عقد المؤتمر الأخير للاتحاد العام لطلبة فلسطين في العراق عام 1990، ومنذ ذلك التاريخ انقطعت مؤتمرات الاتحاد، وفي 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عقدت اللجنة التحضيرية للاتحاد اجتماعها الاول في رام الله، وعبر وسائل الاتصال الإلكتروني مع غزة والشتات، لتعيد الحياة لهذا الإطار الشبابي الذي شكّل الحاضنة الأولى التي احتضنت بذور الثورة الفلسطينية المعاصرة، فلكل ثورة طليعتها التي أضحت تشكّل هويتها. فكما التصقت الثورة الفرنسية بالبرجوازية، والروسية بطبقة العمال، والصينية بالفلاحين، والفيتنامية بتحالف العمال والمزارعين، والكوبية بالطليعة الثورية، فقد التصقت الهوية الأولى للثورة الفلسطينية بالطلاب، بدءًا من جامعة الملك فؤاد الأول، التي شكّلت بدايات الوعي الوطني لقادة الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتهم الشهداء ياسر عرفات، وصلاح خلف، وكمال عدوان، وسليم الزعنون، مرورًا بالجامعة الأمريكية في بيروت، التي نهل منها جورج حبش فكره القومي عبر جمعية العروة الوثقى، وجامعة الإسكندرية التي درس فيها خليل الوزير. ومن هذه المدرسة التي تفتحت بها براعم الثورة الفلسطينية المعاصرة، انطلقت حركة فتح، التي التصقت منذ بداياتها بالشباب والطلبة، فالسواعد التي قاتلت في الكرامة كانت من الشباب، وتجربة الكتبية الطلابية التي لا تزال ماثلة في مسيرة فتح، كمحطة واعية وناقدة ومقاومة، لا سيما بعد أن ضُمِّخت بدماء أبناء كتيبة الجرمق في معركة قلعة شقيف، ومعارك التصدي للاحتلال في بيروت عام 1982، التي شارك بها المئات من أبناء وكوادر الاتحاد العام لطلبة فلسطين من مختلف الساحات والدول. كما أن حركة فتح، وبعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت، حينما قررت نقل ثقل المعركة إلى أرض الوطن، أسست شبيبة فتح، وأذرعها الطلابية بالجامعات والكليات والمعاهد والمدارس الثانوية، التي شكّلت طليعة ثورية تقدمية وطنية، وساعدًا مقاتلًا لحركة فتح، بالأرياف والمدن والمخيمات، والتي شاركت في قيادة الانتفاضة الأولى بكل أمانة واقتدار.
شكّلت اتفاقية أوسلو محطة حاسمة في تاريخ الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وساهمت في تراجع دوره كقوة نقابية ووطنية تقود الفعل الشبابي بالوطن والشتات، وذلك أسوة بمختلف القوى الأهلية والمحلية التي تراجعت لصالح طبقة العائدين التي سيطرت على المشهد السياسي الفلسطيني، وعلى القرار الوطني برمته. إذ تحولت قطاعات أساسية بالمجتمع إلى سن في دولاب المشروع الجديد، دون أن يكون لهم دور في صياغة القرار الوطني أو المحلي. ومن تلك القطاعات التي تراجع دورها وتأثيرها “الطلاب”، والشباب، الذين تحولوا بموجب مشروع التسوية إما لجزء من النظام الجديد، عبر تقلد مواقع تنفيذية بعيدة عن صنع القرار، أو قيامهم بحراسة النظام الناشئ عبر استيعابهم في قوى الأمن برتب متدنية أو متوسطة، أو عبر تهميش صوت الطلاب والشباب بالشتات، وتراجع تأثيرهم بشكل ملحوظ، أثر انتقال ساحة القرار للمرة الأولى منذ النكبة من الشتات إلى الوطن، وهو الأمر الذي ساهم في خسارتنا لأحد مقومات قوتنا، متمثلا بالملايين من أبناء شعبنا وقواه الحية بالشتات، من نساء ورجال، وفي مقدمتهم الطاقات الشابة المبدعة وتراجع دور وتأثير وحضور المؤسسات الشعبية والأهلية والفكرية بالشتات لصالح رؤية القيادة القادمة إلى الوطن، فيما ساهم الانقلاب الذي قامت به حركة حماس عام 2007, من خلال القوة المسلحة في قطاع غزة في توجيه ضربة قاتلة لما تبقى من النسيج المجتمعي وهوامش العمل الفلسطيني والشبابي المشترك، إذ كان الشباب وقود الانقلاب وضحاياه، باعتبارهم الحطب الذي استخدمه من قام بالانقلاب لتأجيج نار الانقسام فكانوا أداة الانقسام وضحاياه الاوائل، مما انعكس على واقع الحركة الطلابية بالوطن والشتات.
بعد عدد من المحاولات التي لم يحالفها الحظ، خلال ما يزيد عن ثلاثة عقود ونصف، بعضها لأسباب موضوعية، وأخرى لا يمكن تبريرها، وبجهود مقدرة لقيادة شبيبة فتح، وفي مقدمتها الأخ حسن فرج، سكرتير شبيبة فتح السابق، وبالتنسيق مع مفوضية المنظمات الأهلية بالحركة، وفي منظمة التحرير الفلسطينية، ونتيجة حوار وطني شمل مختلف القوى الشبابية المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، واستمر لما يزيد عن عام بالوطن والشتات، تقرر تشكيل لجنة تحضيرية للاتحاد العام لطلبة فلسطين. عقدت اجتماعها الأول في رام الله بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لتعود الحياة لشرايين هذا الجسم الوطني الشبابي. فالمتابع لمنصات الاتحاد عبر مواقع الإعلام الاجتماعي يلاحظ نشاطًا جديًا لفروع الاتحاد، من الجزائر التي احتضنت الثورة، إلى مصر بوابة التاريخ العربي، ومن لبنان وسوريا والعراق التي شكّلت ساحات النضال الأولى، إلى المغرب وتونس وموريتانيا في عمقها المغاربي، وصولًا إلى تركيا وماليزيا وبنغلاديش وباكستان حيث يتسع الفضاء الداعم لفلسطين، ومن روسيا إلى رومانيا وكوبا حيث يتقاطع النضال الوطني مع الإرث الأممي—في كل هذه الجغرافيا، ليعود صوت الشباب الفلسطيني حاضرًا، منظمًا، ومؤثرًا، يعيد رسم خريطة الحضور الفلسطيني عالميًا، لا كقضية تُروى، بل كقوة فاعلة تُنظّم وتبني وتشتبك سياسيًا ونقابيًا. هذا الحضور الذي تُوِّج مؤخرًا بانتخاب الأخت تسامي رمضان، عضو اللجنة التحضيرية للاتحاد العام لطلبة فلسطين، نائبًا لرئيس الاتحاد العالمي للشباب الاشتراكي - كبرى المنظمات الشبابية العالمية - بعد أن كانت عضوية الاتحاد مهددة بالسقوط، لولا جهود فرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في بريطانيا خلال العقد الماضي.
تشكل تجربة اللجنة التحضيرية للاتحاد العام لطلبة فلسطين، والتي يقودها باقتدار الشاب وسيم الجمل، وزملاؤه من مختلف شبيبة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وحضورهم الشبابي البارز وطنيًا وعربيًا ودوليًا، ونجاحهم بتنظيم مؤتمرات العديد من فروع الاتحاد بمختلف قارات العالم، مؤشرًا على قدرة الشباب الفلسطيني على القيادة والفعل، وعلى قدرته على المشاركة في القرار باقتدار ومهنية وأمانة. فالقيادة الفلسطينية التي تقود شعبنا اليوم، كانت بعمر أعضاء اللجنة التحضيرية حينما كانت تقود شعبنا وتقود نضاله التحرري.
وفي السادس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وبحضور السيد الرئيس محمود عباس، وأركان القيادة الفلسطينية، عقدت حركة الشبيبة الفتحاوية بالأقاليم الشمالية مؤتمرها العام الأول منذ انطلاقها عام 1982، بعد عقد مؤتمراتها في مختلف الأقاليم، وبعد تعثر عقده بشكل موحد بالأقاليم الشمالية والجنوبية بالتزامن، نتيجة حرب الإبادة الجماعية في القطاع. تميز مؤتمر الشبيبة بعدد من القضايا، منها تنظيمه الرفيع لوجستيًا وإداريًا، وتكليف لجنة تحضيرية تكونت من أجيال متعاقبة من كوادر الشبيبة وقياداتها. إلا أن الأهم من كل ذلك هو ما تضمنه من برامج وقرارات وأدبيات رسمت هوية الشبيبة ومواقفها واستراتيجياتها حول الأسرى، والإعلام والثقافة، والقضايا الاجتماعية، والرؤية السياسية، والموقف من القضايا والمستجدات السياسية محليًا وعربيًا ودوليًا، وقضايا التدريب وإعداد الكادر والتعبئة الفكرية، وتطوير لجان الشبيبة الثانوية، و تعزيز الدور الدولي للشبيبة الفتحاوية كذراع شبابي للدبلوماسية العامة الفلسطينية، وتوسيع الحضور العالمي المستند إلى الهوية الوطنية وقيم العدالة والتحرر، وموقف حركة الشبيبة الفتحاوية من القضايا الوطنية، والعلاقات الوطنية، وتجديد الفعل النقابي وتعزيز الدور الوطني في الجامعات الفلسطينية للشبيبة، والمقاومة الشعبية وحشد التضامن الدولي، والمرأة الفتحاوية وعدالة النوع الاجتماعي، كما تم خلال المؤتمر إقرار اللائحة الداخلية للشبيبة الفتحاوية، والتصويت على جميع المقترحات بعد نقاش مستفيض لها خلال المؤتمر. كما أن ما يُسجّل لمؤتمر شبيبة فتح قيام لجنته التحضيرية بتنظيم لقاءات مستفيضة عبر وسائل الاتصال الرقمي، شارك بها الآلاف من أبناء الشبيبة في الأقاليم الشمالية والجنوبية والشتات، وهو الأمر الذي أغنى تلك الأوراق ومقترحات القرارات، قبل أن تُقدّم لأعضاء المؤتمر لنقاشها والتصويت عليها خلال فعاليات المؤتمر.
تقف اليوم حركة فتح على بعد أسابيع معدودة من عقد مؤتمرها العام الثامن، والذي يحظى، كجميع مؤتمراتها، باهتمام حركي ووطني وإقليمي ودولي كبير. فهذا المؤتمر يختلف من حيث التوقيت والظروف والتحديات التي تعصف بالوطن والقضية وحركة فتح، دون استثناء، والذي لا يقل خطورة عن المؤتمر الاول للحركة من حيث المآلات، فيما ينصب اهتمام جل المؤتمرين ، على عضوية المؤتمر وأسماء المرشحين، مما يؤشر إلى أننا أمام تنظيم مؤتمر انتخابي لا برنامجي، وهو الأمر الذي يهدد بالعصف بما تبقى من قدرة الحركة على تصويب أدائها، ولملمة صفوفها، وتبني سياسات جديدة تحافظ على هويتها كحركة تحرر وطني، مما قد يقود - لا قدر الله - إلى نتائج كارثية على الوطن والحركة. فلا تثريب بقيام الحركة بالاقتداء بتجربة ذراعها الشبابي في إدارة المؤتمر، وتبني سياسات وطنية تقدمية تقود نحو مسار جديد داخل الحركة والمشروع الوطني برمته، يقوم على الانتصار للمؤسسة، والنظام الداخلي، واحترام إرادة المؤتمرين. ولا بأس لو اطّلع أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر على الأدبيات التي تبناها مؤتمر شبيبة فتح بمؤتمرها العام قبل أشهر، فجلها يرتقي للاستزادة منه في مؤتمر الحركة.





شارك برأيك
فتح بين مؤتمرها الثامن وتجربة شبابها: دعوة إلى الإصغاء