شهدت الساحة الأمنية في مصر زلزالاً سياسياً مع مطلع شهر حزيران/يونيو 2026، عقب إعلان النيابة العامة عن إلقاء القبض على صبري نخنوخ، الذي يوصف تاريخياً بأنه الأب الروحي لأعمال البلطجة. ولم تكن العملية مجرد إجراء شرطي روتيني، بل كشفت عن تحول دراماتيكي في علاقة النظام المصري بأدوات العنف غير الرسمية التي استُخدمت لسنوات في مهام حساسة.
بدأت فصول السقوط الجديد من منطقة التجمع الخامس الراقية، حيث تورط نخنوخ ورجاله في اقتحام معرض للسيارات إثر خلافات مالية، وقاموا بالاعتداء على الموظفين وسرقة معدات المراقبة. هذا التجاوز في منطقة تسكنها النخبة العسكرية والسياسية اعتبره مراقبون تجاوزاً للخطوط الحمراء التي رسمتها الدولة لاحتكار العنف.
أسفرت عمليات تفتيش قصر نخنوخ ومقراته عن ضبط ترسانة عسكرية شملت أسلحة آلية ورشاشات وأكثر من ألف طلقة، بالإضافة إلى قطع أثرية وأجهزة اتصال لاسلكية متطورة. كما كشف تفريغ الهواتف المحمولة عن سجلات مروعة تتضمن وقائع خطف وتعذيب بدني وإكراه على توقيع مستندات تحت التهديد.
يعيد هذا المشهد للأذهان تاريخ نخنوخ المعقد، حيث اعتُقل لأول مرة في عام 2012 إبان حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، وصدر ضده حكم بات بالسجن المؤبد. إلا أن المشهد تغير كلياً عقب عام 2013، حيث استعاد الرجل نفوذه تدريجياً كجزء من إعادة تدوير رجالات النظام القديم وأدواته الأمنية.
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حينها، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي عفواً رئاسياً عن نخنوخ في أيار/مايو 2018، رغم سجله الجنائي الحافل بجرائم حيازة السلاح والمخدرات. كان هذا العفو بمثابة رسالة طمأنة لشبكات العنف الموازية بأن الولاء للنظام يوفر حصانة مطلقة من الملاحقة القضائية.
لم يتوقف الأمر عند الحرية، بل انتقل نخنوخ إلى مرحلة 'مأسسة البلطجة' عبر الاستحواذ على شركة 'فالكون' للأمن والحراسة في سبتمبر 2023. هذه الشركة التي تهيمن على أكثر من 60% من سوق الأمن الخاص، كانت تتولى تأمين منشآت حيوية مثل الجامعات والمطارات والسفارات.
تحول نخنوخ من زعيم عصابة مسجل خطر إلى رئيس مجلس إدارة شركة كبرى تدير جيشاً من الحراس المدربين، مما عكس رغبة الأجهزة السيادية في خصخصة الأمن. وقد وظفت الدولة هذه القوة في إدارة الملفات التي تتطلب خشونة بعيداً عن الرقابة الرسمية أو المساءلة القانونية المباشرة.
إن إعادة سجن نخنوخ اليوم تفتح الباب لفهم آليات عمل الدولة العميقة في مصر، وتطرح تساؤلات حول توقيت الإطاحة به بعد سنوات من الحماية.
يرى محللون أن الانقلاب المفاجئ على نخنوخ يعود إلى تضخم نفوذه بشكل بات يهدد هيبة الدولة وأجهزتها الاستخباراتية. فامتلاك شخص واحد لجيش خاص مجهز بتقنيات اتصال متطورة أثار مخاوف من تحوله إلى 'أمير حرب' محلي يصعب السيطرة عليه في أوقات الأزمات.
كما تشير التقارير إلى وجود صراعات أجنحة داخل البنية السيادية للنظام المصري، حيث تقرر سحب بساط بيزنس الأمن الملياري من تحت أقدام نخنوخ. ويبدو أن هناك توجهاً لإعادة هيكلة هذا القطاع لصالح قيادات أمنية رسمية بشكل مباشر لضمان الولاء الكامل والسيطرة المطلقة.
قد يكون توقيت الإطاحة بنخنوخ مرتبطاً أيضاً برغبة النظام في تقديم 'كبش فداء' لامتصاص الغضب الشعبي الناتج عن الأزمات الاقتصادية. فإظهار الدولة بمظهر المحارب للفساد والبلطجة، حتى لو طالت المقربين، يهدف إلى تسويق صورة 'دولة القانون' أمام الرأي العام والمستثمرين.
إن التهم الثقيلة التي تواجهها إمبراطورية نخنوخ اليوم، والتي قد تصل عقوباتها إلى الإعدام أو السجن المشدد، تعكس رغبة جادة في إنهاء ظاهرة 'البلطجة المشرعنة'. ويبدو أن صلاحية الرجل الاستراتيجية قد انتهت بعد أن أدى الأدوار المطلوبة منه في مراحل انتقالية سابقة.
تثبت واقعة السجن الجديد أن الأنظمة السلطوية لا تتردد في التخلص من أدواتها غير الرسمية بمجرد أن تصبح عبئاً سياسياً أو أمنياً. فنخنوخ الذي ظن يوماً أنه أصبح شريكاً في الحكم، اكتشف متأخراً أنه لم يكن سوى ورقة مؤقتة في أجندة السلطة العميقة.
تفتح هذه القضية الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل شركات الأمن الخاص في مصر وكيفية إدارتها في المرحلة المقبلة. فهل سيتم استبدال نخنوخ بوجوه جديدة تؤدي ذات الدور، أم أن الدولة قررت استعادة احتكار العنف بشكل كامل عبر مؤسساتها الرسمية فقط؟
في الختام، تظل قصة صبري نخنوخ درساً في تاريخ العلاقة بين السلطة والجريمة المنظمة، حيث تنتهي دائماً بتضحية النظام بالأدوات التي ساعدته يوماً. وبينما ينتظر الرجل محاكمته خلف القضبان، يترقب الشارع المصري ما ستسفر عنه التحقيقات من كشف لمزيد من الأسرار حول 'دولة الظل'.





شارك برأيك
من العفو الرئاسي إلى زنزانة التجمع: نهاية إمبراطورية صبري نخنوخ في مصر