فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:28 صباحًا - بتوقيت القدس

موجة الغلاء..عندما تتداعى لها "جميع مفاصل الاقتصاد" بالضمور

د. شاكر خليل: يحب إيجاد حلول تخفف الأثر على المواطن لأن ارتفاع أسعار المحروقات ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد والفئات الأكثر فقراً
فراس الطويل: المحروقات تدخل في عمليات الإنتاج في قطاعات واسعة الأمر الذي يرفع تكلفة الإنتاج ويضغط على أسعار البيع للمستهلك النهائي
مسيف مسيف: الوقود يشكل أساساً للإنتاج بقطاعات مختلفة ترتبط بالطاقة ما يعني ظهور أثر رفع سعره بشكل مباشر على مناحي الحياة
د. يوسف داود: ما زال أمام السلطة هامش ضيق لزيادة دعم الديزل تحديداً الذي قد يخفف جزئياً من وطأة ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الفلسطيني
أيهم أبو غوش: بروتوكول باريس الاقتصادي أتاح هامشاً لبيع الوقود بأقل من الأسعار الإسرائيلية واستخدمته الحكومة لتقديم دعم للمحروقات لكن الواقع الحالي مختلف
د. ثابت أبو الروس: الحكومة لم تتخلّ عن دعم المحروقات والوقود الذي يأتي عبر استرداد ضريبة "البلو" لكن قدرتها على الاستمرار تراجعت بسبب الأزمة المالية
إخلاص طمليه: يجب تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية لتخفيف أثر ارتفاع المحروقات والوقود وضرورة الرقابة لمنع رفع هوامش الربح بشكل جائر


رام الله - خاص بـ "القدس"-


تواجه الأسواق الفلسطينية موجة جديدة من ارتفاع أسعار المحروقات والوقود، ما انعكس على أسعار السلع والخدمات بشكل فوري، وهو ما يزيد الضغط على اقتصاد يعاني أصلاً من انكماش واضح وتراجع شديد في القوة الشرائية.
ويرى خبراء اقتصاديون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن التبعية الكاملة للتسعيرة الإسرائيلية وأزمة المقاصة تحد من قدرة الحكومة على التدخل ودعم الوقود والمحروقات، وترتفع الأسعار بوتيرة متسارعة تترك أثرها المباشر على حياة المواطنين.
ويؤكدون أن الزيادة في أسعار البنزين والسولار والغاز تتسبب بارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، ما يؤدي إلى موجة غلاء تشمل السلع الأساسية والمواد الغذائية، كما أنه بين ضعف الدخل وارتفاع معدلات البطالة، تتسع دائرة المتضررين وتشتدّ الضائقة المعيشية.
ويحذر الخبراء الاقتصاديون والمختصون وأساتذة الجامعات من أن استمرار هذا الوضع، ترتفع المطالب باتخاذ خطوات عاجلة للحد من آثار الغلاء وتخفيف العبء عن الأسر الفلسطينية التي باتت تواجه تحدياً يومياً في تغطية احتياجاتها الأساسية.







موجة غلاء ضمن السياق الإقليمي والدولي

يؤكد الخبير الاقتصادي د. شاكر خليل أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، وانعكاسها بموجة من الغلاء ليست معزولة عن السياق الإقليمي والدولي، بل ترتبط بشكل مباشر في الحرب الدائرة، خصوصاً في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ما تسبب بقفزة كبيرة بأسعار البترول والتي انعكست على جميع دول العالم، ومن ضمنها فلسطين.

الوضع المحلي أكثر تعقيداً

ويشير خليل إلى أن الوضع المحلي أكثر تعقيداً بسبب الارتباط الكامل بالسوق الإسرائيلية في استيراد المحروقات وتحديد التعرفة، ما يجعل أي ارتفاع في إسرائيل يرتد تلقائياً على السوق الفلسطينية.
ويلفت خليل إلى أن الأسعار ارتفعت بنسب قياسية وغير مسبوقة تجاوزت ما يقارب 15% للبنزين و 40% للسولار و27%للغاز، وهو ارتفاع لا يقتصر أثره على قطاع الطاقة بل يمتد ليشمل كل السلع والخدمات الأساسية، بحكم اعتماد الإنتاج والتوزيع والنقل على الوقود والمحروقات بشكل مباشر.

تداعيات خطيرة

ويؤكد خليل أن ارتفاع أسعار المحروقات وخصوصاً السولار الذي وصل إلى 40%، سيكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد المتهالك أصلاً وخصوصاً على الفئات الأكثر فقراً لارتباطه المباشر بسلة السلع الأساسية.
ويوضح خليل أن قطاع النقل سيكون أول المتأثرين، تليه السلع الأساسية التي ترتفع تكاليف إنتاجها، الأمر الذي سيضغط بشدة على الفئات الفقيرة ومحدودي الدخل، الذين تشكل السلع الأساسية الجزء الأكبر من نفقاتهم الشهرية.

تعميق الأزمة

ويصف خليل الوضع بأنه "صبّ للملح على الجرح"، في ظل الواقع الاقتصادي المتدهور منذ الحرب على غزة، وما تلاها من فقدان آلاف العمال لوظائفهم داخل الخط الأخضر، وتراجع الحركة التجارية، وتدهور أداء القطاع الخاص، إضافة إلى الأزمة المستمرة في صرف الرواتب بنسب غير مكتملة.
ويبيّن خليل أن الناتج المحلي الإجمالي شهد تراجعاً يتجاوز 25% مقارنة بما قبل الحرب، ما يعكس حجم الانكماش الحاد في الاقتصاد الفلسطيني.

حلول خارج الصندوق

ويدعو خليل إلى إيجاد حلول "خارج الصندوق" من قبل الحكومة عبر إشراك مختلف الأطراف في حوار وطني اقتصادي يهدف لتخفيف الأثر على المواطن وإعطاء الأولوية لتعزيز صمود الفئات الأشد فقراً، من خلال برامج دعم مباشرة تستهدف الفئات الأكثر فقرا كأولوية.

آليات التسعير

وفي سياق شرح آليات التسعير، يوضح خليل أن السلطة تشتري المحروقات مباشرة من الشركات الإسرائيلية بأسعار كاملة، ثم تعيد بيعها لمحطات الوقود محققة خسارة نقدية، تسترد جزءاً منها لاحقاً عبر ضريبة "البلو" التي تشكل نحو ثلث الإيرادات العامة، لكن احتجاز المقاصة منذ ما يقارب 10 أشهر حرم السلطة من استلام هذه الضريبة، فحوّل الخسارة النقدية إلى عبء حقيقي على السيولة الحكومية.

توقعات بارتفاعات إضافية

ويتوقع خليل أن تشهد الأسعار ارتفاعات إضافية خلال الفترة المقبلة، محذراً من خطورتها على اقتصاد غير قادر على التعافي سريعاً حتى لو انتهت الحرب.

توقيت خاطئ لقرار الطاقة الشمسية

ويتناول خليل الجدل حول الطاقة الشمسية، موضحاً أن بعض القرارت الأخيرة جاءت في سياق اعتراض شركات الكهرباء على فقدان جزء من الإيرادات نتيجة زيادة الإقبال على الطاقة الشمسية، لكنه يؤكد ضرورة التوسع في الطاقة المتجددة وتخفيف القيود لتخفيف العبء على المواطنين، منتقداً توقيت القرارات الذي اعتبره "غير موفق" في ظل موجة الغلاء الراهنة.

المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي

يؤكد رئيس تحرير موقع "الاقتصادي" فراس الطويل أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات ستؤثر على مختلف مناحي الحياة اليومية في فلسطين، وستنعكس بشكل مباشر وسريع على كلفة المعيشة، باعتبار المحروقات "المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي".
ويوضح الطويل أن ارتفاع أسعار البنزين والسولار والغاز يدفع تلقائياً إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، وقد ظهر ذلك فعلياً في بيان رسمي أصدرته وزارة النقل والمواصلات يقضي بتعديل أجرة المواصلات بنسب معينة.
ويؤكد الطويل أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود سيمتد ليشمل أسعار السلع الأساسية والغذائية، نظراً لاعتماد السوق المحلي بشكل كبير على النقل في توزيع البضائع.
ويشير الطويل إلى أن المحروقات والوقود تدخل في عمليات الإنتاج في قطاعات واسعة، منها الزراعة والصناعة والمخابز والمولدات الكهربائية، الأمر الذي يرفع تكلفة الإنتاج ويضغط على أسعار البيع للمستهلك النهائي.
ويوضح الطويل أن بعض المصانع بدأت بالفعل الإعلان عن رفع أسعار منتجاتها—كمثال رفع أسعار البلاستيك بنسبة 10 إلى 15%—ما يعمّق أزمة القدرة الشرائية لدى الأسر ويزيد من اتساع دائرة الغلاء.

اقتطاع جزء أكبر من دخل الأسر

ويشير الطويل إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات سيقتطع جزءاً أكبر من دخل الأسر المتقلص أساساً، سواء عبر كلفة التنقل اليومي أو عبر شراء الوقود للمركبات، ناهيك عن تأثيراته غير المباشرة عبر تضخم أسعار السلع والخدمات.

جدل حول نظام "صافي الفوترة"

ويعتبر الطويل أن الاعتماد شبه الكامل على إسرائيل في استيراد المشتقات النفطية والكهرباء يجعل أي أزمة طاقة أكثر تعقيداً، خاصة مع الجدل الدائر حول نظام "صافي الفوترة" المرتبط بالطاقة الشمسية، ما قد يتعارض مع خطط سلطة الطاقة التي أعلنت نيتها رفع نسبة الاعتماد على الطاقة المتجددة إلى 30% بحلول عام 2030، كما أن إعلان الحكومة تجميد العمل بنظام الفوترة حالياً خطوة مهمة يجب العمل عليها لاحقاً ودراسة الحالة بشكل كامل.

إعادة النظر بالضرائب على المحروقات

ويدعو الطويل إلى إعادة النظر في الضرائب المفروضة على المحروقات، وكذلك فحص مدى التزام التسعيرة الفلسطينية بهامش الـ15% الذي يسمح به بروتوكول باريس مقارنة بالأسعار الإسرائيلية.

إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور

وفيما يخص السياسات الاجتماعية، يؤكد الطويل أن الحد الأدنى للأجور البالغ 1880 شيكل لا يلبّي الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية، فضلاً عن عدم التزام نسبة كبيرة من المؤسسات بتطبيقه، داعياً إلى إعادة النظر فيه بما يتناسب مع الارتفاعات المتتالية في الأسعار، مشيراً إلى أن المواطن لا يشعر بوجود خطوات حكومية حقيقية تدعم صموده في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة.

المحروقات سلعة استراتيجية وحيوية

يحذّر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة لارتفاع أسعار الوقود في فلسطين، مؤكداً أن المحروقات تُعد سلعة استراتيجية وحيوية، وأي زيادة في أسعارها تنعكس مباشرة وغير مباشرة على مختلف جوانب الحياة.
ويوضح مسيف أن الوقود والمحروقات ليست مجرد سلع للاستهلاك، بل تشكل أساساً لعمل الأسر ولقطاعات مختلفة أبرزها النقل وللإنتاج والصناعات المرتبطة بالطاقة، ما يعني ظهور أثر رفع سعره بشكل مباشر على مناحي الحياة.

أثر مباشر على دخل المواطن

ويشير مسيف إلى أن الأثر المباشر يظهر أولاً على دخل المواطن، فصاحب السيارة الذي سيجد نفسه مضطراً لدفع ما بين 300 إلى 400 شيكل إضافية في ظل ارتفاع قد يصل إلى 35%، وهذا المبلغ يشكل ما بين 15% إلى 20% من راتب موظف يتقاضى بين 2000 و3000 شيكل، وهو عبء إضافي يصعب يتحمله في ظل الظروف الاقتصادية القائمة.

زيادة كلفة النقل

ويؤكد مسيف أن التأثير غير المباشر أكثر خطورة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة كلفة النقل، ما يرفع بدوره أسعار مختلف البضائع والخدمات في السوق الفلسطيني.
كما ترتفع وفق مسيف، تكاليف الإنتاج الصناعي المعتمد على الطاقة، ما يخلق دائرة تضخم تضغط على المستهلك والاقتصاد معاً.
ويشدد مسيف على أن سلعة البترول يؤدي ارتفاعها إلى ارتفاع جميع السلع دون استثناء، بما في ذلك الخدمات المهنية التي بات أصحابها يرفعون أجورهم نتيجة زيادة تكاليف التنقل.

دعم حكومي ضعيف للمحروقات

وفيما يتعلق بقدرة الحكومة على التدخل، يوضح مسيف أن الدعم الحكومي للمحروقات ضعيف وقد توقف فعلياً منذ أزمة أموال المقاصة، مشيراً إلى أن الحكومة اليوم لا تستطيع توجيه مواردها لدعم الوقود في ظل وصول إيراداتها إلى نحو 50% فقط، ما يجعل الأولويات موجهة للقطاعات الصحية والتعليمية والاجتماعية ورواتب الموظفين.

خيارات محدودة أمام الحكومة

ويشدد مسيف على أن الحكومة لا تمتلك أدوات حقيقية لضبط الأسعار كون الوقود مستورد من إسرائيل التي تتحكم بتسعيرته.
ويرى مسيف أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة محدودة للغاية، وأن الحلول الممكنة تتمثل في التوجه لزيادة الاقتراض الداخلي والخارجي، أو الحصول على قروض بضمان أموال المقاصة، إضافة إلى تحرك دبلوماسي لحشد دعم مالي من الدول الصديقة.

الاقتراض يبقى أقل ضرراً

وبرغم المخاطر المترتبة على ارتفاع الدين العام، الذي قد يتجاوز 15 مليار دولار، يؤكد مسيف أن الاقتراض يبقى أقل ضرراً من انهيار القدرة الشرائية للمواطن وتراجع الخدمات الأساسية.
ويحذّر مسيف من استمرار تدهور الرواتب الذي بدأ منذ أزمة المقاصة، مشيراً إلى أن نسب الصرف التي تراجعت من 80% إلى 50% قد تهبط إلى 40% أو حتى 20% إذا استمرت الأزمة دون حل، ما يستدعي تحركاً سريعاً لتجنب تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة.

انعكاس مباشر على حياة المواطنين وقطاعات الإنتاج

يحذّر أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت د. يوسف داود من تداعيات موجة الغلاء التي تفرضها الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، مؤكداً أن الارتفاعات الحالية—بنسبة 15% على بنزين 95 و13% على بنزين 98، إضافة إلى قفزة كبيرة تصل إلى 41% في سعر الديزل— وهي ستنعكس مباشرة على حياة المواطنين وقطاعات الإنتاج في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

برتوكول باريس المقيد لأسعار البنزين

ويوضح داود أن ارتفاع سعر البنزين يبقى مقيداً ببروتوكول باريس، الذي يمنع أن تكون أسعاره في السوق الفلسطينية أقل من نظيرتها في إسرائيل، بينما تمتلك الحكومة مجالاً محدوداً للمناورة في سعر الديزل عبر تخفيض الضريبة، وهو ما لا يشكّل دعماً مباشراً بل تقليصاً لجانب من العبء الضريبي.
ويشير داود إلى أن السلطة الفلسطينية تستورد سنوياً بين 90 و100 مليون لتر وقود، يشكّل الديزل ثلثيها، ما يجعل تخفيض الضريبة عليه خطوة قادرة على تقليل الضغط على الأسعار نسبياً، نظراً لاعتماد قطاعات الإنتاج والمواصلات عليه بشكل أكبر من البنزين المستخدم للاستهلاك الفردي.
ويشير داود إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود ينعكس بشكل متفاوت على السلع والخدمات، إذ تتأثر المواد الغذائية والزراعة وقطاع النقل والكهرباء.

سلوك بعض أصحاب محطات الوقود

ويبيّن داود أن الأسواق لا تتأثر فقط بفعل ارتفاع الأسعار، بل أيضاً بسلوك بعض أصحاب محطات الوقود الذين يعمدون إلى الإغلاق توقعاً بارتفاعات أكبر، ما يخلق حالة من الاحتكار ويدفع الأسعار نحو المزيد من الصعود.

تحذير من تأثر سلاسل التوريد

ويحذر داود من أن سلاسل التوريد قد تتعرض للانقطاع أو التأخير، الأمر الذي يؤدي إلى نقص في السلع والخدمات الأساسية للمستهلكين.
ويشير داود إلى أن هذه الارتفاعات تأتي في ظل انقطاع شبه كامل لإيرادات العاملين في سوق العمل الإسرائيلية، وعدم صرف رواتب الموظفين العموميين بالكامل، ما يضعف القدرة الشرائية ويؤدي إلى حالة من "التضخم المصحوب بالبطالة" وهي إحدى أصعب الأزمات الاقتصادية.

العبء على الفلسطينيين أكبر

وفي مقارنة بين فلسطين وإسرائيل، يوضح داود أن أسعار الوقود باتت متقاربة بين الجانبين، رغم أن متوسط الأجور في إسرائيل يبلغ نحو 14 ألف شيكل مقابل 2500–2600 شيكل فقط في فلسطين، ما يعني أن العبء على الفلسطينيين أكبر بكثير، ويمهد لارتفاع معدلات الفقر، علاوة على أن أسعار الوقود والمحروقات في الولايات المتحدة أقل بكثير من فلسطين والتي تقل بنسبة تصل إلى النصف، وكل ذلك بسبب الضرائب وبروتوكول باريس الاقتصادي.

هامش ضيق أمام الحكومة

ويشير داود إلى أن متوسط دعم الحكومة الفلسطينية لأسعار الوقود يتراوح بين 50 و60 مليون شيكل شهرياً، لكنه آخذ بالتقلص بسبب محدودية الموارد وعدم تحويل أموال المقاصة. ومع ذلك، يرى داود أنه ما زال أمام السلطة هامشاً ضيقاً لزيادة دعم الديزل تحديداً، كون تأثيره يمتد إلى قطاع النقل والإنتاج، وقد يخفف—ولو جزئياً—من وطأة ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الفلسطيني.

أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين من الأعلى

يحذّر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش من التداعيات العميقة لارتفاع أسعار المحروقات والوقود على الاقتصاد الفلسطيني، مؤكداً أن موجة الغلاء الحالية لا تعود فقط لزيادة الأسعار عالمياً، بل لكون أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين من الأعلى أصلاً بسبب الضرائب المفروضة، وعلى رأسها ضريبة "البلو" الإسرائيلية وضريبة القيمة المضافة، اللتين تشكلان أكثر من 60% من سعر لتر الوقود.
ويوضح أبو غوش أن ضريبة المحروقات تعد أحد مصادر الدخل الرئيسية للسلطة الفلسطينية، وتُشكل نحو ثلث إيرادات المقاصة المحوّلة عبر الاحتلال.
ووفق أبو غوش، فإنه بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، يخضع الفلسطينيون والإسرائيليون لغلاف جمركي موحد، ما يعني أن المواطن الفلسطيني يدفع الضرائب ذاتها، لكن مع فوارق ضخمة في الأجور؛ إذ يبلغ متوسط أجر العامل الإسرائيلي بين 13.5 و14 ألف شيكل، فيما يتقاضى العامل الفلسطيني ما بين 2400 و2800 شيكل فقط.
ويشير أبو غوش إلى أن بروتوكول باريس الاقتصادي أتاح للسلطة هامشاً لبيع الوقود بأقل من الأسعار الإسرائيلية بما يصل إلى 15% في البنزين وبهامش مفتوح في السولار والكاز، وقد استخدمت الحكومة هذا الهامش سابقاً لتقديم ما أسمته "دعم المحروقات"، لكن الواقع الحالي مختلف.
ويلفت أبو غوش إلى أنه في عام 2022، ورغم تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، حافظت الأسعار محلياً على استقرار نسبي خصوصاً في السولار، لحماية الطبقات الاجتماعية من الغلاء عبر تخفيض الحصة الضريبية.
لكن أبو غوش يرى أن الواقع الحالي مختلف؛ إذ أُزيلت تقريباً الفجوة السعرية بين السوقين الفلسطيني والإسرائيلي، واختفت الهوامش التي تراوحت سابقاً بين 50 و60 أغورة لكل لتر، ما أدى إلى تحميل المواطن كامل الارتفاع العالمي، في ظل أزمة مالية تضيق على قدرة الحكومة على امتصاص الصدمات أو تقديم دعم فعلي.

نحو موجة تضخم واسعة

ويؤكد أبو غوش أن الزيادة الحالية في أسعار الوقود والمحروقات ستقود إلى موجة تضخم واسعة ستمتد لتشمل أجرة النقل العام وأسعار السلع الأساسية التي تعتمد على المحروقات.
وتأتي هذه التطورات وفق أبو غوش، في مرحلة اقتصادية شديدة الخطورة، إذ فقد الاقتصاد الفلسطيني ربع حجمه خلال عامين ونصف من الحرب، وحُرم نحو 200 ألف عامل من الدخول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، ما كان يضخ نحو 1.8 مليار شيكل شهرياً في الأسواق، كما تعاني الحكومة من عجز في دفع الرواتب كاملة.
ويشير أبو غوش إلى أن الغلاء الحالي سيضاعف معاناة المواطنين، في ظل غياب تدخل حكومي حقيقي لتخفيف أثر الأزمة المتصاعدة.

تأثيرات على الحياة اليومية

يوضح الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن ارتفاع أسعار المحروقات والوقود سيكون لها تأثيرات على الحياة اليومية للمواطنين في فلسطين، مؤكداً أن الزيادة الحالية تأتي في وقت يعاني فيه المواطنون أصلاً من تراجع مستويات الدخل، وانعدام فرص العمل، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية.
ويشدد أبو الروس على أن المحروقات والوقود ليست مجرد سلعة مرتبطة بالنقل والمواصلات، بل تشكل جزءاً رئيسياً من تكلفة الإنتاج في مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية.
وبحسب أبو الروس، فإن المحروقات والوقود تمثل أحد أهم مدخلات الإنتاج، ما يعني أن أي رفع في أسعارها سينعكس فوراً على تكلفة الصناعات المحلية، وبالتالي على أسعار السلع في السوق.
قطاع النقل والمواصلات الأكثر تضرراً

ويشير أبو الروس إلى أن قطاع النقل والمواصلات، الذي يشكل نحو 14% من دخل المواطن، سيكون من أكثر المتضررين، لافتاً إلى أن ارتفاع تعرفة المواصلات بين شيكل وشيكلين سيشكل عبئاً كبيراً على العائلات التي يبلغ متوسط عدد أفرادها خمسة، ما يرفع الكلفة اليومية لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ويشير أبو الروس إلى أن الأزمة تتفاقم في ظل تراجع الدخل وانعدامه لدى جزء كبير من المواطنين، ما يخلق ضغوطاً على العائلات والقطاع الخاص والحكومة معاً.

تراجع قدرة الحكومة بسبب الأزمة المالية

ويتطرق أبو الروس إلى سياسة الدعم الحكومي للمحروقات، موضحاً أن الحكومة لم تتخلّ عن دعم المحروقات والوقود، لكن قدرتها على الاستمرار في ذلك تتراجع بسبب الأزمة المالية الخانقة.
ويؤكد أبو الروس أن الدعم الحكومي يأتي من خلال استرداد ضريبة "البلو" من الجانب الإسرائيلي، إلا أن تعليق تحويلات المقاصة منذ نحو عام أجبر الحكومة على تمويل الدعم من سيولتها مباشرة، الأمر الذي أثّر على أدائها المالي وحدّ من قدرتها على الحفاظ على مستويات الدعم السابقة.

ترشيد استخدام المحروقات والوقود

وفي ما يتعلق بالإجراءات المطلوبة، يوصي أبو الروس المواطنين بترشيد استخدام المحروقات والوقود وإدارة الأزمة باعتبارها مؤقتة مرتبطة بالحرب والأوضاع العالمية، داعياً في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة على الأسعار في الأسواق خاصة السلع الأساسية ووضع قوائم إرشادية للأسعار.

الأزمة "شماعة" لرفع الأسعار

ويدعو أبو الروس السائقين إلى عدم استغلال الأزمة ورفع الأسعار بصورة مبالغ بها، والالتزام بنسب الزيادة المرتبطة بسعر الوقود فقط.
ويطالب أبو الروس القطاع الخاص بعدم اتخاذ الأزمة "شماعة" لرفع الأسعار بشكل كبير، بل الالتزام بزيادات موضوعية ومحدودة.
أما على المستوى الحكومي، فيشدد أبو الروس على ضرورة الاستمرار في دعم قطاع المحروقات ضمن الإمكانات المتاحة، والبحث عن مصادر توريد بديلة رغم العوائق التي واجهت محاولات سابقة للاستيراد من دول عربية.

مكافحة الشائعات

ويدعو أبو الروس إلى مكافحة الشائعات وتعزيز الرقابة على محطات الوقود ومنع دخول محروقات غير قانونية إلى السوق، إلى جانب الضغط على الجانب الإسرائيلي عبر القنوات الدولية لإعادة تحويل أموال المقاصة وضريبة "البلو"، بما يمكّن الحكومة من الاستمرار في دعم هذا القطاع الحيوي.

الارتباط البنيوي القسري بالاقتصاد الإسرائيلي

تعتقد الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات في فلسطين، ستقود إلى "تضخم مركّب متعدد القنوات"، نظراً لاعتماد معظم السلع والخدمات على المحروقات والوقود كمدخل أساسي في الإنتاج والنقل والتوزيع.
وتؤكد طمليه أن الوقود يُعد سلعة محورية، وأي ارتفاع فيه ينعكس تلقائياً على أسعار السلع الأساسية، إذ تتحدد نسب الارتفاع وفقاً لحجم استخدام الوقود والمحروقات في كل قطاع.
وترى طمليه أن الموجة التضخمية الحالية هي في الأساس تضخم مستورد نتيجة الارتفاع العالمي في أسعار النفط على خلفية الحرب الدائرة، لكن خصوصية الحالة الفلسطينية تزيد من تعقيدها بسبب الارتباط البنيوي القسري بالاقتصاد الإسرائيلي وفق بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي يقيّد قدرة السلطة الفلسطينية على تحديد بعض أنواع الوقود أو استيراد بدائل أرخص، ما يجعل السوق الفلسطينية متلقياً كاملاً للصدمات الخارجية دون قدرة على امتصاصها.

مرحلة شديدة الحساسية

وتوضح طمليه أن هذه الصدمات تأتي في مرحلة شديدة الحساسية، حيث يعاني الفلسطينيون من تآكل في الرواتب وفقدان أكثر من 200 ألف عامل لأعمالهم في الداخل، إضافة إلى خسارة مصادر دخل عديدة.
وتشير طمليه إلى أن ذلك ترافق مع انكماش اقتصادي عميق عقب الحرب، خسر خلاله الاقتصاد الفلسطيني أكثر من 24% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر.
كما ساهمت عوامل أخرى وفق طمليه، في تفاقم الأعباء على الأسر، منها تراجع القوة الشرائية بسبب هبوط سعر صرف الدولار الذي خسرت معه شريحة واسعة ربع رواتبها تقريباً، واقتطاعات رواتب القطاع العام، وتراجع النشاط في القطاع الخاص.

الاقتصاد الفلسطيني على حافة الركود

وترى طمليه أن هذه الظروف مجتمعة تضع الاقتصاد الفلسطيني على حافة الركود التضخمي، إذ تتزامن زيادة الأسعار في المحروقات والوقود وانعكاس الارتفاع على أسعار السلع، مع تراجع الدخل وفرص العمل، مما يفاقم هشاشة الأسر ويهدد بموجة تضخمية أوسع في قادم الأشهر.

تقليص دعم السولار

وفي ما يتعلق بدعم المحروقات، تؤكد طمليه – استناداً إلى متابعتها – أن الحكومة قلّصت مساهمتها في دعم السولار الذي كانت أعلنت عنه قبل سنوات، حيث انخفض الدعم من 80 أغورة إلى 30 أغورة لكل لتر، وهو ما اعتبرته قراراً "جاء في توقيت بالغ الحساسية" مع الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة وتراجع قدرة المواطنين الشرائية.

تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية

وتشدد طمليه على ضرورة تبني دعم موجه للقطاعات الحيوية مثل قطاعي المواصلات والغذاء، لتخفيف أثر ارتفاع المحروقات والوقود، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة والتنظيم لمنع رفع هوامش الربح بشكل جائر، ومحاربة أي ممارسات احتكارية، وفرض عقوبات صارمة على المخالفين.
وتدعو طمليه إلى تعزيز الشفافية في آليات التسعير والبيع، وبناء شبكات حماية للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، باعتبار أن هذه الفئات هي الأكثر تأثراً بالصدمات التضخمية الحالية.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

عون يؤكد أن التفاوض ليس استسلاماً وحزب الله يعلن استهداف بارجة إسرائيلية

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن مسار التفاوض الرامي لوقف العدوان الإسرائيلي لا يمثل استسلاماً أو تنازلاً عن الحقوق الوطنية، مشيراً إلى أن الدولة تتحرك ديبلوماسياً مع القوى الدولية لوقف ما وصفه بالجنون الإسرائيلي. وأوضح عون في كلمة له بمناسبة عيد الفصح أن هناك أطرافاً تسعى لجر البلاد إلى أتون الحرب والفتنة، مشدداً على ضرورة الوعي الوطني في هذه المرحلة الدقيقة.

واعتبر الرئيس اللبناني أن السلم الأهلي يمثل خطاً أحمر، محذراً من أن أي محاولة لإثارة النعرات الطائفية تصب مباشرة في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي. وأشار إلى أن حرية التعبير يجب أن تنضبط تحت سقف الأمن الوطني، واصفاً بعض السلوكيات الحالية بالتوحش الاجتماعي الذي يهدد استقرار المجتمع اللبناني الذي سئم من الحروب المتكررة.

ودافع عون بقوة عن دور المؤسسة العسكرية في حماية البلاد، معرباً عن أسفه للهجمات التي تستهدف الجيش اللبناني من قبل بعض الجهات. وأكد أن الجيش يقوم بمهامه الوطنية بعيداً عن الأجندات السياسية، مشدداً على أنه لولا تضحيات العسكريين لما تمكن المواطنون من البقاء في منازلهم في ظل الظروف الأمنية الراهنة.

ميدانياً، أعلن حزب الله عن تنفيذ عملية نوعية استهدفت بارجة عسكرية إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية، وهي المرة الأولى التي يعلن فيها عن استهداف قطع بحرية منذ بدء التصعيد الحالي. وأوضح الحزب في بيان رسمي أن العملية تمت باستخدام صاروخ كروز بحري، استهدف البارجة على بعد 68 ميلاً بحرياً أثناء تحضيرها لتنفيذ اعتداءات على الأراضي اللبنانية.

وفي سياق التصعيد الجوي، شن الطيران الإسرائيلي غارات عنيفة استهدفت بلدة كفرحتى في جنوب لبنان، مما أسفر عن سقوط شهيد وعدد من الجرحى ودمار واسع في الممتلكات. وكانت البلدة قد تعرضت لسلسلة من الهجمات الليلية المكثفة عقب أوامر إخلاء قسرية أصدرها جيش الاحتلال، مما أدى لاستشهاد عائلة نازحة كانت قد لجأت للبلدة هرباً من القصف.

كما طالت الغارات الإسرائيلية بلدة صديقين في قضاء صور، حيث أفادت مصادر طبية ومحلية بسقوط ثلاثة شهداء وعدد من المصابين جراء استهداف مباشر للمناطق السكنية. وتزامن ذلك مع غارة أخرى استهدفت بلدة الزرارية، في إطار حملة جوية واسعة شملت مناطق متفرقة من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت.

وعلى صعيد العمليات البرية، أقدمت قوات الاحتلال على تنفيذ عمليات نسف وتفجير ممنهجة للمنازل في عدة قرى حدودية، شملت الناقورة ودبل وعلما الشعب والقوزح والبياضة وشمع. وذكرت مصادر ميدانية أن الاحتلال قام بحرق وتدمير المحال التجارية، واستخدم الجرافات والآليات الثقيلة لهدم فندق بالقرب من مقر قوات 'اليونيفيل' في الناقورة.

وفي تطور لافت، هدد الجيش الإسرائيلي باستهداف معبر المصنع الحدودي الواصل بين لبنان وسوريا، مدعياً استخدامه لنقل وسائل قتالية وأسلحة. وأدى هذا التهديد إلى إخلاء مقر الأمن العام في المعبر وتوقف العمل فيه بشكل كامل، مما يزيد من تضييق الخناق على حركة التنقل والإمدادات الحيوية للبنان.

وتأتي هذه التطورات في وقت وجه فيه جيش الاحتلال إنذارات إخلاء جديدة لسكان سبعة أحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت، مما ينذر بموجة جديدة من القصف العنيف على المنطقة. وتعيش العاصمة اللبنانية حالة من الترقب والقلق مع استمرار التحليق المكثف للطيران الحربي والمسير فوق مختلف المناطق اللبنانية.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن سياسة 'الأرض المحروقة' التي يتبعها الاحتلال في القرى الحدودية تهدف إلى خلق منطقة عازلة خالية من السكان والمعالم العمرانية. وتواصل فرق الإسعاف والدفاع المدني محاولاتها للوصول إلى المناطق المستهدفة لانتشال الضحايا، رغم الصعوبات الكبيرة الناجمة عن استمرار القصف واستهداف الطرق الرئيسية.

وعلى المستوى الدولي، تتواصل التحذيرات من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، حيث دعت واشنطن رعاياها لمغادرة لبنان فوراً مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية. وفي المقابل، تصر الحكومة اللبنانية على التمسك بالمسارات الدبلوماسية والقرار 1701 كإطار للحل، رغم التعنت الإسرائيلي المستمر وتوسيع رقعة الاستهدافات لتشمل المدنيين والبنى التحتية.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يصبح التعليم قضية سيادة لا خدمة: لماذا يجب أن نعيد تعريف المعركة؟

في اللحظة التي يُختزل فيها التعليم إلى "خدمة عامة"  تُدار بالحد الأدنى من الإمكانات، نكون قد خسرنا المعركة قبل أن تبدأ. ليس لأن المدارس أغلقت، ولا لأن المعلم أُنهك، بل لأننا أخطأنا في تعريف ما ندافع عنه أصلًا.
التعليم ليس خدمة. التعليم قضية سيادة.
هذه ليست عبارة إنشائية. إنها توصيف دقيق لطبيعة الصراع الذي نعيشه. فالدول التي تدرك معنى السيادة لا تبدأ بالدبابات، بل تبدأ بالعقول. لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي قدرتها على إنتاج المعرفة، وصياغة الوعي، وتحديد ما يجب أن يُعلَّم، وكيف، ولماذا.
في الحالة الفلسطينية، تبدو المفارقة صارخة: نحن من أكثر الشعوب حديثًا عن التعليم، ومن أكثرها استثمارًا رمزيًا فيه، لكننا في الوقت نفسه نتعامل معه عمليًا كملف خدماتي قابل للتأجيل، أو التكيّف، أو الإدارة المؤقتة. نطالب بتحسينه، لا بإعادة تعريفه. نُصلح جزئياته، دون أن نسأل عن جوهره.
وهنا يكمن الخلل.
حين نُخضع التعليم لمنطق "الطوارئ الدائمة"، فإننا نحوله إلى نظام بقاء، لا نظام بناء. وحين نربطه فقط بالتمويل والرواتب والبنية التحتية، فإننا نفصل بينه وبين وظيفته الأساسية: إنتاج إنسان قادر على الفهم، والاختيار، والمواجهة.
وهذا أخطر من أي نقص في الموارد.
المشكلة ليست أن لدينا أزمة تعليم، بل أن لدينا تعريفًا قاصرًا لماهية التعليم نفسه.
هل هو نقل معرفة؟
أم إعداد لسوق العمل؟
أم وسيلة للترقي الاجتماعي؟
كل ذلك صحيح، لكنه غير كافٍ في سياقنا.
في بيئة مستقرة، قد يكون التعليم أداة تنمية. أما في بيئة كبيئتنا، فهو أداة بقاء وكرامة ومعنى.
هو ما يمنع الانهيار الكامل للإنسان حين تنهار الظروف من حوله. وهو ما يحفظ الرواية حين تُستهدف الذاكرة. وهو ما يُبقي المجتمع قادرًا على إعادة إنتاج نفسه رغم كل شيء.
لهذا، فإن التعامل مع التعليم كقطاع خدمي هو خطأ استراتيجي، لا إداري.
خطأ ينعكس في كل شيء:
في طريقة تصميم المناهج، وفي موقع المعلم داخل المجتمع، وفي طبيعة الخطاب التربوي، وفي ترتيب الأولويات الوطنية.
المعلم، في هذا السياق، ليس موظفًا ينتظر راتبه- رغم مشروعية هذا الحق- بل هو فاعل سيادي.
ليس لأنه يملك سلطة، بل لأنه يملك القدرة على تشكيل الوعي.
وحين يُهمَّش المعلم، أو يُستنزف، أو يُختزل دوره، فإننا لا نخسر فردًا،، بل نخسر إحدى أهم أدواتنا في الصمود.
وكذلك الطالب، الذي لم يعد مجرد متلقٍ ينتظر المعرفة، بل أصبح-بحكم الواقع-شريكًا في إنتاجها تحت الضغط.
الطالب الفلسطيني يتعلم في ظروف لا تُدرّس في كتب التربية:
انقطاع، توتر، عدم يقين، وضغط نفسي مستمر. ومع ذلك، يستمر.
هذه ليست قصة نجاح فردية، بل مؤشر على أن لدينا نموذجًا كامناً لم نقرأه بعد.
وهنا يأتي السؤال الصعب: لماذا لا نحول هذا الواقع إلى نموذج؟
لماذا لا ننتج من تجربتنا نظرية، بدل أن نظل نحاول استيراد نظريات لا تشبهنا؟
الجواب مؤلم وبسيط: لأننا ما زلنا نفكر في التعليم كملف تحسين، لا كملف سيادة.
إعادة تعريف التعليم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية. تعني أن نعيد ترتيب أولوياتنا: أن نرى المعلم استثمارًا لا عبئًا، والمحتوى التعليمي أداة تشكيل وعي لا مجرد مادة دراسية، والمدرسة مساحة إنتاج معنى، لا مجرد مكان للحضور والانصراف. وتعني أيضًا أن نتحرر من وهم أن الإصلاح يبدأ من التفاصيل.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال الكبير: ما نوع الإنسان الذي نريد أن ننتجه؟
دون إجابة واضحة عن هذا السؤال، ستظل كل محاولات الإصلاح تدور في حلقة مفرغة، مهما كانت النوايا حسنة، أو الجهود كبيرة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطط التي تُكتب ثم تُنسى. نحن بحاجة إلى قرار وطني واضح يعيد وضع التعليم في مكانه الطبيعي: في قلب المشروع الوطني، لا على هامشه، لأن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي الذي سيحدد شكل الأرض ومعناها في المستقبل. وحين نفهم ذلك، سنكتشف أن السؤال لم يكن يومًا: كيف نُحسّن التعليم؟ بل: كيف نحمي سيادتنا من خلاله؟

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الرسوم على الشمس في فلسطين.. إلغاؤها واجب وطني !

رئيس الوزراء استجاب لنبض الشارع، وشكّل لجنة لدراسة ملف ما بات يُعرف بـ"صافي الفوترة"  أو ما فضل الناس على تسميته "ضريبة الشمس". القرار ارتقى من حيث المبدأ والسرعة لحالة الاحتقان والغضب الشعبي وهذا يسجل له، الجهات التي شكلت منها اللجنة تمثل اطياف مهمة لإعادة النظر مع ان وجود وزارة المالية وسلطة البيئة وشخصيات مستقلة عملت في المجال غير ذي مصلحة كان سيعطي اللجنة قوة حضور أكبر.
المطلوب من اللجنة جملة من المسائل والتي نراها تندرج على عدد من المسارات:
1. يجب عدم نقاش فرض الرسوم بأي حال من الأحوال على أي مواطن ربط أو خزن الكهرباء على نظام البطاريات، لان مجرد القبول بنقاش الامر يعد تعديا على حقوق الناس في استخدام الطاقة المتجددة والنظيفة، ويصبح بالفعل ما يردده الناس من تسميه صحيحاً.
2. إن كان ولا بد من فرض رسوم يجب أولاً أن تنسجم مع ما ورد في القانون الاساسي فيما يتعلق بالرسوم والضرائب بحيث يتم استثناء البيوت من أي رسوم أو ضرائب.
3. إن أي رسوم سيتم فرضها يجب أن تخضع لمراجعة وتقدير الحكومة الفلسطينية وليست الشركات الخاصة، بحيث لا يجوز للشركات أن تصبح جهة انفاذ قانون، بحيث تقوم بملاحقة المنشأت وفقاً لسياساتها برعاية أو تغطية بقرارات حكومية.
4. إن الحكومة الفلسطينية هي الأحق والأجدر بجمع اي رسوم او ضرائب من الشركات وبشكل مباشر، وإن كان هناك ضرورة لذلك يجب ان يكون هناك تنظيم صارم ويخضع للرقابة المالية من خلال وزارة المالية الفلسطينية.
5. إن كان لا بد من فرض رسوم وضرائب، فالأجدى أن تقوم الحكومة بالزام كل جهة تعمل في مجال الطاقة النظيفة أن تفتح ملفات ضريبية وتدفع الضرائب للحكومة من خلال ضريبة الدخل والقيمة المضافة وضريبة المهن وضريبة الأملاك والمعارف، وهذا يمكن جبايته من البائع والمشتري لمرة واحدة وحسب القانون.
إن مسؤولية أعضاء اللجنة أن يتوصلوا إلى صيغ واضحة ومحددة تعفي البيوت من أي رسوم على شبكة الكهرباء من الشمس مهما كانت طبيعة الشبكة ونوعها وقوتها وسبل التخزين والاستخدام، إلا في حال كان صاحب البيت يرغب ببيع الكهرباء للشركة، عند ذلك يمكن فرض رسوم على البيع وليس على الاستخدام أو مجرد أن تكون لديه طاقة متجددة في بيته.
القرار الآن بين أعضاء اللجنة المشكلة من رئيس الوزراء، ودون ذلك فإن الناس لن ترضى عن أي قرار يضر بحقوقهم الطبيعية، ولا يجوز للجنة أن تشكل غطاء لدفع أي رسوم مهما كانت على حقهم في استخدام الطاقة المتجددة في منازلهم. وإن رفعت اللجنة ذلك فمن المتوقع من الحكومة أن ترفض هذه التوصية، وتعلن بشكل واضح أنها ستعفى المواطنين من أي رسوم بل وتشجع المواطنين على استخدام الطاقة المتجددة.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:25 صباحًا - بتوقيت القدس

"فتح" في مؤتمرها الثامن: من الوفاء لتاريخ النضال إلى تمكين المرأة وصناعة المستقبل

في لحظة وطنية مفصلية، وفي ظل العدوان المستمر وتداعياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واستنادا للتوجه الحركي بالتحضير لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح بوصفه أكثر من استحقاق تنظيمي؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة الحركة على تجديد مشروعها الوطني، وصياغة رؤية تستجيب لاحتياجات المجتمع الفلسطيني، وفي مقدمة ذلك إنصاف المرأة الفلسطينية وتمكينها.
لقد كانت حركة فتح، منذ انطلاقتها، عنوانًا للريادة الوطنية والاجتماعية، وحاضنة لأسر الشهداء والأسرى والجرحى، ومدافعة عن صمود المجتمع الفلسطيني. فمنذ البدايات الأولى، أدركت الحركة أن النضال الوطني لا ينفصل عن المسؤولية الاجتماعية، وأن الوفاء لتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى وأسرهم هو جزء أصيل من رسالتها الوطنية والتاريخية.
واليوم، فإن هذه الريادة تضع الحركة أمام مسؤولية تاريخية متجددة، تتمثل في تحويل تمكين المرأة الفلسطينية من شعار سياسي إلى برنامج وطني واجتماعي واقتصادي واضح، يعالج آثار العدوان، ويؤسس لمرحلة جديدة من العدالة الاجتماعية والمواطنة الكاملة.
فالمرأة الفلسطينية، التي كانت شريكة في مسيرة النضال والصمود، هي اليوم من أكثر الفئات تأثرًا بتداعيات العدوان، سواء من حيث فقدان المعيل، أو تراجع الأمن الاقتصادي، أو الضغوط النفسية والاجتماعية، أو الحاجة إلى حماية قانونية وتشريعية أكثر إنصافًا. لقد حملت المرأة عبء الأسرة والمجتمع في أحلك الظروف، وكانت دائمًا حاضرة في ميادين التضحية والبناء، ما يجعل إنصافها وتمكينها استحقاقًا وطنيًا وأخلاقيًا.
ومن هنا، فإن نجاح المؤتمر الثامن سيقاس بقدرته على تبني سياسات واضحة تعالج آثار العدوان على شعبنا وبالقلب منة على النساء، وتعزز مشاركتهن السياسية بنسبة لا تقل عن 30%وصولا للمناصفة في كافة الأطر القيادية، تنفيذا لقرار الحركة والتزامًا بتاريخها الريادي.
غير أن تمكين المرأة لا يجب أن يتوقف عند حدود التمثيل السياسي، بل لا بد أن يمتد إلى بناء برنامج اقتصادي واجتماعي متكامل، يفتح آفاقًا حقيقية أمام النساء للمشاركة في سوق العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية والنفسية، بما ينعكس على الأسرة الفلسطينية والمجتمع بأسره.
كما أن المؤتمر مطالب بالوقوف بجدية أمام القضايا التشريعية الجوهرية، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية، بما يضمن مواءمته مع مبادئ العدالة والمساواة والذي اكد عليها إعلان الاستقلال والقانون الأساسي ومسودة الدستور الفلسطيني، جميعهم اكدوا على تعزيز مكانة المرأة، ويحمي حقوقها، ويرسخ المواطنة والعدالة الاجتماعية.
إن فتح، وهي تدخل مؤتمرها الثامن، أمام فرصة تاريخية لتجديد رؤيتها الوطنية والتنظيمية، وربط وفائها لتاريخ النضال بقدرتها على صناعة المستقبل. فكما كانت رائدة في احتضان قضايا الشهداء والأسرى والجرحى، يجب أن تكون اليوم رائدة في تبني سياسات تنصف المرأة الفلسطينية، وتعزز دورها كشريك كامل في القرار الوطني، وفي إعادة بناء المجتمع.
إن تمكين المرأة ليس قضية قطاعية أو مطلبًا اجتماعيًا أو مقتصر على مطلب نسوي فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من مشروع التحرر الوطني، ومدخل أساسي لصناعة مستقبل أكثر عدالة وصلابة للشعب الفلسطيني.
واليوم، الأنظار تتجه إلى ما سيصدر عن المؤتمر من رؤية سياسية واضحة تؤكد التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس، باعتبار ذلك جوهر المشروع الوطني الذي قادته فتح منذ انطلاقتها، كما إن المؤتمر الثامن لحركة فتح ليس محطة تنظيمية فحسب، بل لحظة وطنية مفصلية تتجه إليها أنظار الشعب الفلسطيني، كما يراقبها المحيط العربي والإقليمي والمجتمع الدولي بوصفها مؤشرًا على قدرة الحركة على تجديد مشروعها الوطني والاجتماعي، واستعادة زمام المبادرة في هذه المرحلة الدقيقة. فمخرجات هذا المؤتمر ستشكل رسالة سياسية واضحة حول مستقبل الحركة، ودورها في قيادة المرحلة، واستجابتها لتحديات العدوان وآثاره العميقة على المجتمع الفلسطيني.

* وزيرة شؤون المرأة ومقررة المكتب الحركي المركزي للمرأة

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:21 صباحًا - بتوقيت القدس

الرياض تعيد توزيع القوة دون ضجيج

لم يكن ما قاله دونالد ترمب مجرد زلة لسان، بل كان تعبيراً صريحاً عن ذهنية سياسية تعتبر الحلفاء امتداداً للنفوذ لا شركاء فيه.
فتصريحاته بحق محمد بن سلمان حملت نبرة استعلاء غير مسبوقة، وكأن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية يمكن اختزالها في معادلة "آمر ومأمور".
 غير أن ما تلا ذلك لم يكن رد فعل تقليدياً، بل كان صمتاً محسوباً، لا يعكس حياداً بقدر ما يعكس انتقالاً هادئاً إلى مستوى آخر من الفعل السياسي، حيث تُدار المصالح بعيداً عن الانفعال، وتُعاد صياغة التوازنات دون ضجيج.
في هذا السياق، يبرز ملف الطاقة بوصفه المدخل الأكثر وضوحاً لفهم هذا التحول؛ إذ إن خط الأنابيب الشرقي-الغربي الممتد إلى ينبع لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبح أداة سيادية تعزز استقلال القرار، بقدرة تصل إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، وهي طاقة تقترب من إجمالي الصادرات النفطية للمملكة في كثير من الأحيان.
 وبهذا، تتراجع مركزية مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، من كونه نقطة ضغط حاسمة إلى مجرد خيار من بين خيارات، في دلالة واضحة على أن القوة لم تعد فقط في الإنتاج، بل في القدرة على التحكم بمساراته وتجاوز اختناقات الجغرافيا السياسية.
غير أن هذا التحول لا يقف عند حدود النفط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية بطريقة أكثر مرونة وتوازناً؛ حيث يتقاطع الدور السعودي مع كل من تركيا وباكستان ومصر ضمن صيغة لا ترقى إلى تحالف تقليدي بقدر ما تعكس "هندسة مصالح" متعددة المستويات، تجمع بين الثقل السكاني الذي يتجاوز أربعمائة مليون نسمة، والقدرات العسكرية المتنوعة، والتحكم بممرات حيوية مثل قناة السويس. وفي هذا الإطار، لا يبدو الهدف استبدال حليف بآخر، بل توسيع دائرة الخيارات بحيث لا تبقى أي دولة رهينة محور واحد أو مظلة واحدة.
أما في الجنوب، فإن باب المندب يظل عنصراً محورياً في معادلة الأمن والطاقة، إذ تمر عبره ملايين البراميل يومياً إلى جانب نسبة معتبرة من التجارة العالمية، ما يجعل أي استقرار فيه ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
 ومن هنا، فإن أي تهدئة في اليمن، بما في ذلك التفاهمات غير المباشرة مع الحوثيون، تندرج ضمن مقاربة إدارة المخاطر لا إنهاء الصراعات، خاصة في ظل حضور إيران كلاعب مؤثر في توازنات المنطقة، سواء عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة.
ضمن هذا المشهد المركب، تتضح ملامح تحول أعمق في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، التي لم تعد تمثل الضامن الوحيد للأمن الإقليمي، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات، في إطار انتقال تدريجي من الاعتماد الأحادي إلى إعادة التوازن.
وهنا تحديداً تتجلى المفارقة؛ فبينما كان الخطاب الأمريكي يميل إلى الاستعلاء، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى تشكل عالم أكثر تعددية، وأقل خضوعاً لهيمنة قطب واحد.
وعليه، فإن الرد السعودي لم يكن بياناً سياسياً، بل كان مساراً عملياً متكاملاً: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز البدائل عبر ينبع، وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية، والعمل على تهدئة بؤر التوتر المؤثرة في خطوط التجارة العالمية.
وبهذا المعنى، تتحول الإهانة إلى حدث عابر في سياق أوسع يعيد تعريف مفهوم القوة ذاته، بحيث لا تقاس بردود الأفعال الآنية، بل بالقدرة على تحويل الضغوط إلى فرص، والاستفزاز إلى إعادة تموضع استراتيجي.
في عالم يضج بالتصريحات، يبدو أن الدول الأكثر فاعلية هي تلك التي تفضل أن تقول أقل… وتفعل أكثر؛ فالتاريخ لا يُكتب بما يُقال في لحظات الانفعال، بل بما يتغير بهدوء على الأرض. وهنا فقط، يمكن فهم كيف أن الصمت، حين يكون مدروساً، لا يعكس ضعفاً، بل قوة قادرة على إعادة تشكيل التوازنات دون أن ترفع صوتها.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

خطيئة العداء للعرب

تمكن تحالف الشر الأميركي الإسرائيلي من: 1- تدمير قدرات ایران وبناها التحتية. 2- زج العرب دون رغبتهم مرغمين أن يكونوا طرفاً في الحرب والمواجهة ضد إیران.
الهجوم المشترك على إيران لم تكن البلدان العربية الخليجية والأردن ترغبه، ولا تحبذه، ولا مصلحة لها فيه، وقد عبرت العديد من هذه البلدان عن ذلك غير مرة، سياسياً وعملياً.
المستعمرة الإسرائيلية عملت على تفجير الحرب ضد إیران، وعملت على توسيعها لتشمل وفق  مصالحها الاشتباك العربي الإيراني، من خلال دفع العرب مرغمين كي يكونوا في الخندق المتصادم مع طهران.
 ضيق أفق من قبل المتطرفين أصحاب القرار لدى العاصمة الإيرانية، تجاوبوا مع الخديعة والفخ الأميركي الإسرائيلي، وغابت عنهم الأولويات، وضعف التركيز، وتاهت بوصلة أهدافهم، باستهداف القصف الإيراني للمواقع داخل البلدان العربية والمساس بالأمن والسيادة لبلدان الخليج العربي والأردن.
زيارة رأس الدولة جلالة الملك التضامنية إلى الإمارات يوم الإثنين (16/ 2/ 2026) هدفت للتعبير عن فهم المصالح المشتركة بين البلدين، وإعطائها ما تستحق من الاهتمام، ورفضهما لاية اعتداءات على الطرفين، وتأكيدهما على خيار البحث عن السبل التي توفر خفض التصعيد السائد لدى منطقة الشرق العربي.
الدول العربية كما جاء في البيان الأردني الإماراتي: "لم تكن طرفا في الحرب (على إيران)، ولم تبدأها، بل حاولت احتواء الأزمة وتجنب انزلاق المنطقة للصراع"، حيث لا مصلحة لنا فيه، وليس لطرف مكسب فيه سوى للمستعمرة الاسرائيلية التي سعت إلى هذه الحرب من أجل:
أولاً:  إنهاء وإضعاف وتشتيت الاهتمام العربي والدولي، عما حصل في قطاع غزة من مجازر وقتل وتطهير وإبادة قارفتها قوات المستعمرة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطين.
ثانياً: استكمال خطوات الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية على الشرق العربي بعد اسقاط نظامي صدام حسين وبشار الأسد، واغتيال وقتل قيادات حزب الله وحركة حماس.
 ثالثاً: معاقبة إيران لوقوفها مع النضال الفلسطيني، وضد المستعمرة الاسرائيلية ، وأنها الطرف الذي مازال يشكل رافعة ورفضاً من موقع القوة والاقتدار للاحتلال والتوسع والاستعمار الإسرائيلي.
إیران وقعت في الفخ، واقترفت حماقة سياسية وسوء الاختيار العمل العسكري بالاعتداءات على بلدان الخليج العربي، وهي بذلك وقعت بالمصيدة الاسرائيلية ، من خلال دفع البلدان العربية كي يكون خيارها غير المباشر في الخندق الإسرائيلي ضد إيران، عبر تعريض البلدان العربية للقصف الإيراني، والتصدي العربي للاعتداءات الإيرانية، حماية لسيادتها ومواطنيها ومؤسساتها المعتدى عليها.
الاعتذار الإيراني أولاً والتوقف عن الاعتداء والتطاول على البلدان العربية ثانياً، والالتزام بما قاله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن بلدان الخليج اشقاء ولا مصلحة لإيران أن تعتدي عليهم أو التصادم معهم، وأن تدرك أن لا مصلحة لها خسران العرب ، وأن لا يقفوا معها، فالعلاقات القائمة  على حُسن الجوار والتداخل في المصالح المشتركة بيننا تفرض إعادة النظر، عليهم تغيير جوهري في سلوكهم السياسي والأمني.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:19 صباحًا - بتوقيت القدس

خطاب مرتبك لرئيس عنجهي ومأزوم

الخطاب الذي ألقاه الرئيس ترامب فجر الأربعاء الماضي ،"حديث الى الأمة" حاول البيت الأبيض تنظيم حملة شرح وتوضيح لما قاله الرئيس دونالد ترامب في "حديث إلى الأمة" والسعي لتصويره خطاباً مسؤولاً شرح للرأي العام المشهد الراهن وقدّم معلومات مهمة لمواجهة الحملة التي شملت نواباً وشخصيات عامة وإعلاميين، وصفت الخطاب بالسخيف والتافه والفارغ والتكرار المملّ لما سبق وقاله في عشرات التصريحات والتغريدات ولم يتطوّع أحد لمهمة وصفت بـ الانتحارية مع تراجع الثقة بمنهجية ترامب في إدارة حرب يقول إنه ربحها وانتهى الأمر وشطب إيران عن الخريطة ثم يقول إن على إيران أن تفتح مضيق هرمز وهو جاهز لوقف إطلاق النار معها، ثم يقول إنه غير معنيّ بفتح مضيق هرمز وعلى المعنيين به أن يقوموا هم بفتحه، وبدون حرج يتحدّث وهو رئيس دولة عن عزمه على ارتكاب جرائم حرب بتدمير منشآت مدنية يُحرّم القانون الدولي استهدافها خلال الحرب.
تشاك شومر زعيم الأقلية الديمقراطية في الكونغرس الأمريكي، وصف الخطاب بالمثير للشفقة، وبأنه الخطاب الأكثر تشتتاً وهبوطاً وتفاهة في تاريخ الرؤوساء الأمريكيين، فهو لم يحدد بوضوح الأهداف من الحرب، والرؤيا والآليات لكيفية الخروج منها.
 في حين النائب الديمقراطي كريس كولن وصف الخطاب بأنه الأخطر على أمريكا والعالم، أما النائب الديمقراطي كريس مورفي، فقد قال عن هذا الخطاب، بأن الرئيس الأمريكي منفصل عن الواقع.، لا توجد خطة واضحة ومجرد كلام غير متوازن ويفتقر الى الجدية.
وفي خطابه قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في “حديثه إلى الأمة” ثلاثة أشياء متعارضة، أولًا، قدّم خطابًا يمهّد لإعلان نهاية الحرب: "نفذنا ما خططنا له، دمرنا، أنهينا التهديد" — لغة إقفال ملف وبناء صورة نصر مكتمل تسمح بالخروج من دون كلفة سياسية داخلية. ثانيًا، أطلق تهديدًا يفتح باب التصعيد: “إذا لم يُفتح هرمز سنفتح أبواب الجحيم”، لغة مواصلة الحرب وتصعيدها. ثالثًا، عاد لينفي الارتباط: “لا يهمنا هرمز ولا علاقة لنا به”، لغة فصلٍ تتيح التراجع عن التصعيد إذا استدعت الضرورة. هذه ليست فوضى لفظية، بل ثلاثة مسارات محتملة تُعرَض في آن واحد.
الدلالة الأولى أن الخطاب لا يصدر عن قرار مُنجز، بل عن غياب قرار. لأن الجمع بين “أنجزنا وانتهى الأمر” و“سنفتح أبواب الجحيم” و“لا علاقة لنا بهرمز” يعني أن البيت الأبيض لم يحسم قراره بين الخروج أو التصعيد، وأن الرئيس يحتفظ بكل الأبواب مفتوحة إلى آخر لحظة. لذلك يصبح التناقض أداة.
قال ترامب أيضًا ما يفيد أن المسار ليس مغلقًا، بل معلّق على مهلة زمنية تنتهي يوم الاثنين. هنا تتحوّل المهلة إلى جوهر الاستراتيجية: ليست موعدًا للحسم، بل مساحة اختبار. ما الذي يُختبر حتى مساء الأحد؟ أولًا، قدرة الوسطاء على خرق. هل ينجح مسار الوساطة في إنتاج خطوة ملموسة لخفض التوتر، وتبادل رسائل مُلزِمة، أو إطار تفاوضي يبرّر الاكتفاء بخطاب النصر والانسحاب؟ إذا تحقق خرق محدود لكنه قابل للبناء، يصبح خيار “نصر من طرف واحد” ممكنًا: إعلان انتهاء المهمة مع إبقاء خطوط الردع مفتوحة.
ثانيًا، صورة النصر والقوة في الداخل. ترامب يحتاج أن يختبر هل يكفي السرد الإعلامي (أرقام التدمير، الضربات الحاسمة) لإقناع الجمهور بأنه حقق الهدف. إذا استقرت هذه الصورة، يستطيع أن يغلق الجبهة سياسيًا من دون تصعيد إضافي. أما إذا بدت الصورة مهتزّة، فستحتاج إلى جرعة تصعيد تعيد تثبيت الانطباع.
ثالثًا، قدرة الجمهور على تحمّل كلفة الأسعار. إدخال هرمز في الخطاب ليس تفصيلًا؛ إنه اختبار مباشر لتحمّل الداخل الأميركي (والحلفاء) ارتفاع أسعار الطاقة مقابل شعور بالقوة. إذا ارتفعت الأسعار بسرعة وترافقت مع قلق اقتصادي، يضيق هامش التصعيد. وإذا بقي الأثر محدودًا أو محتملًا، يتّسع.
رابعًا، تفاعل سعر النفط مع فرضية التصعيد. هذا هو المؤشر الأكثر حساسية. التهديد بفتح “أبواب الجحيم” مرتبط ضمنيًا بإمكانية اضطراب الإمدادات. إذا أظهر السوق قفزات حادة مع كل إشارة تصعيد، فإن البرميل يفرض سقفًا سياسيًا على القرار العسكري. وإذا بقي التفاعل مضبوطًا، يصبح التصعيد خيارًا أقل كلفة.
تتبلور ثلاثة احتمالات حتى نهاية المهلة: الخروج بخطاب نصر: تثبيت رواية “أنجزنا المهمة” والانتقال إلى تهدئة مدروسة، مع إبقاء التهديد كأداة ردع. هذا الخيار يحتاج خرقًا وسيطيًا وصورة نصر مقنعة وسوقًا مستقرة نسبيًا، أو الذهاب إلى التصعيد بتفعيل لغة “أبواب الجحيم” إذا فشل الوسطاء وبدت صورة النصر غير كافية، مع افتراض أن كلفة السوق محتملة. هنا يتحوّل التهديد إلى فعل. واحتمال تمديد المهلة عشية الأحد: وهو الأكثر اتساقًا مع بنية الخطاب. عبر تمديد جديد يسمح بمواصلة الاختبار: ضغطٌ بلا التزام، ووعودٌ بلا حسم، وإدارة زمن بدل اتخاذ قرار.
 واضح من جملة الإقالات التي تجري في الإدارة الأمريكية، وشملت رئيس هيئة الأركان الأمريكية ووزيرة العدل وغيرها من القيادات العسكرية والأمنية أننا أمام لحظة إعادة تشكيل في بنية القرار الأمريكي، وهي على ما يبدو تشمل القيادات المعارضة لاستمرار الحرب على إيران، وحصول هذه الإقالات والتنحيات في هذا التوقيت فهي أقرب إلى تنظيف المسار القيادي قبل قفزة تصعيديّة محتملة.
أما التوغل البري، إن وقع، فلن يكون هدفه الحسم النهائي بل إعادة تعريف قواعد اللعبة بالقوّة وفرض سقف جديد للتفاوض تحت النّار، مع ان هذا الخيار غير مرجح لكلفته الباهظة عسكرياً واقتصادياً وتداعياته الكبرى على أسعار النفط والغاز والأسواق المالية، أسعار أسهم البورصات، وعلى الاقتصاد العالمي.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:17 صباحًا - بتوقيت القدس

طوبى لصانعي السلام "في مواجهة أيديولوجيا القوة لدى نتنياهو"

في روح أسبوع الآلام، اكتسب ما جرى في القدس يوم أحد الشعانين، الموافق 29 آذار/مارس 2026، خطورة استثنائية، إذ منعت الشرطة الإسرائيلية الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، والأب فرانشيسكو إيلبو، حارس الأراضي المقدسة، من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بالقداس. وإن تمكّن البطريرك لاحقًا من ترؤس القداس في كنيسة الجسمانية، فإن ذلك يُسقط الادعاء بأن هذا المنع كان لدواعٍ أمنية. فما حدث لم يكن إجراءً احترازيًا محايدًا، بل كان فعلًا يرمي إلى فرض السيطرة على الوصول إلى العبادة. إن تحويل الصلاة إلى مسألة "إذن" لا يُعدّ حماية، بل هو إنكار لحق أصيل لا تملك أي قوة احتلال سلطة تقييده. وكما أشار الأب رفعت بدر، فإن القول إن البطريرك "سيُسمح له" بالدخول لا يُعدّ منّة أو تفضّلًا، بل اعتداءً على حق طبيعي. ولم يكن هذا الإجراء معزولًا؛ فقد أُغلقت أيضًا كنيسة القيامة والمسجد الأقصى، وللمرة الأولى منذ عام 1967، مُنع المسلمون من أداء صلاة عيد الفطر في المسجد الأقصى، في مخالفةٍ للقانون الدولي الذي ينفي عن إسرائيل، بصفتها قوةً قائمة بالاحتلال، أي سيادة أو ولاية قانونية على فلسطين المحتلة.
غير أنّ إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، قد صعّدت منذ مطلع عام 2026، وعلى نحوٍ معلن، سياسةً لا تستهدف فقط قمع الشعب الفلسطيني، بل أيضًا تقويض الأسس التي تقوم عليها حلّ الدولتين وإغلاق أي أفق حقيقي للسلام. فالتشريعات المتعلقة بالأراضي الفلسطينية التي دُفعت يومي 8 و15 شباط/فبراير، والهادفة إلى تعميق السيطرة على الأرض الفلسطينية المحتلة وتسهيل أشكال جديدة من المصادرة والضم، والقرار الذي أقرّه الكنيست في 30 آذار/مارس ومهّد لتشريع يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وتصاعد عنف المستوطنين، والتوسع المتواصل للاستيطان، والدمار المستمر في غزة، كلها تصدر عن منطق واحد: ترسيخ الهيمنة، وإحكام السيطرة، والتفكيك المنهجي للأسس السياسية والقانونية والإنسانية للوجود الفلسطيني.
وبعد 78 عامًا على النكبة، و59 عامًا من الاحتلال، واغتيال الزعيم الإسرائيلي الداعي إلى السلام إسحاق رابين على يد متطرّف إسرائيلي في قلب تل أبيب عقب إتفاقات أوسلو لعام 1993، وما شهدته غزة من دمار ذي طابع إبادي، تفرض نفسها تساؤلات لا يمكن تجاهلها: ما هي الذهنية التي ما زالت تغذّي هذا الاحتلال وتعمل على استدامته؟
لقد كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من دون مواربة، المنطق الذي يستند إليه هذا الاحتلال، وذلك خلال مؤتمر صحفي متلفز عُقد في القدس بتاريخ 19 آذار/ مارس 2026، في خضمّ زمن الصوم الكبير. ففي تلك المناسبة قال: "إن التاريخ يُظهر، ويا للأسف، أن يسوع المسيح لا يملك أفضلية على جنكيز خان، لأنه إذا كان المرء قويًا بما فيه الكفاية، وقاسيًا بما فيه الكفاية، ونافذًا بما فيه الكفاية، فإن الشر سوف ينتصر على الخير" . وإلى ما تنطوي عليه هذه المقارنة من إساءة بالغة بين شخصيتين تاريخيتين متباينتين جذريًا في الهوية، والرسالة، والمكانة الأخلاقية والإنسانية في التاريخ، فإن كلمات نتنياهو تجاوزت مجرد إثارة الغضب لدى المسيحيين وغير المسيحيين، إذ كشفت بوضوح المنطق الأخلاقي والسياسي الذي يسند جانبًا كبيرًا من ممارسات الاحتلال: رؤيةٌ تفقد فيها الأخلاق قيمتها ما لم تسندها القوة، ويتحرر فيها النفوذ من قيود القانون ليغدو المصدر النهائي للشرعية. وفي ظل هذا المنطق، تصبح ممارسة العنف أمرًا طبيعيًا بوصفه أداةً سياسية.
وفي وقت لاحق، حاول نتنياهو إضفاء المشروعية على طرحه من خلال الاستناد إلى ويل دورانت، مدعيًا أن أي حضارة أخلاقية لا يمكن أن تستمر من دون القوة اللازمة للدفاع عن نفسها. غير أن هذا الاستدعاء يكشف، في حقيقته، عن قراءة انتقائية لفكر دورانت أكثر مما يدعم موقفه. فقد أقرّ ديورانت بوقائع القوة في التاريخ، لكنه لم يخلص إلى أن الأخلاق ينبغي أن تخضع للقوة. بل على العكس، كتب في مؤلفه " القيصر والمسيح "  أن  " القيصر والمسيح إلتقيا في الحلبة، وانتصر المسيح". والمعنى واضح: قد تُفرض الهيمنة لفترة من الزمن، لكنها لا تكفل النصر الأخلاقي الأعمق والأبقى. ومن ثمّ، فإن تصريحه لا يقتصر على عقد مقارنة بين شخصيات تاريخية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يُطبع الظلم ويحوّله إلى منطق سياسي مقبول.
في السياق الفلسطيني، لا يُنظر إلى اللغة الأيديولوجية التي يستخدمها نتنياهو بوصفها مجرد استعارة تاريخية، بل باعتبارها تبريرًا صريحًا لمنظومة القهر المفروضة على الشعب الفلسطيني. وعمليًا، يعني ذلك تقديم الحصار، والمصادرة، والعقاب الجماعي، والعنف غير المتناسب، بوصفها إجراءات قاسية ولكن يُروَّج لها على أنها ضرورية. وفي العصر الحديث، لا تكمن المسألة الجوهرية فيمن يملك القوة لفرض روايته للحقيقة، بل في السبب الذي دعا المجتمع الدولي أصلًا إلى إنشاء منظومة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والأمم المتحدة. فقد وُجدت هذه الأطر تحديدًا لمنع تحوّل القوة إلى المصدر الوحيد للشرعية. ولو تُرك لكل دولة أن تحدد الخير والشر وفق مصالحها الخاصة، لانحدر النظام الدولي إلى منطق الهيمنة والغلبة. ومن هنا، نشأ القانون الدولي رفضًا لهذه القاعدة، وتأكيدًا على أن العدالة يجب أن تقوم على مبادئ مشتركة، أساسها الكرامة الإنسانية، وحقوق الشعوب، ووضع حدود لممارسة السلطة القاهرة.
في المحصلة، لا بدّ أن تنتهي حالة الاحتلال الإسرائيلي الطويلة للشعب الفلسطيني، لا بوصف ذلك مجرد استجابة لمقتضيات الملاءمة السياسية، بل باعتباره ضرورة قانونية وأخلاقية وتاريخية لا مفرّ منها. فبعد عقود من نزع الملكية، والاحتلال العسكري، والإنكار المنهجي لأبسط حقوقه، يملك الشعب الفلسطيني الحق في أن يعيش كما ينبغي لجميع شعوب العالم أن تعيش: في حرية، وأمن، وكرامة، وسلام. فلا يمكن بناء مستقبل عادل على الهيمنة، ولا يمكن أن ينشأ سلام دائم من رحم القهر. كما لا يجوز، في أي حال، أن تُبنى أمنية شعبٍ على إخضاع شعب آخر وإذلاله. " طوبى لصانعي السلام" (متى 5.9).

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:16 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الحياد والانخراط: كيف تدير أوروبا الحرب على إيران؟

في خضم الحرب الإسرائيلية الأمريكية الجارية على إيران، يبرز الموقف الأوروبي بوصفه من أكثر المواقف تعقيداً في النظام الدولي الراهن. ويعود ذلك إلى حذره الظاهر من جهة، وإلى ما يكشفه من تحولات أعمق تمس مكانة أوروبا نفسها بين التحالفات التقليدية ومتطلبات الاستقلال الاستراتيجي من جهة أخرى. فعلى المستوى الرسمي، تؤكد العواصم الأوروبية أنها ليست طرفا في الحرب، وتدعو إلى التهدئة وتفادي التصعيد. بيد أن الواقع العملي يكشف انخراطاً غير مباشر، سواء عبر البنية العسكرية المنتشرة في القارة، أو عبر التعامل مع التداعيات الأمنية والاقتصادية التي يفرضها النزاع. ويعكس هذا التفاوت بين الخطاب والممارسة مأزقا بنيويا حقيقيا، إذ تجد أوروبا نفسها مطالبة بالحفاظ على تحالفها مع واشنطن، وفي الوقت ذاته تسعى إلى تفادي كلفة حرب لا تملك قرارها، في ظل سياق دولي تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على فرض توازنات مستقرة. ومع تصاعد التوتر عبر الأطلسي، وظهور تباينات داخل الاتحاد الأوروبي، وتزايد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، تبدو هذه الحرب أقرب إلى اختبار فعلي لقدرة أوروبا على إعادة تعريف دورها في عالم سريع التغيّر.

انقسام أوروبي يتجاوز الاختلافات التقليدية

تكشف التطورات الأخيرة عن انقسام أوروبي عميق تجاوز حدود التباينات المعتادة، وبلغ مستوى قرارات سيادية تمس مباشرة طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد اتخذت إسبانيا موقفاً صارماً حين رفضت استخدام مجالها الجوي وقواعدها العسكرية، بينما لجأت دول مثل إيطاليا وفرنسا إلى مقاربات أكثر انتقائية، فأبقت على هوامش دعم محدودة دون انخراط مباشر في الحرب. وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها حالة مختلفة، إذ تبنت نمط انخراط منضبط، فسمحت باستخدام قواعدها العسكرية في عمليات مرتبطة بحماية الملاحة في الخليج، وعززت حضورها العسكري في المنطقة، مع حرص واضح على حصر هذا الدور في إطار دفاعي لا ينزلق إلى عمليات هجومية واسعة.
ويعكس هذا التباين أيضاً ضغطاً داخلياً يتزايد باطراد، إذ تظهر اتجاهات الرأي العام في عدة دول أوروبية أن ما بين 55% و65% من المواطنين يعارضون أي انخراط عسكري مباشر في هذه الحرب، مع نسب أعلى في دول جنوب أوروبا، ولا سيما إسبانيا وإيطاليا. وثمّة استطلاعات أخرى تشير كذلك إلى أن غالبية الأوروبيين تنظر إلى هذه الحرب بوصفها "نزاعاً عالي المخاطر وملتبس الأهداف"، وهو ما يعيد إلى الذاكرة تجربة غزو العراق عام 2003، التي ما تزال تلقي بظلالها على المزاج السياسي الأوروبي. وعليه، لم يعد الانقسام الأوروبي مجرد اختلاف بين سياسات حكومية، بل غدا انعكاسا لتفاعل معقد بين مواقف الحكومات واتجاهات الرأي العام، وهو تفاعل يضع قيودا واضحة على قدرة العواصم الأوروبية على الذهاب نحو مواقف أشد حدة.

مفارقة الانخراط: أوروبا كقاعدة خلفية للحرب

رغم هذا الخطاب السياسي الحذر، تكشف الوقائع العملياتية مفارقة أساسية. فأوروبا ليست خارج الحرب، بل تؤدي دور البنية التحتية الحيوية التي تستند إليها. فمن خلال شبكة القواعد العسكرية المنتشرة في ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، تتحول القارة إلى منصة رئيسية لإسقاط القوة الأميركية. وتشهد قواعد مثل رامشتاين في ألمانيا وتيرة غير مسبوقة من الطلعات الجوية، فيما تؤدي القواعد البريطانية، ولا سيما في قبرص وداخل بريطانيا نفسها، دورا محوريا في دعم العمليات الجوية واللوجستية. ولهذا وصف بعض المسؤولين العسكريين أوروبا بأنها "أول حاملة طائرات للولايات المتحدة".
وفي المقابل، اختارت فرنسا مقاربة مختلفة تقوم على "انخراط سيادي". فأعلنت إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول إلى شرق المتوسط ضمن مجموعة قتالية، بهدف حماية المصالح الأوروبية وتأمين الملاحة في ظل التصعيد. بيد أن هذا الانخراط، رغم طابعه العسكري، بقي مضبوطا داخل إطار دفاعي، بما يعكس مسعى فرنسيا يجمع بين إظهار القدرة العسكرية وتجنب الاندماج في العمليات الأميركية. وهنا تظهر المفارقة الأوروبية بوضوح؛ إذ توفر القارة البنية التحتية والقدرات التي تجعل الحرب ممكنة، ثم تحاول في الوقت ذاته رسم حدود سياسية لانخراطها، فتجد نفسها في موقع ملتبس، داخل الحرب وخارجها في آن.

أزمة بنيوية في العلاقة عبر الأطلسي

في العمق، تكشف الحرب على إيران أزمة بنيوية تتجاوز الحدث العسكري نفسه، وتمس طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، قامت هذه العلاقة على معادلة غير متوازنة حيث وفرت واشنطن الحماية، فيما خفضت أوروبا استثمارها في قدراتها الدفاعية. وقد تراجع الإنفاق العسكري الأوروبي من أكثر من 3% من الناتج المحلي في أواخر الثمانينيات إلى نحو 1.4% فقط بحلول عام 2015. وأتاح هذا الترتيب لأوروبا أن تعيد توجيه مواردها نحو أولويات داخلية، لكنه قاد تدريجيا إلى تآكل في القدرات العملياتية، وظهر ذلك بوضوح في أزمات سابقة مثل ليبيا، حين عجزت الدول الأوروبية عن إدارة عمليات مستقلة من دون دعم أميركي مباشر. ومع تصاعد الضغوط الأميركية في السنوات الأخيرة، اتسع النقاش ولم يعد محصورا في مسألة تقاسم الأعباء، بل امتد إلى حدود هذا النموذج نفسه، خصوصا مع تزايد المؤشرات على أن المظلة الأمنية الأميركية لم تعد تدار بالثبات الذي اعتادت عليه أوروبا.
بيد أن هذه التبعية لا تقف عند المجال العسكري، بل تمتد إلى بنية أوسع تشمل الطاقة والنظام المالي وسلاسل التوريد؛ إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي على الواردات لتغطية نحو 57% من احتياجاته الطاقوية، مع فاتورة سنوية تتجاوز 420 مليار يورو، ما يجعله شديد الحساسية لأي اضطراب خارجي، ولا سيما في مناطق حيوية مثل الخليج الذي تمر عبره قرابة 20% من تجارة الطاقة العالمية من خلال مضيق هرمز. وقد انعكست هذه الهشاشة سريعا مع اندلاع الحرب، فارتفعت أسعار الغاز بأكثر من 70% خلال أسابيع، في وقت ما تزال فيه الاقتصادات الأوروبية تعاني من تباطؤ النمو منذ جائحة كوفيد 19. وفي هذا السياق، يكشف الانتقال من الاعتماد على الغاز الروسي إلى مصادر بديلة، خاصة الأميركية والخليجية، عن نمط متكرر من إعادة إنتاج التبعية بدل التحرر منها، رغم محاولات بعض الدول، وفي مقدمتها فرنسا، تعزيز الاعتماد على الطاقة النووية بوصفها خيارا أكثر سيادة. وهكذا لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد صدمة عابرة، بل لحظة كاشفة لحدود النموذج الأوروبي القائم على "الاعتمادية المتعددة والمتبادلة"، في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس واتساع مساحات اللايقين.

خاتمة
في المحصلة، يعكس الموقف الأوروبي من الحرب على إيران حالة توازن دقيق تزداد هشاشته كلما تطور الصراع. فبين انقسام داخلي واضح، وانخراط عملي عبر البنية العسكرية، وضغوط رأي عام يرفض الحرب، وتوتر متصاعد مع الولايات المتحدة، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة يصعب الحفاظ عليها على المدى الطويل. بيد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار موقف من الحرب بحد ذاتها، وإنما في قدرة أوروبا على إعادة تعريف موقعها داخل النظام الدولي، وفي إيجاد صيغة تتيح لها الانتقال من موقع التابع إلى شريك أكثر استقلالاً دون تفكيك تحالفاتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، لا تبدو العودة إلى النموذج السابق ممكنة، كما أن القطيعة الكاملة مع واشنطن تظل خيارا غير واقعي. وما يتشكل تدريجيا هو نمط جديد من العلاقات، أقل استقرارا وأكثر تعقيدا، بحيث تغدو إدارة التوازن، لا حسمه، السمة الأبرز للدور الأوروبي في عالم يتجه نحو مزيد من التوتر والتعددية.
 *باحث في العلاقات الدولية والشؤون الأوروبية

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:14 صباحًا - بتوقيت القدس

لويس بارلاسّينا : البطريرك الذي استبق الأحداث ودافع عن العدل والحق في الأرض المقدسة

نعيشُ في هذه الأيامِ زمنَ الأسبوعِ المقدّس، فيما تتجهُ أنظارُ العالمِ إلى القدس، حيثُ طريقُ الآلام وكنيسةُ القيامة، وحيثُ تُرفَعُ الصلواتُ من أجلِ الطمأنينةِ والعدالةِ والسلام، وقد ذاقتِ الأرضُ المقدسةُ بطشَ جبروتِ هيرودس. وفي هذه الأجواءِ الروحية، نرى من المناسبِ أن نستحضرَ ونُعرّفَ الأجيالَ الجديدةَ ببطريركِ المدينةِ المقدسةِ للاتين، غبطةِ البطريركِ الراحلِ لويس بارلاسّينا، الذي اضطلعَ بدورٍ محوريٍّ على الصعيدينِ الروحيِّ والاجتماعي، وكذلك في المجالينِ الفكريِّ والسياسي، خلال النصفِ الأولِ من القرنِ العشرين.
ففي تلك المرحلة، كانت مشاريعُ الطردِ والإحلالِ في فلسطينَ في أوجِها، وكان من بين الأوائلِ الذين قرعوا أجراسَ الخطر، مُحذِّرًا من تداعياتِ هذه المخططات.
كان لويس بارلاسّينا بطريركًا للاتين في القدس خلال واحدةٍ من أصعبِ فتراتِ تاريخِ الأرضِ المقدسة، منذ انتخابِه عامَ 1920 وحتى وفاتِه عامَ 1947 إثرَ ذبحةٍ صدرية. وتميّزت سنواتُه هذه بالدفاعِ المستمرِّ عن الأرضِ وشعبِها، مع الحرصِ على إبقاءِ الكرسيِّ الرسوليِّ مُطَّلعًا على الأحداثِ والتحدياتِ التي واجهتِ الكنيسةَ والمجتمعَ الفلسطيني، وتوثيقِ كلِّ ما كان يحدثُ بدقةٍ يومية.
وُلِد لويس بارلاسّينا في 30 نيسان 1872 في تورينو بإيطاليا، وفقدَ والده في سنٍّ مبكرة، فقامت والدتُه بتربيتِه في جوٍّ من التقوى والورع، مع اهتمامٍ خاصٍّ بالإكرامِ الكبيرِ للعذراء، وهو التعبّدُ الذي ظلَّ يُميّزه طوال حياتِه. نالَ الرسامةَ الكهنوتيةَ في 22 كانون الأول 1894، وعُيِّن أسقفًا مساعدًا لبطريركِ القدس عامَ 1918، ثم نائبًا بطريركيًّا عامًّا ومدبّرًا رسوليّاً، قبل أن يُنتخب بطريركًا عامَ 1920، ليصبحَ الصوتَ الرئيسيَّ للكنيسةِ اللاتينيةِ في القدس طوالَ 27 عامًا.
عُرِف البطريركُ بشخصيتِه الكريمةِ والمتواضعة، رافضًا الألقابَ الرسميةَ مثل "غبطة" أو "مونسيور"، مفضِّلًا أن يُنادى "أبونا"، لأنّه أراد أن يكون أبًا حقيقيًّا للنفوس. ومنذ بداياتِ خدمتِه، أبدى اهتمامًا بالغًا بالشبابِ والتعليم، مؤسِّسًا مجموعاتٍ ومبادراتٍ تجمعُ بين التعليمِ الدينيِّ والبدني، كما اهتمَّ بالوعظِ وتطويرِ المدارسِ والكنائس، ليتركَ أثرًا واضحًا في المجتمعِ المحلي. وكان هو مَن أسّس أولَ كليةٍ جامعيةٍ كنسيةٍ في القدسِ الغربية، وهي اليوم تُعرَف بكليةِ تراسنطا أو كليةِ الكاردينال فرّاري.
وعلى الصعيدِ الروحي، كان البطريركُ بارلاسّينا مخلصًا لتقليدِ العبادة، فقد أطلق لقبَ "سيدة فلسطين" على العذراء مريم، وأقامَ مزارًا في ديرِ رافات، مُزيَّنًا بتمثالٍ ونقوشِ تحيةِ الملاك بـ280 لغة، لتظلَّ هذه الرموزُ شاهدةً على حبِّه العميقِ للأرضِ المقدسة وشعبِها. كما أعادَ ترميمَ المعهدِ الإكليريكيِّ في بيت جالا بعد تضرُّرِه في الحربِ العالميةِ الأولى، مؤمِّنًا التعليمَ الكاثوليكيَّ للشباب، ومتابعًا شؤونَ الطلاب حتى بعد الانتهاءِ من التجديد، مؤلِّفًا لهم كتبًا كنسيةً وليتورجية، وزائرًا لهم بانتظام.
كما أسهمَ في تعزيزِ الاحتفالاتِ الدينية، ومن أبرزِها إعادةُ تنظيمِ مسيرةِ أحدِ الشعانين عامَ 1933، بعد أن مُنِعَت لأكثرَ من 700 عام، وذلك بمناسبةِ السنةِ المقدسة، حيثُ انطلقَ المصلّون من جبلِ الزيتون حاملين سعفَ النخيل وصولًا إلى ساحةِ كنيسةِ القديسةِ حنّة، في مشهدٍ أكّدَ على مركزيةِ القدسِ الروحيةِ والتاريخية.
وكرّسَ البطريركُ ساعاتٍ طويلةً للكتابةِ والمراسلاتِ بعدةِ لغات، موثِّقًا الأحداثَ السياسيةَ والاجتماعيةَ والاقتصاديةَ والدينية، تاركًا إرثًا ثمينًا يعكسُ حكمتَه وبصيرتَه وولاءَه العميقَ للأرضِ المقدسة وشعبِها.
وفي هذا السياق، وجّهَ عدةَ رسائلَ إلى الرعايا المسيحيين على وجهِ الخصوص، مُحذِّرًا من تفكُّكِ النسيجِ المجتمعي بسببِ ما وصفه بالتراجعِ الأخلاقيِّ المُستحدَث، وما قد يترتبُ عليه من ابتعادٍ عن تقاليدِ المجتمع وثقافتِه.
ومنذ عامِ 1917، مع إعلانِ وعدِ بلفور وبدايةِ الانتدابِ البريطاني، لاحظَ البطريركُ ما كان يُحاكُ في فلسطين، وكانت مواقفُه ثابتةً وواضحةً لا تتزعزع. فقد دافعَ بشجاعةٍ عن الشعبِ الفلسطيني وأرضِه، وهو ما أكسبه عداءً كبيرًا ومحاولاتٍ لإزاحتِه من منصبِه. وهو من دافعَ بشراسةٍ للحفاظِ على الوضعِ القائمِ التاريخي، حيثُ كانت هناك محاولاتٌ جديّةٌ من قبلِ الانتدابِ البريطاني لخرقِ "الستاتوس كو". وهناك عدةُ رسائلَ موجودةٌ في الأرشيفِ التابعِ لوزارةِ الخارجية، كتبها البطريركُ إلى الرئاسة، يُنبّه فيها إلى هذه المحاولات. وقد وثّقت العديدُ من الوثائقِ في أرشيفِ أمانةِ سرِّ الكرسيِّ الرسولي هذه الحقائق، منها رسالةٌ غيرُ موقّعةٍ تتناولُ مسألةَ إبعادِ البطريركِ عن القدس، وهو ما كانت تسعى إليه عواصمُ ومجموعاتٌ متنفّذة.
ورغم كلِّ هذه الحملات، لم يتوقفِ البطريركُ عن أداءِ مهمّتِه، فكان يكتبُ يوميًّا للكرسيِّ الرسولي، مُطْلِعًا إيّاهم على الأحداثِ في فلسطين، محذِّرًا من الأخطارِ التي تهدّدُ الأرضَ المقدسةَ والمصالحَ الكنسية، ومطالبًا بالتدخلِ الفعّالِ لمنعِ تدهورِ الأوضاع وحمايةِ الأرضِ المقدسة من محاولاتِ سلبِها من سكانِها الأصليين، ومُعبِّرًا عن قلقِه الكبيرِ على الوجودِ المسيحيِّ في فلسطين التاريخية. كما كان يراقبُ الدعمَ المتزايدَ للوكالةِ اليهودية، ويشيرُ إلى أنّه يتمُّ على حسابِ سكانِ الأرضِ المقدسة، وفي الوقتِ نفسه كان يتصدّى بحزمٍ لأيِّ محاولاتٍ لزرعِ الفتنةِ أو الصراعِ بين المسلمين والمسيحيين. وفي إحدى رسائلِه للكاردينال بييترو غاسباري، أمينِ سرِّ دولةِ الفاتيكان، وفقًا للبروتوكول رقم 158/22 المذكور أعلاه، أكّدَ على أهميةِ التدخلِ العاجلِ لحمايةِ حقوقِ السكان والحفاظِ على وحدةِ المجتمعاتِ الدينيةِ في فلسطين.
وفي موقفٍ مشرّفٍ يشهدُ له التاريخ، أقدمَ البطريركُ بارلاسّينا، في اللحظاتِ الأخيرة، على شراءِ أراضي منطقتَي تياسير وطوباس، بناءً على طلبِ الحاج أمين الحسيني آنذاك، وذلك لمنعِ تسريبِ أراضي المنطقة.
أحبَّ البطريركُ بارلاسّينا الأرضَ المقدسةَ وشعبَها بصدق، ودافعَ عن الكنيسةِ وشرفِها بشجاعة، محقِّقًا توازنًا نادرًا بين التواضعِ الشخصيِّ والحزمِ في المواقف، ليظلَّ اسمُه محفورًا في التاريخِ رمزًا للوفاءِ والعدلِ والدفاعِ عن الحقِّ والمظلوم. ومن يُراجع أرشيفَ البطريركيةِ اللاتينيةِ في القدس أو الأرشيفَ التاريخيَّ لأمانةِ الدولةِ في الفاتيكان –قسمَ العلاقاتِ مع الدول والمنظماتِ الدولية– يكتشفُ المواقفَ المشرّفةَ للبطريرك، ويُدركُ تمامًا مركزيةَ البطريركيةِ اللاتينيةِ المقدسية ودورَها المحوريَّ في الأرضِ المقدسة، وهو الدورُ الذي ما زالت البطريركيةُ تتبنّاه حتى يومِنا هذا.
* سفير فلسطين لدى حاضرة الفاتيكان


أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة.. بين غياب المساءلة وتآكل الحماية الدولية

رام الله- "القدس" دوت كوم- وصال أبو عليا- في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الضفة الغربية، لم يعد بالإمكان تفسير ما يجري باعتباره سلسلة من الأحداث المتفرقة أو ردود أفعال فردية، بل بات واضحاً أنّ هناك نمطاً ممنهجاً من اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين يتشكل ضمن بيئة سياسية وقانونية حاضنة له.
وبينما تكشف الشهادات الإعلامية الأخيرة، بما في ذلك حادثة الاعتداء على طاقم شبكة CNN واعترافات عدد من جنود الاحتلال وتبريرهم أنّ هذا الاعتداء تم بدوافع انتقامية، عن ملامح خطاب وسلوك ميداني يتسم بالنزعة الانتقامية، تؤكد المعطيات الميدانية الرسمية تصاعداً خطيراً في وتيرة الانتهاكات.
وفي هذا السياق، يقدّم مدير عام دائرة التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود، قراءة تفسيرية لهذا المشهد، يربط فيها بين تصاعد هذه الاعتداءات وغياب المساءلة، وهو ما يشكل أساس هذا التقرير الذي يدمج أيضاً أحدث بيانات الهيئة لرسم صورة أكثر شمولاً، مع تقديم قراءة تحليلية للإجابة عن أسئلة تتعلق بالحماية والحلول والدور الدولي.

تحولات نوعية في بنية الاعتداءات
يرى أمير داوود أنّ ما يجري في الضفة الغربية يعكس تحولات عميقة في طبيعة الاعتداءات، مشيراً إلى أنّ "ثقافة الانتقام والحلول الفردية بدأت تتغلغل بشكل كبير داخل جيش الاحتلال"، وهو ما انعكس، بحسب قوله، على سلوك الجنود في الميدان.
ويوضح داوود أنّ العلاقة بين الجيش والمستوطنين لم تعد علاقة منفصلة، بل باتت قائمة على "تبادل وظيفي" في تنفيذ السياسات، حيث يعمل الطرفان ضمن سياق واحد يخدم الأجندات الكبرى. هذا التداخل، كما يصفه، يجعل من الصعب النظر إلى اعتداءات المستوطنين بمعزل عن دور المؤسسة العسكرية، وهو ما يعزز، في قراءتي، من فهم ما يجري كمنظومة متكاملة لا كحوادث فردية.

تصاعد الأرقام ودلالاتها الميدانية
تعكس البيانات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجم التصعيد بشكل واضح، حيث أعلنت الهيئة أنّ المستوطنين نفذوا 443 اعتداء خلال شهر واحد فقط وهو شهر آذار الماضي، ما أسفر عن استشهاد 9 فلسطينيين وتهجير 6 تجمعات بدوية.
وتوضح الهيئة أنّ موجة هذه الاعتداءات أدت إلى تهجير قسري طال 58 عائلة تضم 256 فرداً، بينهم 79 امرأة و166 طفلاً، في مؤشر خطير على استهداف البنية المجتمعية الفلسطينية.
كما تشير المعطيات إلى محاولات إقامة 14 بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب تنفيذ 123 عملية تخريب، و18 اعتداء تسببت في إشعال حرائق في ممتلكات المواطنين، فضلاً عن 3 اعتداءات طالت أماكن دينية.
ولا يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ تذكر الهيئة أنّ سلطات الاحتلال أصدرت خلال الفترة ذاتها 12 أمراً عسكرياً لوضع اليد على نحو 225 دونماً من أراضي المواطنين، لأغراض عسكرية، إلى جانب 27 أمراً لإزالة الأشجار عن مساحة 1391 دونماً في عدة محافظات.
وفي هذا الإطار، يؤكد داوود أنّ هذا التصعيد لا يتوقف عند حدود الأرقام، بل يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة هذه الاعتداءات، حيث أصبحت أكثر تنظيماً وخطورة، وهو ما يشير، في تقديري، إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض.

غياب الحماية: من يحمي أبناء شعبنا؟
يؤكد داوود أنّ شعبنا "لا يتعرض لهجوم من مستوطنين أفراد ومعزولين، بل من منظومة جُنّدت لها كافة الإمكانيات"، في إشارة إلى الدعم المؤسسي الذي تقف خلفه هذه الممارسات.
وفي ظل هذا الواقع، يشير إلى أنّ المؤسسات الرسمية الفلسطينية تعمل على تعزيز لجان الحماية المحلية، رغم محدودية إمكانياتها، إلى جانب تطوير آليات الإنذار المبكر لرصد تحركات المستوطنين ومحاولة إفشال مخططاتهم.
ويعتبر داوود أنّ هذه الأدوات، رغم أهميتها، تبقى غير كافية أمام حجم التحدي، وهو ما يعزز الانطباع بأنّ الفلسطيني يواجه منظومة اعتداءات متكاملة بأدوات حماية محدودة، في ظل غياب تدخل فعلي يوفر له الأمان.

تفكيك بيئة الإفلات من العقاب: مدخل الحل
يضع داوود جوهر المشكلة في "البيئة المتحررة من المساءلة والعقاب" التي وفرتها دولة الاحتلال، موضحاً أنّ هذه البيئة تم تكريسها عبر منظومة من القوانين والقرارات التي تمنح غطاءً لمرتكبي الانتهاكات. ويشدد على أنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تفكيك هذه البنية، من خلال التعاون مع المنظمات الدولية المختصة بمساءلة مرتكبي الجرائم، وتعزيز التوثيق القانوني المنهجي لضمان المتابعة القضائية، إضافة إلى تعرية العلاقة بين الجيش والمستوطنين أمام المجتمع الدولي.
ومن خلال هذا الطرح، يتضح أنّ الحل لا يكمن في معالجة الأعراض، بل في استهداف البنية التي تنتج هذه الممارسات وتسمح باستمرارها.

الدور الدولي بين القدرة والغياب
يؤكد داوود أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمتلكان القدرة على إنهاء هذه الظاهرة "إذا قرّرا التدخل بشكل جدي"، إلا أنّه يشير إلى أنّ مواقفهما خلال السنوات الماضية بقيت ضمن حدود التنديد والاستنكار، دون اتخاذ خطوات عملية.
ويصف هذه المواقف بأنّها لم تتجاوز "التمارين الكلامية"، ما ساهم، في نظره، في استمرار الاعتداءات دون رادع.
ومن خلال هذه القراءة، يتضح أنّ غياب الإرادة السياسية الدولية يشكل أحد أبرز أسباب تفاقم الوضع، وهو ما يتقاطع مع انطباعي بأنّ عدم فرض كلفة حقيقية على هذه الانتهاكات ساهم في اتساع نطاقها.

آفاق إنهاء الظاهرة
وفيما يتعلق بإمكانية إنهاء هذه الظاهرة، يشير داوود إلى أنّ جيش الاحتلال "بإمكانه في وقت قصير وقف اعتداءات المستوطنين"، إلا أنّه لا يقوم بذلك؛ بسبب الترابط الوظيفي بين الطرفين، معتبراً أنّ ما ينفذه المستوطنون يأتي ضمن مخططات أوسع.
كما يرى أنّ التصريحات التي تدين هذه الاعتداءات لا تتجاوز كونها "إدانة خطابية لا تحدث أثراً"، وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب والممارسة.
وبناءً على ذلك، فإنّ إنهاء هذه الظاهرة، كما يظهر من المعطيات، يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً، ومحاسبة قانونية فعلية، وتفكيكاً للعلاقة البنيوية التي تربط بين مختلف مكونات هذه المنظومة.
في المحصلة، يقدم هذا التقرير صورة متكاملة لواقع يتسم بتصاعد خطير في اعتداءات المستوطنين، مدعوماً ببيئة قانونية وسياسية تفتقر إلى المساءلة. وبينما تعكس الأرقام حجم المأساة على الأرض، تكشف تصريحات مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود عن البنية العميقة التي تغذي هذه الظاهرة.
وفي ظل محدودية أدوات الحماية المحلية وغياب تدخل دولي فاعل، يبقى الفلسطيني في مواجهة واقع معقد ومفتوح على مزيد من التصعيد. إلا أنّ كسر هذه المعادلة يتطلب تحولاً حقيقياً في آليات التعامل مع هذه القضية، يبدأ بالمحاسبة ولا ينتهي عند توفير حماية فعلية للمدنيين، وإلا فإنّ هذا المسار سيبقى مرشحاً للاستمرار والتفاقم.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 11:04 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد جوي غير مسبوق: خسائر متلاحقة لسلاح الجو الأميركي في المواجهة مع إيران

أعلن مقر خاتم الأنبياء التابع للقوات المسلحة الإيرانية، اليوم الأحد، عن تدمير عدد من طائرات العدو في المنطقة الواقعة جنوب مدينة أصفهان. وأوضحت المصادر أن هذه العملية جاءت رداً مباشراً على محاولات أميركية لإنقاذ طيار سقطت طائرته في وقت سابق، مما يعكس حجم التوتر الميداني المتصاعد في الأجواء الإيرانية.

وفي سياق متصل، أكدت تقارير إعلامية دولية سقوط طائرتين عسكريتين أميركيتين يوم الجمعة الماضي خلال مهام قتالية مرتبطة بالعمليات الجارية ضد أهداف إيرانية. وتعتبر هذه الحوادث أولى الخسائر من هذا النوع التي يسجلها الجيش الأميركي في صراع مسلح منذ ما يزيد عن ثلاثة وعشرين عاماً، مما يضع الترسانة الجوية الأميركية تحت اختبار حقيقي.

وكان الجيش الإيراني قد كشف صباح الجمعة عن إسقاط مقاتلة ثانية، ونشر صوراً توثق حطام الطائرة في موقع السقوط لتأكيد الرواية الميدانية. وعقب ذلك، أشارت مصادر مطلعة إلى أن الطائرة المستهدفة هي من طراز 'إف 15'، حيث تمكن أحد طياريها من النجاة فوراً، بينما استمرت عمليات البحث عن الآخر لفترة قبل العثور عليه.

من جانبه، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسمياً نجاح عمليات الإنقاذ في استعادة الطيار المفقود، منهياً حالة من الغموض حول مصيره. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تحاول فيه واشنطن تقليل الأثر النفسي والسياسي لفقدان طائرات مقاتلة متطورة في مواجهة الدفاعات الجوية الإيرانية.

ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، حيث أفادت مصادر ميدانية بإصابة مقاتلة أميركية أخرى من طراز 'إيه 10' ثندربولت أثناء تحليقها قرب مضيق هرمز الاستراتيجي. واضطر قائد الطائرة المصابة إلى توجيهها نحو الأجواء الكويتية قبل أن يقرر القفز منها بالمظلة، لتتحطم الطائرة التي تعد رمزاً للقوة الجوية في الهجمات الأرضية.

ونقلت وكالات أنباء عن خبراء عسكريين، من بينهم الطيار المتقاعد هيوستن كانتويل أن فقدان طائرة 'إيه 10' يعيد الذاكرة إلى غزو العراق عام 2003 حين فقدت واشنطن آخر طائرة من هذا النوع. ويشير هذا التطور إلى أن الكثافة النيرانية والقدرات الدفاعية في المسرح الإيراني تتجاوز التوقعات الأولية للقيادة المركزية الأميركية.

وبحسب الإحصائيات المتوفرة، فقد ارتفع عدد الطائرات التي خسرتها الولايات المتحدة منذ بدء الهجمات على إيران إلى سبع طائرات متنوعة المهام. وتنوعت أسباب هذه الخسائر بين الاستهداف المباشر، والحوادث التقنية، وحتى النيران الصديقة التي أدت لفقدان طائرات في وقت سابق من الشهر الماضي.

وتعود أولى هذه الخسائر إلى تاريخ الثاني من مارس الماضي، حينما تسببت نيران صديقة في الكويت بسقوط ثلاث مقاتلات من طراز 'إف 15'. ورغم فداحة الخسارة المادية، إلا أن جميع الطيارين الستة الذين كانوا على متن تلك الطائرات نجوا من الحادث الذي وصفته مصادر عسكرية بالخطأ التكتيكي الجسيم.

وفي منتصف شهر مارس، شهدت الساحة العراقية تحطم طائرة تزويد بالوقود من طراز 'كي سي 135'، مما أسفر عن مقتل طاقمها المكون من ستة أفراد بالكامل. ورغم التكهنات حول استهدافها، أصرت الإدارة الأميركية على أن الحادث كان نتيجة خلل فني ولم يكن ناتجاً عن نيران معادية أو صديقة.

كما طال التصعيد القواعد العسكرية في الدول المجاورة، حيث تعرضت طائرة إنذار مبكر من طراز 'أواكس' لأضرار بالغة أثناء تواجدها على مدرج قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية. وجاء ذلك نتيجة هجوم صاروخي إيراني استهدف القاعدة في السابع والعشرين من مارس، مما أدى أيضاً إلى إصابة عشرة جنود أميركيين بجروح متفاوتة.

يُذكر أن هذه المواجهة العسكرية الشاملة بدأت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وخلفت حتى الآن آلاف القتلى والجرحى في الجانب الإيراني. وفي المقابل، تواصل طهران ردودها عبر إطلاق أسراب من المسيرات والصواريخ الباليستية نحو أهداف إسرائيلية ومصالح أميركية في المنطقة، محذرة من استمرار العمليات العدائية ضد أراضيها.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

تكنولوجيا القتل... أين وصلت؟

لا أكتب هذا المقال لإخافة أحد، ولا للانتقاص من التكنولوجيا وأهميتها؛ فالتكنولوجيا كانت وما زالت ركيزة التطور الإنساني، وأداةً مهمة لخدمة البشرية ورفعتها، وتعزيز اقتصاد المعرفة، وتوسيع الآفاق الآدمية وصولاً إلى تحقيق الرخاء البشري الكامل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها من المحاور المهمة. 

لكن نبل الهدف الذي أوجدت من أجله التكنولوجيا في حياتنا لم يكن المسار الوحيد الذي اتخذته البشرية بكل أسف، بل قرر البعض توظيف مخرجات التكنولوجيا وأدواتها للانتقال من البناء إلى الهدم، ومن منصة للإنقاذ إلى معول للدمار، خدمة لمطامع أصحاب النفوذ ومطامحهم المالية.

وبين هذا وذاك، فإن المشكلة لم تكن يومًا في التكنولوجيا، بل في العقل الذي ينقلها من مساحات الخير إلى مربعات الشر بصورة تعززت معها دوائر الدمار مع تطور التكنولوجيات المختلفة، وكأن أرباب الشر يترصدون تنامي القدرات التقنية لتنفيذ مطامحهم الشيطانية. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، وأجيال الاتصالات المتتابعة والهواتف المحمولة وتقنيات الإنترنت والأنظمة الذاتية، والحوسبة المتقدمة، لم تعد الاحتمالات الشيطانية نظرية، بل أصبحت واقعًا تشهد تصاعده البشرية يومًا بعد يوم.

لننظر، إلى الطائرات المسيّرة كمثال، وهي التقنية التي بدأت لأغراض مدنية وإنسانية هدفت لنقل الإنسان إلى أماكن لم يستطع يوماً الوصول إليها لتحقيق التطور التنموي المنشود في قطاعات الزراعة، والإغاثة، وجودة البيئة والظواهر الطبيعية وصناعة السينما وغيرها الكثير -إلا أن الاهداف الآدمية المنشودة ما لبثت أن تحوّلت في بعض السياقات إلى أدوات للقتل عن بُعد ليغيب الجنود التقليديون، ويحل مكانهم مشغّل تقني خلف شاشة محصنة، يمتلك بعض الخبرة التقنية والدراية الكافية لإدارة المشهد الخوارزمي والتحكم بالقرار، دونما أدنى تقدير للبُعد الإنساني. بهكذا نهج يصبح القتل أقرب إلى "قرار فني" متجرد من المشاعر والأحاسيس والقيم. 

ومع هكذا تطور يتصاعد مفهوم "الأسلحة الخوارزمية" عبر الذكاء الاصطناعي والقادرة على تحليل البيانات الضخمة، وتحديد الأهداف، بل والتنبؤ بسلوك الأفراد وارتباطهم الروتيني بالمربعات المستهدفة والوصول النهائي لتحقيق مبتغى مطوري هكذا أسلحة. 

المهم بالنسبة لمشغلي أسلحة الموت أن يتحللوا من أي روادع قانونية، ليتمكنوا من التصرف خارج إطار القانون والأخلاق، والابتعاد عن أدوات المراقبة والقمع، بحيث يتمكنون من تتفيذ أهدافهم بدقة عبر تحقيق التمازج الدقيق بين عوالم الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها، وخلق وتسخير توليفة محوسبة بعيدة كل البعد عن أي سياق إنساني.

ويعزز هكذا نهج ما يشهده الفضاء الرقمي من تطور قاد البشرية نحو تعزيز الهجمات السيبرانية التي تجاوزت حدود الجريمة الرقمية واختراقات المواقع الإلكترونية، فأصبحت قادرة على التحكم بأنظمة مالية وبنوك ومنشآت وبنى تحتية ورادارات ومعدات عسكرية وطبية ومستشفيات وشبكات للكهرباء، وأنظمة مياه وقائمة لم ولن تنتهي من مساحات الاستهداف. 

تخيل، إذاً، القدرة على سرقة الحسابات البنكية و التحكم بمحطات نووية والسيطرة الاعتراضية على الصواريخ  الباليستية. تخيل لو توقفت محطات الكهرباء والمياه والطاقة البديلة، أو حتى دمرت الأنظمة الصحية مع تعرض المشافي لهجمات رقمية، أو أن تُقطع الكهرباء عن دول كاملة، أو حتى تتعطل إشارات المرور وأنظمة التحكم الذاتي بمحطات تكرير المياه وقائمة لا تنتهي من الاحتمالات والأهداف.   

كما لا يمكن اليوم أيضاً وباختصار شديد تجاهل الخشية من سوء التحكم بالأسلحة البيولوجية والجرثومية المدعومة بالتكنولوجيا، عبر توظيف الهندسة الجينية، لتنفيذ مهمات خطيرة قادرة على توسيع الدمار البشري، وتعديل الفيروسات أو البكتيريا وحقنها في البشر بصورة تضاعف حجم التهديد.

كل هذه الأمثلة لا تهدف إلى الإساءة للتكنولوجيا أو زرع الخوف منها، بل إلى طرح سؤال مصيري: هل تطورت أخلاق البشرية بقدر ما تطورت إمكاناتها العلمية؟ وهل من الممكن فرض الأطر القانونية والعدلية الرقابية اللازمة؟ أم ان القوي في هذا العالم هو من يقرر ويتصرف كيفما يشاء؟ وهل تستمر البشرية في الركض وراء الحاجة الملحة للابتكارات دونما أن تعزز مسعاها بمنظومة أخلاقية وقانونية  تهتم بالنتائج وتقود نحو ولادة بيئة تنظيمية واضحة يُضبط إيقاعها من خلال التوقيع على مدونة سلوك دولية تنأى بالتكنولوجيا عن الموت والدمار؟

مسؤوليتنا الآدمية ضخمة وضخمة جداً، تبدأ من العلماء وتتقاطع مع صناع القرار، مرورًا بالمطورين، ووصولًا إلى المواطن المسكين. 

يجب أن لا تسمح البشرية للتكنولوجيا أن تتصرف كأنها كيان مستقل، بل انعكاس واضح للقيم والخيارات المرتبطة بحق البشر في الرخاء، لا في صناعة الموت، بحيث تتجنب أيّ انزلاقات أخلاقية، قد تصعب محاصرتها لاحقًا.  

على البشرية، ختاماً، ان تناضل لتوجيه التكنولوجيا لخدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى منصة ضده! البداية فينا وليس بالآلات. للحديث بقية!


[email protected]

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين في ظل الحرب المفتوحة

ما نشهده اليوم في الضفة الغربية هو امتداد واضح لمنظومة استعمار استيطاني ممنهجة، تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض بما يهدد الوجود الفلسطيني في جوهره. فتصاعد عنف المستوطنين، وهدم المنازل، وتوسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي. أدوات ضمن مشروع متكامل يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، والواقع ان الضفة يجتاحها الاستيطان وغزة حصار وحرمان والقدس عزلة تامة، وكل فلسطيني مستهدف بالإعدام أو الاعتقال أو التجريم أو الحرمان من أبسط الحقوق في ظل تعتيم اعلامي عن الحقائق الديمغرافية والجغرافية التي تقوّض أي إمكانية حقيقية لتقرير المصير الفلسطيني.

نجح ترمب ونتنياهو في حربهما المفتوحة بحرف الانتباه وإعادة ترتيب الأولويات، رد الفعل الدولي على ما تقوم به دولة الاحتلال لا يزال دون مستوى التحدي. فالإدانات السياسية، والعقوبات المحدودة، لم ترتقِ إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة التي يشهدها الميدان. نحن أمام منظومة متكاملة من الخروقات، تشمل مصادرة الأراضي، واعتقال آلاف الفلسطينيين، والانتهاكات الواسعة بحق الأسرى، وهدم المنازل، والحرمان من الحقوق الأساسية، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ويبرز ملف الأسرى كأحد أكثر الجوانب تعبيرًا عن حجم هذه الانتهاكات، في ظل استمرار الاعتقال الإداري دون محاكمة، وتدهور ظروف الاحتجاز، ومنع الزيارات، إلى جانب طرح تشريعات خطيرة مثل قوانين الإعدام. ورغم توثيق هذه الانتهاكات في تقارير حقوقية متعددة، فإنها غالبًا ما تُقابل بردود فعل محدودة، تعكس فجوة واضحة بين النصوص القانونية الدولية وآليات تطبيقها.

في الواقع، لا تكمن المشكلة في غياب الأدوات القانونية أو السياسية، بل في غياب الإرادة لتفعيلها. فالمجتمع الدولي يمتلك وسائل ضغط متعددة، لكنه لم يستخدمها بالشكل الكفيل بإحداث تغيير حقيقي. هذا التراخي يكرّس واقع الإفلات من العقاب، ويمنح هذه السياسات الاستمرارية دون كلفة تُذكر.

ويرتبط هذا المشهد بشكل مباشر بالمناخ السياسي داخل إسرائيل، حيث بات الاستيطان والعنف يحظيان بغطاء سياسي واضح، ضمن خطاب يميني متطرف يزداد حضورًا وتأثيرًا، ما يزيد من احتمال انزلاق الضفة الغربية نحو مزيد من التصعيد. فتراكم العوامل -من عنف المستوطنين، إلى الاقتحامات المتكررة، ومصادرة الأراضي، وتوسع الاستيطان، إلى جانب معاناة الأسرى وغياب الأفق السياسي- يخلق بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال تأثير السياقين الإقليمي والدولي. فمع انشغال العالم بأزمات وحروب أخرى، بما في ذلك التصعيدات الإقليمية، تتراجع درجة التركيز على ما يجري في الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في غزة، حيث تستمر الانتهاكات والمعاناة الإنسانية. هذا التشتت في الانتباه الدولي يخلق مساحة تسمح بتكريس الاستيطان كأمر واقع، ويُضعف فرص المساءلة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأساسي: إلى متى يمكن الاستمرار في إدارة هذا الواقع دون معالجة جذوره؟ فالتجارب السابقة أثبتت أن غياب العدالة لا ينتج استقرارًا، وأن تأجيل الحلول لا يلغي الأزمات، بل يؤجل انفجارها. الحقوق الفلسطينية اليوم ليست على هامش المشهد، بل في صلبه. وما لم تتغير المعادلة القائمة -بإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وتفعيل أدوات المساءلة، ودعم مسار سياسي جاد- فإننا نقترب أكثر من مرحلة يصعب فيها احتواء التداعيات، ليس فقط محليًا، بل إقليميًا ودوليًا.

ما يجري هو امتداد لصراع إقليمي يتجه من حروب الظل إلى مواجهات أكثر خطورة. تحاول إسرائيل توسيع دائرة الصراع للهروب من أزماتها الداخلية، وإعادة ترتيب أولويات المجتمع الدولي بما يبعد الأنظار عن واقع الاحتلال والانتهاكات في غزة والضفة الغربية. وبينما تتعامل القوى الدولية مع التصعيد بمنطق الإدارة لا الحل، تتعمق ازدواجية المعايير ويتكرس واقع الإفلات من العقاب. الخطر الأكبر هو تهميش القضية الفلسطينية، في وقت يُستخدم فيه التصعيد الإقليمي لتكريس الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض. ومع ذلك، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن تحقيق أمن إقليمي دون إنهاء الاحتلال.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

غموض يلف الاختفاء المفاجئ للمنصات الرقمية وأرشيف فتاوى مفتي السعودية

شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية حالة من الجدل الواسع عقب الاختفاء المفاجئ لكافة الحسابات الرسمية المنسوبة لمفتي عام المملكة العربية السعودية، الشيخ صالح الفوزان. وترافق هذا الاختفاء مع تعذر الوصول الكامل إلى موقعه الإلكتروني الرسمي، الذي يضم أرشيفاً ضخماً من الفتاوى والدروس الدينية التي تمتد لعقود.

ورصد متابعون توقفاً تاماً في التحديثات الدورية التي كانت تصدر عن مكتب المفتي، بالإضافة إلى تعطل الروابط المباشرة التي كانت تقود سابقاً إلى فتاوى شرعية مثيرة للجدل أو ذات ثقل فقهي. هذا الغياب الرقمي المفاجئ دفع العديد من المتابعين للتساؤل عما إذا كان الأمر يتعلق بخلل تقني مؤقت أو بقرار متعمد يهدف لإجراء مراجعة شاملة للمحتوى المنشور.

وحتى هذه اللحظة، لم تصدر أي توضيحات رسمية من مكتب الشيخ الفوزان أو من المتحدثين باسم رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء لتفسير أسباب هذا الإغلاق. وفتح هذا الصمت الباب أمام تكهنات متباينة حول طبيعة التوجهات القادمة في إدارة المحتوى الديني الرسمي للمفتي العام، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المؤسسات الدينية.

وكان العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز قد أصدر في العام الماضي أمراً ملكياً بتعيين الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان مفتياً عاماً للمملكة بمرتبة وزير. وجاء هذا التعيين ليشمل رئاسة هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، خلفاً للمفتي الراحل عبد العزيز آل الشيخ الذي وافته المنية العام الماضي.

ويعتبر الشيخ الفوزان، الذي يناهز من العمر 90 عاماً، أحد أبرز الرموز الدينية في المملكة ومن أعمدة المدرسة السلفية التقليدية. وقد تخرج من كلية الشريعة بالرياض عام 1956، وتدرج في المناصب الأكاديمية والدينية حتى أصبح عضواً في هيئة كبار العلماء منذ لحظة تأسيسها في مطلع السبعينيات.

ويعد وصول الفوزان إلى منصب المفتي العام تحولاً لافتاً في المشهد الديني السعودي، حيث جاء تعيينه خلافاً للتوقعات التي كانت ترشح أسماء من أسرة آل الشيخ. وتاريخياً، كانت أسرة آل الشيخ هي المستحوذة على هذا المنصب الرفيع، مما جعل اختيار الفوزان خطوة ذات دلالات إدارية وفقهية هامة في هيكلية المؤسسة الدينية.

وتسود حالة من الترقب في الأوساط الثقافية والدينية لمعرفة مصير الإرث الرقمي للشيخ الفوزان، وما إذا كان سيعاد إطلاقه بحلة جديدة تتوافق مع المعايير الحالية. ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه الخطوة تأتي في إطار تنظيم الفتوى الرقمية وتوحيد منصات النشر التابعة لرئاسة الإفتاء في المملكة.

أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح بين مؤتمرها الثامن وتجربة شبابها: دعوة إلى الإصغاء

عقد المؤتمر الأخير للاتحاد العام لطلبة فلسطين في العراق عام 1990، ومنذ ذلك التاريخ  انقطعت مؤتمرات الاتحاد، وفي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عقدت اللجنة التحضيرية للاتحاد اجتماعها الاول في رام الله، وعبر وسائل الاتصال الإلكتروني مع غزة والشتات، لتعيد الحياة لهذا الإطار الشبابي الذي  شكّل الحاضنة الأولى التي احتضنت بذور الثورة الفلسطينية المعاصرة، فلكل ثورة طليعتها التي أضحت تشكّل هويتها. فكما التصقت الثورة الفرنسية بالبرجوازية، والروسية بطبقة العمال، والصينية بالفلاحين، والفيتنامية بتحالف العمال والمزارعين، والكوبية بالطليعة الثورية، فقد التصقت الهوية الأولى للثورة الفلسطينية بالطلاب، بدءًا من جامعة الملك فؤاد الأول، التي شكّلت بدايات الوعي الوطني لقادة الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتهم الشهداء ياسر عرفات، وصلاح خلف، وكمال عدوان، وسليم الزعنون، مرورًا بالجامعة الأمريكية في بيروت، التي نهل منها جورج حبش فكره القومي عبر جمعية العروة الوثقى، وجامعة الإسكندرية التي درس فيها خليل الوزير. ومن هذه المدرسة التي تفتحت بها براعم الثورة الفلسطينية المعاصرة، انطلقت حركة فتح، التي التصقت منذ بداياتها بالشباب والطلبة، فالسواعد التي قاتلت في الكرامة كانت من الشباب، وتجربة الكتبية الطلابية التي لا تزال ماثلة في مسيرة فتح، كمحطة واعية وناقدة ومقاومة، لا سيما بعد أن ضُمِّخت بدماء أبناء كتيبة الجرمق في معركة قلعة شقيف، ومعارك التصدي للاحتلال في  بيروت عام 1982، التي شارك بها المئات من أبناء وكوادر الاتحاد العام لطلبة فلسطين من مختلف الساحات والدول. كما أن حركة فتح، وبعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت، حينما قررت نقل ثقل المعركة إلى أرض الوطن، أسست شبيبة فتح، وأذرعها الطلابية بالجامعات والكليات والمعاهد والمدارس الثانوية، التي شكّلت طليعة ثورية تقدمية وطنية، وساعدًا مقاتلًا لحركة فتح، بالأرياف والمدن والمخيمات، والتي شاركت في قيادة الانتفاضة الأولى بكل أمانة واقتدار.


شكّلت اتفاقية أوسلو محطة حاسمة في تاريخ الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وساهمت في تراجع دوره كقوة نقابية ووطنية تقود الفعل الشبابي بالوطن والشتات، وذلك أسوة بمختلف القوى الأهلية والمحلية التي تراجعت لصالح طبقة العائدين التي سيطرت على المشهد السياسي الفلسطيني، وعلى القرار الوطني برمته. إذ تحولت قطاعات أساسية بالمجتمع إلى سن في دولاب المشروع الجديد، دون أن يكون لهم دور في صياغة القرار الوطني أو المحلي. ومن تلك القطاعات التي تراجع دورها وتأثيرها “الطلاب”، والشباب، الذين تحولوا بموجب مشروع التسوية إما لجزء من النظام الجديد، عبر تقلد مواقع تنفيذية بعيدة عن صنع القرار، أو قيامهم بحراسة النظام الناشئ عبر استيعابهم في قوى الأمن برتب متدنية أو متوسطة، أو عبر تهميش صوت الطلاب والشباب  بالشتات، وتراجع تأثيرهم  بشكل ملحوظ، أثر انتقال  ساحة القرار للمرة الأولى منذ النكبة من الشتات إلى الوطن، وهو الأمر الذي ساهم في  خسارتنا لأحد مقومات قوتنا، متمثلا بالملايين من أبناء شعبنا  وقواه الحية  بالشتات، من نساء ورجال، وفي مقدمتهم الطاقات الشابة المبدعة وتراجع  دور وتأثير وحضور المؤسسات  الشعبية والأهلية والفكرية  بالشتات لصالح رؤية القيادة القادمة إلى الوطن، فيما ساهم الانقلاب الذي قامت به حركة حماس عام 2007, من خلال القوة المسلحة في قطاع غزة في توجيه ضربة قاتلة لما تبقى من النسيج المجتمعي وهوامش العمل الفلسطيني والشبابي المشترك، إذ كان الشباب وقود الانقلاب وضحاياه، باعتبارهم الحطب الذي استخدمه من قام بالانقلاب لتأجيج نار الانقسام فكانوا أداة الانقسام وضحاياه الاوائل، مما انعكس على واقع الحركة الطلابية بالوطن والشتات. 

بعد عدد من المحاولات التي لم يحالفها الحظ، خلال ما يزيد عن ثلاثة عقود ونصف، بعضها لأسباب موضوعية، وأخرى لا يمكن تبريرها، وبجهود مقدرة لقيادة شبيبة فتح، وفي مقدمتها الأخ حسن فرج، سكرتير شبيبة فتح السابق، وبالتنسيق مع مفوضية  المنظمات الأهلية بالحركة،  وفي منظمة التحرير الفلسطينية، ونتيجة حوار وطني شمل مختلف القوى الشبابية المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، واستمر لما يزيد عن عام بالوطن والشتات، تقرر تشكيل لجنة تحضيرية للاتحاد العام لطلبة فلسطين. عقدت اجتماعها الأول في رام الله بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لتعود الحياة لشرايين هذا الجسم الوطني الشبابي. فالمتابع لمنصات الاتحاد عبر مواقع الإعلام الاجتماعي يلاحظ نشاطًا جديًا لفروع الاتحاد، من الجزائر التي احتضنت الثورة، إلى مصر بوابة التاريخ العربي، ومن لبنان وسوريا والعراق التي شكّلت ساحات النضال الأولى، إلى المغرب وتونس وموريتانيا في عمقها المغاربي، وصولًا إلى تركيا وماليزيا وبنغلاديش وباكستان حيث يتسع الفضاء الداعم لفلسطين، ومن روسيا إلى رومانيا وكوبا حيث يتقاطع النضال الوطني مع الإرث الأممي—في كل هذه الجغرافيا، ليعود صوت الشباب الفلسطيني حاضرًا، منظمًا، ومؤثرًا، يعيد رسم خريطة الحضور الفلسطيني عالميًا، لا كقضية تُروى، بل كقوة فاعلة تُنظّم وتبني وتشتبك سياسيًا ونقابيًا. هذا الحضور الذي تُوِّج مؤخرًا بانتخاب الأخت تسامي رمضان، عضو اللجنة التحضيرية للاتحاد العام لطلبة فلسطين، نائبًا لرئيس الاتحاد العالمي للشباب الاشتراكي - كبرى المنظمات الشبابية العالمية - بعد أن كانت عضوية الاتحاد مهددة بالسقوط، لولا جهود فرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في بريطانيا خلال العقد الماضي.


تشكل تجربة اللجنة التحضيرية للاتحاد العام لطلبة فلسطين، والتي يقودها باقتدار الشاب وسيم الجمل، وزملاؤه من مختلف شبيبة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وحضورهم الشبابي البارز وطنيًا وعربيًا ودوليًا، ونجاحهم بتنظيم مؤتمرات العديد من فروع الاتحاد بمختلف قارات العالم، مؤشرًا على قدرة الشباب الفلسطيني على القيادة والفعل، وعلى قدرته على المشاركة في القرار باقتدار ومهنية وأمانة. فالقيادة الفلسطينية التي تقود شعبنا اليوم، كانت بعمر أعضاء اللجنة التحضيرية حينما كانت تقود شعبنا وتقود نضاله التحرري.

وفي السادس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وبحضور السيد الرئيس محمود عباس، وأركان القيادة الفلسطينية، عقدت حركة الشبيبة الفتحاوية بالأقاليم الشمالية مؤتمرها العام الأول منذ انطلاقها عام 1982، بعد عقد مؤتمراتها في مختلف الأقاليم، وبعد تعثر عقده بشكل موحد بالأقاليم الشمالية والجنوبية بالتزامن، نتيجة حرب الإبادة الجماعية في القطاع. تميز مؤتمر الشبيبة بعدد من القضايا، منها تنظيمه الرفيع لوجستيًا وإداريًا، وتكليف لجنة تحضيرية تكونت من أجيال متعاقبة من كوادر الشبيبة وقياداتها. إلا أن الأهم من كل ذلك هو ما تضمنه من برامج وقرارات وأدبيات رسمت هوية  الشبيبة ومواقفها واستراتيجياتها  حول الأسرى، والإعلام والثقافة، والقضايا الاجتماعية، والرؤية السياسية، والموقف من القضايا والمستجدات السياسية محليًا وعربيًا ودوليًا، وقضايا التدريب وإعداد الكادر والتعبئة الفكرية، وتطوير  لجان الشبيبة الثانوية، و تعزيز الدور الدولي للشبيبة الفتحاوية كذراع شبابي للدبلوماسية العامة الفلسطينية، وتوسيع الحضور العالمي المستند إلى الهوية الوطنية وقيم العدالة والتحرر، وموقف حركة الشبيبة الفتحاوية من القضايا الوطنية، والعلاقات الوطنية، وتجديد الفعل النقابي وتعزيز الدور الوطني في الجامعات الفلسطينية للشبيبة، والمقاومة الشعبية وحشد التضامن الدولي، والمرأة الفتحاوية وعدالة النوع الاجتماعي، كما تم خلال المؤتمر إقرار اللائحة الداخلية للشبيبة الفتحاوية، والتصويت على جميع المقترحات بعد نقاش مستفيض لها خلال المؤتمر. كما أن ما يُسجّل لمؤتمر شبيبة فتح قيام لجنته التحضيرية بتنظيم لقاءات مستفيضة عبر وسائل الاتصال الرقمي، شارك بها الآلاف من أبناء الشبيبة في الأقاليم الشمالية والجنوبية والشتات، وهو الأمر الذي أغنى تلك الأوراق ومقترحات القرارات، قبل أن تُقدّم لأعضاء المؤتمر لنقاشها والتصويت عليها خلال فعاليات المؤتمر.

تقف اليوم حركة فتح على بعد أسابيع معدودة من عقد مؤتمرها العام الثامن، والذي يحظى، كجميع مؤتمراتها، باهتمام حركي ووطني وإقليمي ودولي كبير. فهذا المؤتمر يختلف من حيث التوقيت والظروف والتحديات التي تعصف بالوطن والقضية وحركة فتح، دون استثناء، والذي لا يقل خطورة عن المؤتمر الاول للحركة من حيث المآلات، فيما ينصب اهتمام جل  المؤتمرين ، على عضوية  المؤتمر وأسماء المرشحين، مما يؤشر إلى  أننا أمام تنظيم مؤتمر انتخابي لا برنامجي، وهو الأمر الذي يهدد بالعصف بما تبقى من قدرة الحركة على تصويب أدائها، ولملمة صفوفها، وتبني سياسات جديدة تحافظ على هويتها  كحركة تحرر وطني، مما قد يقود - لا قدر الله - إلى نتائج كارثية على الوطن والحركة. فلا تثريب بقيام الحركة بالاقتداء بتجربة  ذراعها الشبابي في إدارة المؤتمر، وتبني سياسات وطنية تقدمية تقود نحو مسار جديد داخل الحركة والمشروع الوطني برمته، يقوم على الانتصار للمؤسسة، والنظام الداخلي، واحترام إرادة المؤتمرين. ولا بأس لو اطّلع أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر على الأدبيات التي تبناها مؤتمر  شبيبة فتح بمؤتمرها العام قبل أشهر، فجلها يرتقي للاستزادة منه في مؤتمر الحركة.

اسرائيليات

الأحد 05 أبريل 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

باراك يهاجم إدارة الحرب: فشل استراتيجي في إيران ولبنان ونتنياهو يحول إسرائيل إلى 'إسبرطة' جديدة

شن رئيس حكومة الاحتلال ووزير الأمن الأسبق، إيهود باراك، هجوماً لاذعاً على الإدارة الحالية للحرب، مؤكداً أن العمليات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران وحزب الله قد فشلت في تحقيق أهدافها الجوهرية. وأوضح باراك أن هذا الإخفاق يعود بشكل أساسي إلى غياب خطة استراتيجية واضحة والرهان المطلق على القوة العسكرية وحدها دون اعتبار للمعطيات السياسية المعقدة.

وفي تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام عبرية، أشار باراك إلى أن التوقعات بسقوط النظام الإيراني عبر القصف الجوي أو تدمير مشروعه النووي بالكامل هي مجرد 'أمنيات' لا تستند إلى واقع صلب. واعتبر أن محاولة تحريض الشعوب على التمرد من الخارج تؤدي غالباً إلى نتائج عكسية، حيث تمنح تلك الأنظمة شرعية إضافية لمواجهة ما تصفه بالعدوان الخارجي.

وانتقد باراك ما وصفه بـ'الأوهام' التي سادت دوائر صنع القرار، خاصة فيما يتعلق بالتعويل على أطراف داخلية أو أقليات مثل الأكراد لإحداث تغيير في إيران. ورأى أن هذه الحسابات الضيقة حالت دون تحقيق أي اختراق حقيقي، رغم الضربات الموجعة التي وُجهت للنظام الإيراني في الآونة الأخيرة.

وحول الوضع الميداني، أيد باراك تقديرات عسكرية تشير إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تعيشان حالة من المأزق في مواجهة طهران، مؤكداً صمود النظام الإيراني رغم مرور أكثر من شهر على اندلاع المواجهة المباشرة. وأعرب عن شكوكه في وجود خطة قابلة للتنفيذ لانتزاع اليورانيوم المخصب أو تأمين الملاحة في مضيق هرمز بشكل دائم.

وحذر المسؤول الأسبق من مغبة الانجرار وراء تهديدات تدمير البنى التحتية داخل إيران، معتبراً أن مثل هذه الخطوة ستكون لها تداعيات كارثية على المنطقة بأكملها. وأوضح أن المتضرر الأكبر لن يكون إسرائيل فحسب، بل دول الخليج التي ستصبح أهدافاً مباشرة للصواريخ الإيرانية الدقيقة التي تستهدف مرافق المياه والطاقة.

وفيما يخص الجبهة الشمالية، وصف باراك فكرة 'الأحزمة الأمنية' في لبنان وسوريا وغزة بأنها 'هراء' عسكري لا يحقق أمناً مستداماً. وأكد أن الدفاع الأمامي يجب أن يقترن بمسار سياسي، وهو ما يفتقده النهج الحالي الذي يقوده بنيامين نتنياهو، والذي اتهمه بإحباط كافة الفرص المتاحة للحوار الإقليمي.

وشدد باراك على أن تفكيك حزب الله عسكرياً هو هدف غير واقعي ما لم يتم احتلال لبنان بالكامل، وهو أمر لا يبدو متاحاً أو منطقياً في الظروف الحالية. ودعا إلى ضرورة التعامل مع المقترحات الدبلوماسية بجدية بدلاً من تغيير الأهداف العسكرية بشكل أسبوعي دون تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.

واتهم باراك رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو بمحاولة تحويل إسرائيل إلى 'إسبرطة' جديدة تعيش فقط على السيف، محذراً من أن هذا النهج سيؤدي إلى عزلة الدولة وفشلها في إدارة شؤونها الإقليمية. وطالب الإسرائيليين بضرورة العمل على إسقاط النظام الحالي قبل نهاية الحرب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

على المقلب الآخر، برزت أصوات يمينية متطرفة تطالب بتصعيد العمليات العسكرية إلى أقصى حد، حيث أكد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير رفضه لمواقف الجيش الداعية للتهدئة أو الانسحاب. وطالب بن غفير بمواصلة الحرب حتى تحقيق ما وصفه بـ'الانتصار التام' ضد حماس وحزب الله مهما طال أمد الصراع.

واعتبر بن غفير أن الحل الوحيد يكمن في استخدام 'النار الكثيفة' واغتيال القيادات وفرض أحزمة أمنية صارمة، مشيراً إلى أن الشعب الإسرائيلي يمتلك الصبر الكافي لتحقيق هذه الأهداف. كما أبدى معارضته لأي اتفاق لوقف إطلاق النار في الوقت الراهن، سواء في غزة أو على الجبهة الشمالية.

وفي سياق متصل، دعا رؤساء مستوطنات في الشمال إلى تكثيف الضربات ضد البنى التحتية اللبنانية كوسيلة لإخضاع حزب الله وإجباره على التراجع. واعتبر هؤلاء أن أي تراجع في الأهداف العسكرية يمثل 'صفعة' للمستوطنين الذين نزحوا من بيوتهم بسبب القصف المستمر من جنوب لبنان.

وتأتي هذه السجالات في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية في إسرائيل ضد ما يصفه مراقبون بـ'اللغة المتعجرفة' للقيادة السياسية. ويرى محللون أن الوعود بتحقيق انتصارات خاطفة قد تبخرت أمام استمرار الرشقات الصاروخية المكثفة التي تنطلق من لبنان وإيران باتجاه العمق الإسرائيلي.

وتشير تقارير من مصادر مطلعة إلى أن الفجوة تتسع بين المستوى العسكري الذي يدرك حدود القوة، والمستوى السياسي الذي يصر على شعارات 'النصر المطلق'. هذا التباين يضع إسرائيل أمام خيارات صعبة في ظل ضغوط دولية متزايدة للتوصل إلى صيغة تنهي التصعيد الإقليمي.

ختاماً، يبقى المشهد الإسرائيلي منقسماً بين تيار يرى في الدبلوماسية والواقعية العسكرية مخرجاً وحيداً، وتيار آخر يقوده اليمين المتطرف يرى في استمرار الحرب وجوداً ومصيراً. وبين هذا وذاك، تستمر العمليات العسكرية في حصد المزيد من الأرواح وتدمير البنى التحتية دون أفق واضح للحل.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إقليمي واسع: هجمات إيرانية تطال منشآت نفطية وحيوية في دول خليجية

شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً خطيراً صباح اليوم الأحد، حيث تعرضت منشآت حيوية ونفطية في كل من البحرين والإمارات والكويت والسعودية لسلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة المنطلقة من إيران. وأفادت مصادر رسمية بأن هذه الهجمات تسببت في اندلاع حرائق وأضرار مادية جسيمة في عدة مواقع استراتيجية، وسط استنفار دفاعي واسع في عواصم المنطقة.

في المنامة، أعلنت شركة بابكو البحرينية للنفط عن نشوب حريق في أحد خزانات منشآت التخزين التابعة لها إثر استهداف إيراني مباشر. وأكدت الشركة في بيان لها أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق وإخماده دون تسجيل أي إصابات بشرية، مشيرة إلى أن العمل جارٍ حالياً لتقييم حجم الأضرار الفنية والمادية التي لحقت بالمنشأة.

من جانبها، أكدت وزارة الداخلية البحرينية أن أجهزة الدفاع المدني اتخذت إجراءات فورية للسيطرة على الحريق الذي اندلع في المنشأة الحيوية. وتأتي هذه التحركات في إطار خطة الطوارئ للتعامل مع التهديدات الجوية التي طالت البنية التحتية للطاقة في المملكة خلال الساعات الأخيرة.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أعلنت وزارة الدفاع أن منظومات الدفاع الجوي تصدت بنجاح لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة معادية. وأوضحت الوزارة عبر منصاتها الرسمية أن القوات الجوية تعاملت مع أهداف قادمة من جهة إيران، مؤكدة جاهزية القوات المسلحة لحماية الأجواء والسيادة الوطنية من أي اعتداءات.

وأشار مكتب أبوظبي الإعلامي إلى وقوع حرائق محدودة في مصنع بروج للبتروكيماويات نتيجة سقوط حطام الصواريخ والمسيّرات التي جرى اعتراضها في الجو. وأكد المكتب أن الحادث لم يسفر عن وقوع إصابات، وأن الفرق المختصة باشرت عمليات التبريد وتأمين الموقع لضمان سلامة العاملين والمنشآت المحيطة.

وفي المملكة العربية السعودية، أعلنت وزارة الدفاع عن تمكن قواتها من اعتراض وتدمير صاروخ من نوع كروز جرى إطلاقه باتجاه أراضي المملكة خلال الساعات الماضية. ويأتي هذا الاعتراض في سياق التصدي لمحاولات استهداف الأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية التي تكررت في الآونة الأخيرة ضمن موجة التصعيد الإقليمي.

أما في الكويت، فقد نقلت مصادر رسمية عن مؤسسة البترول الكويتية اندلاع حريق في مجمع القطاع النفطي بمنطقة الشويخ. ويضم هذا المجمع الحيوي مقري وزارة النفط والمؤسسة، حيث استهدفته طائرات مسيّرة إيرانية في وقت مبكر من فجر الأحد، مما أدى إلى تصاعد أعمدة الدخان من الموقع.

وأوضحت وزارة المالية الكويتية أن طائرة مسيّرة هاجمت مجمع مكاتب لوزارات حكومية، مما تسبب في وقوع أضرار مادية كبيرة في المباني الإدارية. ورغم شدة الهجوم، أكدت السلطات الكويتية عدم تسجيل أي خسائر في الأرواح، مع استمرار التحقيقات لتحديد حجم التلفيات في الممتلكات العامة.

وعلى صعيد قطاع الطاقة والخدمات، أعلنت وزارة الكهرباء والماء الكويتية عن خروج وحدتين لتوليد الطاقة عن الخدمة بشكل كامل. وجاء هذا التوقف بعد استهداف مسيّرات إيرانية لمحطتين مخصصتين لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، مما ألحق أضراراً إنشائية وتقنية كبيرة بالمعدات الأساسية لتزويد السكان بالخدمات.

في المقابل، نقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن الجيش الإيراني تبنيه لهذه العمليات، مشيراً إلى استهداف ما وصفها بـ 'مصانع ألمنيوم' في الإمارات و'بنى تحتية عسكرية أمريكية' في الكويت. وتأتي هذه التطورات الميدانية مع دخول المواجهة العسكرية بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أسبوعها السادس.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

عملية كوماندوس وحملة تضليل.. واشنطن تعلن إنقاذ طيار أمريكي من قلب الأراضي الإيرانية

أعلنت الإدارة الأمريكية في وقت مبكر من اليوم الأحد، عن نجاح قواتها الخاصة في استعادة طيار كان محاصراً خلف خطوط العدو في العمق الإيراني. وجاءت هذه العملية بعد إسقاط طائرته المقاتلة من طراز 'إف-15' خلال العمليات العسكرية المستمرة التي دخلت أسبوعها السادس، مما ينهي أزمة سياسية وعسكرية كبرى كانت تواجه البيت الأبيض.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة 'تروث سوشال' أن الجيش نفذ واحدة من أجرأ وأخطر عمليات البحث والإنقاذ في التاريخ العسكري للبلاد. وأوضح ترامب أن الضابط، وهو كولونيل يحظى باحترام كبير، أصيب بجروح خلال الحادثة لكنه الآن في حالة مستقرة ويتلقى الرعاية الطبية اللازمة للتعافي الكامل.

من جانبها، نشرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، بياناً رسمياً أكدت فيه أن العملية تمت بنجاح تام خلال الساعات القليلة الماضية. وأشارت المصادر إلى أن الطيار هو العضو الثاني من طاقم الطائرة التي أعلنت طهران إسقاطها يوم الجمعة الماضي، حيث تم إنقاذ زميله الأول في وقت سابق من وقوع الحادث.

وكشفت تقارير إعلامية أن الضابط الناجي، المسؤول عن أنظمة التسليح، هبط بالمظلة في منطقة جبلية وعرة بعيدة عن موقع سقوط الطائرة الأساسي. واستطاع الضابط التواصل مع زميله عبر أجهزة اللاسلكي، مما مكن غرف العمليات الأمريكية من تحديد موقعه بدقة وبدء سباق مع الزمن للوصول إليه قبل القوات الإيرانية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن القوات الخاصة الأمريكية 'الكوماندوس' شنت عملية برية خاطفة تحت غطاء جوي كثيف لتأمين موقع الضابط. وشهدت المنطقة معارك ضارية بين القوات الأمريكية ووحدات إيرانية حاولت الوصول إلى الطيار الأسير، قبل أن تتمكن المروحيات الأمريكية من إجلائه والانسحاب باتجاه قواعد القيادة الوسطى.

وفي تفاصيل استخباراتية مثيرة، ذكرت مصادر أن وكالة المخابرات المركزية (CIA) أدارت حملة تضليل واسعة النطاق بالتزامن مع العملية الميدانية. وهدفت الحملة إلى نشر معلومات مغلوطة داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية توحي بأن الطيار تم العثور عليه بالفعل ويجري نقله عبر الحدود البرية، لتشتيت جهود البحث الإيرانية.

وعلى الرغم من إصابته، تمكن الكولونيل الأمريكي من الاختباء والإفلات من الدوريات الإيرانية في الجبال لأكثر من أربع وعشرين ساعة. ووصف مسؤولون عسكريون قدرته على الصمود والمشي لمسافات رغم جراحه بأنها كانت عاملاً حاسماً في نجاح عملية الوصول إليه قبل وقوعه في الأسر.

في المقابل، أكدت مصادر إيرانية أن الدفاعات الجوية التابعة للحرس الثوري كانت نشطة للغاية خلال ساعات العملية في منطقة أصفهان. وادعت طهران أنها تمكنت من التصدي لمحاولات اختراق جوي واسعة، مستخدمة منظومات دفاعية جديدة دخلت الخدمة مؤخراً لمواجهة الطائرات الأمريكية المتقدمة.

وأعلن مقر 'خاتم الأنبياء' العسكري الإيراني عن حصيلة ثقيلة من الخسائر في صفوف سلاح الجو الأمريكي خلال مواجهات الجمعة والسبت. وزعمت المصادر الإيرانية إسقاط مقاتلة من طراز 'F-35' المتطورة، بالإضافة إلى ثلاث طائرات مسيرة استراتيجية من طرازي 'إم كيو 9' و'هيرميس'.

كما شملت الادعاءات الإيرانية تدمير مروحيتين من طراز 'بلاك هوك' ومقاتلة من طراز 'إيه-10' مخصصة للإسناد القريب، فضلاً عن اعتراض صواريخ كروز مجنحة. وتأتي هذه التصريحات في إطار حرب إعلامية محتدمة ترافق العمليات العسكرية الميدانية بين الطرفين في المنطقة.

وتعد هذه العملية نقطة تحول في مسار المواجهة الحالية، حيث أظهرت قدرة القوات الخاصة الأمريكية على العمل في بيئات معادية ومعقدة. ومع عودة القوات الأمريكية إلى مراكزها، يبقى التوتر في ذروته مع استمرار الغارات الجوية المتبادلة والتهديدات بتوسيع رقعة الصراع.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

عراقجي يحذر: أي تسرب إشعاعي من محطة بوشهر يهدد الحياة في عواصم الخليج

أطلق وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن المخاطر النووية المحدقة بالمنطقة، مؤكداً أن أي تسرب إشعاعي محتمل في محطة بوشهر للطاقة النووية سيمتد أثره القاتل إلى عواصم دول الخليج العربي. وأوضح عراقجي أن الموقع الجغرافي للمحطة يجعل من أي كارثة بيئية تهديداً وجودياً لجيران إيران قبل أن يصل تأثيرها إلى العاصمة طهران، مشدداً على خطورة الاستهدافات العسكرية المتكررة للمنشأة.

وانتقد رئيس الدبلوماسية الإيرانية ما وصفه بـ 'ازدواجية المعايير' لدى المجتمع الدولي وصمته المطبق تجاه الهجمات التي طالت المنشآت النووية والبتروكيميائية الإيرانية. وتساءل عراقجي في تدوينة له عبر منصة 'إكس' عن غياب الغضب الغربي الذي ظهر سابقاً إزاء الاشتباكات قرب محطة زابوريجيا في أوكرانيا، معتبراً أن التغاضي عن قصف بوشهر يمثل ضوءاً أخضر لاستمرار التصعيد.

وكشف الوزير الإيراني أن القوات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت محطة بوشهر أربع مرات منذ اندلاع المواجهات المباشرة في فبراير الماضي، مشيراً إلى أن هذه العمليات تتجاوز الأهداف العسكرية لتطال البنية التحتية الحيوية. وأكد أن استهداف قطاع البتروكيميائيات يظهر بوضوح الرغبة في تدمير المقدرات الاقتصادية والبيئية للبلاد دون اكتراث بالعواقب الإقليمية.

ميدانياً، أفادت مصادر إعلامية بأن الهجوم الأخير الذي وقع يوم السبت أسفر عن مقتل أحد أفراد طاقم الحماية الأمنية في المحطة، وهو ما يرفع منسوب التوتر في الموقع النووي الحساس. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على الأراضي الإيرانية منذ الثامن والعشرين من فبراير، والتي خلفت آلاف الضحايا بين قتيل وجريح.

وعلى صعيد ردود الفعل الدولية، بدأت روسيا عملية إجلاء واسعة النطاق لموظفيها من المحطة، حيث غادر 198 عاملاً من شركة 'روس آتوم' باتجاه الحدود الأرمينية. ووصف أليكسي ليخاتشيف، المدير العام للشركة الروسية، هذه الخطوة بأنها أكبر عملية إجلاء منذ بدء الصراع، في حين وصفت موسكو الهجوم بـ 'العمل الشرير' الذي يتطلب وقفاً فورياً للأعمال العدائية.

من جانبه، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي أن مبنى داخل موقع محطة بوشهر قد تأثر بالفعل بموجات الصدمة والشظايا الناتجة عن القصف الأخير. ورغم تأكيده عدم رصد أي ارتفاع في مستويات الإشعاع حتى هذه اللحظة، إلا أن القلق الدولي يتزايد من إمكانية تضرر المفاعلات في الضربات القادمة مما قد يؤدي إلى كارثة غير مسبوقة.

وتشهد المنطقة حالة من الاستنفار الأمني والسياسي، حيث تواصل طهران ردها عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه أهداف إسرائيلية ومصالح أمريكية في المنطقة. وفي المقابل، تعبر دول عربية عن إدانتها للهجمات التي تطال أعياناً مدنية على أراضيها، وسط مخاوف من تحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة تخرج عن السيطرة وتدمر البيئة الحيوية في حوض الخليج.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي دامٍ في لبنان وغزة: غارات مكثفة على الجنوب وحزب الله يرد بالصواريخ والمسيّرات

كثّف الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته الجوية فجر اليوم الأحد، مستهدفاً بلدة صديقين في قضاء صور جنوبي لبنان، ما أسفر عن ارتقاء ثلاثة شهداء وإصابة آخرين بجروح متفاوتة وفقاً للمعلومات الميدانية الأولية. وتزامنت هذه الهجمات مع توسع رقعة القصف الليلي لتشمل بلدات كفردونين وباتوليه والشهابية وعين بعال وكفرا، بالإضافة إلى وادي الحجير، في حملة تدميرية ممنهجة تستهدف القرى الجنوبية.

وفي قضاء صيدا، تعرضت بلدة كفرحتى لسلسلة عنيفة من الغارات الجوية تجاوزت ست ضربات متتالية، أدت إلى استشهاد مواطن ووقوع عدد من الإصابات، فضلاً عن دمار هائل في الممتلكات والبنية التحتية. كما تعمدت المقاتلات الإسرائيلية خرق جدار الصوت فوق مناطق إقليم الخروب وجزين وصيدا وصولاً إلى العاصمة بيروت، ما أثار حالة من الذعر والهلع في صفوف المدنيين.

ميدانياً، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية النوعية استهدفت تجمعات لجنود الاحتلال الإسرائيلي في مناطق البياضة وعيناتا ومارون الراس. وأوضحت بيانات الحزب أن المقاومين استخدموا القذائف المدفعية والصليات الصاروخية لتحقيق إصابات مباشرة في صفوف القوات المتمركزة قرب المالكية وتلة غدماثا، مؤكدين استمرار التصدي لمحاولات التوغل.

وفي تطور بارز، نفذت المقاومة هجوماً جوياً بسرب من المسيّرات الانقضاضية استهدف ثكنة زرعيت العسكرية، بالتزامن مع إطلاق رشقات صاروخية باتجاه مستوطنة نهاريا الساحلية. وتأتي هذه العمليات في إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على القرى والبلدات اللبنانية، وتأكيداً على جهوزية المقاومة في الميدان لمواجهة أي تصعيد إضافي.

وعلى الصعيد الحدودي، تسود حالة من الترقب عند معبر المصنع الواصل بين لبنان وسوريا، بعد توجيه جيش الاحتلال إنذارات بالإخلاء الفوري للمنطقة تمهيداً لقصفها. وادعت مصادر الاحتلال أن المعبر يُستخدم لأغراض عسكرية ونقل وسائل قتالية، وهو ما نفته السلطات اللبنانية جملة وتفصيلاً، مؤكدة تشديد الإجراءات الأمنية والجمركية في المنطقة.

وفي سياق متصل، أكد وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني متابعة أوضاع الشاحنات العالقة عند المحيث جرى إدخال نحو 200 شاحنة لتخفيف الازدحام المروري والجمركي. وتجري التنسيقات مع الجانب السوري لمعالجة وضع الشاحنات التي لا يرافقها سائقون، وسط إصرار رسمي على استمرار العمل المدني في المعبر رغم التهديدات الإسرائيلية المتكررة.

أما في قطاع غزة، فقد أفادت مصادر طبية باستشهاد ثلاثة من عناصر الأمن الفلسطينيين وإصابة آخرين جراء استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية لحي التفاح شرقي المدينة. ووقع الهجوم قرب ساحة الشوا فجر اليوم الأحد، حيث جرى نقل الضحايا والمصابين إلى مستشفيي المعمداني والشفاء، في ظل استمرار حرب الإبادة التي تستهدف كافة مقومات الحياة والأمن في القطاع.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي الموسع على لبنان منذ مطلع مارس الماضي بلغت 1422 شهيداً وآلاف الجرحى، مع نزوح أكثر من مليون شخص من ديارهم. وفي غزة، تجاوزت أعداد الشهداء منذ أكتوبر 2023 حاجز 72 ألفاً، مع تدمير ما يقارب 90% من البنية التحتية، مما يفاقم الكارثة الإنسانية في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية المتلاحقة في ظل تصعيد إقليمي واسع تشارك فيه قوى دولية، حيث ترتبط الجبهات المشتعلة في لبنان وغزة بمسار المواجهة الشاملة. وتواصل مصادر طبية وميدانية التحذير من تدهور الأوضاع الإنسانية بشكل خطير نتيجة استمرار القصف العشوائي واستهداف الطواقم الأمنية والطبية والمنشآت الحيوية والحدودية.

تحليل

الأحد 05 أبريل 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تعميم نموذج غزة: نحو إعادة تشكيل قواعد الحرب في الشرق الأوسط


واشنطن – سعيد عريقات – 5/4/2026

تحليل إخباري

شهد الشرق الأوسط تحولات عميقة في أنماط الحروب وأساليب إدارتها، حيث تتبلور ملامح عقيدة عسكرية جديدة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، تقوم على نقل نموذج الحرب في غزة إلى ساحات أخرى مثل إيران ولبنان. هذا التحول لا يقتصر على الأدوات العسكرية، بل يمتد إلى إعادة تعريف حدود المقبول أخلاقياً وقانونياً في النزاعات المسلحة، بما يهدد بتقويض منظومة القانون الدولي الإنساني التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية.

لقد مثّلت الحرب على غزة لحظة مفصلية، ليس فقط بسبب حجم الدمار والخسائر البشرية، بل لأنها كشفت عن توجه متعمد لتطبيع أنماط قتال تقوم على الاستهداف واسع النطاق للمناطق المدنية، وتدمير البنى التحتية الحيوية، واستخدام القوة المفرطة دون اعتبار كافٍ لمبدأي التناسب والتمييز. ومع انتقال هذا النموذج إلى إيران ولبنان، يبدو أن ما كان يُنظر إليه سابقاً كاستثناء صادم، بات يُقدَّم بوصفه قاعدة قابلة للتكرار.

في إيران، تشير المعطيات إلى حملة قصف كثيفة وغير مسبوقة، استهدفت أحياء سكنية ومنشآت خدمية، بما في ذلك مرافق صحية وتعليمية وبنى تحتية للطاقة والمياه. هذا النمط يعكس اعتماداً متزايداً على القوة النارية الثقيلة، واستخدام تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، ما يثير تساؤلات جدية حول دقة هذه الضربات وحدود المساءلة. كما أن استهداف منشآت حيوية، بما فيها مرافق نووية، ينطوي على مخاطر كارثية تتجاوز حدود النزاع المباشر.

أما في لبنان، فتتكرر ملامح المشهد ذاته، من خلال عمليات تهجير واسعة النطاق للسكان، وتدمير ممنهج للمنازل والبنية التحتية، إلى جانب استهداف العاملين في القطاع الصحي والإعلامي. هذه الممارسات، التي كانت تُعد انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، باتت تُمارس في سياق خطاب سياسي وعسكري يبررها باعتبارات أمنية، ويستند أحياناً إلى مقارنات تاريخية مثيرة للجدل، مثل قصف المدن خلال الحرب العالمية الثانية.

هذا التحول يعكس، في جوهره، إعادة صياغة لمفهوم الحرب نفسها، حيث يتم تقليص الفجوة بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتوسيع نطاق “الأهداف المشروعة” ليشمل عناصر أساسية في حياة المجتمعات. كما أن الخطاب المصاحب لهذه العمليات يشير إلى تراجع ملحوظ في الالتزام العلني بالقواعد الأخلاقية، واستبداله بلغة أكثر حدّة، تشرعن العنف وتُضفي عليه طابعاً وجودياً.

غير أن أخطر ما في هذا المسار هو تداعياته بعيدة المدى. فإضعاف قواعد القانون الدولي لا ينعكس فقط على ضحايا الحروب الحالية، بل يفتح الباب أمام أطراف أخرى لتبني النهج ذاته، ما يؤدي إلى دوامة من التصعيد المتبادل، حيث تصبح الانتهاكات مبرراً لانتهاكات مضادة. وفي هذا السياق، تبدو الضربات الانتقامية التي تستهدف بنى مدنية مؤشراً على انزلاق متسارع نحو هذا السيناريو.

إن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن تحولات أوسع في النظام الدولي، حيث تتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وتتزايد النزعات الأحادية، ما يضعف آليات الضبط والمساءلة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح خطر “تعميم نموذج غزة” ليس مجرد احتمال، بل مساراً قائماً يعيد تشكيل قواعد الاشتباك في الحروب المعاصرة.

يبرز في هذا السياق تآكل واضح لمفهوم الردع التقليدي، حيث لم تعد القوة العسكرية تُستخدم فقط لاحتواء الخصوم، بل لإعادة تشكيل البيئات السكانية والسياسية عبر التدمير واسع النطاق. هذا التحول يعكس قناعة لدى بعض صناع القرار بأن الحسم السريع يتطلب كلفة بشرية مرتفعة، وهو ما يتعارض مع المبادئ التي سعت البشرية لترسيخها منذ منتصف القرن العشرين. استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تطبيع العنف المفرط كأداة سياسية، بما يهدد الاستقرار الدولي على المدى الطويل.

اللافت أيضاً هو الدور المتنامي للتكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعي، في إدارة العمليات العسكرية. ورغم ما يُروَّج له من دقة وكفاءة، فإن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات قد يساهم في توسيع نطاق الأخطاء، أو تقليل الحساسية تجاه الخسائر البشرية، نتيجة الابتعاد عن التقدير البشري المباشر. هذا يطرح إشكاليات أخلاقية وقانونية معقدة، تتعلق بالمسؤولية والمساءلة، ويستدعي نقاشاً دولياً جاداً حول ضوابط استخدام هذه التقنيات في النزاعات المسلحة.

ولا يهدد تعميم هذا النموذج من الحروب فقط الدول المستهدفة، بل ينعكس على الأمن العالمي ككل، بما في ذلك الدول التي تقوده. إذ أن تقويض القواعد الدولية يخلق بيئة أكثر فوضوية، حيث تصبح جميع الأطراف عرضة لانتهاكات مماثلة. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني، وتعزيز آليات المساءلة، لم تعد مسألة أخلاقية فحسب، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على قدر من الاستقرار في نظام دولي يزداد هشاشة يوماً بعد آخر.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 7:32 صباحًا - بتوقيت القدس

3 شهداء في غارة إسرائيلية استهدفت عناصر أمن شرقي غزة

ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة فجر اليوم الأحد، أسفرت عن ارتقاء ثلاثة شهداء وإصابة عدد من المواطنين بجروح متفاوتة. وأفادت مصادر طبية وميدانية بأن القصف استهدف مجموعة من عناصر الأمن الفلسطينيين أثناء قيامهم بمهامهم شرقي مدينة غزة، حيث جرى نقل الضحايا إلى مستشفيي المعمداني والشفاء لتلقي العلاج والتعامل مع جثامين الشهداء.

وأوضح شهود عيان أن طائرة مسيرة تابعة للاحتلال أطلقت صاروخاً واحداً على الأقل تجاه تجمع للأفراد قرب ساحة الشوا الواقعة في حي التفاح. ويأتي هذا الهجوم في سياق تصعيد مستمر، حيث سبق هذا القصف بساعات قليلة استهداف آخر لطائرة مسيرة طال مركبة مدنية وسط قطاع غزة، مما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة ثلاثة آخرين بجروح خطيرة.

وتشهد مناطق مختلفة من القطاع تحركات عسكرية مكثفة، شملت إطلاق نار من آليات الاحتلال وقصفاً من الزوارق الحربية تجاه السواحل الفلسطينية. وتؤكد التقارير الميدانية أن هذه الاعتداءات تأتي ضمن سلسلة من الخروقات اليومية التي يمارسها جيش الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في العاشر من أكتوبر الماضي، مما يقوض الجهود الرامية للتهدئة.

ووفقاً لبيانات وزارة الصحة، فإن حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ دخول الاتفاق الأخير حيز التنفيذ قد ارتفعت بشكل ملحوظ، حيث سجلت استشهاد 713 فلسطينياً وإصابة نحو 1943 آخرين. وتعكس هذه الأرقام حجم الإصرار الإسرائيلي على مواصلة العمليات العسكرية واستهداف الكوادر الأمنية والمدنية على حد سواء في مختلف محافظات القطاع.

وعلى صعيد الحصيلة الإجمالية لحرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، تشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتقاء أكثر من 72 ألف شهيد وإصابة نحو 172 ألفاً. كما تسببت العمليات العسكرية المدعومة أمريكياً في دمار هائل طال ما يقارب 90% من البنية التحتية والمنشآت الحيوية، مما جعل قطاع غزة منطقة منكوبة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 6:03 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يجدد تهديده لإيران بـ 'الجحيم' مع اقتراب نهاية مهلة الـ 48 ساعة

وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً شديد اللهجة إلى القيادة الإيرانية، مذكراً إياها ببدء العد التنازلي لانتهاء المهلة التي حددها سابقاً لإبرام اتفاق ينهي حالة الصراع المستمرة منذ أكثر من شهر. وأكد ترامب في تدوينة عبر منصته 'تروث سوشال' أن أمام طهران 48 ساعة فقط لتجنب ما وصفه بـ 'الجحيم' الذي سينزل عليها في حال عدم الاستجابة للمطالب الأمريكية.

وتأتي هذه التهديدات في سياق مهلة العشرة أيام التي منحها البيت الأبيض لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية. وكان الإغلاق الذي فرضته طهران منذ اندلاع المواجهات العسكرية قد تسبب في اضطرابات واسعة في الأسواق الدولية، مما دفع واشنطن لاتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه التحركات الإيرانية في الممرات المائية.

وحدد الرئيس الأمريكي موعداً نهائياً ينتهي بحلول الساعة الثامنة من مساء يوم الاثنين المقبل بتوقيت واشنطن، الموافق للسادس من أبريل. وتوعدت الإدارة الأمريكية بأن الرد العسكري سيستهدف بشكل مباشر البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء الإيرانية، في حال استمر إغلاق المضيق أو تعثر الوصول إلى اتفاق سياسي.

وعلى الصعيد الميداني، كشفت مصادر دفاعية رفيعة المستوى في تل أبيب عن وجود تنسيق عالي المستوى مع الجانب الأمريكي بشأن الخطوات العسكرية المقبلة. وأوضحت المصادر أن الجيش الإسرائيلي وضع خططاً عملياتية لاستهداف منشآت الطاقة في العمق الإيراني، بانتظار إشارة البدء الرسمية من واشنطن لتنفيذ هذه الضربات التي وصفت بالوشيكة.

ويرى مراقبون أن التصريحات الإسرائيلية ترتبط بشكل عضوي بالإنذار النهائي الذي أطلقه ترامب، مما يشير إلى احتمالية وجود عملية عسكرية مشتركة أو مدعومة أمريكياً. وتترقب الدوائر السياسية مدى الجدية في تنفيذ هذه التهديدات، خاصة مع اقتراب الساعة الصفر التي حددها الرئيس الأمريكي في تدوينته الأخيرة التي أثارت جدلاً واسعاً.

وفي ظل هذا التصعيد، يعيش الإقليم حالة من الترقب المشوب بالحذر من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة قد تطال تداعياتها كافة دول المنطقة. وتصر واشنطن على أن فتح مضيق هرمز هو شرط غير قابل للتفاوض لضمان استقرار الاقتصاد العالمي ومنع تفاقم أزمة الطاقة التي بدأت تلوح في الأفق منذ إغلاق الممر الملاحي.

من جانبها، لم تصدر طهران رداً رسمياً فورياً على التهديدات الأخيرة، إلا أن تقارير سابقة أشارت إلى تمسكها بمواقفها في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية. وتتجه الأنظار الآن نحو الساعات القليلة القادمة لمعرفة ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في نزع فتيل الأزمة أم أن المنطقة ستشهد جولة جديدة من التصعيد العسكري العنيف.

وتعكس لهجة ترامب الحادة رغبة في حسم الملف الإيراني بسرعة، مستخدماً لغة الوعيد المباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي للضغط على صناع القرار في طهران. ومع بقاء يومين فقط على انتهاء المهلة، تزداد احتمالات وقوع هجمات جوية أو صاروخية تستهدف العصب الاقتصادي لإيران، وهو ما قد يغير موازين القوى في الصراع الدائر حالياً.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 5:19 صباحًا - بتوقيت القدس

قائد الدفاع الجوي الإيراني: نمتلك القدرة على إسقاط مقاتلات الجيل الخامس الأمريكية

أعلن العميد الطيار علي رضا إلهامي، قائد مقر الدفاع الجوي المشترك في إيران أن القوات المسلحة باتت تمتلك التقنيات اللازمة لرصد واستهداف مقاتلات الجيل الخامس والطائرات المسيرة الأكثر تطوراً. وأوضح خلال جولة تفقدية لمواقع عسكرية تابعة للجيش والحرس الثوري أن هذه القدرات تعتمد بشكل كلي على ابتكارات ومعدات حديثة جرى تصنيعها محلياً لمواجهة التهديدات الجوية المعادية.

وكشف القائد العسكري الإيراني عن حصيلة العمليات الدفاعية الأخيرة، مشيراً إلى نجاح قواته في تحطيم ما وصفه بـ 'الهيبة الدعائية' للخصوم عبر تدمير عدد من المقاتلات المتطورة. وأكد إلهامي أن الدفاعات الجوية أسقطت أكثر من 160 طائرة مسيرة من طرازات متقدمة تشمل 'MQ-9' و'Hermes' و'Lucas'، بالإضافة إلى نماذج أخرى تابعة للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.

وشدد إلهامي على أن استهداف مقاتلات من الجيلين الرابع والخامس وإلحاق أضرار جسيمة بها جاء نتيجة تبني تكتيكات ميدانية جديدة كلياً. وأضاف أن هذه العمليات نُفذت بدقة عالية وفي توقيتات استباقية حالت دون تنفيذ أي هجمات معادية، مما يعكس التطور النوعي في أنظمة الرصد والاعتراض لدى الحرس الثوري والجيش الإيراني على حد سواء.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر إعلامية بوقوع خسائر جوية مؤكدة في المنطقة، حيث أقرت الولايات المتحدة رسمياً بسقوط مقاتلة من طراز 'أف-15 إي سترايك إيغل' في مناطق جنوب غرب إيران. وأوضحت التقارير الواردة من واشنطن أن عمليات البحث والإنقاذ نجحت في استعادة أحد أفراد الطاقم، بينما لا يزال الغموض يكتنف مصير الطيار الثاني حتى اللحظة.

تأتي هذه التطورات الميدانية لتسلط الضوء على حجم التوتر العسكري المتصاعد في الإقليم، والسباق التكنولوجي بين منظومات الدفاع الجوي الإيرانية والتقنيات الجوية الأمريكية. وتؤكد التصريحات الإيرانية الأخيرة على استراتيجية الاعتماد على الذات في تطوير الصواريخ الجوالة ومنظومات الاعتراض لمواجهة أي خروقات محتملة للمجال الجوي للبلاد.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 3:20 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة حقل ألغام مفتوح: 20 ألف ذخيرة غير منفجرة تهدد حياة آلاف الأطفال

يحيي العالم في الرابع من أبريل من كل عام اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، بينما يعيش سكان قطاع غزة واقعاً مأساوياً حول مدنهم ومخيماتهم إلى حقول ألغام مفتوحة. لم تعد الأجسام المتفجرة محصورة في مناطق عسكرية، بل باتت تتربص بالأطفال والنازحين بين ركام المنازل وفي الملاعب المهجورة، مخلفةً إصابات جسدية دائمة وندوباً نفسية لا تندمل.

الطفل محمد أبو معلا، البالغ من العمر 15 عاماً، يجسد فصلاً من هذه المعاناة بعدما فقد كفه اليمنى وتعرضت ساقه لتمزق حاد إثر عبثه بجسم غريب وجده قرب منزله في مخيم النصيرات. هذه الحادثة التي وقعت قبل أشهر، حولت حياة الفتى المتفوق دراسياً إلى عزلة تامة، حيث يواجه اليوم آلاماً جسدية مستمرة وحاجة ماسة لعمليات جراحية معقدة لتركيب مفاصل صناعية.

وفي حادثة مشابهة بمدينة دير البلح، أصيب الفتى نور الجيار وأربعة أطفال من أقاربه بجروح متفاوتة إثر انفجار جسم مشبوه بدا كقطعة بلاستيكية. أدت الشظايا إلى بتر أجزاء من أصابع نور وإصابة أشقائه وأقاربه في مناطق متفرقة من أجسادهم، مما استدعى خضوعهم لبرامج دعم نفسي مكثفة لمواجهة الصدمات العنيفة التي تعرضوا لها.

وتشير تقديرات رسمية صادرة عن مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى وجود أكثر من 20 ألف قطعة ذخيرة غير منفجرة منتشرة في أرجاء القطاع. هذا الرقم المرتفع يعكس حجم التهديد في مساحة جغرافية ضيقة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، مما يجعل غزة واحدة من أكثر المناطق تلوثاً بالمتفجرات في العالم قياساً بعدد السكان.

من جانبها، سجلت وزارة الصحة استشهاد سبعة مواطنين، بينهم خمسة أطفال، وإصابة نحو 50 آخرين جراء انفجار مخلفات الحرب خلال الفترة الماضية. وتؤكد مصادر طبية أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير، نظراً لتلقي العديد من المصابين العلاج في مستشفيات ميدانية دون توثيق دقيق لسبب الإصابة المباشر.

أفادت مصادر في جهاز الاستجابة السريعة بأن حجم المخلفات الحربية هائل وخطير، في حين تفتقر الفرق المختصة لأدنى الإمكانيات اللازمة للتعامل معها. وأوضحت المصادر أن الاحتلال استهدف المستودعات والمعدات المخصصة لنقل وتخزين الذخائر، مما أدى لتراجع قدرات الفرق الفنية إلى أقل من 10% مما كانت عليه قبل الحرب.

ويواجه الفنيون المتخصصون في تفكيك المتفجرات مخاطر وجودية، حيث استشهد 17 فنياً من أصل 65 منذ بدء العدوان. تعمل هذه الطواقم حالياً دون معدات حماية كافية أو أجهزة كشف متطورة، مما يجعل كل عملية تدخل لتحييد جسم مشبوه بمثابة مهمة انتحارية محفوفة بالمخاطر الكبيرة.

الدفاع المدني في غزة حذر بدوره من أن القطاع بات يشبه حقل ألغام كبيراً، حيث تنتشر الصواريخ غير المنفجرة والألغام تحت ركام المباني المدمرة. وأكدت مصادر في الدفاع المدني أن الطواقم تضطر للعمل في بيئات غير آمنة أثناء انتشال الضحايا، مما قد يؤدي لانفجارات مفاجئة عند اصطدام الآليات الثقيلة بمخلفات غير مرئية.

الخطر لا يتوقف عند المناطق السكنية، بل يمتد ليشمل الأراضي الزراعية التي يكتشف المزارعون فيها أجساماً متفجرة أثناء حرثها. هذه المخلفات تعيق عودة الحياة الطبيعية وتمنع المزارعين من استغلال أراضيهم خوفاً من انفجارات قد تقع في أي لحظة، مما يضيف عبئاً اقتصادياً جديداً على كاهل السكان المحاصرين.

الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر بسبب فضولهم الطبيعي، حيث تظهر بعض المخلفات الحربية بأشكال مغرية تشبه علب الطعام أو المشروبات الغازية. كما أسقطت طائرات الاستطلاع عبوات صغيرة الحجم عبث بها أطفال ظناً منهم أنها ألعاب، مما أدى إلى وقوع كوارث إنسانية وحالات بتر متعددة للأطراف.

تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتعاون مع الهلال الأحمر الفلسطيني على تنفيذ برامج توعوية مكثفة للحد من هذه الحوادث. تستهدف هذه الحملات مراكز الإيواء وتجمعات النازحين، حيث يتم تعليم الأهالي والأطفال كيفية التعرف على الأجسام المشبوهة وضرورة الابتعاد عنها وإبلاغ الجهات المختصة فوراً.

رغم جهود التوعية، تظل الحاجة ماسة لإدخال معدات متطورة وفرق دولية متخصصة في إزالة الألغام لتطهير المناطق السكنية. إن استمرار وجود هذه الذخائر يعني أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة لسكان غزة، إذ يظل الموت الكامن تحت التراب يهدد كل من يحاول إعادة بناء منزله أو العودة إلى حياته الطبيعية.

تتفاقم معاناة المصابين في ظل انهيار المنظومة الصحية وصعوبة السفر لتلقي العلاج في الخارج أو تركيب أطراف صناعية. الكثير من الأطفال الذين فقدوا أطرافهم يواجهون مستقبلاً مجهولاً في ظل نقص الكراسي المتحركة والمعدات الطبية الخاصة التي تساعدهم على التكيف مع إعاقاتهم الجديدة.

إن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك العاجل للضغط من أجل إدخال المعدات اللازمة لتحييد هذا الخطر الداهم وتوفير الدعم لضحايا الألغام. فبدون عملية تطهير شاملة وواسعة النطاق، ستبقى غزة ساحة لموت مؤجل يحصد أرواح الأبرياء حتى بعد توقف المدافع والطائرات عن القصف.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 3:20 صباحًا - بتوقيت القدس

صدمة لعائلة الشهيد المقدسي وديع عليان: الاحتلال يواريه الثرى في 'مقابر الأرقام' سراً

تعيش عائلة الشهيد المقدسي وديع عليان صدمة قاسية بعد عامين من الانتظار المرير، عقب اكتشافها قيام سلطات الاحتلال بنقل جثمان طفلها من ثلاجات الاحتجاز إلى ما يعرف بـ 'مقابر الأرقام'. وجاء هذا الكشف الصادم عبر رد رسمي من النيابة العامة الإسرائيلية على التماس قدمه المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية 'عدالة'، مما بدد آمال العائلة في تشييع نجلها بما يليق بطفولته المغدورة.

وأظهرت الوثائق القانونية أن عملية الدفن تمت في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، بناءً على قرار اتخذ قبل أسبوع من التنفيذ دون إخطار العائلة أو الفريق القانوني المتابع للقضية. واعتبرت العائلة أن هذا الإجراء يمثل إمعاناً في التنكيل النفسي وحرماناً متعمداً من الحق في الوداع الأخير وإغلاق دائرة الحزن التي بدأت منذ إعدام وديع بدم بارد.

وكان الطفل وديع عليان، البالغ من العمر 14 عاماً، قد استشهد في الخامس من فبراير/شباط 2024 برصاص قوات الاحتلال قرب مدخل بلدة العيزرية شرقي القدس المحتلة. وزعمت سلطات الاحتلال حينها محاولته تنفيذ عملية طعن، وهي الذريعة التي يستخدمها الاحتلال لتبرير عمليات القتل الميداني واحتجاز الجثامين لفترات طويلة.

وعبر شادي عليان، والد الشهيد، عن ذهوله من رد النيابة العامة الذي وصفه بغير المتوقع، خاصة وأن العائلة كانت تعقد آمالاً على الإفراج عن الجثمان ضمن صفقات التبادل الأخيرة. وأكد الوالد أن حرمان الأسرة من دفن طفلها وفق تعاليم الشريعة الإسلامية يمثل انتهاكاً صارخاً لأبسط الحقوق الإنسانية والدينية التي تكفلها القوانين الدولية.

وشدد عليان على أن العائلة لن تتوقف عن المطالبة باسترداد جثمان وديع مهما طال أمد الاحتجاز في مقابر الأرقام، مؤكداً أن الهدف هو تحقيق العدالة بدفنه في مقابر العائلة المعلومة. ووصف حالة الانتظار بأنها أمنية مريرة، حيث بات حلم الأب الفلسطيني هو مجرد استلام جثمان فلذة كبده ليواريه الثرى بكرامة.

وفي حديث لمصادر إعلامية، استذكر الوالد ملامح طفله الذي كان يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً، مشيراً إلى أن وديع كان يتمتع بشخصية قوية وحضور مميز بين زملائه في المدرسة. وأضاف أن ابتسامة وديع العفوية لا تزال تملأ زوايا المنزل، رغم الغياب الثقيل الذي فرضه الاحتلال على العائلة منذ لحظة استشهاده.

من جهتها، أوضحت المحامية سهاد بشارة من مركز 'عدالة' أن رد النيابة أكد دفن الجثمان في مقابر مخصصة للمحتجزين، رغم المراسلات المستمرة التي كانت تطالب بتوضيحات حول مصيره. وأشارت بشارة إلى أن المركز باشر باتخاذ إجراءات قانونية جديدة للمطالبة بتحرير الجثمان من مقابر الأرقام وتعيين جلسة عاجلة أمام المحكمة العليا.

وأكدت بشارة أن ما تعرض له الطفل وديع ليس حالة استثنائية، بل يندرج ضمن سياسة عامة ينتهجها جيش الاحتلال لدفن جثامين الشهداء المحتجزين دون إبلاغ ذويهم. واعتبرت أن هذا السلوك يمثل خرقاً واضحاً للإجراءات المتبعة ولحقوق العائلات في اتخاذ قرارات قانونية قبل تنفيذ أي عملية دفن من طرف واحد.

وفي سياق متصل، اعتبر حسين شجاعية، منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء أن نقل الشهداء من الثلاجات إلى مقابر الأرقام هو أداة ردع وعقوبة جماعية تمارس ضد الفلسطينيين. ووصف هذه السياسة بأنها ممارسة 'سادية' تهدف للتحكم في الإنسان الفلسطيني حتى بعد موته، واستخدام الجثامين كأوراق ضغط في المفاوضات السياسية.

وتشير أحدث بيانات الحملة الوطنية إلى أن عدد الجثامين المحتجزة الموثقة لديها وصل إلى 785 جثماناً، من بينهم 78 طفلاً دون سن الثامنة عشرة. كما تضم القائمة 98 شهيداً من الحركة الأسيرة و10 شهيدات، مما يعكس حجم المأساة التي تعيشها مئات العائلات الفلسطينية المحرومة من دفن أبنائها.

وتبرز مدينة القدس بشكل خاص في هذا الملف، حيث تحتجز سلطات الاحتلال 52 جثماناً لشهداء مقدسيين، أقدمهم الشهيد جاسر شتات المحتجز منذ عام 1968. ويعد الطفلان خالد الزعانين ووديع عليان، وكلاهما في الرابعة عشرة من العمر، أصغر الشهداء المقدسيين الذين ترفض السلطات تسليم جثامينهم لعائلاتهم.

وتخالف هذه الممارسات الإسرائيلية بشكل صريح اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، وتحديداً المادتين المتعلقين باحتجاز الجثامين. حيث تنص المادة 130 على ضرورة دفن المتوفين باحترام وطبقاً لشعائر دينهم، وأن تُصان مقابرهم بطريقة تمكن من الاستدلال عليها دائماً.

كما تلزم القوانين الدولية الدولة الحاجزة بتقديم قوائم تبين مواقع المقابر وتفاصيل هوية المتوفين بمجرد انتهاء الأعمال العدائية أو تحسن الظروف. إلا أن الاحتلال يواصل ضرب هذه الأعراف عرض الحائط عبر استخدام 'مقابر الأرقام' التي تفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية وتخفي هوية الشهداء خلف أرقام معدنية صماء.

وتبقى قصة وديع عليان شاهداً على معاناة مستمرة يعيشها المقدسيون، حيث يلاحقهم الاحتلال في حياتهم ومماتهم، محاولاً طمس هويتهم وكسر إرادتهم عبر احتجاز الجثامين. وتستمر العائلة في معركتها القانونية والإنسانية، مدفوعة بأمل بسيط في أن يجد طفلهم مكاناً هادئاً تحت ثرى مدينته التي أحبها وحلم فيها بمستقبل لم يكتمل.

عربي ودولي

الأحد 05 أبريل 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ضغوط حرب إيران تدفع ترامب لدراسة تعديل وزاري واسع في البيت الأبيض

كشفت مصادر مطلعة من داخل البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس حالياً إجراء تعديل وزاري موسع يشمل حقائب سيادية، وذلك في ظل تزايد الإحباط من التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب المستمرة على إيران. وتأتي هذه التحركات في أعقاب إقالة وزيرة العدل بام بوندي الأسبوع الماضي، مما يعكس رغبة الإدارة في إعادة ضبط مسارها السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر المقبل.

وأفادت مصادر بأن الحرب التي دخلت أسبوعها الخامس أدت إلى قفزة كبيرة في أسعار الوقود وتراجع ملحوظ في شعبية الرئيس ترامب، وهو ما أثار قلقاً عميقاً داخل الحزب الجمهوري. ويرى مراقبون أن أي تعديل محتمل سيكون بمثابة محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وإظهار السيطرة على الأوضاع المتفاقمة جراء الصراع العسكري الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي.

وتشير التقارير إلى أن قائمة المسؤولين المهددين بالإقالة تضم أسماء بارزة، على رأسهم مديرة المخابرات الوطنية تولسي جابارد ووزير التجارة هوارد لوتنيك. وقد أبدى ترامب استياءه من أداء جابارد خلال الأشهر الأخيرة، حيث بدأ بالفعل في استطلاع آراء حلفائه حول البدلاء المحتملين لتولي قيادة أجهزة الاستخبارات الأمريكية في هذه المرحلة الحساسة.

في المقابل، يواجه وزير التجارة هوارد لوتنيك ضغوطاً متزايدة من كبار حلفاء ترامب لإقالته، ليس فقط بسبب سياساته التجارية ولكن لظهور تفاصيل جديدة حول علاقاته السابقة. وقد كشفت وثائق حديثة عن لقاءات جمعت لوتنيك برجل الأعمال الراحل جيفري إبستين في جزيرته الخاصة عام 2012، وهو ما وضعه تحت مجهر التدقيق السياسي مجدداً رغم نفيه لعمق تلك العلاقة.

وعلى الرغم من هذه التسريبات، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، ديفيس إنجل أن الرئيس لا يزال يضع ثقته الكاملة في جابارد ولوتنيك، مشيداً بإنجازاتهما في ملفات دولية وتجارية. واعتبر إنجل أن الإدارة الحالية هي الأكثر موهبة وتأثيراً، مشيراً إلى دور جابارد في ملفات خارجية ودور لوتنيك في إبرام اتفاقات استثمارية كبرى لصالح الشعب الأمريكي.

ومع ذلك، يسود شعور داخل أروقة الإدارة بأن خطاب ترامب الأخير الموجه للأمة لم يحقق الأهداف المرجوة منه في تهدئة المخاوف العامة. فقد وصف مسؤول رفيع الخطاب بأنه كان مخيباً للآمال، حيث فشل في تقديم رؤية واضحة لإنهاء الحرب أو معالجة الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها المواطن الأمريكي بشكل مباشر، خاصة فيما يتعلق بأسعار الطاقة.

وأظهرت أحدث استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في الرضا عن أداء ترامب، حيث بلغت النسبة 36% فقط، وهي الأدنى منذ توليه منصبه في الولاية الحالية. كما كشف الاستطلاع أن 60% من الأمريكيين يعارضون التدخل العسكري المباشر ضد إيران، مما يضع البيت الأبيض في مواجهة مباشرة مع الرأي العام الرافض لاستمرار الصراع المسلح وتكاليفه الباهظة.

وتشير المصادر إلى أن ترامب يشعر بغضب شديد تجاه التغطية الإعلامية التي يصفها بالمنحازة وغير المنصفة فيما يخص مجريات الحرب في الشرق الأوسط. ورغم رغبته في رؤية تقارير إخبارية أكثر إيجابية، إلا أنه لم يظهر حتى الآن أي نية لتغيير استراتيجيته الإعلامية أو العسكرية، مكتفياً بالبحث عن تغييرات في الوجوه السياسية المحيطة به.

ويرى بعض المستشارين أن التردد في إجراء تعديلات وزارية قد يحمل مخاطر سياسية توازي مخاطر التغيير نفسه، خاصة وأن الناخبين يتأثرون بالنتائج الملموسة على الأرض أكثر من الرسائل الأيديولوجية. ويؤكد مسؤولون أن التأثير المباشر لأسعار الوقود على حياة الناس اليومية أصبح المحرك الأساسي للاستياء الشعبي الذي يهدد مستقبل الجمهوريين في الانتخابات القادمة.

وكانت تولسي جابارد قد أثارت حفيظة البيت الأبيض في وقت سابق بانتقادها للتدخلات العسكرية الخارجية، وهو ما خلق فجوة في الثقة بينها وبين الجناح الأكثر تشدداً في الإدارة. ورغم قدرتها على الصمود في منصبها لفترة، إلا أن التسريبات الحالية تشير إلى أن صبرها وصبر الرئيس قد وصلا إلى طريق مسدود في ظل تعقيدات الحرب الحالية.

أما في وزارة التجارة، فإن لوتنيك يواجه انتقادات منذ العام الماضي بسبب فرض رسوم جمركية واسعة أربكت الحلفاء الدوليين وأثارت جدلاً اقتصادياً واسعاً. وتعتبر الأطراف المطالبة برحيله أن الوقت قد حان لضخ دماء جديدة قادرة على التعامل مع التحديات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات والحروب التجارية المرتبطة بالنزاع مع إيران.

ويعتقد مسؤولون رفيعو المستوى أن ترامب يفضل إجراء هذه التغييرات الكبرى الآن بدلاً من الانتظار حتى اقتراب موعد الانتخابات، لتجنب ظهور الإدارة في حالة من الفوضى لاحقاً. ويُنظر إلى إقالة بوندي كبداية لسلسلة من القرارات التي تهدف إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي لمواجهة ما يوصف بأنه أصعب تحدٍ سياسي يواجهه ترامب منذ انتخابه.

وفي ظل غياب خطة واضحة لإنهاء الصراع الذي بدأ في 28 فبراير، يظل الانطباع السائد لدى الجمهور هو أن الحرب قد تطول دون أفق زمني محدد. وقد زاد تصريح الرئيس بأن المعاناة الاقتصادية ستكون قصيرة الأمد من حالة عدم اليقين، خاصة مع إلقاء اللوم بالكامل على طهران دون تقديم حلول عملية لتخفيف الضغوط المعيشية عن الناخبين.

ختاماً، تؤكد المصادر أن بوندي لن تكون الأخيرة في قائمة المغادرين، وأن الأيام القادمة قد تشهد إعلانات رسمية عن تغييرات في مناصب عليا أخرى. ويبقى السؤال المطروح في واشنطن حول ما إذا كانت هذه التعديلات في الأشخاص ستتبعها تغييرات في السياسات، أم أنها مجرد محاولة لتحسين الصورة الذهنية للإدارة أمام تراجع شعبيتها الحاد.

فلسطين

الأحد 05 أبريل 2026 3:18 صباحًا - بتوقيت القدس

احتجاجات في ألمانيا ضد توجه 'فولكسفاغن' لإنتاج معدات عسكرية لصالح إسرائيل

خرج المئات من المحتجين في مدينة أوسنابروك، الواقعة شمال غربي ألمانيا، في مسيرة غاضبة للتعبير عن رفضهم القاطع لتوجهات شركة 'فولكسفاغن' العملاقة نحو التصنيع العسكري. وجاءت هذه التحركات الشعبية عقب تقارير كشفت عن نية الشركة الألمانية تخصيص جزء من خطوط إنتاجها في المدينة لتصنيع معدات حربية مخصصة للجيش الإسرائيلي، مما أثار موجة من الاستياء في الأوساط الحقوقية والعمالية.

نظمت الفعالية 'مبادرة أوسنابروك للسلام' في ساحة المسرح بالمدينة، حيث تجمع المتظاهرون تحت شعار عريض ينادي برفض الحروب وتحقيق السلام العالمي. ورفعت خلال التظاهرة الأعلام الفلسطينية تعبيراً عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار العمليات العسكرية والعدوان الذي تشنه سلطات الاحتلال، وسط هتافات تندد بتحويل الصناعات المدنية الألمانية إلى أداة لتعزيز الترسانة العسكرية الإسرائيلية.

طالب المشاركون في المسيرة بضرورة حماية حقوق العمال وتأمين مستقبلهم الوظيفي في مصنع 'فولكسفاغن' من خلال تعزيز الإنتاج المدني المستدام، بدلاً من اللجوء إلى صفقات السلاح. وشدد المحتجون على أن مدينتهم يجب أن تظل رمزاً للسلام، معبرين عن تخوفهم من أن يؤدي الانخراط في الصناعات الدفاعية إلى ربط اقتصاد المنطقة بالنزاعات المسلحة والحروب الخارجية.

امتدت مطالب المتظاهرين لتشمل السياسات الدفاعية الألمانية بشكل عام، حيث دعوا الحكومة في برلين إلى اتخاذ موقف حازم بمنع استخدام قاعدة 'رامشتاين' الجوية في أي عمليات عسكرية دولية. وتعد هذه القاعدة من أكبر المنشآت التابعة للقوات الجوية الأمريكية في أوروبا، ويرى المحتجون أن استمرار نشاطها العسكري يساهم في تأجيج الصراعات الإقليمية والدولية.

أبدى المتظاهرون معارضتهم الشديدة لخطط توسيع مستودع وقود تابع لحلف شمال الأطلسي 'ناتو' في بلدة برامشه القريبة، معتبرين أن هذه الخطوات تعزز من عسكرة المنطقة. وسار المحتجون في شوارع مركز المدينة لإيصال رسالتهم إلى الرأي العام، مؤكدين أن السعي وراء الربح من خلال تجارة السلاح لا يمكن أن يكون مبرراً أخلاقياً أو اقتصادياً مقبولاً.

تأتي هذه الاحتجاجات على خلفية تصريحات أدلى بها أوليفر بلومه، الرئيس التنفيذي لمجموعة 'فولكسفاغن'، كشف فيها عن إجراء محادثات متقدمة لتحويل مصنع أوسنابروك إلى مركز لإنتاج المكونات الدفاعية. وأشار بلومه إلى أن الشركة تدرس بجدية تصنيع أجزاء حيوية تتعلق بأنظمة الدفاع الجوي، بما في ذلك منظومة 'القبة الحديدية' التي تستخدمها إسرائيل في عملياتها العسكرية.

أفادت تقارير صحفية دولية بأن 'فولكسفاغن' دخلت في مفاوضات مع شركة 'رافائيل' الإسرائيلية للصناعات الدفاعية بهدف بناء شراكة إستراتيجية طويلة الأمد. وتشمل هذه المحادثات إمكانية إنتاج منصات إطلاق الصواريخ ومركبات النقل الخاصة بالمنظومات الدفاعية داخل الأراضي الألمانية، وهو ما تعتبره الشركة وسيلة للحفاظ على نحو 2300 وظيفة مهددة في المصنع.

يواجه هذا المشروع المدعوم من الحكومة الألمانية انتقادات واسعة، كونه يأتي في وقت حساس يشهد تصعيداً عسكرياً كبيراً في الشرق الأوسط. ويرى مراقبون أن انخراط كبرى الشركات الصناعية الألمانية في دعم القدرات العسكرية الإسرائيلية يضع برلين في مواجهة مباشرة مع الالتزامات القانونية والأخلاقية المتعلقة بحقوق الإنسان ومنع تصدير الأسلحة لمناطق النزاع.