أقلام وأراء

الأحد 05 أبريل 2026 11:14 صباحًا - بتوقيت القدس

لويس بارلاسّينا : البطريرك الذي استبق الأحداث ودافع عن العدل والحق في الأرض المقدسة

نعيشُ في هذه الأيامِ زمنَ الأسبوعِ المقدّس، فيما تتجهُ أنظارُ العالمِ إلى القدس، حيثُ طريقُ الآلام وكنيسةُ القيامة، وحيثُ تُرفَعُ الصلواتُ من أجلِ الطمأنينةِ والعدالةِ والسلام، وقد ذاقتِ الأرضُ المقدسةُ بطشَ جبروتِ هيرودس. وفي هذه الأجواءِ الروحية، نرى من المناسبِ أن نستحضرَ ونُعرّفَ الأجيالَ الجديدةَ ببطريركِ المدينةِ المقدسةِ للاتين، غبطةِ البطريركِ الراحلِ لويس بارلاسّينا، الذي اضطلعَ بدورٍ محوريٍّ على الصعيدينِ الروحيِّ والاجتماعي، وكذلك في المجالينِ الفكريِّ والسياسي، خلال النصفِ الأولِ من القرنِ العشرين.
ففي تلك المرحلة، كانت مشاريعُ الطردِ والإحلالِ في فلسطينَ في أوجِها، وكان من بين الأوائلِ الذين قرعوا أجراسَ الخطر، مُحذِّرًا من تداعياتِ هذه المخططات.
كان لويس بارلاسّينا بطريركًا للاتين في القدس خلال واحدةٍ من أصعبِ فتراتِ تاريخِ الأرضِ المقدسة، منذ انتخابِه عامَ 1920 وحتى وفاتِه عامَ 1947 إثرَ ذبحةٍ صدرية. وتميّزت سنواتُه هذه بالدفاعِ المستمرِّ عن الأرضِ وشعبِها، مع الحرصِ على إبقاءِ الكرسيِّ الرسوليِّ مُطَّلعًا على الأحداثِ والتحدياتِ التي واجهتِ الكنيسةَ والمجتمعَ الفلسطيني، وتوثيقِ كلِّ ما كان يحدثُ بدقةٍ يومية.
وُلِد لويس بارلاسّينا في 30 نيسان 1872 في تورينو بإيطاليا، وفقدَ والده في سنٍّ مبكرة، فقامت والدتُه بتربيتِه في جوٍّ من التقوى والورع، مع اهتمامٍ خاصٍّ بالإكرامِ الكبيرِ للعذراء، وهو التعبّدُ الذي ظلَّ يُميّزه طوال حياتِه. نالَ الرسامةَ الكهنوتيةَ في 22 كانون الأول 1894، وعُيِّن أسقفًا مساعدًا لبطريركِ القدس عامَ 1918، ثم نائبًا بطريركيًّا عامًّا ومدبّرًا رسوليّاً، قبل أن يُنتخب بطريركًا عامَ 1920، ليصبحَ الصوتَ الرئيسيَّ للكنيسةِ اللاتينيةِ في القدس طوالَ 27 عامًا.
عُرِف البطريركُ بشخصيتِه الكريمةِ والمتواضعة، رافضًا الألقابَ الرسميةَ مثل "غبطة" أو "مونسيور"، مفضِّلًا أن يُنادى "أبونا"، لأنّه أراد أن يكون أبًا حقيقيًّا للنفوس. ومنذ بداياتِ خدمتِه، أبدى اهتمامًا بالغًا بالشبابِ والتعليم، مؤسِّسًا مجموعاتٍ ومبادراتٍ تجمعُ بين التعليمِ الدينيِّ والبدني، كما اهتمَّ بالوعظِ وتطويرِ المدارسِ والكنائس، ليتركَ أثرًا واضحًا في المجتمعِ المحلي. وكان هو مَن أسّس أولَ كليةٍ جامعيةٍ كنسيةٍ في القدسِ الغربية، وهي اليوم تُعرَف بكليةِ تراسنطا أو كليةِ الكاردينال فرّاري.
وعلى الصعيدِ الروحي، كان البطريركُ بارلاسّينا مخلصًا لتقليدِ العبادة، فقد أطلق لقبَ "سيدة فلسطين" على العذراء مريم، وأقامَ مزارًا في ديرِ رافات، مُزيَّنًا بتمثالٍ ونقوشِ تحيةِ الملاك بـ280 لغة، لتظلَّ هذه الرموزُ شاهدةً على حبِّه العميقِ للأرضِ المقدسة وشعبِها. كما أعادَ ترميمَ المعهدِ الإكليريكيِّ في بيت جالا بعد تضرُّرِه في الحربِ العالميةِ الأولى، مؤمِّنًا التعليمَ الكاثوليكيَّ للشباب، ومتابعًا شؤونَ الطلاب حتى بعد الانتهاءِ من التجديد، مؤلِّفًا لهم كتبًا كنسيةً وليتورجية، وزائرًا لهم بانتظام.
كما أسهمَ في تعزيزِ الاحتفالاتِ الدينية، ومن أبرزِها إعادةُ تنظيمِ مسيرةِ أحدِ الشعانين عامَ 1933، بعد أن مُنِعَت لأكثرَ من 700 عام، وذلك بمناسبةِ السنةِ المقدسة، حيثُ انطلقَ المصلّون من جبلِ الزيتون حاملين سعفَ النخيل وصولًا إلى ساحةِ كنيسةِ القديسةِ حنّة، في مشهدٍ أكّدَ على مركزيةِ القدسِ الروحيةِ والتاريخية.
وكرّسَ البطريركُ ساعاتٍ طويلةً للكتابةِ والمراسلاتِ بعدةِ لغات، موثِّقًا الأحداثَ السياسيةَ والاجتماعيةَ والاقتصاديةَ والدينية، تاركًا إرثًا ثمينًا يعكسُ حكمتَه وبصيرتَه وولاءَه العميقَ للأرضِ المقدسة وشعبِها.
وفي هذا السياق، وجّهَ عدةَ رسائلَ إلى الرعايا المسيحيين على وجهِ الخصوص، مُحذِّرًا من تفكُّكِ النسيجِ المجتمعي بسببِ ما وصفه بالتراجعِ الأخلاقيِّ المُستحدَث، وما قد يترتبُ عليه من ابتعادٍ عن تقاليدِ المجتمع وثقافتِه.
ومنذ عامِ 1917، مع إعلانِ وعدِ بلفور وبدايةِ الانتدابِ البريطاني، لاحظَ البطريركُ ما كان يُحاكُ في فلسطين، وكانت مواقفُه ثابتةً وواضحةً لا تتزعزع. فقد دافعَ بشجاعةٍ عن الشعبِ الفلسطيني وأرضِه، وهو ما أكسبه عداءً كبيرًا ومحاولاتٍ لإزاحتِه من منصبِه. وهو من دافعَ بشراسةٍ للحفاظِ على الوضعِ القائمِ التاريخي، حيثُ كانت هناك محاولاتٌ جديّةٌ من قبلِ الانتدابِ البريطاني لخرقِ "الستاتوس كو". وهناك عدةُ رسائلَ موجودةٌ في الأرشيفِ التابعِ لوزارةِ الخارجية، كتبها البطريركُ إلى الرئاسة، يُنبّه فيها إلى هذه المحاولات. وقد وثّقت العديدُ من الوثائقِ في أرشيفِ أمانةِ سرِّ الكرسيِّ الرسولي هذه الحقائق، منها رسالةٌ غيرُ موقّعةٍ تتناولُ مسألةَ إبعادِ البطريركِ عن القدس، وهو ما كانت تسعى إليه عواصمُ ومجموعاتٌ متنفّذة.
ورغم كلِّ هذه الحملات، لم يتوقفِ البطريركُ عن أداءِ مهمّتِه، فكان يكتبُ يوميًّا للكرسيِّ الرسولي، مُطْلِعًا إيّاهم على الأحداثِ في فلسطين، محذِّرًا من الأخطارِ التي تهدّدُ الأرضَ المقدسةَ والمصالحَ الكنسية، ومطالبًا بالتدخلِ الفعّالِ لمنعِ تدهورِ الأوضاع وحمايةِ الأرضِ المقدسة من محاولاتِ سلبِها من سكانِها الأصليين، ومُعبِّرًا عن قلقِه الكبيرِ على الوجودِ المسيحيِّ في فلسطين التاريخية. كما كان يراقبُ الدعمَ المتزايدَ للوكالةِ اليهودية، ويشيرُ إلى أنّه يتمُّ على حسابِ سكانِ الأرضِ المقدسة، وفي الوقتِ نفسه كان يتصدّى بحزمٍ لأيِّ محاولاتٍ لزرعِ الفتنةِ أو الصراعِ بين المسلمين والمسيحيين. وفي إحدى رسائلِه للكاردينال بييترو غاسباري، أمينِ سرِّ دولةِ الفاتيكان، وفقًا للبروتوكول رقم 158/22 المذكور أعلاه، أكّدَ على أهميةِ التدخلِ العاجلِ لحمايةِ حقوقِ السكان والحفاظِ على وحدةِ المجتمعاتِ الدينيةِ في فلسطين.
وفي موقفٍ مشرّفٍ يشهدُ له التاريخ، أقدمَ البطريركُ بارلاسّينا، في اللحظاتِ الأخيرة، على شراءِ أراضي منطقتَي تياسير وطوباس، بناءً على طلبِ الحاج أمين الحسيني آنذاك، وذلك لمنعِ تسريبِ أراضي المنطقة.
أحبَّ البطريركُ بارلاسّينا الأرضَ المقدسةَ وشعبَها بصدق، ودافعَ عن الكنيسةِ وشرفِها بشجاعة، محقِّقًا توازنًا نادرًا بين التواضعِ الشخصيِّ والحزمِ في المواقف، ليظلَّ اسمُه محفورًا في التاريخِ رمزًا للوفاءِ والعدلِ والدفاعِ عن الحقِّ والمظلوم. ومن يُراجع أرشيفَ البطريركيةِ اللاتينيةِ في القدس أو الأرشيفَ التاريخيَّ لأمانةِ الدولةِ في الفاتيكان –قسمَ العلاقاتِ مع الدول والمنظماتِ الدولية– يكتشفُ المواقفَ المشرّفةَ للبطريرك، ويُدركُ تمامًا مركزيةَ البطريركيةِ اللاتينيةِ المقدسية ودورَها المحوريَّ في الأرضِ المقدسة، وهو الدورُ الذي ما زالت البطريركيةُ تتبنّاه حتى يومِنا هذا.
* سفير فلسطين لدى حاضرة الفاتيكان


دلالات

شارك برأيك

لويس بارلاسّينا : البطريرك الذي استبق الأحداث ودافع عن العدل والحق في الأرض المقدسة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.