واشنطن – سعيد عريقات - 2026
رفعت عائلة فرانشيسكا ألبانيزي دعوى قضائية أمام محكمة فيدرالية في واشنطن ضد إدارة دونالد ترمب، طعناً في العقوبات التي فرضتها الحكومة الأميركية عليها العام الماضي على خلفية مواقفها من الحرب في غزة وانتقاداتها لإسرائيل.
وجاء في الدعوى، التي قُدمت الأربعاء أمام المحكمة الجزئية الأميركية لمقاطعة كولومبيا، أن العقوبات "تنتهك التعديل الأول من الدستور الأميركي"، باعتبار أن تصريحات ألبانيزي وعملها في إطار الأمم المتحدة يندرجان ضمن حرية التعبير والنشاط المهني المحميين دستورياً. ورفع الدعوى زوج ألبانيزي وابنتها القاصر، معتبرين أن الإجراءات الأميركية ألحقت أضراراً مباشرة بالعائلة، بما في ذلك قيود مالية ومصرفية وتعقيدات تتعلق بالإقامة والتنقل.
وتشغل ألبانيزي منصب المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو منصب مستقل عيّنه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وخلال الحرب الأخيرة في غزة، كانت من أبرز الأصوات المنتقدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، كما دعت إلى محاسبة المسؤولين عن انتهاكات محتملة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وكانت الإدارة الأميركية قد فرضت في تموز 2025 عقوبات على ألبانيزي، متهمة إياها باتخاذ مواقف “منحازة” والعمل على تقويض مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وشملت العقوبات إدراجها على لوائح وزارة الخزانة، ما يترتب عليه تجميد أي أصول خاضعة للولاية الأميركية وحظر التعاملات المالية معها من قبل مؤسسات أو أفراد أميركيين.
وتسمّي الدعوى عدداً من كبار المسؤولين في إدارة ترمب بصفتهم الوظيفية، من بينهم وزير الخارجية ووزير الخزانة والنائب العام، معتبرة أن قرار العقوبات جاء نتيجة “توجه سياسي رفيع المستوى” استهدف إسكات صوت ناقد في مؤسسة دولية.
وفي بيان صدر عنها، وصفت ألبانيزي العقوبات بأنها “محاولة لترهيبها وثنيها عن أداء مهامها”، مؤكدة أنها ستواصل عملها بصفتها خبيرة مستقلة مكلفة من الأمم المتحدة. من جهتها، دافعت الإدارة الأميركية عن قرارها، قائلة إن الإجراءات قانونية وتندرج ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية في مجال السياسة الخارجية وحماية المصالح الوطنية.
وتسلط القضية الضوء على توتر متصاعد بين واشنطن وبعض آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، لا سيما في ما يتعلق بالملف الفلسطيني–الإسرائيلي. كما تفتح الباب أمام اختبار قضائي جديد لحدود استخدام العقوبات الأميركية ضد مسؤولين دوليين، ومدى خضوع تلك القرارات لمراجعة المحاكم الأميركية حين يترتب عليها آثار تمس حقوقاً دستورية داخل الولايات المتحدة.
ومن المتوقع أن تبدأ المحكمة النظر في طلبات أولية لوقف تنفيذ العقوبات مؤقتاً إلى حين البت في دستورية الإجراءات، في قضية قد تحمل تداعيات تتجاوز الأطراف المباشرة لتطال العلاقة بين القانون الدستوري الأميركي وآليات المساءلة الدولية.
وتعكس هذه القضية تصادماً متنامياً بين أدوات السياسة الخارجية الأميركية التقليدية، القائمة على العقوبات، وبين منظومة القانون الدستوري الداخلي الذي يمنح حماية واسعة لحرية التعبير. فالمحاكم الأميركية لطالما منحت السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً في قضايا الأمن القومي، إلا أن استهداف شخصية تعمل ضمن إطار أممي مستقل يطرح سؤالاً جديداً حول ما إذا كانت العقوبات يمكن أن تتحول إلى أداة ردع سياسي ضد خطاب قانوني أو حقوقي. وبالتالي، قد تجد المحكمة نفسها أمام اختبار دقيق للموازنة بين صلاحيات الرئيس وحماية الحقوق الفردية داخل النظام الدستوري الأميركي.
على المستوى الدولي، قد تتجاوز تداعيات الدعوى حدودها القانونية لتؤثر في علاقة واشنطن بمؤسسات الأمم المتحدة، خاصة إذا اعتُبر فرض العقوبات سابقة تسمح بمعاقبة خبراء دوليين بسبب تقاريرهم أو آرائهم المهنية. فنجاح الدعوى قد يعزز استقلالية آليات حقوق الإنسان الأممية، بينما فشلها قد يشجع دولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مشابهة ضد مقررين أمميين ينتقدون سياساتها. وفي الحالتين، تبدو القضية مؤشراً على تحوّل أوسع في التداخل بين القانون الدولي والسياسات الداخلية للدول الكبرى.





شارك برأيك
عائلة فرانشيسكا ألبانيزي تقاضي إدارة ترمب في محكمة فدرالية بواشنطن