذلك، فإن جسامة الادعاءات تفرض واجب التحقيق المستقل والشفاف، لأن الامتناع عن التحقيق في مزاعم موثوقة قد يشكل بحد ذاته إخلالًا بالتزامات الحماية.

وإذا تجاوزت الانتهاكات حدود الحالات الفردية لتشكل نمطًا من المعاملة القاسية أو العقاب الجماعي، فإن الأمر لا يقتصر على مخالفة نصوص محددة، بل يمس جوهر مبدأ الكرامة الإنسانية، الذي يشكل حجر الزاوية في المنظومة القانونية الدولية. فالأسير، مهما كانت التهمة المنسوبة إليه، يظل متمتعًا بحقوق لا يجوز المساس بها، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والسلامة الجسدية، والمحاكمة العادلة.

ومن منظور أوسع، فإن معاناة الأسرى ليست مجرد قضية إنسانية، بل اختبار حقيقي لمدى احترام قواعد القانون في سياق نزاع طويل الأمد. فاستمرار الانتهاكات، إن ثبتت، يقوّض الثقة في مبدأ سيادة القانون، ويعزز ثقافة الإفلات من العقاب. ولهذا، فإن آليات المساءلة، سواء كانت وطنية أو دولية، تمثل عنصرًا أساسيًا في تحويل الذاكرة إلى مسؤولية قانونية، والألم إلى مطالبة مشروعة بالحق.

وفي الختام، فإن الوثيقة، حين توضع أمام ميزان القانون، تطرح أسئلة عميقة حول مدى التزام الكيان الصهيوني بقواعد القانون الدولي الإنساني، وحول مسؤولية المجتمع الدولي في ضمان احترام هذه القواعد. فالعدالة لا تتحقق بالشعارات، بل بالتحقيق المستقل، والإثبات الدقيق، وتفعيل آليات المساءلة. وبين الادعاء والحكم القضائي مسافة يملؤها الدليل، وتؤطرها النصوص، وتحرسها ضمانات المحاكمة العادلة. وإذا كان الهدف إنصاف الأسرى وصون كرامتهم، فإن الطريق إلى ذلك يمر حتمًا عبر إعمال القانون، لأنه وحده القادر على تحويل المعاناة إلى حق ثابت، والانتهاك إلى مسؤولية قائمة، والنداء الأخلاقي إلى حكم قضائي ملزم.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات سموتريتش... غزة بين استراتيجية الاستيطان والمكاسب الانتخابية

محمد جودة: تصريحات سموتريتش تكشف ما وراء المهلة المحددة لـ"حماس" ما يجعل غزة على مفترق طرق إستراتيجي بين الاحتواء وإعادة فرض السيطرة الشاملة

هاني أبو السباع: هذه التصريحات تأتي في سياق سياسي وانتخابي حيث تستخدم الأحزاب الإسرائيلية ملف غزة كورقة مؤثرة في الانتخابات المقبلة

فايز عباس: سموتريش يحاول تعزيز حضوره لضمان بقائه داخل الكنيست بتبني خطاب حلم إعادة الاستيطان في القطاع رغم محدودية تحقيق هذا الهدف

نهاد أبو غوش: مخطط التهجير واحتلال غزة أصبح خياراً مركزياً لدى حكومة اليمين المتطرف ما يفسر امتناع إسرائيل عن تنفيذ التزاماتها بخطة ترمب

سليمان بشارات: تصريحات سموتريش هدفها خلق الخوف لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين باعتبار أن المشروع الصهيوني يقوم على سياسة الإحلال السكاني

ياسر مناع: فكرة إعادة الاستيطان في قطاع غزة ليست جديدة بل طُرحت منذ الأسابيع الأولى للحرب والخطاب الحالي يأتي امتداداً مباشراً لهذا التوجه

رام الله - خاص بـ"القدس"-

تعيد تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حول احتلال قطاع غزة وإقامة مستوطنات فيه، في حال عدم نزع سلاح حركة حماس خلال المهلة المحددة، طرح سيناريوهات خطيرة بشأن مستقبل القطاع، وسط تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية عن تغيير جذري في الواقع القائم، لكن تلك التصريحات قد تفهم في إطار السياق الانتخابي.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن هذه التصريحات تأتي في سياق المزايدات الانتخابية، لكنها تُفسَّر باعتبارها مؤشراً على توجهات داخل الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تتجاوز إدارة الصراع إلى إعادة السيطرة المباشرة على القطاع، بما يشمل مشاريع استيطانية وترتيبات أمنية طويلة الأمد.

ويشير إلى أن الربط بين نزع سلاح المقاومة وخيار الاحتلال يعكس رؤية سياسية تسعى إلى استثمار التطورات الميدانية لفرض معادلة جديدة في غزة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً على المستويين السياسي والإنساني.




لحظة سياسية مكثفة


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن التصريحات الأخيرة لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن احتلال قطاع غزة وإقامة مستوطنات فيه، بالتزامن مع حديث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن مهلة لنزع سلاح حركة حماس، إضافة إلى مواقف السفير الأميركي مايك هاكابي، تعكس لحظة سياسية مكثفة لا يمكن فصلها عن توازنات الداخل الإسرائيلي وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة وشكل النظام الإقليمي بعد الحرب.

ويرى جودة أن تصريحات سموتريتش تكشف ما وراء المهلة المحددة لحماس، ما يجعل غزة على مفترق طرق إستراتيجي بين الاحتواء وإعادة فرض السيطرة الشاملة.


رؤية أيديولوجية واضحة


ويوضح جودة أن تصريحات سموتريتش لا تمثل مجرد تهديد عسكري، بل تعبر عن رؤية أيديولوجية واضحة تنتمي إلى تيار يعتبر الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 خطأ استراتيجياً، ويربط بينه وبين صعود حركة حماس وتكرار جولات المواجهة.

وبحسب جودة، فإنه وفق هذا التصور، فإن الحديث عن احتلال القطاع وبناء مستوطنات فيه يعكس محاولة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسيادي في غزة، وليس مجرد تحقيق ردع أمني.


مدخل لإعادة تعريف الوضع القانوني والسياسي للقطاع


ويشير جودة إلى أن توقيت طرح فكرة الاحتلال والاستيطان بالتزامن مع منح مهلة لنزع سلاح حماس يحمل دلالات سياسية عميقة، إذ إن مطلب نزع السلاح لا يقتصر على كونه شرطاً أمنياً، بل يشكل مدخلاً لإعادة تعريف الوضع القانوني والسياسي للقطاع، فعدم نزع السلاح قد يفتح الباب أمام سيناريو السيطرة الكاملة، بينما يعني نزع السلاح وفق الشروط الإسرائيلية تثبيت معادلة أمنية جديدة تبقي لإسرائيل اليد العليا.

ويبيّن جودة أن نتنياهو يتحرك في ظل ضغوط متناقضة، بين مطالب اليمين الديني والقومي الداعي إلى حسم جذري في غزة، وضغوط دولية، خصوصاً أميركية، لتجنب إعادة احتلال دائم قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع.

ويعتبر جودة أن تصريحات سموتريتش تمثل أيضاً أداة ضغط داخل الائتلاف الحاكم لضمان عدم القبول بأي تسوية لا تتضمن تفكيكاً كاملاً للبنية العسكرية لحماس.

وفي ما يتعلق بمواقف السفير الأميركي مايك هاكابي، يرى جودة أنها تُقرأ في المنطقة باعتبارها مؤشراً على وجود تيار داخل الولايات المتحدة يمنح غطاءً فكرياً أو دينياً لخطاب التوسع الإسرائيلي، الأمر الذي يعزز ثقة التيار اليميني في إسرائيل حتى لو لم يتحول إلى سياسة أميركية رسمية.


إنذار سياسي يمهد لاستئناف العمليات العسكرية


ويشير جودة إلى أن نزع سلاح حماس بالمعنى الإسرائيلي يعني إنهاء قدرتها العسكرية والتنظيمية كقوة حاكمة، لكن التجارب التاريخية تظهر أن النزع الكامل للسلاح نادراً ما يتحقق دون هزيمة عسكرية حاسمة أو تسوية سياسية كبرى، ما يجعل المهلة المطروحة أقرب إلى إنذار سياسي يمهد لاحتمال استئناف العمليات العسكرية.

ويطرح جودة أربعة سيناريوهات محتملة، تشمل استئناف الحرب بهدف الحسم العسكري وتفكيك بنية حماس، أو التوصل إلى هدنة طويلة الأمد تقيد قدراتها مقابل ترتيبات إنسانية وإدارية جديدة، أو فرض سيطرة عسكرية دائمة عبر مناطق عازلة ووجود عسكري ثابت داخل القطاع، إضافة إلى احتمال أضعف يتمثل في تسوية سياسية أوسع ضمن إطار إقليمي.

ويشير جودة إلى أن المشهد يعكس صراعاً داخل إسرائيل بين رؤية تسعى إلى إعادة صياغة الخريطة السياسية في غزة جذرياً، وأخرى براغماتية تركز على الردع وإعادة الهدوء، مؤكداً أن المرحلة المقبلة قد تشكل لحظة حاسمة في تحديد مستقبل القطاع لسنوات طويلة قادمة.


رؤية إسرائيلية لفرض السيطرة الدائمة


يرى الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن احتلال قطاع غزة وإقامة مستوطنات فيه جاءت ضمن مقابلة صحفية تناولت سؤال "لماذا لم يتم الحسم حتى الآن في قطاع غزة؟"، مشيراً إلى أن هذه التصريحات تعكس رؤية إسرائيلية تقوم على فرض السيطرة الدائمة على القطاع وربط مستقبل غزة بنزع سلاح حركة حماس بشكل كامل.

ويوضح أبو السباع أن سموتريتش تحدث عن منح مهلة لحركة حماس لنزع سلاحها، معتبراً أن فشل ذلك سيمنح إسرائيل مبرراً لاحتلال ما تبقى من قطاع غزة، مشدداً في الوقت نفسه على أن السيطرة الأمنية ستبقى بيد الجيش الإسرائيلي، وأن أي قوات مستقبلية داخل القطاع يجب أن تكون منزوعة السلاح وخاضعة للقرار الإسرائيلي، مع رفض الحكومة الإسرائيلية لأي دور سياسي أو إداري لحماس في غزة.

ويشير أبو السباع إلى أن سموتريتش ادعى أن إسرائيل تسيطر حالياً على أكثر من 53% من مساحة قطاع غزة، واعتبر هذه السيطرة دائمة، معلناً نية الحكومة إعادة بناء المستوطنات وإعادة المستوطنين إلى القطاع.

ويلفت أبو السباع إلى دعوة سموتريتش إلى "التهجير الناعم"، من خلال تشجيع أهالي غزة، وخاصة الشباب، على الهجرة في ظل تدمير المساكن وتدهور الظروف المعيشية، حيث أكد سموتريش أن إعادة إعمار القطاع ستكون مشروطة بنزع سلاح حماس، وأن أي إطلاق للصواريخ سيُقابل باستئناف العمليات العسكرية واحتلال ما تبقى من القطاع.


تصريحات في سياق سياسي وانتخابي


ويبيّن أبو السباع أن هذه التصريحات تأتي في سياق سياسي وانتخابي، حيث تستخدم الأحزاب الإسرائيلية ملف غزة كورقة مؤثرة في الانتخابات المقبلة، في ظل سعي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وسموتريتش إلى استعادة ثقة الناخب الإسرائيلي عبر طرح مشاريع السيطرة الكاملة وإعادة الاستيطان.


الدفع نحو الهجرة الطوعية


ويتوقع أبو السباع استمرار الحكومة الإسرائيلية في وضع عراقيل أمام أي ترتيبات دولية أو قوات خارجية لإدارة القطاع، مع البحث عن ذرائع لإطالة معاناة السكان بهدف دفعهم نحو ما يسمى "الهجرة الطوعية"، مشيراً إلى وجود ارتباط بين تطورات غزة والتصعيد الإقليمي، خاصة في ظل الرهان الإسرائيلي على نزع سلاح المقاومة رغم صعوبة تحقيق ذلك.

ويشير أبو السباع إلى أن تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، التي تحدث فيها عن سيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط من منظور توراتي، عكست انسجاماً مع توجهات اليمين الإسرائيلي، رغم تأكيد الخارجية الأميركية أن تلك التصريحات أُخرجت من سياقها.

ويعتبر أبو السباع أن هذه المواقف تظهر أن الدعم الأميركي لإسرائيل تجاوز الجوانب العسكرية والسياسية ليصل إلى تبني أهدافها الإقليمية.

ويرى أبو السباع أن تصاعد التصريحات المتطرفة مع اقتراب الانتخابات يعكس تنافساً بين أحزاب اليمين الإسرائيلي على كسب أصوات الناخبين، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستتسم بمزيد من الضغوط والتضييق على الفلسطينيين، في مقابل استمرار رهان الفلسطينيين على الصمود في وجه هذه السياسات.


سموتريش ومحاولة ضمان بقائه داخل الكنيست


يوضح الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن احتلال قطاع غزة وإعادة الاستيطان فيه ترتبط إلى حد كبير بحسابات انتخابية داخلية، في ظل تراجع شعبيته واحتمال فشل حزبه في تجاوز نسبة الحسم خلال الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. ويشير عباس أن سموتريتش يسعى من خلال مواقفه وتصريحاته المتشددة، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، إلى تعزيز حضوره السياسي ومحاولة ضمان بقائه داخل الكنيست.

ويلفت عباس إلى أن سموتريتش يتبنى خطاباً يقوم على حلم إعادة الاستيطان اليهودي في قطاع غزة، إلا أن فرص تحقيق هذا الهدف تبقى محدودة، معتبراً أن إدارة القطاع ستبقى بيد الولايات المتحدة أو ضمن ترتيبات دولية لن تسمح بعودة البناء الاستيطاني الإسرائيلي. ويرى عباس أن المرحلة المقبلة قد تشهد تكراراً لتصريحات مشابهة من قادة اليمين المتطرف بشأن الاستيطان في غزة، في إطار المزايدات السياسية، لافتاً إلى وجود محاولات قامت بها مجموعات يمينية لاقتحام الحدود مع قطاع غزة، إلا أنه جرى إرجاعها وتحذيرها من مغبة هذه الخطوات لما تشكله من خطر على المشاركين فيها وعلى الجنود الإسرائيليين.


سموتريش والاستعراض الاستيطاني


وفيما يتعلق بالاستيطان في الضفة الغربية، يعتبر عباس أن عدداً من البؤر الاستيطانية التي أقيمت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في ظل وجود سموتريتش وزيراً في وزارة الأمن، لا تعدو كونها بؤراً استعراضية يصعب أن تتحول إلى مستوطنات دائمة.

ويوضح عباس أن سموتريتش يتفاخر بتوسيع هذه البؤر، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى هجرة سلبية من المستوطنات نحو داخل الخط الأخضر، موضحاً أن نحو 1050 مستوطناً غادروا الضفة الغربية خلال العام الماضي، دون تسجيل زيادة فعلية في أعداد المستوطنين، رغم التسهيلات الضريبية والمساعدات الحكومية التي تقدمها إسرائيل لتشجيع الاستيطان.


مستقبل القطاع والخضوع للقرار الأمريكي


ويؤكد عباس أن قضية نزع سلاح حركة حماس ومستقبل قطاع غزة ستظل خاضعة بدرجة كبيرة للقرار الأميركي أكثر من كونها قراراً إسرائيلياً خالصاً، مشيراً إلى أن إسرائيل قد تحاول عرقلة أي خطة أميركية من خلال طرح شروط مثل نزع سلاح حماس أو استبعاد السلطة الفلسطينية من إدارة القطاع.


خيار التهجير لا زال قائماً


يوضح الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حول احتلال قطاع غزة وإقامة مستوطنات فيه يمكن فهمها من زاويتين أساسيتين، أولاهما مرتبطة بالمنافسة السياسية داخل إسرائيل، حيث إن تبني مواقف متطرفة وعنصرية وأكثر عدوانية تجاه الفلسطينيين يمنح أصحابها مزيداً من الجماهيرية في ظل الاستعداد لانتخابات عامة متوقعة قبل نهاية عام 2026. ويشير أبو غوش إلى أن شعبية سموتريتش وكتلته تدور حالياً حول نسبة الحسم في معظم استطلاعات الرأي، ما يدفعه إلى رفع سقف مواقفه السياسية.

ويلفت أبو غوش إلى أن الزاوية الأهم تتعلق بطبيعة التفكير السائد لدى حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، حيث لا يزال خيار تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وإعادة احتلاله والاستيطان فيه قائماً ويستحوذ على تفكير قادة اليمين الإسرائيلي، باعتباره وسيلة للتخلص نهائياً من الوجود الفلسطيني.

ويؤكد أبو غوش أن هذا التوجه لا يقتصر على غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية، في ظل تواطؤ الإدارة الأميركية وصمتها على الانتهاكات الإسرائيلية، والتحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب في ملفات إقليمية متعددة، بدءاً من الحرب على غزة وصولاً إلى التحضير لمواجهة محتملة مع إيران.

ويوضح أبو غوش أن مخطط التهجير وإعادة الاحتلال لم يعد مجرد أفكار متطرفة يطرحها مسؤولون هامشيون، بل أصبح خياراً مركزياً لدى حكومة اليمين المتطرف، وهو ما يفسر امتناع إسرائيل عن تنفيذ التزاماتها ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولا سيما الانسحاب من الخط الأصفر، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، والشروع في إعادة إعمار غزة.

ويشير أبو غوش إلى أن إسرائيل اختزلت المرحلة الأولى في استعادة الأسرى والجثث، وتسعى حالياً إلى حصر المرحلة الثانية في بند نزع سلاح المقاومة فقط.

ويوضح أبو غوش أن المواقف التي عبّر عنها السفير الأميركي مايك هاكابي تعكس، بصورة فجة واستفزازية، ما تقوم به الإدارة الأميركية من خلال تبني المفهوم الأمني الإسرائيلي والصمت على الاعتداءات، مذكّراً بتصريحات سابقة للسفير الأميركي توم باراك حول عدم نهائية حدود سايكس–بيكو، وبقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.

ويرى أبو غوش أن الحكومة الإسرائيلية تعتقد أنها تمتلك فرصة تاريخية قد لا تتكرر لتحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى" أو "إسرائيل الكاملة"، مستفيدة من أغلبية يمينية مريحة، ودعم أميركي واسع، والانقسام الفلسطيني، إضافة إلى حالة الضعف والتفكك في النظام العربي.

ويدعو أبو غوش إلى التركيز على إعادة بناء مؤسسات العمل الوطني الفلسطيني واعتماد برنامج وطني موحد يقوم على تعزيز الصمود وتفعيل أدوات النضال الجماهيري والسياسي والدبلوماسي والقانوني، معتبراً أن توحيد الموقف الفلسطيني يمكن أن يسهم في بلورة موقف عربي موحد في مواجهة السياسات الإسرائيلية، خاصة بعد أن أعادت الحرب على غزة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي باعتبارها قضية حرية وعدالة وسلام.


تصريحات تعكس طبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بشأن إعادة الاستيطان في قطاع غزة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والأيديولوجي الأوسع الذي يحكم السياسات الإسرائيلية الحالية، مشيراً إلى أن التمسك بإعادة الاستيطان يعكس بوضوح طبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي تسعى إسرائيل إلى ترسيخه على الأرض الفلسطينية.

ويوضح بشارات أن الاستيطان يمثل إحدى الأدوات والمنهجيات الأساسية لتعزيز المشروع الاستعماري الإسرائيلي، وهو ما يفسر التسارع الكبير في الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع الاستيطان وتوفير مختلف المقومات اللازمة لتعزيزه، سواء في الضفة الغربية أو من خلال طرح فكرة العودة إلى الاستيطان في قطاع غزة، إضافة إلى التوجه الإسرائيلي للبقاء في الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل في سوريا ولبنان.

ويشير بشارات إلى أن المشروع الإسرائيلي لا يقتصر على تعزيز السيطرة داخل الأراضي الفلسطينية فقط، بل يتضمن بعداً توسعياً أوسع على مستوى الشرق الأوسط، ضمن رؤية تقوم على الهيمنة والسيطرة الإقليمية.


إسرائيل رأس حربة الحركة الصهيونية


ويوضح بشارات أن إسرائيل تمثل، من منظور الحركة الصهيونية، رأس حربة مشروع عالمي تسعى من خلاله الحركة الصهيونية إلى فرض نفوذها في المنطقة باعتبارها مركزاً استراتيجياً في العالم، الأمر الذي يعزز شعوراً متزايداً لدى التيار الصهيوني بأن الفرصة مواتية حالياً لتحقيق هذه الأهداف.

ويلفت بشارات إلى أن تصريحات السفير الأميركي مايك هاكابي تعكس حالة "النشوة" التي تعيشها الحركة الصهيونية العالمية، حيث بات الداعمون والمنظّرون للمشروع الصهيوني يتفاخرون بما تحقق من مكاسب سياسية وميدانية خلال المرحلة الحالية.

ويؤكد بشارات أن أحد الأبعاد المهمة لهذه لتصريحات سموتريش يتمثل في محاولة خلق حالة من الخوف لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين، باعتبار أن المشروع الصهيوني يقوم في جوهره على سياسة الإحلال السكاني على حساب السكان الأصليين.

ويرى بشارات أن إثارة هذه التصريحات تهدف إلى دفع الفلسطينيين إما إلى الهجرة أو إلى القبول بالأمر الواقع، من خلال ترسيخ شعور بأن فرص بقائهم على أرضهم باتت محدودة.

ويبيّن بشارات أن المرحلة المقبلة قد تتجه نحو مسارين رئيسيين، يتمثل أولهما في استمرار الاندفاع الإسرائيلي لتعزيز المشروع الاستيطاني وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يشمل تسريع الاستيطان في الضفة الغربية واحتمال إعادة الاستيطان في قطاع غزة، وهو سيناريو يبقى مرتبطاً بقدرة إسرائيل على فرضه دون عوائق سياسية أو ميدانية.

أما المسار الثاني وفق بشارات، فيرتبط بإمكانية اصطدام هذه الخطط بمتغيرات إقليمية ودولية، خاصة ما يتعلق بمستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، حيث تعتمد إسرائيل بدرجة كبيرة على القوة الأميركية في دعم مشروعها. ويرى بشارات أن أي تراجع في القدرة الأميركية على فرض الهيمنة، أو فشل في تحقيق أهداف المواجهة مع إيران، قد يشكل عقبة أساسية أمام تثبيت المشروع الاستيطاني، خصوصاً في ظل مؤشرات تفكك التحالفات الأميركية الأوروبية واحتمال ظهور قوى دولية جديدة قد تؤثر في مستوى الدعم المقدم لإسرائيل.


نزع السلاح كمدخل لترتيب نظام الحكم في غزة


يوضح الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حول احتلال قطاع غزة وإقامة مستوطنات فيه تعكس توجهاً أيديولوجياً واضحاً يسعى إلى تحويل أهداف الحرب من مجرد تفكيك القدرات العسكرية لحركة حماس إلى إعادة تشكيل الواقع السيادي والجغرافي في القطاع، بما يفتح المجال أمام فرض سيطرة إسرائيلية مباشرة.

ويشير مناع إلى أن تزامن هذه التصريحات مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مهلة لنزع سلاح حركة حماس يشير إلى أن ملف نزع السلاح يُطرح باعتباره مدخلاً لإعادة ترتيب نظام الحكم في قطاع غزة، مشيراً إلى أن تعثر المسار السياسي قد يقود إلى فرض سيطرة إسرائيلية مباشرة أو أشكال مختلفة من الإدارة الأمنية والعسكرية طويلة الأمد.

ويرى مناع أن التصريحات المنسوبة إلى السفير الأميركي مايك هاكابي توفر غطاءً خطابياً يعزز ثقة التيار اليميني داخل إسرائيل، حتى وإن لم تتحول هذه المواقف إلى سياسة أميركية رسمية، الأمر الذي يمنح اليمين الإسرائيلي مساحة أوسع لطرح مشاريع أكثر تشدداً تتعلق بمستقبل قطاع غزة.


إعادة الاستيطان في قطاع غزة ليست جديدة


ويشير مناع إلى أن فكرة إعادة الاستيطان في قطاع غزة ليست جديدة، بل طُرحت منذ الأسابيع الأولى للحرب عبر وزراء ونواب من تيار اليمين الإسرائيلي الذين دعوا إلى إعادة إقامة المستوطنات التي أُخليت عام 2005، معتبراً أن الخطاب الحالي يأتي امتداداً مباشراً لهذا التوجه السياسي الذي رافق تطورات الحرب منذ بدايتها.


سيناريوهات متوقعة لمستقبل قطاع غزة


ويبيّن مناع أن السيناريوهات المتوقعة لمستقبل قطاع غزة تدور حول ثلاثة مسارات رئيسية، أولها إمكانية التوصل إلى تفاهمات جزئية بشأن نزع السلاح مقابل تثبيت وقف إطلاق النار ووضع ترتيبات جديدة لإدارة القطاع بإسناد إقليمي أو دولي، وهو مسار يعد أقل كلفة من الناحية السياسية والأمنية.

أما المسار الثاني وفق مناع، فيتمثل في فشل المهلة المطروحة والعودة إلى عملية عسكرية واسعة قد تمهد لاحتلال مباشر أو فرض إدارة عسكرية إسرائيلية طويلة الأمد.

ويشير مناع إلى أن المسار الثالث يقوم على استمرار سياسة الضغط التدريجي عبر عمليات عسكرية محدودة وتوسيع المناطق العازلة، مع الإبقاء على التهديد بالحرب دون الوصول إلى مرحلة السيطرة الكاملة.

ويوضح مناع أن اتجاه التطورات سيتحدد في ضوء نتائج جهود الوساطة، وتوازنات الائتلاف الحاكم في إسرائيل، ومدى قدرة مختلف الأطراف على تحمل كلفة أي تصعيد محتمل.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 7:18 صباحًا - بتوقيت القدس

استراتيجية 'دائرة النار': لماذا يوسع الاحتلال عدوانه نحو المدن الهادئة بالضفة؟

لم تعد العمليات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي مقتصرة على مراكز المواجهة التقليدية في شمال الضفة الغربية مثل جنين ونابلس، بل امتدت لتطال مدناً وبلدات كانت تُعرف بهدوئها النسبي. هذا التحول الميداني يثير تساؤلات عميقة حول الأهداف الكامنة وراء استهداف مناطق لم تشهد تشكيلات عسكرية مقاومة بارزة، مما يشير إلى رغبة في تعميم حالة عدم الاستقرار.

شهدت مدينة سلفيت مؤخراً واحداً من أضخم الاقتحامات العسكرية منذ مطلع العام الجاري، حيث دفعت قوات الاحتلال بمئات الجنود وعشرات الآليات في عملية استمرت لنحو 12 ساعة متواصلة. تخلل الاقتحام فرض حظر تجوال شامل وتفتيش أكثر من 150 منزلاً، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية ومراكز تحقيق ميدانية، وسط تدمير واسع للممتلكات الخاصة.

أفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال فرضت طوقاً عسكرياً مشدداً حول مستشفى الشهيد ياسر عرفات في سلفيت، ومنعت حركة المواطنين بشكل كامل عبر إغلاق المداخل الرئيسية للمدينة. وترافقت هذه الإجراءات مع توزيع منشورات ورقية تزعم أن الهدف هو 'مكافحة الإرهاب'، وهي ذرائع يراها مراقبون مجرد غطاء لاستعراض القوة وترهيب المدنيين.

يرى محللون أن التصعيد في سلفيت ليس معزولاً عن المخططات الاستيطانية، حيث تتعرض المحافظة لعمليات تجريف واسعة تهدف لإنشاء حي استيطاني ضخم يُعرف بـ'أرئيل الغربية'. هذا المشروع الذي يمتد على مساحة تزيد عن 6 آلاف دونم، يهدف إلى عزل المدينة عن محيطها الجغرافي وتحويلها إلى كانتون محاصر بالمستوطنات من جهاتها كافة.

تعتمد السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية على مبدأ 'الاستيلاء المتدرج'، حيث يتم استهداف المناطق المصنفة (ج) أولاً لتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني. هذه المنهجية تهدف إلى امتصاص ردود الفعل الدولية والمحلية عبر تنفيذ المخططات على مراحل زمنية متباعدة، وصولاً إلى فرض سيطرة ديموغرافية وجغرافية كاملة.

يشير مختصون في الشأن السياسي إلى أن الاحتلال يحاول رسم 'خريطة نفسية' جديدة للفلسطينيين، تعتمد على تقسيمهم إلى فئات بناءً على مستوى الهدوء أو التصعيد. هذا النهج يهدف إلى خلق كوابح داخلية داخل المجتمع الفلسطيني عبر ربط الاستقرار المعيشي بالخنوع للإجراءات الأمنية، وهو ما يُعرف بسياسة 'العصا والجزرة'.

إن حجم القوات المشاركة في اقتحامات المدن 'الهادئة' واستخدام الطائرات المروحية في عمليات الإنزال يعكس رغبة في فرض واقع ميداني جديد يتجاوز البعد الأمني المعلن. هذه العمليات تحمل رسائل سياسية واضحة مفادها أن لا مكان في الضفة الغربية بعيد عن قبضة الاحتلال، بغض النظر عن وجود نشاط عسكري للمقاومة من عدمه.

في بيت لحم، لم تكن الصورة مغايرة، حيث أعادت سلطات الاحتلال ترسيم حدود أراضٍ في مناطق بيت جالا وبتير، في خطوة استفزازية تهدف لجر تلك المناطق إلى دائرة المواجهة. يرى باحثون أن هذه التحركات تهدف لتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني الذي لا يتوقف عن التهام المساحات الخضراء.

يبرز دور المستوطنين في هذه المرحلة كذراع تنفيذية ثالثة للاحتلال، حيث يعملون بالتوازي مع الجيش على ترهيب المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم. هذه التكاملية بين الدورين الرسمي والميليشياوي تهدف إلى تسريع وتيرة الضم الفعلي للضفة الغربية وتحويل القرى الفلسطينية إلى جزر معزولة خلف البوابات العسكرية.

رغم محاولات الاحتلال فرض سياسة 'سد الذرائع' وتقييد حركة الفلسطينيين، إلا أن التاريخ يثبت أن حالة التأقلم الحالية هي وسيلة للصمود وليست استسلاماً. الفلسطينيون الذين واجهوا الحصار في الانتفاضات السابقة، يبتكرون اليوم طرقاً بديلة لتسيير حياتهم اليومية، مؤكدين على تمسكهم بالأرض رغم كل محاولات التهجير القسري.

إن التقسيمات التي فرضتها اتفاقية أوسلو (أ، ب، ج) باتت اليوم مجرد مسميات يتجاوزها الاحتلال يومياً عبر اقتحاماته المتكررة لمراكز المدن الخاضعة اسمياً للسيطرة الفلسطينية. هذا التجاوز يهدف إلى تقويض أي سلطة وطنية وإظهار الاحتلال كقوة وحيدة تتحكم في مصير السكان وحركتهم اليومية.

يتوقع مراقبون أن استمرار هذا النمط من التصعيد قد يؤدي إلى انفجار شامل في الضفة الغربية، حيث تصل الضغوط الاقتصادية والأمنية إلى ذروتها. الشعب الفلسطيني الذي يمر بمرحلة من الضغط المكثف، يمتلك القدرة التاريخية على قلب المعادلات في اللحظات الحرجة، مما يجعل رهانات الاحتلال على الهدوء الدائم رهانات خاسرة.

تعتبر البيئة الطاردة التي يحاول الاحتلال خلقها عبر هدم المنازل وفرض الحواجز العسكرية جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لتقليل الكثافة السكانية الفلسطينية في المناطق الحيوية. هذه السياسة لا تستهدف المقاومين فحسب، بل تستهدف الوجود الفلسطيني بحد ذاته، عبر جعل الحياة اليومية عبئاً لا يطاق تحت وطأة الملاحقة والترهيب.

في الختام، يبقى الصمود الفلسطيني في المدن المستهدفة هو الصخرة التي تتحطم عليها مشاريع التوسع الاستيطاني. ورغم الترسانة العسكرية الضخمة، يظل القلق الإسرائيلي قائماً من عدم القدرة على كسر الإرادة الوطنية، وهو ما يفسر لجوء الاحتلال الدائم لتطوير أدوات القمع وتوسيع دائرة النار لتشمل كل شبر في فلسطين.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 6:49 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة 'حرب الخرائط': الترسيم البحري الجديد يفتح جبهة خلافات معقدة بين العراق والكويت وإيران

تشهد منطقة شمال الخليج العربي توتراً متصاعداً فيما يُعرف بـ 'حرب الخرائط'، حيث تمحور الخلاف الجوهري بين العراق والكويت حول ترسيم الحدود البحرية في المنطقة الواقعة جنوب العلامة 162. هذه النقطة تمثل نهاية الترسيم الذي أقره مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 833 لعام 1993، إلا أن تحديد البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية ما زال يثير تجاذبات قانونية وسياسية حادة بين البلدين.

تتمسك الكويت بخط أساس ينطلق من منطقة 'فشت العيج' الضحلة الواقعة في مدخل خور عبد الله، وهو ما كرسه المرسوم الأميري رقم 317 الصادر في عام 2014. في المقابل، يرفض الجانب العراقي هذا التوجه جملة وتفصيلاً، حيث وجهت بغداد رسائل رسمية إلى الأمم المتحدة تعتبر فيها الإجراء الكويتي فعلاً باطلاً بموجب أحكام القانون الدولي ولا يترتب عليه أي أثر قانوني ملزم.

النزاع لم يقتصر على المراسيم، بل امتد ليشمل النشاطات الميدانية في المناطق الحيوية، حيث اعترضت وزارة الخارجية العراقية في مارس 2023 على محاولات الجانب الكويتي نصب محطة تنقيب عن النفط في 'خور الخفكة'. وتقع هذه المنطقة على بعد نحو 30 ميلاً بحرياً جنوب الساحل العراقي، وتضم منشآت استراتيجية من بينها ميناء البصرة النفطي الذي يعد شريان الاقتصاد العراقي.

وفي تطور لافت جرى في فبراير 2026، قدم العراق خرائط وإحداثيات جديدة لمجالاته البحرية، اعتمد فيها على كاسر الأمواج الخاص بميناء الفاو الكبير كخط أساس بدلاً من الساحل الطبيعي. ويرى مراقبون أن هذا التحول يهدف إلى خلق ورقة ضغط تفاوضية في مواجهة الإصرار الكويتي على اعتماد 'فشت العيج'، رغم أن اتفاقية قانون البحار تمنع الاعتماد على المنشآت المستحدثة في الترسيم.

تكشف مراجعة الإحداثيات العراقية الأخيرة عن طموحات واسعة، حيث رسمت بغداد منطقة اقتصادية خالصة تمتد لعمق 86 ميلاً بحرياً في الخليج العربي. هذا الترسيم يثير تساؤلات فنية وقانونية، خاصة وأن الساحل العراقي لا يتجاوز طوله 58 كيلومتراً، مما يجعل هذه المساحات تتقاطع بشكل مباشر مع المناطق الاقتصادية التي أعلنتها كل من الكويت وإيران في وقت سابق.

أبرز المفاجآت في الخريطة العراقية الجديدة هي شمولها لحقل 'الدرة' للنفط والغاز ضمن السيادة العراقية، وهو الحقل الذي ظل محل نزاع كويتي إيراني لأكثر من نصف قرن. فبينما تعتبره الكويت والسعودية حقلاً مشتركاً بموجب اتفاقية عام 2000، تطالب إيران بحصة 40% منه وتسميه حقل 'آراش'، ليدخل العراق الآن كطرف ثالث ومباشر في هذا الملف المعقد.

المثير للاستغراب في الأوساط السياسية هو غياب رد الفعل الإيراني الفوري على الترسيم العراقي الجديد، رغم أنه يقتطع نحو ثلث الحدود البحرية التي رسمتها طهران لجرفها القاري. هذا الصمت يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التفاهمات الإقليمية أو ما إذا كانت هذه الخرائط ستؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات في منطقة شمال الخليج العربي خلال المرحلة المقبلة.

بالنظر إلى التجارب السابقة بين دول المنطقة مثل السعودية والإمارات وعمان، يظهر أن التوافق كان دائماً يعتمد على مبدأ 'تساوي البعد' وتجاهل الجزر الصغيرة بسبب ضيق عرض الخليج. إلا أن التوجه العراقي الأخير يبتعد عن هذه القواعد التقليدية، مما قد يعقد فرص الوصول إلى حلول ثنائية سريعة ويجعل اللجوء إلى التحكيم الدولي خياراً لا مفر منه.

في نهاية المطاف، تظل الحلول القانونية عبر المحكمة الدولية لقانون البحار أو محكمة العدل الدولية هي المسار الأسلم لفض هذا الاشتباك الحدودي. إن فرض الأمر الواقع عبر إيداع خرائط من طرف واحد في الأمم المتحدة لن يمنح شرعية قانونية دائمة، طالما بقيت الأطراف الثلاثة، العراق والكويت وإيران، بعيدة عن طاولة مفاوضات شاملة تضمن حقوق الجميع.

أقلام وأراء

الجمعة 27 فبراير 2026 6:18 صباحًا - بتوقيت القدس

أكاذيب الإمبراطورية: كيف توظف واشنطن 'الديمقراطية' لنهب النفط والسيطرة على القرار العراقي؟

تتكشف يوماً بعد آخر الحقائق الكامنة وراء التدخلات العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية، حيث لم تكن شعارات 'نشر الديمقراطية' سوى غطاء لمصالح اقتصادية بحتة. ويؤكد وزير الحرب الأمريكي الأسبق تشاك هاغل هذه الحقيقة بوضوح حين أقر بأن القتال كان دائماً من أجل النفط، وهو ما تجسد فعلياً في غزو العراق عام 2003 الذي أطلق عليه زيفاً 'عملية حرية العراق'.

لقد كانت نتائج ذلك الغزو كارثية بكل المقاييس الإنسانية والوطنية، حيث انزلقت البلاد في أتون حرب أهلية مدمرة أدت لاستشهاد نحو مليون عراقي ونزوح الملايين. وقبل ذلك، كان الحصار الاقتصادي قد حصد أرواح مليوني طفل، في مأساة وصفتها وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت بأنها 'ثمن مستحق' مقابل تحقيق الأهداف الإمبراطورية الأمريكية في السيطرة على المنطقة.

لم تكتفِ واشنطن بالتدمير العسكري، بل أحكمت قبضتها على الموارد المالية للعراق من خلال 'صندوق تنمية العراق'. وبموجب قرارات دولية، أصبحت عائدات النفط العراقي تودع مباشرة في حسابات الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، مما منح الإدارة الأمريكية سلطة واسعة للتحكم في آلية الصرف واستخدام المال كأداة ضغط سياسي على الحكومات المتعاقبة في بغداد.

في المشهد السياسي الراهن، عاد نوري المالكي، الذي ترأس الحكومة لثماني سنوات، بقوة إلى الواجهة بعد تصدر ائتلافه 'دولة القانون' مراكز متقدمة في الانتخابات التشريعية. ومع إعلان رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني عدم رغبته في الترشح لولاية ثانية، بات الطريق ممهداً أمام المالكي للعودة إلى سدة الحكم، وهو ما أثار حفيظة الإدارة الأمريكية.

تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل مباشر في المسار الديمقراطي العراقي، مطالباً المالكي بالانسحاب من سباق الرئاسة بذريعة قربه من طهران. هذا التدخل الفج يكشف التناقض الصارخ في السياسة الأمريكية؛ فبينما تدعي واشنطن حماية الديمقراطية، تحاول فرض إرادتها على نتائج الصناديق حين لا تتوافق مع مصالحها أو تحالفاتها الإقليمية.

الرد الأمريكي على رفض المالكي للانسحاب لم يتوقف عند التصريحات السياسية، بل وصل إلى التهديد المباشر بقطع عائدات النفط العراقي المودعة في نيويورك. هذا التهديد يضع الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد كلياً على هذه العائدات، في مهب الريح، ويؤكد أن السيادة العراقية تظل منقوصة ما دامت مفاتيح ثرواتها بيد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

اليوم، تعيد المنطقة إنتاج أجواء ما قبل غزو 2003، حيث تحشد الولايات المتحدة بوارجها العسكرية ملوحة بضرب إيران تحت ذات الذرائع المتعلقة بالحرية والديمقراطية. إن التجربة العراقية المريرة تثبت أن الديمقراطية الأمريكية هي مجرد أداة لإنتاج قادة موالين ينفذون الإملاءات الخارجية، وبمجرد خروج أي طرف عن هذا المسار، يتم الانقلاب على العملية الديمقراطية برمتها.

عربي ودولي

الجمعة 27 فبراير 2026 5:03 صباحًا - بتوقيت القدس

فانس يستبعد حرباً طويلة مع إيران ومباحثات جنيف تحقق تقدماً 'مكثفاً'

أكد نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تضع في حساباتها الدخول في صراعات عسكرية ممتدة لسنوات في منطقة الشرق الأوسط. وأوضح فانس في تصريحات صحفية أن أي تحرك عسكري قد يقرره الرئيس دونالد ترمب ضد طهران لن يؤدي بالضرورة إلى غرق الولايات المتحدة في مستنقع عسكري جديد كما يروج البعض.

وشدد فانس، الذي خدم سابقاً في مشاة البحرية الأمريكية، على أن الخيار الدبلوماسي يظل هو المفضل لدى واشنطن لتسوية الخلافات مع الجانب الإيراني. ومع ذلك، ربط نائب الرئيس الأمريكي نجاح هذا المسار بطبيعة التصرفات الإيرانية والرسائل التي تبعث بها طهران خلال المرحلة الراهنة التي تشهد تصعيداً في الخطاب السياسي.

في سياق متصل، اختتمت في مدينة جنيف السويسرية الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي وصفتها مصادر دبلوماسية بأنها كانت جادة للغاية. وأشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن هذه الجولة كانت الأكثر كثافة منذ انطلاق المسار التفاوضي الجديد بوساطة سلطنة عُمان.

وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية تحت ضغط المهلة التي حددها الرئيس دونالد ترمب في التاسع عشر من فبراير الجاري، حيث منح طهران فترة تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي. وحذر ترمب من أن الفشل في التوصل إلى تفاهمات سيؤدي إلى مواجهة تداعيات وخيمة، تزامناً مع تعزيز الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن المفاوضات التي جرت في مقر إقامة السفير العماني بجنيف شهدت نقاشات معمقة حول الملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية. وقد مثل الجانب الأمريكي في هذه اللقاءات المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، مما يعكس الأهمية التي توليها الإدارة لهذا الملف.

من جانبه، صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن الوفد المفاوض قدم مطالب طهران بشكل واضح وصريح خلال الاجتماعات التي تمت عبر الوسيط العماني. وأكد عراقجي أن هناك تقدماً جيداً تم إحرازه في صياغة عناصر الاتفاق المحتمل، مشيراً إلى وجود رغبة لدى الطرفين في تجنب التصادم العسكري عبر القنوات الدبلوماسية.

ومن المقرر أن تنتقل المباحثات إلى مستوى تقني في العاصمة النمساوية فيينا يوم الإثنين المقبل، حيث ستجري النقاشات بإشراف مباشر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويهدف هذا المسار التقني إلى معالجة التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالأنشطة النووية الإيرانية وضمان سلميتها وفقاً للمعايير الدولية المطلوبة.

وأكد وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، الذي يقود الوساطة بين البلدين أن هناك تقدماً مهماً قد تحقق بالفعل، مما يستدعي عودة الوفود إلى عواصمها للتشاور. وأوضح البوسعيدي أن الجهود مستمرة لتقريب وجهات النظر وتجاوز العقبات التي ما زالت تعترض طريق الوصول إلى اتفاق شامل ومستدام.

وتشير التقارير إلى أن الجولة الرابعة من المفاوضات السياسية قد تُعقد في غضون أقل من أسبوع، وذلك للحفاظ على زخم التقدم الذي تحقق في جنيف. ويتعين على الطرفين خلال هذه الفترة التحضير لمجموعة من الوثائق الفنية والقانونية التي ستشكل الهيكل الأساسي لأي اتفاق مستقبلي بين واشنطن وطهران.

وشارك المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافايل غروسي، في جولة جنيف بصفة مراقب تقني، وهو ما اعتبرته مصادر إيرانية خطوة تساهم في دفع المحادثات بدقة أكبر. ويسعى غروسي إلى ضمان وجود ضمانات تقنية كافية تبدد المخاوف الغربية بشأن طموحات طهران النووية وتسمح بالانتقال إلى مراحل تنفيذية.

وتتمسك واشنطن بموقفها الضروري الذي يقضي بمنع إيران من امتلاك أي سلاح نووي، وهو المطلب الذي يشكل جوهر الخلاف التاريخي بين الطرفين. وفي المقابل، تواصل طهران نفي سعيها لتطوير أسلحة ذرية، مؤكدة على حقها المشروع في امتلاك برنامج نووي مخصص للأغراض السلمية والطبية وتوليد الطاقة.

وإلى جانب الملف النووي، تبرز قضايا الصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي لإيران كعقبات إضافية تسعى واشنطن لدمجها في أي اتفاق نهائي. ورغم الرفض الإيراني المعلن لمناقشة هذه الملفات خارج إطار البرنامج النووي، إلا أن كثافة اللقاءات الأخيرة تشير إلى إمكانية حدوث مقايضات سياسية كبرى.

وتعيش المنطقة حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث يتزامن المسار الدبلوماسي المكثف مع استعدادات عسكرية ميدانية على جبهات مختلفة. ويرى مراقبون أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقة بين إدارة ترمب والجمهورية الإسلامية، إما نحو انفراجة تاريخية أو تصعيد غير مسبوق.

ختاماً، يمثل تصريح فانس حول استبعاد الحرب الطويلة رسالة طمأنة للداخل الأمريكي، لكنها تحمل في طياتها تهديداً مبطناً بأن أي عمل عسكري سيكون خاطفاً ومركزاً. ويبقى الرهان الآن على ما ستسفر عنه جولة فيينا التقنية والجولة الرابعة المرتقبة في جنيف لإنهاء حالة التوتر القائمة في الشرق الأوسط.

فلسطين

الجمعة 27 فبراير 2026 4:33 صباحًا - بتوقيت القدس

حكاية الفارس نصر الله: إعدام بدم بارد على مشارف مخماس في أول أيام رمضان

ودعت قرية مخماس والجالية الفلسطينية الشاب نصر الله محمد أبو صيام، الذي ارتقى شهيداً في مواجهة بطولية ضد عصابات المستوطنين في أول أيام شهر رمضان المبارك. بدأت الحكاية حينما هاجم نحو 30 مستوطناً الأطراف الشرقية للقرية تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، مستهدفين سرقة أغنام المزارعين وتدمير ممتلكاتهم. نصر الله، الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، هبّ لنجدة أهله ورفاقه دون تردد، مؤكداً لوالده أنه 'لا وقت للانتظار' حينما يتعلق الأمر بالدفاع عن الأرض والعرض.

خلال المواجهات العنيفة، أظهر الشهيد شجاعة نادرة حين اندفع لإنقاذ أحد الشبان الجرحى الذي كان يتعرض للضرب بالعصي من قبل المستوطنين، فتمكن من تخليصه رغم إصابته بحجر ضخم في ظهره. لم تمنعه آلامه من مواصلة الدفاع، حيث عاد لساحة الاشتباك مرة أخرى محاولاً سحب جريح آخر أصيب برصاص الاحتلال. في تلك اللحظة، حاصره ثلاثة مستوطنين مسلحين ببنادق 'إم-16' ومسدسات، وأطلقوا النار عليه من مسافة لا تتجاوز ثلاثة أمتار في عملية إعدام ميدانية واضحة، ليسقط نصر الله مضرجاً بدمائه وهو يردد الشهادتين.

نُقل الشهيد في رحلة شاقة استغرقت ساعتين نحو مستشفى رام الله بسبب الحواجز والازدحام، وبينما كان ينزف، رفض شرب الماء مؤكداً لرفاقه أنه صائم، ليرتقي شهيداً قبل وصوله. وتكشف هذه الجريمة عن مخطط ممنهج تنفذه ميليشيات المستوطنين في أرياف القدس ورام الله، يقوم على قطع الفلاحين عن أراضيهم عبر البؤر الاستيطانية، وسرقة المواشي التي تمثل مصدر رزقهم الأساسي، وزرع الرعب بالقتل المباشر. وقد تركزت هذه الهجمات مؤخراً على قرى رمّون ودير دبوان وبرقة ومخماس، حيث يتم تدمير الممتلكات وحرق بيوت الشعر وقطع أشجار الزيتون المعمرة.

ترك نصر الله خلفه حزناً عميقاً وفرساً تدعى 'شمس' صهلت وجعاً على فراق خيالها الذي كان يهوى ركوب الخيل وفلاحة الأرض. يصفه أهالي قريته بأنه كان 'ليث الفلاة' الذي لم يقبل الضيم، وكان دائماً سباقاً لمد يد العون للجميع بقلب رقيق وأفعال جسورة. إن استشهاد نصر الله ليس مجرد رقم في سجلات الضحايا، بل هو قصة إنسان كان يرسم مستقبله في وطنه، قبل أن تغتاله رصاصات الغدر الفاشية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في كل شبر من الضفة الغربية.